المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف همسات نورانية

بنكهة الزيتون في الذكرى الرابعة عشر لرحيل أمي

  بنكهة الزيتون في الذكرى الرابعة عشر لرحيل أمي  ليس صعبًا عليَّ أن أفتتح حديثًا معك يا أمي؛ فأنت في حضورك وفي الغياب تبقى نوافذك مشرعة للحب والكلام، تبقى أذنيك منصتة، حواسك متيقظة، تمرُّين بيد شفافة على الألم فيمحى، تلثمين الدموع قبل أن تسقط أرضًا وتفقد هويتها، تحتضنين كل هذا الأنين دون أن يكون هنالك شبر من جسد، تكونين كل الوطن حتى لو أصبحت حفنة من الرمل. لم أشك يومًا بأن رسائلي إليك تصل؛ فالحبل السري الذي يربطنا لم ينقطع بهذا الرحيل؛ بل بقيَّ نورًا سرمديًا يلف الأماكن والأزمنة إن اشتد الظلام حلكة أو تاهت منها بعض الدروب. لم أوافيك بالأخبار كعادتي القديمة؛ فالأخبار ثقيلة جدًا تكاد لا تحملها الشواهق  والجبال... لكننا راسخون كالقلاع يا أم، صامدون بوجه الريح والأعاصير... لكنها البراكين والزلازل غدرت بكل المواثيق والعهود، تنفجر في حليب الرضع وعكازات الجدود، تندلع نيرانها فتلتهم كل ما في الخيام من جلد ووتد، ومع ذلك فالأرض تحت أقدامنا صلبة ترفض أن تنفلق، والصخر ناشف يتشبث بنا بكلتا يديه ويحتضننا برفق، والسماء تمد إلينا أيادي الرحمة؛ تطبطب على فلذات أكبادنا، تلثم جراحنا، وتعدنا...

طريق جديد في الذكرى الرابعة عشر لرحيل أبي

طريق جديد  في الذكرى الرابعة عشر لرحيل أبي في هذه الذكرى التي لا تغيب عن البال نتذكرك في كل لحظة، وربما أكثر من ذي قبل؛ لكن الكلمات مختنقة في الحلق والقلب وعلى طرفي اللسان. الكلمة ان لم تجد لها صدرًا رحبًا يستقبلها، يحتويها، يطبطب على كتفيها، يلثم جراحها... ستبقى غريبة، وتنزوي في حجرات القلب الداخلية إلى ان تموت. ليس سهلًا عليَّ أن أخبرك أن دائرة الشتات اتسعت وبلعت كل شيء في داخلها، وأن الغربة لم تعد مجرد سور يفصلنا عن الأحبة، بل أصبحت صندوقًا زجاجيًا محكم الإغلاق! ترى من خلاله كل شي، ولكنك لا تستطيع أن تنقل قدميك خارج هذا الصندوق، ولا أن ترفع يدك ملوحًا بأية شارة لمن يتحرك خارج هذا الصندوق ولا يراك! يؤنسني التحدث إليك... حتى لو لم تشاركني هذا الحديث! أتذكر أحاديثك فيما مضى، أتذكرها كلها؛ أجدها تطابق هذا الحال_ حتى لو مرَّ الكثير من الأعوام_ لا تزال تليق بالمقال، الزمان، المكان، الشتات، وأنني لا أزال أهتدي بها وأسترشد فيها؛ فهي منارتي وملاذي داخل جدران هذا الصندوق. نم قرير العين يا أبتي واعذر قلة كلامي؛ فأنا أدركت جيدًا _ولكن متأخرة بعض الوقت_ أنك كنت داخل صندوق مشابه لهذا، ولكن ال...

