المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف خاطرة

"سوا ربينا"

"سوا ربينا" أفقت من نومي وأنا أدندن اغنية عتيقة معتقة معبقة برائحة الماضي الجميل، لا أعرف كيف قفزت إلى ذهني واحتلت كل مساحات الفكر والتأمل لهذا الصباح؟! "سوا ربينا، سوا مشينا، سوا قضينا ليالينا" وقفزت بي الذكريات لعقود من الزمن، ذلك الزمن الجميل الذي كانت تفوح منه رائحة الزمان، المكان، الكلام، الكتب العتيقة التي كنا نتخاطفها كحلوى العيد، الموسيقى التي كانت تنداح وتفوح وتتسسل إلي رئتينا كأريج الياسمين من نوافذ الجوار. كانت أقسى الأمنيات في ذلك الوقت أن يحل المساء سريعًا؛ كي نفتح التلفاز ونشاهد برامجنا الأثيرة، كانت هي المتعة الوحيدة التي ننتظرها منذ اشراقة الشمس، لحظات خاطفة لكنها مؤثرة وراسخة في الفكر والوجدان، "سوا ربينا" كانت من هذه اللحظات المفعمة بالحب والحنين والهدوء. اليوم بعد أن طارت تلك الأيام وحطت على أسطح عالية وبعيدة، لم تعد تصل إلى أسماعنا "سوا ربينا" ولم نعد نتذكرها أبدًا؛ لم نعد نستيقظ كعادتنا عندما نشبع نومًا وأحلامًا؛ بل حين يوقظنا هاتف صغير ينام على وسادتنا، يزيح الستائر، ينير المكان، يجلس معنا؛ ليحتسي قهوة الصباح التي يختارها لن...

هل مات الشعراء؟

  هل مات الشعراء؟ كالملل الهارب من عنق الزجاجة أقفز بين صفحات الكتب وشاشات التلفاز؛ أبحث عن قصيدة أفتتح بها هذا الصباح، أضم اليها فنجان قهوتي الصامت، وبعض المشاعر المهزومة المركونة على أريكة ووسائد ملقاة عند عتبات النهار. أين اختفت تلك القصائد التي كانت تعيرني أجنحتها كي أحلق بها، رئتيها كي أستنشق بها نسمات الحياة، سواعدها كي أرفع بها هذا الوطن المتداع على أكف الراحة، أقدامها كي أعبر من خلالها الطرقات؛ فأصل حدائق الشرق مع مغاربها... هل ماتت هذه القصائد؟ انا، وفنجان قهوتي الصامت، ومقعدي الذي يشدني اليه كلما حاولت النهوض؛ لإزاحة الستائر، واستقبال الشمس، وفتح النوافذ، ومداعبة الهواء، بتنا في حالة من اليقظة الدائمة؛ نبض انتفض فجأة، خرج عن صمته الجنائزي وأخذ  يسألنا بلغة العتاب: لماذا لم نعد نفتح النوافذ والأبواب؟! ما سرُّ ثورته؟ لماذا حطم أنية الصمت وانفجر بالسؤال؟ ما الذي فجر خفقات الحنين بقلبه، وأيقظ كل هذه المشاعر الملقاة على أرائك النسيان؟ من همس بأذنه؟ من غمز إليه بطرف العين وداعب كل الأحاسيس التي كانت قد دخلت في سبات؟ ربما تسللت إلى قلبه قصيدة عتيقة من تلك القصائد التي كنتُ ...

