ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الأربعاء، 30 مارس، 2011

يوم في حياتي " لسه بخير "

يوم في حياتي
" لسه بخير "
كان صباحاً غريباً جداً .. لم أستطع قراءة سطوره رغم أشعة الشمس التي كانت تغمر ذلك الصباح في هذه الأيام الحارة من السنة والتي ازداد لهيبها بفعل موجة حارة قُذفت علينا من إحدى بوابات الجحيم .. وما كان علينا سوى تلقيها برضى رغم الامتعاض الشديد الذي كان بادياً على الجميع .
تناولت قهوتي وأنا شاردة الذهن .. لم أستطع تمييز مذاقها هل كان حلواً جداً على عكس ما أحب وأشتهي  فأنا كنت بحاجة لكمية كبيرة من السكر تتغلغل في شراييني .. فهذا يوم جديد .. يوم مختلف عن باقي الأيام .. لا أتنبأ بنجاحه .. ولكنني مصرة على المضي قدماً فيه إلى أخر قطرة من قطرات هذا النهار .

نزلت إلى الشارع وكان برفقتي بناتي الأربع .. كن لا ينقصن عني امتعاضاً ويأساً ولكنهن كن مجبرات على إطاعة هذا الأمر الذي ألقيت به في وجوههن  بكل ما أوتيت من قوة ومن قسوة في حينها .
يجب زيارة المنزل .. ذلك المنزل .. المنزل العتيق .. المنزل الجديد .. لا أدري إن كان هو منزلاً عتيقاً بحجم ذكرياتنا الحلوة فيه أم جديداً لأنه حديث العهد ؟
فهو لا يزال قيد الإنشاء .. ليس كله .. إنما أجزاء منه فقط .. وأنا أريد ذلك الجزء الذي عشت فيه ولو لأيام قلائل .. أريد أن أعيد في ذاكرتي تلك الأيام الخوالي .. أريد أن أجلس في ذلك الركن الهادىء مقابل نوافذ الصباح .. أريد أن أستقبل صباحاً واحداً من تلك الصباحات  الأيلولية الجميلة .. أنا وأيلول وقهوة الصباح وصوت فيروز يدندن " ورقه الأصفر شهر أيلول تحت الشبابيك ذكرني فيك " .. لم يكن الوقت أيلولاً أبداً لكن غيوم أيلول كانت ترافقني .. ربما كانت تظلل قلبي وتحرسه من لهيب آب اللهاب ..

أشرت بيدي إلى سيارة " تكسي " لتقلني أنا والبنات إلى هناك .. دلفنا داخل السيارة بسرعة رهيبة حتى لا ينتبه السائق إلى عددنا الذي يتجاوز العدد المسموح به في هكذا سيارات .. نظر إلينا السائق وامتعض جداً حتى بان على ملامح وجهه التي انكمشت في وجوهنا لكنه تغاضى عن ذلك بدافع من القهر وليس بدافع اللطف وتظاهرت أنا بأنني لم أرَ سوء الترحاب هذا وأدرت وجهي وكأنني لا أرى شيئاً ..
كان على غير العادة سائقاً أنيقاً جداً .. ليس وسيماً جداً .. لكنه كان على قدر كبير من الأناقة والترتيب وهذا ما أدهشني في البداية .. سائق تاكسي وبهذا الترتيب .. وبهذه الأناقة ! لكني لم أشغل فكري كثيراً بهذا الموضوع لأنني خمنت على الفور أنه قد يكون موظفاً في دائرة ما ويعمل سائقاً لبعض الوقت من أجل تحسين ظروفه المعيشية .. وهذا أمر وارد للغاية .

بعد أن أوشكنا على الوصول قلت له ببلاهة شديدة : هل تعرف عمالاً هنا يؤدون لي بعض الأعمال المنزلية ؟
نظر إليَّ " باستقراف " وقال لي بتعجب شديد .. عمال هنا وفي هذه المنطقة ! أنا لست من هنا .. لماذا لم تخبريني حين كنا هناك ساعة صعدت إلى السيارة ؟
قلت وأنا شاردة وتعتريني حالة البلاهة والبلادة ذاتها : أريد عمالاً الآن .. ممكن ؟
أدار السيارة وهو ممتعض ثم قال بصوت مقهور سنذهب إلى الإشارات الضوئية .. هناك قد نجد عمالاً إليك !
ذهبنا إلى إشارات المرور .. وأخذ بدوره يسأل عن عمال ولكن لا فائدة ترجى من السؤال .. سألني ماذا تريدين من العمال ؟
قلت لدي ستائر أريد تركيبها ..
ضرب المقود بيديه وصاح هائجاً تريدين عمالاً بمبلغ وقدره ( .... ) لأجل تركيب ستائر ؟
قلت وأنا مثبتة رأسي للأمام كأنني لا أراه وبنفس البلادة أجبته .. نعم .. وقد ينقلون أيضاً بعض الأمتعة .. ثم تابعت أنا لم أكن أعلم أن أجرة العامل هنا مرتفعة إلى هذا الحد ولكن كل هذا لا يهم الآن ..  المهم أنا أريد عمالاً وبسرعة  ..
ضرب يداً بيد وقال لي اسمعي هل تعطيني هذا المبلغ وأقوم أنا بتركيب  الستائر ؟
نظرت إليه بإشفاق وقلت لنفسي ما عليه لو كان سيستفيد هو من ذلك .. على الرغم من نشافة محياه لكنني مضطرة أن أوافق ..
قال باستفسار : هل ساعة واحدة تكفي لهذا العمل ؟
قلت حسب مجهودك .. هذا يعود إليك ..
أدار السيارة وعدنا للمنزل ..