بعد إذن الغضب في الذكرى الثالة عشر لوفاة أمي

بعد إذن الغضب في الذكرى الثالثة عشر لوفاة امي دع عنك هذا الغضب... إنها السحر في حرفين، نلقي بهما على وجه الآخر فيرتد له لونه وهدوءه ويعود الربيع يزهر في حدائقه وتتفتح على شفتيه ورود الحياة... ثم يبدأ برسم المواعظ، وإلقاء النصائح، كأن شيئًا لم يكن، كأن غضبًا لم ينفجر! بعد إذنك أيها الغضب أنت لم تعد مرآة للبراكين التي تتأجج داخل الروح وتحترق وتُبتلع نيرانها خوفًا من ان يُفتضح سرُّها ويُذاع صيتها بأن غضبها خرج عن السيطرة، رغى وزبد وعربد في الأرجاء ثم انفجر، أنت لم تعد ذلك الغضب المنفجر! كنتَ سيد الموقف بلا منازع، كنتَ تخرج إليهم من ثقوب الأبواب، من الزوايا والهوامش، من النوافذ وفتحات الجدار، كنتَ تنفرد على الأسطح الخشنة، وتنتشر مع ذرات الهواء الخانقة، وتسبح عكس التيار وفي كل الاتجاهات، ترفع ذراعيك لتحتض كل الزوابع ثم تسقط مدويًا بكل أعاصير الغضب. اليوم أصبحت أخرس، لا تنطق مهما اقتربت من شفتيك أشهى الحروف، لا شيء يغريك بالصراخ، لا قوة تنتشلك من سكوتك، لا أمل عندك بثوران الخريف أو بشتاء جارف يسبق الآوان، أو بربيع له لون الجنان، أو بصيف كذلك الذي خلعناه عند عتبات الخيام! وإن اشتعلت فكما تش...

مشوار الصمت ... إلى روح أبي الطاهرة في الذكرى الثالثة عشر للرحيل

  مشوار الصمت إلى روح أبي الطاهرة في ذكرى رحيله الثالثة عشر الآن أدركت معنى الصمت؛ فالكلام هو: لألئ مضيئة ننثرها في طريقنا؛ تنير لنا عتمة الطرقات والقلوب، تثير الدهشة، تفتح الآفاق، تشق عنان السماء، لكن الصمت: رفاهية لا يمتلكها إلا من جادت بها عليه الأقدار، متعة يتمتع بها من سعد حظه فقط، هبة من هبات الله لعباده الفقراء، نعمة من نعمه، لكنها في هذا الوقت الصعب أصبحت شحيحة، نادرة، وقد تكون بلا أي جدوى. عندما تصبح الكلمة عاجزة فالصمت أولى أن يتربع مكانها على عرش الحياة! الصمت أصلًا فن من الفنون النادرة والنفيسة؛ لا يتقنه إلا من استوعبه جيدًا، وتدرب عليه مليًا، ومارسه لأوقات طويلة ومتعددة؛ فالصمت قد يخون كما تخون العبرات، وينزلق كالكلمة الطائشة عن طرفي اللسان... قد لا يكون مسموعًا ومدويًا لكنه اخترق جدار الصمت! أنت يا أبي كنت تصمت كثيرًا، وطويلًا، ونحن كنا نثرثر كثيرًا وطويلًا، لكنك لم تنهرنا في يوم، أو تزجرناعن الثرثرة فهل كانت تروق لك ثرثرتنا؟ هل كنتَ تجدها أملًا منشودًا لك، هل كنتَ تتمنى أن تكون مكاننا؛ فتثرثر مثلنا؟ أم كنت تشفق علينا، وتعرف أنه سيأتي يوم ويطبق الصمت بفكيه على كل حرف ...

في الذكرى الثانية عشر لوفاة أمي

"لا سمح الله" في الذكرى الثانية عشر لوفاة أمي كلما رحل جار أو صديق أو قريب أتذكر الوجع الأكبر يا أمي، يوم رحيلك، كان موجعًا جدًا، وقاسيًا جدًا؛ لذلك، وحتى أستطيع مواصلة هذه الحياة؛ تجاهلته، هربت من هذه الحقيقة المرة، أنكرته كأنه لم يكن، أكملت حياتي على أساس لا بديل له: أنك موجودة هناك،وأنا مسافرة... وسأعود يومًا ما! لكن هذا الوجع لا يخمد، لا يدخل في طي النسيان، بل يعود للظهور مجددًا إلى السطح، وبشكل أكثر شراسة، ينبش معه الحزن، وألم الفقد، والفراغ الذي أحتل كل شيء في حياتنا، بل احتلنا بالكامل. في ذلك اليوم الذي رحلت فيه أنزلت علينا خيمة كبيرة من الصبر، أخذتنا في حضنها، لملمت حزننا والتيه الذي كان يعترينا، أوصدت علينا أبوابها وأحكمت الإغلاق، واستسلمنا للصبر؛ كنا بأمس الحاجة إليه في ذلك الوقت، وبقينا داخل هذه الخيمة والصبر يحوطنا من كل جانب، إلا جانب واحد فقط بقيَّ مفتوحًا للزمن، يتأرجح ويؤرجحنا معه؛ كلما هبت ريح شرسة، كلما أمطرت غضبًا، كلما ضاقت وأطبقت على أنفاسنا، كلما اصطدمنا بجدار جديد، كلما تذكرنا ذلك الوطن وغاب حلم العودة، كلما رحل أحد، نجد أنفسنا أمام الوجع من جديد. تعودت...