عام هِجْري هِجْري

عام هِجْري هِجْري معذرة منك يا رسول الله، ومن الصحابة، والخلفاء، والتابعين، وأصحاب المذاهب المتفق عليها وغير المتفق؛ علمًا بأننا لم نكن نعرف معنى ألا نتفق، أو أن نختلف، لم نكن نحمل في صدورنا معنى التناقض، التباغض، اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية؛ فها هو قد أفسدها وجعلها خرابًا. اليوم نحن نعيش في عصر العصور، عصر لم يولد له اسم بعد، لم يرد له سابقة فيما مضى، ليس له شبيه في الخلقة أو الخلق، لم يسبقنا إليه أحد؛ على الرغم من أننا خضنا آلاف المعارك والغزوات، هزَمنا وهُزِمنا مليون ألف مرة، لكننا لم نكن أمه لا لون لها ولا طعم... لكنها لها رائحة نفاذة؛ رائحة الخذلان والتخلي والخيانة! نحن الآن أمة هزَلت أشد مراحل الهزل، كُسرت آلاف المرات، هُدمت وبُنيت، كسُرت وجُبِرت، رُممت كي لا تسقط عظامها أرضًا... ثم صُلبت! على عيونها بُسٍطت غشاوة مبطنة، ومن نوافذ القلب تصاعدت أبخرة من اللهب؛ سواد لا تضيئه أعين الشمس والقمر، وفي لبِّ الوجدان زُرعت أحقاد وضغائن لأي أحد، ومع ذلك فإنهم لا يزالون يكثرون من الصلاة على النبي، بل ويصرون على أنهم خير خلف لخير سلف! قل لهم: أنني بريء منكم؛ أسفي عليكم أكبر من امتداد هذه ا...

حديث خاص

حديث خاص عندما دعاني صديقي قبل ألف دهر من الزمن لمشاركته قهوته الصباحية فرحت جدًا؛ لأن هناك من يشاطرني عشق القهوة ومواقيت القهوة، سألته بدلال: أي قهوة تفضل؟ أجابني بنبرة لا تخلو من السخرية والحسرة بذات الوقت: أنا لا تهمني القهوة، ما يهمني هو: أي مشروب ساخن يدفئ الروح بهذا الصقيع القاتل! استغربت جوابه هذا... لكني اليوم، بعد ألف دهر بالضبط من ذلك اللقاء، وأنا أعدُّ قهوة الصباح، شعرت بأن ما أريده فقط هو أي مشروب ساخن يدفئ الروح بهذا الصقيع القاتل... مع أن درجة الحرارة  بلغت الخمسين! صديقي كان يعود مكتئبًا بعد كل زيارة يقوم بها إلى دياره وأهله، ويأخذ وقتًا لا بأس به وهو معكتف؛ يحاول أن يعود إلى نفسه... هكذا كان حالي أنا بالضبط ولكني لم أخبره؛ لأنني أصلًا لم أكن أدرك ماهية هذا الشعور وقتها، لكن بعد أن أصبحت عجوزًا كصديقي  بدأت أفهم ما الذي يدخلني في حالة الكآبة تلك! فيما مضى كنت أقوم بزيارة دورية للديار، والأهل، والأحبة، أمكث قدرًا من الزمن ثم أعود إلى صومعتي؛ لأعتكف فيها فترة من الزمن؛ أتخلص فيها من كآبتي وحزني على مفارقة الأهل، والديار، وأنا! نعم أنا، فلقد أكتشفت أنني في كل زيارة...

حرفيَّ المتمرد

  حرفيَّ المتمرد هل تلد الغيمة الحبلى عصافيرَ؟ هل تمطر السماء في الحضن زنابقَ وورودًا؟ هل أمواجك يا بحري الصاخب تستطيع في ذروة تلاطمها وعربدتها أن تجرح كبد السماء، أو تمزق شغاف فؤاده؟ كذلك أنت يا جرحي النازف لن تلد جراحك الحبلى إلا الجراح، لن تمزق بأناملك الحريرية إلا أفق آمالي الندية، لن تخدش بجبروتك سوى زهو أحلامي وأطيافها الوردية. أنت يا حرفي المتمرد، يا لعنتي... عندما أولد على يديك، وعلى يديك أشاهد مصرعي؛ فبماذا أؤمن؟ بماذا أؤمن بعد اليوم وقد تمردت علي يا حرف، أسلت حبري ومزقت أوراقي، بعثرت طيوري وأوصدت أعشاش الحنين، تصدرت عناوين الحياة فأعلنت العصيان لقلبي ولقوافل الجاهلين إتمام المسير. لست منك يا حرف ولست مني! لست منك وقد نهشت بمخالبك الجارحة   كتفي العاري، عبثت بشرايين الفؤاد، غرست أول مسمار لك في سفينة نوح وبعثرت أطواق النجاة. حزينة أنا؟! لا، لست حزينة... أنا الحزن بأكمله! مدائن من الحب لم تكن تسعني، وتضيق بي يا حرفُ   فترميني!   قلبي الحرّ كان مأوى لكل الأنام، أحداقي كانت تسكن فيها كل الأحلام، تغفو فيها، تختبئ   فيها من أعين الظلام، تعيش بأ...

