مسار آخر.. في الذكرى الخامسة عشر لوفاة أبي
مسار آخر
هل حقًا أن هذه الأرض تدور بنا؟ ماذا لو أفلتنا من هذا الدوران؟ وخرجنا من هذا الإطار؟ وأصبحنا ندور... ولكن في مسار آخر... الأرض فيه تشبه هذه الأرض، والسماء أيضُا تشبه هذه السماء لكن ما بينهما مختلف كل الاختلاف؟!
لماذا اصبحت الحياة صعبة إلى هذا الحد؟ هل دخلنا مسارات مغايرة تمامًا؛ تبدو سهلة وأليفة، لكنها في الحقيقة شرسة وتحمل في طياتها بعض العداء!
لم أكن أتخيل يومًا أنني سأكون في صراع مع الحياة؛ فقد كانت هي الأم العظمى لنا جميعًا؛ قد أتخيل مثلًا أن أختلف مع بعض الطيور، أو أن تشاكسني بعض النباتات العنيدة، ولربما تخيفني بعض حيوانات الغابة في ليلة يكون ظلامها حالك! أما الحياة فلم تكون خصمًا لي في يوم؛ بل كانت هي الصدر الحاني، والقلب الرؤوم ، واليد التي تطبطب على الأوجاع حتى تزول، ، كانت دومًا تعيد الأمور إلى نصابها، تعقد المصالحات بيني وبين أزماتي النفسية، ترأب التصدعات والشقوق التي تظهر فجأة على جدران الحياة، تميط الشرور بعد أن تكون قد نالت مني وأنهكتني، تدرء عني بعض المخاطر التي كانت تنوي تكوير نقطة النهاية.
اليوم الحياة تخلت عني، لم تعد تتدخل بيني وبين ما يحدث أبدًا! أصبحتً مسؤولة عن نفسي بنفسي؛ ربما ظنت أنني قد بلغت سن الرشد حسب قانونها طبعًا، أو ربما تظن أن مقدراتي أصبحت تفوق مقدراتها، أو ربما هي فعليًا قد تخلت عني!
أيقنت ما أيقنت، واقتنعت بما اقتنعت وامتثلت لأمر الحياة مرغمة لا راضية، لكني اليوم لاح لي خاطر آخر؛ أن أكون أنا من خرج من هذه الحياة، خرج من دون قصد أو دراية عن هذا المسار... وأن الحياة لا تزال تبحث عني في مساري القديم، وتتفقد وجودي، وتنتظر عودتي مع باقي الغياب...وأنا خرجت، وتهت، وأهيم حاليًا على وجهي في مسارات تشبه ذلك المسار لكن ليس نفسه، أرضه تشبه أرضي، سماؤه تشبه سمائي... لكنه مسار آخر لم تحتضنه تلك الحياة
من هذا المسار الجديد ومن قلب التيه والضياع أدعو الله أن يرحمك يا أبي ويجعل مأواك الجنة وأن يلطف بمن بقي على قيد التيه والضياع.
تعليقات
إرسال تعليق