في الذكرى الحادية عشر لوفاة أمي

  في الذكرى الحادية عشر لوفاة أمي هل أعتذر يا أم أنني لم أتذكر تاريخ وفاتك... مع أن كلماتي إليك كانت بين يديِّ، أعيد قرائتها وقلبي يرتجف بعد كل هذه السنوات من الرحيل، أنا لم أتذكر يا أم؛ لأنه ببساطة شديدة فكرة الموت والرحيل تلاشت من فكري، حل محلها أنك موجودة معي، صورتك في كل مكان: على شاشة الهاتف، الحاسوب، التلفاز، برواز جميل قرب سريري، في حمالة مفاتيحي، في كل مكان تقع عيني عليه، والأكثر من ذلك أن صورتك أصبحت محفورة في دماغي فلا يخيل إليّ أنك لا تسمعينني، لا تشاهدينني، لا تشاركينني كل الأحداث التي تمرُّ بيّ ولا أضطر لإعادتها على مسمعك؛ لأنك معي في كل لحظة من لحظات حياتي... لدرجة أني نسيت أنك رحلت، وتأقلمت مع فكرة وجودك؛ فأهتز من أعماقي حين يذكرني أحد بأنها ذكرى رحيلك! طبعا أنا أعتذر اعتذار مبطن لأنني أدرك تماما أنه لا يوجد أي شيء أكبر من أن يذكرني بهذا الرحيل، ولكني أحاول إقناع نفسي جاهدة حتى أرفع عنها اللوم والعتاب؛ فأنا أشفق عليها من الداومة التي تعيشها، والظروف المبهمة، والضغوطات والتحديات التي لا تنتهي. في رسائلي السابقة إليك كنت أكتب إليك عن كل جديد_ ولو بشكل مختصر _ لكن كل ما...