حائرة

حائرة بين صمتي الثقيل وثرثرتي التي جبلت عليها منذ ألف عام أسئلة تتهاوى عليّ من كل حدب وصوب، أبتلعها في جوفي منذ دهر من الزمان... إلى أن ثارت عليّ، وتمردت، وخرجت بتظاهرات عرمرمية من باطن الجوف، وجانبيِّ الحلق، وطرف اللسان، وأنا حائرة: هل   أدعها تخرج وتثرثر في الضوء وتحت أشعة الشمس، أم أبقيها أسيرة الصمت وظَلمة الأعماق؟ لا أجد الإجابة... طبعًا هذه كذبة بيضاء؛ فالإجابة هي الشيء الوحيد الذي أمتلكه في هذه الأعماق... لكنها كالرصاصة الطائشة إن انطلقت لا بد أن تقتللك في الذهاب وتقتلني في الإياب... كلانا بين مخلبي الإجابة! هذا الصمت الذي يغلفني الآن هو وليد بعض الكوابيس التي تراودني، أو ربما بعض الأحلام، أو النبوءات: أنني كلما رفعت رأسي أصطدم بجدار، كلما زحفت بقدمي يسبقني جدار، كلما لمست طرف الخيط يقطعه ألف جدار... كنت أسمع كثيرًا عن غرف المرايا لكني لم أكن أعلم بوجود غرف الجدران! لستُ من هواة الصمت؛ فالإجابات تتفجر على شفتي، تنطلق كقنابل الموت من حنجرني... لم أسكت يوم أحتلنا الظلام، ويوم غامت الشمس مؤازرة له، ويوم غادرتنا السحب الوردية ونامت في فراشه، لم أسكت، ولم يكن السكوت ي...

صهيل القلم

صهيل القلم لا صوت يعلو على صوت الألم، لا الصداح بحناجر البلابل، أو النفخ بقلب الناي الحزين، أو الترنم على أنغام   الجاز؛ صوت الألم يبقى   مدويًا، مجلجلًا، مزمجرًا، ترتعد من زئيره قمم الجبال وبواطن الكهوف، وكل ما فوق الأرض وما تحت الثرى. قبل أن يعلو صوت الألم على صوت القلم كان هذا القلم خيمة كبيرة تأوي إليها القلوب اللاجئة... كان بيمينه يهزَّ الغيمة الحبلى فتمطر، وبيساره يهزُّ الشجرة الممتلئة نعمة فيتساقط الثمر، وفي ساعات المساء كان يداعب الموج حتى تخرج عرائس البحر تتمايل وتتراقص على ضوء القمر... كان هو السماء والأرض والوطن! هذا الألم علا صوته، وطغى، وزمجر كالرعد في   الأرض الجَدْب، وتفجر قنابلَ من اللهب تناثرت سهامها وأصابت صدرالقلم فسقط طريح الصمت! أُوصد قلبه بوجه الفارين من إشعاعات الغضب، سكن كطير ذبيح يلعق جراحه، ثم انكمش كغيمة فارغة في جيوب السماء الملآى بالسحب. لم يكن يخيفني كل هذا الدمار المنتشر كالنار في الحطب، ولا امتلاء الأرصفة بالخطوات العابرة، ولا طول الليل وقِصَر الأحلام، ولا لفظ البحر لأسماكه حين تزاحمت عليه أقدام الهالكين من بني البشر! تملكني ال...

على الجدران

على الجدران لا شيء يُكتب، أو يُقال، أو يُذاع عن الجوار؛ كل الأسرار باتت معلقة على الجدران! سنشتاق كثيرًا ل اِسْتِرَاقُ السَّمْعِ عبر الثقوب؛ فكل شيء بات مفضوحًا للعيان! كم كان جميلًا ذلك المساء حين كنا ن تَحَلَّقَ حول نشرة الأخبار ... نبتلع ألسنتنا، وخلافتنا، وضيق الأفق الذي يحاصرنا، ونلوذ بالصمت حتى آخر رمق! وحين كان ينهشنا القلق نركض إلى الجريدة، نقلب صفحاتها، نفتش في حروفها عن قنديل يضيء وجه السماء. لم تكن المسافات تكسرنا بل كنا نحن من يكسرها، يحطمها، يدحرها، ومن يفتح الأبواب، ويقرع الأجراس، ويراقص السحب، ويدغدغ الغيم حتى ينهمر المطر؛ نحن أصحب العرش على هذه المسافات والحضارات والأرض!   اليوم كل شيء بات معلقًا على الجدران... أجسادنا، أفكارنا، أحلامنا، أمالنا، أرواحنا، حتى قلق ذلك الصباح والمساء.   الخطوات غادرت، الطرقات غابت، السماء غامت، غدونا عراة، حفاة، عابري سبيل في بلاد الله.   الكلمة التي لم تُقل بعد، التي تدق ناقوس الخطر، وتشعل صفارات الإنذار، وتصنع ثورة... ليست كتلك التي ألصقتنا بالحائط، وحولتنا إلى أشباح تسبح في العتمة، وأجساد تتلوى من الألم و...

