هل مات الشعراء؟

 هل مات الشعراء؟

كالملل الهارب من عنق الزجاجة أقفز بين صفحات الكتب وشاشات التلفاز؛ أبحث عن قصيدة أفتتح بها هذا الصباح، أضم اليها فنجان قهوتي الصامت، وبعض المشاعر المهزومة المركونة على أريكة ووسائد ملقاة عند عتبات النهار.
أين اختفت تلك القصائد التي كانت تعيرني: أجنحتها كي أحلق بها، رئتيها كي أستنشق بها نسمات الحياة، سواعدها كي أرفع بها هذا الوطن المتداع على أكف الراحة، أقدامها كي أعبر من خلالها الطرقات؛ فأصل حدائق الشرق مع مغاربها... هل ماتت هذه القصائد؟
انا، وفنجان قهوتي الصامت، ومقعدي الذي يشدني اليه كلما حاولت النهوض؛ لإزاحة الستائر، واستقبال الشمس، وفتح النوافذ، ومداعبة الهواء، بتنا في حالة من اليقظة الدائمة؛ نبض انتفض فجأة، خرج عن صمته الجنائزي وأخذ  يسألنا بلغة العتاب: لماذا لم نعد نفتح النوافذ والأبواب؟!
ما سرُّ ثورته؟ لماذا حطم أنية الصمت وانفجر بالسؤال؟ ما الذي فجر خفقات الحنين بقلبه، وأيقظ كل هذه المشاعر الملقاة على أرائك النسيان؟ من همس بأذنه؟ من غمز إليه بطرف العين وداعب كل الأحاسيس التي كانت قد دخلت في سبات؟

ربما تسللت إلى قلبه قصيدة عتيقة من تلك القصائد التي كنتُ أحتسيها كل صباح، وكلما غامت السماء، أو ضاقت بي الاحوال... قصيدة كنتُ أحيا بها، أنتمي اليها، أعيش داخلها... وحين خرجت منها بقيتُ خارج الزمان والمكان.
 أنا، ونبضي الثائر، وفنجان قهوتي، ومقعدي، وكل ما تبقى مني حيًا يرزق نريد أن نخش هذه القصيدة المتسللة؛ أن نستنشق منها عبير الحياة، نرفع هذا الوطن الممدد على سرير الشقاء قليلًا من أرض النزاعات، نعيد وضع أنية الزهر في مكانها؛ لتنهمر منها الأغاني العتيقة  كشلال ماءٍ صافٍ على قلوب أنهكها سنوات العشق والانتظار، نريد أن نعيد رسم هذه الحياة بألوان لا تذوب ولا تتلاشى مهما عربدت في الأفق زوابع وأعاصير.
لكن أين هي القصائد؟ أاين اختفى الشعراء؟ هل حقا مات الشعر، ورحل الشعراء؟  وكيف نجت هذه القصيدة الفارة من براثن الموت على أوراقي بسلام؟
هذه القصيدة هي النبوءة الجديدة، هي الفرج القادم من السماء؛ سأزرعها بين الحروف، وأرويها بكمشة مطر، وألقي بها على أعين الشعراء؛ فقد تزهر حبات الياسمين، ويتسامى النخيل، وينضج الزيتون، وتفوح روائح البرتقال والليمون، ويتشقق الغيم؛ فترتسم ألوان الفرح على ملامح الطرقات... نعم، قصيدة واحدة تكفي لترميم كل هذا الخراب، وتحيي من جديد قلوب الشعراء.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

طريق جديد في الذكرى الرابعة عشر لرحيل أبي

من خاطرتي دون مقدمات

في الذكرى الخامسة لرحيل أخي جواد البشيتي