الذكرى الحادية عشر لوفاة أبي

  الذكرى الحادية عشر لوفاة أبي أيام مرت على ذكرى وفاتك الحادية عشر يا أبي... وقد تمر شهور على ذلك أيضًا وأنا لم أتذكر يوم الوفاة... نعم أعترف أنني لم أتذكره؛ ولكن هذا لأنني أصبحت لا أتابع الأيام، ولا أعرف اليوم تحديدًا من بقية الأيام؛ فكل الأيام تشبه بعضها، ليس فيها ما يميزها، ليس فيها ما يذكرني أن هذا اليوم يفرق عن بقية الأيام؛ فتراني أحاول جاهدة وفي كثير من المرات أن أعرف ما هو اليوم بالضبط وأحيانًا لا أفلح! كبرنا؟! نعم كبرنا ومشاغل الحياة، وهمومها، والتفاصيل اليومية المتعبة التي تسحب طاقتنا بأكملها، والأجواء المشحونة بالقلق، والخوف، والتوتر؛ جعلتني لا أكترث لمعرفة ما هو اليوم بالضبط؟ لن أثقل عليك يا أبي كما كنت دائمًا ألقي بكل شيء على كاهلك، ولا أريد أن أبرر لك فأنت تعرف تمامًا أنك بالنسبة لي لم ترحل، لم تغادر فراشك، مسبحتك لا تزال في يدك، والمصحف الشريف على وسادتك، بل اكثر من ذلك يا أبي أنا فعلًا تحتلني ذكريات بعيدة أقضي معها معظم الوقت ولا تفارق خيالي، ذكرياتي وأنا في سن الصبا وسهرات الصيف في ذلك البيت العتيق، البيت الصغير المسكون بكل الحب والدفء؛ فلا تزال رياحه الدافئة تهب عل...
في الذكرى العاشرة لرحيل أمي ليس لدي ما يقال؛ أنا شبه أعيش معكم وبكم وبينكم، نصفي يمشي على الأرض والآخر تحت الأرض... مع أنني، ولأكون صادقة معك لا تمر عليَّ لحظة دون أن تكونوا أنتم معي_ أبي وأمي واخي جواد_ ربما أنتم لستم هنا ولكني أعيش معكم! أينعم أصبح جزءًا مني يظلله السواد والعتمة، ولكني ما زلت على صلة قريبة جدًا معكم وبكم، ربما لا أنتظر منكم جوابًا... وأصلًا أنا كففت عن السؤال، ولكني حين أنظر إليكم تتفتح كل الأسئلة في ذهني ويغيب فقط الجواب! لا أخفيك أنني أصبحت أشعر نحوك بشعور غريب؛ لقد رأيتك آخر مرة حين ظهرت لي بالمنام وأخذت معك جواد! بعدها اعتراني شعور غريب، شعور غير مفهوم، ويحتاج أيضًا لجواب... هل كان المحبب إليك؟ القريب إلى قلبك؟ أتنعمون براحة أكبر من راحتنا نحن الذين اكتوينا بالفقد، ولوعتنا الحسرة، وأصبحنا أجسادًا مسكونة بالعتمة والحزن والقهر؟! أتمنى أن تزوريني في المنام فقط لأجل الاطمئنان، وإطفاء نار الاشتياق، لتطبطبي على كتفي، وتهدئي من روعي؛ فأنا ما زلت تحت تأثير الفقد، وتأثير الدهشة، وأريد منك جوابًا يعبئ كل هذا الفراغ. إلى رحمة الله يا أمي، وأبي، وأخي جواد، وأعاننا الله  ...

حالة سفر... في الذكرى الثامنة لوفاة أمي

حالة سفر في الذكرى الثامنة لوفاة أمي ذكروني: أن اليوم هو ذكرى وفاتك! لا أعلم لماذا أنسى هذا اليوم تحديدًا؟ ربما لأنك لا تغيبين من الذاكرة، أولأن اسمك لا يفارق شفتيِّ، أو ربما لأنك لا تغادرين ساحة الأحلام... أدور معك أو خلفك في حلقات دائمة من السفر. ليس اعتراضًا على الأقدار فأنا دائمًا مستسلمة لمشيئة القدر، وأدرك جيدًا أنك لست هنا، لكن ما في القلب مختلف... حضور كبير لك في الصباح، والمساء، في أحلك الأوقات، وفي لحظات الفرح؛ فأنت لم تغادري إلا على الورق. لا تسألي عن الحال، لا عمن بقي ولا عمن رحل، لا عن الأعاصير التي تلفنا من كل صوب، ولا عن انزواء الغيوم وانكماش المطر، لا عن الخيام التي تصطف على أبواب الوطن، ولا عن السماء التي تبدل لونها من لون عينيك إلى لون الضجر. لم يبقَ شيء على حاله يا أم... وما بقي أيضًا لا يسرُّ أي أحد... في الحلق شوكة كبيرة تسد مجرى النفس، وفي الأفق غيمة كبيرة الويل منها أن أمطرت، وعلى الأرض خطوات مبعثرة، وعلامات استفهام منثورة عند عتبات البيوت، وفي الساحات، وفوق الأرصفة. لا لغة تجمع الأحبة، لا كتف يسند هذه الخطى، لا نظرة ثاقبة للأفق تعيد ترتيب الزواي...