عاد الصيف

عاد الصيف عاد بي الصيف إليك، باب من أبواب النعيم فُتحَ حاملًا بين ذراعيه ذلك الصيف... أعترف بأنني لم أكن شاعرة وقتها، ولم تكن الحروف تعني لي أي شيء! لم أكن أعلم بأني إذا وضعت الحرف فوق الحرف قد أغزلهم إليك قصيدة، ألقها على وجهك في عيد مولدك فتغدو أميرًا. كانت الحروف حولي في كل مكان، مبعثرة في أرض الديار، مكومة عند العتبة، منثورة تحت النوافذ، ملقاة على الطرقات، وتحت أقدام المارة، وفي الأحلام! لم أكن وقتها أعرف كيف أستطيع بهذه الحروف أن أرسم وطنًا أكبر من هذا المنفى وأمنحك حق اللجوء إليه؟! وسماءً كبيرة، زرقاء، صافية دون أي غيوم تعكر هذا الصفو، وغابة حبلى بالشجر، تظللنا من عيون القهر فتمسك بيدي ونسابق الزمن. لم أكن أعرف أيضًا أن الحروف ترفرف كطيور الحب، تدق علينا نافذة الصباح حتى نصحو، ثم ترافقنا كظلنا، تنام على أكتافنا وتبني أعشاشها وتسكن. وقد تصبح قوارب نجاة إن غدر بنا البحر وعلا من فوقنا الموج، وتصبح قمرًا، وشمسًا، وأمًا، وأبًا، ورفاقًا بلا مدٍّ أو جزر. اليوم عاد بي الصيف إلى هناك... كم صيف مضى وقضى لا أعرف؟!   لكنني اليوم أصبحت شاعرة... أستطيع أن أرسم من هذه الحروف ...

حالة انتظار

حالة انتظار بانتظارها أن تأتي... أو لا تأتي! هي هنا، حولي، في كل مكان تصل إليه راحة يدي، في سِوار الوقت، المرآة، نشرات الأخبار، حديث الجيران، لفافات التبغ، قعر الفنجان... تميل وتتمايل ثم تلتصق بالقاع وتلتزم الصمت! لا ألومها، لا ألوم هذا الورق المترامي على جنباتها، ولا القلم الذي يحوم حول لهيبها كرجل الإطفاء! فقط   ألوم هذا القلب الذي ينتفض قلقًا، يرتعد خوفًا، يرتجف هلعًا؛ أن تخرج من القاع فترتطم بالجدران! لا تهاب الموت المفضوح أو المستتر، تجس أنات المقهورين بأنامل من ورد، تمسح على جروحهم بآيات من الصبر، تنام على وسائدهم وتصحو في حناجرهم أنشودة للنصر... لكنها أسيرة هذا القلم الذي يعشقها حد الخوف؛ أن يطفح بها الكيل فتفيض، وتندلق، وتسيل عبر الأودية والطرق، ويتفرق دمها بين القبائل فينكرها بنو عبس! كم انتظرها ذلك الشاعر في قصائده... أنا أنتظرتها أكثر؟! هو لم يذق طعم الخوف عليها مثلي، لم يرَ بكل فطنته وشاعريته العيون التي تحوم من حولها والأيادي التي تتسابق لتتلقف سقوطها، لم يعِ لما يحاك ضدها بالغرف المغلقة ويُسطر بالأحمر في الهوامش الضيقة.   عند منتصف الطريق المهجور م...

