"سوا ربينا"
"سوا ربينا"
أفقت من نومي وأنا أدندن اغنية عتيقة معتقة معبقة برائحة الماضي الجميل، لا أعرف كيف قفزت إلى ذهني واحتلت كل مساحات الفكر والتأمل لهذا الصباح؟! "سوا ربينا، سوا مشينا، سوا قضينا ليالينا" وقفزت بي الذكريات لعقود من الزمن، ذلك الزمن الجميل الذي كانت تفوح منه رائحة الزمان، المكان، الكلام، الكتب العتيقة التي كنا نتخاطفها كحلوى العيد، الموسيقى التي كانت تنداح وتفوح وتتسسل إلي رئتينا كأريج الياسمين من نوافذ الجوار.
كانت أقسى الأمنيات في ذلك الوقت أن يحل المساء سريعًا؛ كي نفتح التلفاز ونشاهد برامجنا الأثيرة، كانت هي المتعة الوحيدة التي ننتظرها منذ اشراقة الشمس، لحظات خاطفة لكنها مؤثرة وراسخة في الفكر والوجدان، "سوا ربينا" كانت من هذه اللحظات المفعمة بالحب والحنين والهدوء.
اليوم بعد أن طارت تلك الأيام وحطت على أسطح عالية وبعيدة، لم تعد تصل إلى أسماعنا "سوا ربينا" ولم نعد نتذكرها أبدًا؛ لم نعد نستيقظ كعادتنا عندما نشبع نومًا وأحلامًا؛ بل حين يوقظنا هاتف صغير ينام على وسادتنا، يزيح الستائر، ينير المكان، يجلس معنا؛ ليحتسي قهوة الصباح التي يختارها لنا كخيار مثالي لهذا الصباح، يرتب لنا خطواتنا إلى اليمين أو إلى اليسار أو إلى الضياع والتيه في صحراء الوقت!
أخبره أني مشتاقة لأمي فيحضرها إلي بثوان عبر مكالمة حية! أخبره أنني في ضائقة مالية فيفتح إليَّ آفاقًا تدر عليَّ الربح الوفير، أسأله ماذا أفعل في أيام العطلة فيقدم إليَّ ألف برنامج للتسلية، أخبره بأنني أعاني من الملل؛ فحياتي اصبحت مقتصرة عليَّ، وعليه، وعلى اقتراحاته التي لا تنضب... فيقترح عليَّ، بل ويغريني أنا أجلس معه في المنزل بعيدًا عن أعين الناس وألسنتهم، ويضمن لي ألا أشعر بالملل؛ فقد احتلني بالكامل.
أفقت أدندن خلسة "سوا ربينا" فلم أجد حولي أي أحد؛ فكل ما هو هنا يتحرك، ينطق، يعبئ وقتي، فكري، حياتي، مشاعري، خططي وأحلامي مجرد زر صغير في هاتف!
زر صغير يجعل حياتي سهلة لدرجة الملل، يمحو ذكرياتي العتيقة التي تفوح منها رائحة الأماكن والبشر؛ ليتركها فارغة، خالية من كل شيء... إلا من هاتف صغير ينام على وسادتي ويحتلني بالكامل، ولكن كيف تسللت إليَّ "سوا ربينا، سوا مشينا،سوا قضينا ليالينا"؟!
تعليقات
إرسال تعليق