شِباك الدهشة ... في الذكرى الثامنة لوفاة ابي

شِباك الدهشة في الذكرى الثامنة لرحيل أبي أصدقك القول يا أبي بأنني لم أعد أعدُّ السنوات التي مضت على رحيلك؛ فقد أصبحتَ الآن أكثر حضورًا في الزمان والمكان والأثير، وغدوت صمام الآمان الوحيد لبوحي؛ أبوح إليك بكل ما يقلقني دون أن يساورني الشك: بأنه قد يأتي يوم ويصفعني فيه هذا البوح. لا أدري يا أبي إن كان من حق هذا الآخر أن يفعل بنا ما يحلو له بعد أن ابتلعنا ما ألقى به إلينا من طعم... فصدقنا وعوده وعهوده، وآمنا بأنه الملجأ والملاذ الأخير، وظللناه بغيومنا إلى أن أغدقت عليه مطرًا وعلينا يباسًا؟! ولا تسألني عن الحال فالحال بات مفضوحًا للجميع! أهو ضيق أُفقنا الذي كان يغلفنا، ويدثرنا، ويستر عورتنا، أم ضيق أفقه... فما أن ارتطمنا ببعضنا عن غير قصد حتى ثُقِبَ هذا الأفق، وتمزق، وسقطت الفكرة، وبانت العورة، وعَلَت الدهشة؟!  بوحي اليوم وقع في شِباك هذه الدهشة... لا أستطيع أن أنتشله منها، ولا أستطيع أن أُفسر دهشتي إليك؛ أخشى بعدها أن تغيب عنا بلا رجعة، أن تموت موتتك الأخيرة، أن تَدفِن معك كل ما يُذكرك بنا، أن تغادر ساحة الأحلام كي لا تربطك بنا بميعاد جديد. لهذا يا أبي أنا أصبحت أخشى البوح...

من همسات نورانية

ماذا لو أنني في هذا اليوم اليتيم لا أزال أصحو على صوتك العذب الحنون، يوقظني، يتمنى لي نهارًا مشرقًا، يحدثني عن كل الأحبة، ينتزع الضحكة من جوفي المتيبس، يروي حدائق قلبي الذابلة بحديث أسري النغمة... أشتاقه وأفتقده في رحيلك؟

من يد الوطن... إلى أبي في ذكرى رحيله السابعة

من يد الوطن أبي في ذكرى رحيله السابعة توالت السنين على رحيلك يا أبي ... وأنا في مثل هذا اليوم، من كل عام، أتجرع مرارة اليتم من جديد! أتصفح ملامح وجهك في المنام... فأراها جميلة؛ لم أكن أجد الوقت لأتصفحها وأنت حيًا، بينما أنا أتجول على أرصفة الشتات. أحاول أن أقترب أكثر لأسمع بحة صوتك عن قرب ... لكنها تأتي سريعة؛ لا أستطيع أن أضمها إلى قلبي، وأعانقها بشوق وحنين طال عمره لسنوات. أشرب قهوة الصباح وأتذكر فناجين القهوة التي كنت تعدها إلينا حينما كان يشرق الفجر علينا وأنت بيننا... كانت حلوة كثيرًا... لم أكن أدري أنك تمنحنا السكر بزيادة لنذيب مرارة هذه الحياة. لا أحب التذمر والشكوى؛ فقد أصبحت عادة متأصلة في الجميع... وأنا لا أحب أن أكون واحدة من هذا الجميع! أطلت عليك يا أبي، وأحضرتك من مكانك وزمانك، إلى مكاني وزماني ليس لأقول: كم اشتقت إليك يا أبي؟! بل لأقول: من ليس له أب... ليس له وطن يا أبي! بعد رحيلك رحل الوطن.   كنتَ أنتَ الوطن، القدس، قبة الصخرة، ساحات الحرم، الياسمينة التي تسلقت الجدار، دالية العنب، بئر الماء... كنت نسيم ذلك الوطن؛ فالوطن بعدك مات مخنوقًا يا أ...

همسات نورانية

همسات نورانية أمي... في غيابك غِبنا نحن أيضًا !   كل الأشياء غابت: العناق، الأحضان، السؤال، الصور، الرسائل، الذكريات، فناجين القهوة في الصباح، كؤوس الشاي عند ساعات المساء، ثرثرة ما قبل النوم، وضحكات كادت أن تصل لعنان السماء.   الوطن تراجع كثيرًا حتى فقدانه بالغياب فأصبح بعيدًا، طريقه مهجورة، ومنكسة الأعلام. الزرع في الحديقة انتظرك طويلًا قبل أن يرفع ذراعيه ويطير كالحمام. فناجين القهوة وحيدة على الرف...   لم يبقَ حولها أي أيادٍ تحتويها بشغف وحنان، لم يبقَ من الأصوات إلا الأصداء: أصواتنا، ضحكاتنا، أغانينا القديمة، أعياد الميلاد، الرقص بالأعراس، وأناشيد الوطن الحماسية وهي تصلنا من قلب المذياع. وعلى الجدران خيالات لأطفال كبروا، هرموا، اعتكفوا، آثروا الصمت؛ لأن الكلام فقد بوصلته... القلب الذي إليه ينجذب، الروح التي يهبط في حضنها فتسكن أوجاعه، وتنام، لتصحو كل صباح كأنها ولدت للتو... لا تعرف إلا الفرح والابتسام. أمي... في غيابك غِبنا نحن أيضًا، بعثرتنا الأيام... لكن بقيَّ شيء واحد يجمعنا: أننا نحبك بجنون، ونحلم بعودتك ليل نهار.