بعض المداد

بعض المداد جفت دموعي فجفَّ المداد!           صديقي الذي لا ينتظر شيئًا كل صباح، ولا تعتريه الأحلام عند النوم، ولا يهمه إن أيقظته العصافير أم حُقْنَة ملائكة الرحمة، ولا يكترث أبدًا إن كان فنجانه مملوءًا بالقهوة أم بالدواء... بدا في الآونة الأخير أكثر حياة مني! هل استسلمت للقهر الذي يحتل الشوارع والأرصفة،   وفقدت إيماني بأن الغد هو: مظلة كبيرة تقينا عبثية المطر! وأن أشعاري بالماضي القريب عن الأمل، والتحدي، والصبر، واستيعاب الآخر كانت ضربًا من ضروب الهذيان، وأنني كنت أتقن السباحة في بحيرة من السراب؟   ألهذا أنا اختنقت قبل الآوان، وجفت الدموع في شراينني، وانسكب المداد أرضًا، وتبعثر في الطرقات؟ أم لأنني راهنت كثيرًا على النصر ولكن أحصنتي حبلت بالخسارة! هذا الوطن الممدد على سرير الموت ماذا ينتظر؟ وهل يستطيع بعد اليوم أن يمدني بالحياة؟ هل يستطيع ان يعيدني إلى حالة البكاء التي كنتُ عليها عندما طال غيابك الأخير وكلَّت أقدامي من عناء الانتظار على الشرفات؟ وهل يستطيع أن يتلقف دموع الفرح كعادته حين كنتُ أمطره بها عندما كنتَ تأتين...

انطق أيها القلم

  انطق أيها القلم تثائب، تمطى، شرد بعينيه ليحدق في العدم! دعوته ليشاركني قهوة الصباح، قرأت له الطالع فاهتزت أساريره، وارتجفت على شفتيه بعض الحروف... لكنه خشيِّ أن تصطادها عين الشمس كعادتها؛ فابتلعها، ثم انزوى. لا أريد أن أثقل عليك يا قلم؛ لكن الأكسجين في رئتيِّ نفد، طال الغروب على نوافذي، وأيلول على الأبواب يعلن: أن الخريف يمد لسانه في كل اتجاه! وأنت خائف، مرتعد، منزوٍ، ولسانك آخذ بالانكماش! يأخذني الوقت بعيدًا عنك... ولكني أعود. لا أتعمد هجرك، ليس في نيتي نسيانك، لكن الوقت يحاربني بضراوة... وسيفي من ورق!   يهزمني الوقت جولة، وأهزمه أخرى... لكنني منذ عدة جولات استسلمت للهزيمة؛ ذخيرتي نفدت، وأنت معتكف منذ آخر خريف، ترفض أن تنحني للشمس، أن تقَّبِل أنامل القمر... ساقاك العناد إليه فداهمك خريف آخر. أنا لا أخاف عليك من الخريف... لكن من الوقت! أخاف أن تفقد عنوانك، أن تعتريك بعض علامات فقد الذاكرة؛ فتنكرك الساحات والشرفات؛ لا وفاء للأماكن إن تاهت عنها الخطوات. أريدك أن تبقى حيًا في ذاكرة الحروف؛ فلا تهجرك لبحور أخرى، وترتمي على شطآن غريبة، تتوسل غيمها، شمسها، قمرها...

بلون السراب

بلون السراب ريح شرسة وسوست إلي فأطفأتُ الشموع، وكسرتُ المصابيح، وهدمتُ المعبد على من فيه، وشققتُ ذكرياتنا ففصلت رأسها عن الجسد، ومسحت قبلاتنا عن االوسائد والمرايا ولفائف التبغ. لم أصغِ إلى رجاءك، وتوسلك إليَّ بالبقاء! لم تشفع إليك نظرات الحيرة المبعثرة على محياك، والدهشة التي كانت ترتعد خوفًا على شفتيك، وبريق الأمل وهو ينسكب من بين يديك فينكسر، ويتشظى، ويصبح   بلون السراب.   وحيدًا تركتك، منبوذًا كصنم يتيم يستند إلى جدارٍ آيل للانهيار، مهجورًا، ممزق الخاطر والوصال، وعلى ملامحك انتثرت ألف علامة انكسار. وشت بك الريح وأذاعت سرك على الملأ وبقية والجوار: أنك ترى في منامك الكثير من الفاتنات، تقص عليهن القصص والحكايات، تداعب ضفائرهن بالورود الحمراء، تختلق الأكاذيب الملونة لتبيعهن السراب.   لم أكذب الريح... ثارت ثورتي، وانتفض الشك في مخيلتي فابتلعت الشمس في جوفي، وصفعتك برايات الظلام، ولم ألتفت خلفي لأحصي ضحايا الريح وضحايا الشك. اليوم عادني صوتك بالمنام، عاتبني برقة، وأقسم بأغلظ الأيمان: بأنه لم يعرف الكذب يومًا، وأن الريح وسوست إلي... فأسأت بك الظن، ورفعت بوجهك أ...

