يدغدغ قلبي بصوته الوردي؛ فأسمع طرقات الحنين
على النوافذ والأبواب... لكني حين أُقبِل عليهم لا أجد أحدًا! فقط صوته الخجول
يحاصر الزمان والمكان وتلافيف الذاكرة.
الوطن الذي غاب خلف المدى وأصبحتَ ترثيه بقصيدة ودمعة، وتستل سيفك ملوحًا إلى زيتونة لا شرقية ولا غربية، ملت من طول الانتظار، ذبلت في الغياب، لكن زيتها بقي مضيئًا، وجذعها منتظرًا؛ كي نرسم عليه ما تبقى لنا من أمل بعد أن غدت أسماؤنا طيورًا ورقية بلا أعشاش.
إلى نيسان . ماذا أهديك يا نيسان في عيدك ؟ أأهديك باقة من الورد .. أم إكليلاً من الزهر .. أم أهديك عنقوداً من الياسمين .. أم ماذا أهديك يا نيسان وأنتَ الربيع كله .. ماذا أهديك وأنتَ كل الربيع ؟ كلُّ هذا الربيع لي ؟! كلُّ هذا الربيع بحدائقه الغناء التي ظهرت على شرفات الكون فجأة .. كأنها خلعت عن رأسها عباءة الشتاء الثقيلة وألقت بها وبكل ما تحمله من دموع تحجرت على وسائد المقل .. دموع لم تجد لديها وقتاً للانهمار بعدما احتبس المطر والدمع في شرايين السماء .. ونحن نغرق في بحور من الهم تسري لتصبَّ في محيطات من القهر والضياع والقلق .. كلُّ هذا الربيع لي ؟! جئت يا نيسان .. أضأت لنا شموع الربيع على رؤوس الأصابع .. نثرت الورود على شرفات القلوب .. وفاح من كفيك عطر الربيع فملأ أنف الكون عبيره .. وعبقت بشذى رائحته رئة الكون وأنفاسه .. ومع ذلك بقيت هناك دمعة عالقة بين الأهداب .. كل هذا الربيع يا نيسان وقلب الحبيب لا يزال يتقلب كتقلب " شباط الخباط " .. لا تعرف متى يكون شتاؤه .. متى يكون خريفه .. متى تنطفىء نيرانه ؟ يهطل بغزارة .. ثم يجف فجأة ...
في الذكرى الخامسة لرحيل أخي جواد البشيتي تبكيه بحرقة؛ فقد كان رحيله مفاجئًا؛ أدمى قلبي عويلها، أقترب لأخفف عنها لكنى أخشى أن تراك في عيوني فتخر أرضًا؛ لتيقنها أن هذا الفقد لن ينسى، وأن هذه اللحظات ليست عابرة؛ فلغة الفقد أكبر من لغة الحزن، ولغة البكاء، وضجيج الذكريات... ومع ذلك فأنا أعظها بالنسيان، وتخطي هذا الحزن، والنهوض من جديد... ثم أتكئ على ذراعيها لأنهض! لم أعد أنقل إليك أخبار الوطن؛ فهي أخبار حزينة... أكبر من كل الحزن الذي عرفناه يا جواد؛ فهناك خريطة جديدة للألم؛ وطرق منزوية، منزوعة الأمل... لكن من كتبت عليه خطى مشاها... وها نحن نمشي نحو المجهول، ونربى في داخلنا عناقيد الأمل؛ ربما تثمر يومًا ونقطف منها جنان الوطن! نم قرير العين يا حبيبي... أن استطعت أن تغفو؛ بعد أن أحتل الأرق جفني الوطن، وتاهت على أهدابه قوافل المهجرين من وإلى منافي العدم.
تعليقات
إرسال تعليق