حديث سري.. في الذكرى السادسة لرحيل أمي

حديث سري في الذكرى السادسة لرحيل أمي لا كلام عندي اليوم أنثره على الملأ، أحب حديثي السري معك أكثر؛ الجدران لها آذان يا أمي، الكلمات التي قد تكون دائرة على فنجان قهوة بيني وبينك تصبح دائرة في آذان الآخرين، وضيقة جدًا في عيونهم. في غيابك سارت الحياة... لكن بقدم عرجاء، الخطا مائلة قليلًا ينقصها التوازن، الأفكار جامحة بعض الشيء ينقصها الاعتدال، الحب والكره والحنين والجفاء متطرفة لأبعد حد.  القهوة أيضًا تذكرك، ترسم بقايا شفتيك على الفنجان، تنهض باكرة لتضع الشمس في قرص السماء، تغني أغنيتك الدافئة، تلبس شالك الحريري، وتجلس لتغازل النهار بسلال من الأزهار. طال الحديث عنك هذا الخريف؛ كنا في حيرة من مؤونة الشتاء، القلب فارغ جدًا، البيت معتم، الحديقة في سباتها الخريفي، النجوم كثيرة لكنها خافتة، أبي لم يخرج لصلاة الاستسقاء فنام المطر إلى الآن، الجميع يسأل عنك: هل مرَّ هذا الخريف القاسي من قبل؟ أم أنك كنت تتلقفين كل الزوابع والأعاصير بصدرك الواسع حتى تهدأ ثورتها ثم تهطل علينا بردًا وسلامًا؟ لم يتغير شيء منذ غيابك الآخير، كذلك لم يبقَ شيء على حاله، إلا تلك المساحة في قلوبنا وعقولنا ...

سيد الصمت.. إلى أبي في ذكرى رحيله السادسة

سيد الصمت إلى أبي في ذكرى رحيله يا سيد الصمت، وأنا التي كنت دائمة الدهشة والاستغراب من هذا الصمت الذي كُنتَ تَغرق فيه وتُغرقنا معك، كنتُ دائمًا أتساءل في قرارة نفسي: كيف يستطيع من وُهب القدرة على ملء هذا الكون ضجيجًا وحديثًا وأصواتًا مسموعة وغير مسموعة أن يلتزم كل هذا الصمت؟  ولكنِّي سرعان ما كنتُ أجد الإجابة على شفة السؤال: هذا الصمت جينيٌّ، خُلق معه وبه! كما خُلِقتُ أنا من براكين الثرثرة، ولم أرث عنه هذا الصمت الجليل. بعد أن رحلت يا أبي كبرتُ أنا فجأة، بدأت أفهم كل ما كان يستعصي عليَّ فهمه مما كنتَ تحاول أن تشرحه لي؛ فالحياة أكبر معلم، تلقنك من الدروس والعبر ما يفوق طاقة الفهم ويفيض. اليوم أدركتُ أن صمتك لم يكن جينيًا كما كنتُ أظن! وأنك ربما كنت تهوى الكلام مثلي، ربما كنتَ تريد أن تصرخ في وجوههم: هذا الطريق خاطئ لا تسلكوه، لا تضعوا أياديكم في يد الشيطان، لا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة، لا تنحنوا عند أول هبَّة ريح، لا تثقوا بكل أنواع المطر، لا تقبِّلوا الأرض التي لا تعرفون ترابها، لا تزرعوا الزيتون إلا في أرضه، لا تغرِّبوا الياسمين عن أمه. كنتَ تريد قول الكثير ولكنك آث...