رسائل مؤجلة

رسائل مؤجلة صديقي الذي ليس له ملامح أو وجه أو عنوان كان يأتي كل صباح، يصافح الغيم، يربت على أكتاف الحمائم، يزرع سنبلة في أرض الديار، ثم يولي وجهه نحو المجهول ويمضي. لم أستوقفه أثناء رحلة العبور أو المرور... لكني كنتُ دائمًا أنتظره عند عتبات النهار، وإلى أن يغيب. حين كان يطيل الغياب كنتُ أكتب إليه على زجاج النافذة المغبر بعضًا من حروف الاشتياق، وأحيانًا أكتب رسالة مستعجلة على وريقة صفراء أطاحت إليَّ بها الريح.، وأنتظر أن تعود لتحملها إليه... الريح لم تأتِ، وصديقي لم يعد، ورسائلي أصبحت باردة، شاحبة، آيلة للذبول. صديقي كان كعادته يبدأ حديثًا غير منقوطٍ، مليئًا بكل علامات الاستفهام من دون أن ينتظر مني أي جواب! أما أنا فكنتُ أُكثر من الرسائل التي تبقى طيَّ الكتمان! وبالأفق غيمة كبيرة تحاصرنا، تمتد بشراسة لتمحو كل أثر لحديثه، وتلقي بظلال صمت جاف على شراييني فتُقتل على شفتيْ  حبات الكلام. في آخر رسالة تركتها بين يدي الريح كي توصلها إليه، أخبَرتُه فيها عن صديقنا الذي غادر الوطن إلى قصة حب حقيقية، رمى خلف ظهره سيرة الحرب، فنون الدمار، الحرائق التي تشتعل داخل فضاء البيت... تأبط ذرا...

حروف بلا رؤوس

حروف بلا رؤوس لم يكن في نيتي الكتابة إلى أن ينقشع كل هذا السواد... لكن شعورًا مبهمًا  يُلحُّ عليّ منذ انتشار الصباح، يقلق سباتي ويدعوني لالتقاط بعض الحروف الثائرة في الآفاق.  حاولت أن أنفض الفكرة من رأسي وأخلو مرة أخرى إلى السبات... لكن الحروف المبعثرة من حولي انتصرت علي، نالت من سباتي، قضت مضجعي، ألحت وأصرت عليَّ إصرار عاشق متيم على البوح بقصة عشقه لأزهار الأرصفة والعتبات... فانصعت لرغبتها، وأخذت ألملمها من الزوايا والممرات، وأسكبها بالمداد الغامق على الأوراق. ولدت الحروف بلا رؤوس؛ لا رؤوس فيها لتحنيها عند هجوم الريح، أو لتطلقها في مدار القيل والقال، أو لتقدمها كفدية، أو جزية، أو ضريبة أحوال... من أين آتيها برؤوس تتحمل جرأة الأفكار، تقاوم الصدمات، تصدُّ الضربات، تتلقف زخات الرعد والمطر، تتحمل الضغط دون أي انفجارات؟ كنتُ وجارٍ لي أصدقاء منذ الجاهلية الأولى، نتقابل في الأعياد والمناسبات، يهنئني، يعزيني، يواسيني، يتفقدني في كل الأوقات إلا عندما ينزوي إلى نفسه؛ ليتجرع ذكرياته بقتيله الذي قتلته أنا... ثم يعود لممارسة طقوس الجيرة والجوار كأن شيئًا لم يكن! أذاعت الصحف ال...

الظلال

الظلال جاحظ العينين، بارد الملامح, جامد النظرات، مدَّ يده بالمصافحة فمددت إليه يدي، اصطدمت بقطعة من الثلج! سحبتُ يدي، ابتلعتُ دهشتي ثم سألته: هل أطلتُ عليكم الغياب؟ هل مرًّ زمن طويل على آخر لقاء بيننا؟  أجاب بالنفي. أخذت أتفحص ملامح من حولي بعد طول اشتياق، غمروني بنظراتهم الودودة، وأسرتني دمعاتهم وهي تسيل بصمت على ياسمين الخد، أنا لم أطل الغيبة عليهم... لكنهم ربما شعروا بالاشتياق، بالحنين، بطول الغياب، أو أن خطب ما أصابهم دون أن أدري. بادرت بأسئلتي المعتادة عن الجميع، لم أغفل عن ذكر أي أحد... لكن لم تصلني منهم أي إجابة مفهومة. توقفت عن طرح الأسئلة ونظرت إليهم مجددًا... الوجوه ذاتها لم تتغير فلماذا لم أعد أفهم أحاديثهم؟ وهم، لمَ لم يعودوا يفهمون حديثي؛ فنظراتهم لا تشي باستيعابهم حرفًا واحدًا مما كنتُ أقول؟! استأذنتهم بالانصراف فسمحوا لي دون أي تردد أو تذمر، لم يسألوا إن كان في نيتي العودة مرة أخرى، لم يطلبوا مني شيئًا قبل الرحيل، وأنا لم أعدهم هذه المرة بشيء. نظرت إليهم نظرة أخيرة فانتابني الفزع؛ هل كنتُ طوال الوقت أكلم أشخاصًا أم ظلالاً؟ كنتُ أسمع أصواتًا غير مف...

عبس الوطن

عَبس الوطن لن تهدأ ثورتك، لن تفلت من هذا الضجر الذي يحاصرك من كل الجهات، سينال منك القاصي والداني، ويعلنوك على الملأ زنديقًا كفر بتعاويذ الأجداد، ورمى خلف ظهره صورة باهتة الوطن! لم يبقَ فيها حيًا إلا الخراب! إنه يكبر ويمتد وينتشر مع الشمس وذرات الهواء؛ لأنهما لا يجيدان القراءة بين السطور وخلف الأفق، ولا يمتدان إلى الزوايا العميقة ومنتصف الفؤاد، لا يعرفان ماء المحبة الذي شح وانقطع؛ فتربع الخراب على كتفيهما وهبط بنعليه ومشى. في الماضي القريب كنت أعتبر صمتك داءً خبيثًا يجب أن يُجتث من جذوره، أن تُجفف مآقيه وسواقيه ونوابعه؛ فركضت أبحث عن الدواء، هرولت إلى الكتب القريبة والبعيدة، أفتش فيها كيف أداويك؟ كيف أصنع لك رفاقًا من الورق؟ كيف أرسم وطنًا على باطن الكف تشتهيه كل صباح وأنت ترتشف قهوتك؟  كيف أرسم ضحكاتهم الغائبة على جدار بارد كي لا تنساهم وتنسى كيف يكون الضحك؟ كانت الشمس أحيانًا لا تكرهني، تحنُّ عليَّ فجأة فتشرق في أعماقي، وكنتُ لا أكذب خبرًا؛ فأنفض الخريف عن قلبي، وأميط  الضجر عن عينيِّ وأمضي في حقول الصباح؛ أقطف من كل حديقة بنفسجة، وياسمينة، وأذيبهم مع رحيق  ال...

صمت القوافي

صمت القوافي صديقي الذي يحب الوطن والمطر علق القوافي على أشجار اللوز، وتاب عن العشق، ورحل. خاض كل المعارك، هُزم في كل الحروب، عاش اليتم على جميع أرصفة المنافي، ولم يتوقف يومًا عن رسم الأمل والفرح على صفحات القلوب. لكنه ثمل من الانكسارات المتلاحقة فسقط مترنحًا من يده القلم، لم يعد يقوى على رسم الضحكة الجريحة على وجوه مهشمة بعد الآن. كم طال صمته؟ كم حاول أن يبتلع من الهزائم والانكسارات؟ وأن يتجرع هذا الزمن العائب، وأن يقوى على أن يحمل بين طيات قلبه أملًا بالغد، وحلمًا طاهرًا نقيًا لم تفسده عوائل الدهر.   حدثني أكثر من مرة عن وطنه الذي تشعب إلى عدة أوطان لم تعد تتذكر تفاصيل وجهه، وحده فقط من يتذكر ملامحها جيدًا، يبكيها ليلًا حتى تأتيه بالأحلام، يرسمها قصيدة يصفق لها الجميع، ثم ينام وحيدًا في منفاه، بعد أن يهلل الجميع بدعاء النصر! صديقي كان لا يعرف التذمر أو الشكوى، كان دائمًا يتغنى بالحب وقصص العشق السرمدية، دائمًا في جعبته الكثير من الحكايا عن الفاتنات في شتى المنافي؛ فلم يكن قلبه ليتوقف عن الحب لو لثانية من الوقت. صديقي اكتشف أخيرًا خِدَع الحب، قصص العشق المغشوشة، ال...