أقدام عارية

أقدام عارية تأتيني أمي كل ليلة في المنام، تطلب مني طلبًا أغرب من الخيال فأركض في الصباح بكل ما أوتيت من عزم في محاولة مني لتلبية هذه الطلبات، أنجح تارة وأخفق أخرى قبل أن أتوقف فجأة وأسترجعها في ذاكرتي _وهي التي عاشت كل العمر لم تطلب مني أن أسقيها جرعة ماء_  فلماذا تأتي كل ليلة وتطلب مني ما هو عصيٌ على الفهم والإدراك؟! لم كل هذه الطلبات والظهور المتكرر في المنام؟ أغير مرتاحة البال أمي أم أنها كسابق العهد تطالع نشرات الأخبار؟ هل ترى المدن الفاضلة كيف طُرحت أرضًا واستبدَّ بها الظلام؟ هل ترى الأشلاء وهي تتناثر كريش الطيور عند الذبح فتصعد روحها إلى السماء مثخنة بالسهام الطائشة وهي تهوي على قلب المدينة وأرصفة الحدائق وأسوار الملاعب وداخل حقائب الدرس وفناجين القهوة على شرفات الصباح؟ ماذا ترى أمي حتى تأتيني فزعة في المنام؟  ماذا ترى؟ وكيف ترى وأنا أحاول أن أغلق  عنها كل منافذ الأخبار؛ فلا ترى الصور المفخخة والجثث المتفحمة ولا تسمع صراخ الأطفال وعويل أمهات الشهداء بعد أن طفح بهن الكيل وأدركن أن الموت كان مؤامرة على فلذات الأكباد وأن اللعب على الكلمات كان من مسكنات الأوجاع؟...

في الذكرى الخامسة لرحيل أبي

في الذكرى الخامسة لرحيل أبي في الذكرى الخامسة لرحيلك يا أبي أخجل أن أخبرك أن كل ما تركته لنا من ميراثٍ أصبح قرى عائمة من الخراب، رائحة البارود تُزكم الأنوف الطاهرة، الدماء لا تتوقف عن تمددها العشوائي في مسارات اليمين واليسار وقفزها الصبياني في دوائر الوسط. الأيادي لم تعد متشابكة بل متضاربة، الأراء لم تعد متوافقة بل متطاحنة، الوطن أصبح يرتدي لون الحداد في الليل وفي النهار على قوافل الشهداء وعلى من تبقى من الأحياء ينتظر دوره في الصعود إلى السماء. لم نعد ننتظر الوطن، لم نعد نرسم مفتاح العودة في رأس الصفحة؛ فنحن في معظم الوقت مشغولون بنصب الخيام وإحصاء أعداد القتلى والمصابين واللاجئين والنازحين والفارين من الموت إلى بلاط الجحيم. ما فائدته الوطن؟ سؤال لم يكن يخطر لي ببالٍ عندما كنت بيننا لا تكفَّ عن الصلاة والتسبيح. لكن بعد أن غادرتنا أنتَ ربما أيضًا غادرتنا الملائكة فرفعت سجادة صلاتها عن أرضنا وكفت عن التسبيح في ديارنا، غادرت هي وبقيت الشياطين في أرضنا تعيث فيها فسادًا، تزرعها خنادقَ من الرعب، تعبث بنا وتلهو ولم يسلم من عبثها سورة أو خبر، ولم تُبقِ فينا صالحًا ولم تذر....

عودة في الاننتظار

عَودة في الانتظار أثقَلت عليَّ دموعك المنهمرة في ليل الأمس .. تلقفتها بقلب واهن وجسد مرتجف .. كيف تجرأت عليك الذكريات وانقضت على ليلك  كالضبع ؟! ألم ترحم قلبك المستجير من ضعفه .. ألم ترحم دمع عينيك وهي تهطل كزخات المطر .. ألم ترحم اشتياقك إلى موائد الصباح وهي تجمعنا .. وانتظارك لنا على شرفات النهار كي نتجاذب أطراف الحديث عبر أسلاك الهاتف ؟! حَزِنتُ لألمك .. لشراسة الذكريات التي هاجمتك .. للدموع التي انسكبت ولم أستطع تجفيفها  وتقبيل الخد كي يستكين ويهدأ .. ولا إغلاق النوافذ جيداً في وجهها .. ولا سحب بساط الليل لتنامي كسائر الأمهات .. تضمين أطفالك إلى  حضنك .. تمسدين على رؤوسهم بأناملك الطاهرة .. تقرأين على مسامعهم  حكايات الليل الهادىء . أخذتُ أطفالي .. أطفالك .. ورحلت إلى رصيف شتات آخر .. أحادثك الحديث المتقطع ، السريع ، المبتور ، المبهم عبر أسلاكٍ تعلن عن نيتها الانفصال  كل ثانية .. رضَيتِ أنتِ ساعتها رغماً عنك .. ورضيتُ أنا أيضاً رغماً عني . وقفت الغربة حاجزاً بيني وبين تقبيل اليد والخد والعينين .. طارت سلامات مني إليك لكنها لم تسمن ولم تغنِ من جوع ؛...

في الذكرى الرابعة لرحيل أمي

في الذكرى الرابعة لرحيل أمي سلام على روحك الطاهرة في الذكرى الرابعة لرحيلك يا أمي مارست شتى أنواع الهروب .. لم أنظر إلى المرآة كي لا ينعكس تلألأ الدمع في عيني فيبكي قلبي .. تجنبت الحديث السري بيني وبين النباتات التي أزرعها في كل شبر في منزلي لتصبح حلقة وصل بينك وبيني .. حرمتها هذا الحديث في رحلة هروبي فباتت تسألني عنك .. أهرب من كل الزوايا التي ترفع في وجهي ذكرى واحدة .. ذكرى الرحيل .. أتكلم كثيراً مع عقلي في هذه الأيام .. أطلب منه أن يقوم بدوره .. أن يكبح جماح العاطفة .. أن يرضخ للقدر .. لكنه يعود إليَّ كالطفل الصغير الذي يبحث عبثاً في عيون الآخرين عن عيني أمه .. باختصار شديد يا أمي أنا ما زلت طفلة .. وأن بدت معالم الهرم تلوح في المرآة .. لكنني طفلة بتعلقي بك .. وببحثي الطويل عنك في زوايا العمر .. عند كل المفترقات .. أمام كل الصور .. أريدك أن تبقي حاضرة في  كل تفاصيل حياتي مهما بدت صغيرة أو ثانوية .. في هذه الذكرى سأوقف الدموع لأنك تكرهينها .. ولأنك تحبين الفرح .. وتحبين أكثر أن يغمرنا الفرح .. وأنا لا أريد أن أثقل كاهلك بالحزن المميت .. وأريد أن أرى ابتسامتك تطلُّ...

الأقصى يسألني عنك

صورة
الأقصى يسألني عنك الأقصى يسألني عنك .. يستجير بك وبالصالحين .. يسأل عن أهل الهمم وأبنائه المخلصين .. الأقصى ليس بخير يا أبي .. القدس ليست بخير .. ككل فلسطين  . في الذكرى الرابعة لرحيلك يا أبي أخجل أن أخبرك أنَّ القدس قِبلَة روحك ، مهجة قلبك ، حبيبتك التي فُطرت على حبها .. قصة عشقك الأسطورية منذ عهد الأولين .. ليست بخير .  ينادون عليها في نشرات الأخبار .. يقولون جريحة .. مصابة .. يهجم على ساحاتها الموت .. ينتشر في أرجائها الظلام .. يقولون القدس ليست بخير . لم تعد أجراس العودة تقرع  كل صباح .. لم يعد في الذاكرة فتيل واحد يضيء لنا قناديل العودة ، وقِبْلَة نهر العودة غدت من الدم الخالص أو الدمع المسفوح .. والأفراح أعراسٌ للشهداء .. وقوافل الحجيج  تهرول وتسعى بين أبواب الأقصى وباحاته ، تذود عن حماه ، تطرد الشر المستطير  . لم تعد ياسمينتك وضاءة تسرُّ الناظرين .. وليمونتك الخضراء لم تعد تلقي بثمارها الغضة إلى قلوب العاشقين .. لم تعد دالية العنب تتفتح كل مساء ، وينبلج من ذيلها الضوء العتيق .. ولم تعد برتقالة الجوار تغري بقطفها وقضمها من لُبَّها إلى القشو...