كلمات صيفية

كلمات صيفية لا تحدثني بلغة الحب؛ فقلبي أوصدته على آخر حديث باحت به عيناك قبل أن نغادر معًا نوافذ الصبا؛ لنرسم تجاعيد الكهولة بالورقة والقلم. دعني أغرق في سباتي، لاترسل صوتك من جديد ليوقظني، لا أريد أن أصحو من حلمي بك فأذوي كورقة خريفية جارت عليها الرياح العنيدة وألقت بها إلى القعر. لا ترسل كلماتك الصيفية لتفرك أذن قلبي؛ فيفيق من سباته الخريفي، ويستجيب لنسيمها العليل، ويهوي في شباكها، دون أن آذن له ، أو إلى رجائي أن يصغي. لا أكره الحب، لا أكره كلامك في الحب، لا أكره أن يوقظني صوتك الحنون من كل أحلامي، لكنِّي أخاف، بل وتكبلني شياطين الخوف بالسلاسل والزرد؛ أن يكون كلامك هذا غزوًا آخرًا لقلبي، لن ينجو منه، بل سيرديه قتيلًا، أو جريحًا مثخنًا بوابل من طلقات الهجر. الحب يا صانع الكلمات الجميلة كموج البحر، يتدفق بغنج، يطير برفق، يحلق كنسر، ثم يعود بصيد ثمين؛ يلقيه عند أبواب البحر، فيجلس متربعًا على الشط، وعند الأفول يغدو وحيدًا، يعد الساعات فلا تنتهي، ينتظر انقضاء الليل فلا ينقضي، يبتهل إلى السماء أن تمطر قُبَلًا فتتمنع، ثم يتحول إلى شجرة متيبسة، خيمة مهترئة، كهف قديم يدخله العش...

عَبس الوطن

عَبس الوطن لن تهدأ ثورتك، لن تفلت من هذا الضجر الذي يحاصرك من كل الجهات، سينال منك القاصي والداني، ويعلنوك على الملأ زنديقًا كفر بتعاويذ الأجداد، ورمى خلف ظهره صورة باهتة للوطن! لم يبقَ فيها حيًا إلا الخراب! إنه يكبر ويمتد وينتشر مع الشمس وذرات الهواء؛ لأنهما لا يجيدان القراءة بين السطور وخلف الأفق، ولا يمتدان إلى الزوايا العميقة ومنتصف الفؤاد، لا يعرفان ماء المحبة الذي شح وانقطع؛ فتربع الخراب على كتفيهما، وهبط بنعليه، ومشى. في الماضي القريب كنتُ أعتبر صمتك داءً خبيثًا يجب أن يُجتث من جذوره، أن تُجفف مآقيه وسواقيه ونوابعه؛ فركضت أبحث عن الدواء، هرولت إلى الكتب القريبة والبعيدة، أفتش فيها كيف أداويك؟ كيف أصنع لك رفاقًا من الورق؟ كيف أرسم وطنًا على باطن الكف تشتهيه كل صباح وأنت ترتشف قهوتك؟  كيف أرسم ضحكاتهم الغائبة على جدار بارد كي لا تنساهم وتنسى كيف يكون الضحك؟ كانت الشمس أحيانًا لا تكرهني، تحنُّ عليَّ فجأة فتشرق في أعماقي، وكنتُ لا أكذب خبرًا؛ فأنفض الخريف عن قلبي، وأميط  الضجر عن عينيِّ وأمضي في حقول الصباح؛ أقطف من كل حديقة بنفسجة، وياسمينة، وأذيبهم مع رحيق ...