دخلنا المنزل .. كان المنزل ليس معتماً فقد كنا في وضح النهار .. ولم يكن حاراً جداً لأن المنزل مشرف ومطل على أعلى منطقة بذلك البلد .. يعني ببساطة منزل يصح أن يكون مصيفاً ..
ومع ذلك قال لي ممكن لو سمحت أن تنيري لنا المصابيح ؟
أجبت بنفس البلاهة :  لا .. لا يوجد تيار كهربائي بالمنزل بعد .. ذهب زوجي لدفع فاتورة الكهرباء ووصل التيار مجدداً ..
قال لي أخبريه إذاً أن يتعجل في ذلك .. عما قريب ينتهي دوام الموظفين هنا .. ضحكت في سري لأنها انطلت عليه .. لكنه على ما يبدو كشف كذبتي فيما بعد حين ألقى نظرة سريعة على المنزل فقال كمن يتذاكى هنا أصبحت الأجواء حارة كالخليج تماماً .. كأنه يريد أن يستدرجني لأقول له نعم فأنا آتية من هناك .. لكنّي تجاهلت كلامه وقلت له : هاك الجسور ركبها لو سمحت  وأتممت بأعماقي والدنيا لا تزال فيها رائحة النور ..
قام وركب جميع الجسور الخاصة بالستائر وعاد بعد ساعة كاملة يلهث ويتصبب عرقاً .. فالأجواء في منتصف النهار تكون حارة جداً ..
ناولته كوباً من الماء كانت إحدى بناتي ذهبت لشرائه مع بعض العصائر والحاجيات .
أين الستائر سألني بهمة عالية يريد أن ينتهي ويقبض الأجر ؟
قلت له : لا أدري .. حاولت أن أتذكر أين يمكن أن تكون هذه الستائر .. نظرت إليه وقد بدأت أناقته تتناقص شيئاً فشيئاً  .. لكنني لم أكترث .. قلت له تعال معي وفتحت إحدى الخزائن وقلت له ابحث في هذه الأكياس.. قد تجدهم هنا ..
تناول الأكياس وفتحهم فوجد الستائر الذهبية الجميلة في داخلهم .. قام على الفور إلى المغسلة وغسل يديه .. أعجبتني هذه الخطوة جيداً .. شعرت كم هو نظيف ومرتب وكيف أن الله جل جلاله قد أكرمني به فماذا كان حالي لو جاءني عامل لا يميز كيف يغسل يديه عند لمس الستائر .. وكيف لو ترك بقعاً من يديه على هذه الستائر  الذهبية الناعمة ؟
فتح الستائر .. تفقدها .. ثم رفع بصره إليَّ  وقال لي بصوت خرج كالمدفع : ما هذا ؟
هذه الستائر تركب مع الجسور ..
قلت ماذا يعني ؟
ضرب يداً بيد وقال لي هذا يعني أن أرجع وأفك كل هذه الجسور وأعيد تعبئتها وتركيبها من جديد ..
نظرت إليه بنفس البلادة التي كانت تعتريني في ذلك الأثناء . .. وقلت في سري ولم لا يعيدها  ألن يقبض أجراً  فليعمل فيه إذاً ..
تناول الستائر وهو يتمتم بكلمات  " هذا اللي بيرد على النسوان "  تظاهرت بأنني لم أسمعه وقام هو لتركيبها ولكنني هذه المرة بصدق أشفقت عليه .
عاد بعد أن أنهك تماماً وقال لي : هل هناك أي عمل آخر ؟
قلت نعم أريدك أن تنقل بعض الأدوات الكهربائية كالتلفاز والفيديو والمذياع  وتعيد كل منهم إلى مكانه الأصلي وأريدك أن تلقي بجميع هذه الأشياء من وسائد  وحرامات  وأغطية  ووووو  إلى  خارج المنزل ..
نظر إلى باستغراب .. تريدين أن ألقي بجميع هذه الأشياء للخارج .. حرام عليك ..
قلت نعم لا أريد سوى الأسرة الفارغة .. سأشتري أشياءً جديدة الآن ..
قال لي وهو يحاول أن يتوسل .. يحاول أن يقنع هذه الإنسانة التي يبدو أنها لا تقتنع .. ما رأيك أن أضع إليك بعضاً منها هنا .. على جنب .. إلى حين تتمكنين من شراء ما تريدين ثم تلقينها في حينها ؟
قلت لا .. لا أريدها في المنزل ..
قام المسكين بنقل جميع الأشياء إلى الحديقة تمهيداً لإخراجها من المنزل كلياً .. ثم عاد بعد أن أصبح التعب والإرهاق بادياً عليه وأخذ شكله يتحول تدريجياً إلى ذلك الشكل الذي يكون عليه العمال .
قال لي بنبرة مهدودة ماذا تريدين بعد ؟
قلت : اسمع أريدك أن تصطحبني بسيارتك إلى أول الشارع .. هناك سوقاً أريد أن أبتاع منه متاعاً جميلاً ومناسباً لهذا البيت .
قال لي وهو يضع يده على رأسه : "حاضر يا ستي" .. وبدأت لهجته ترق نوعاً ما وحاول أن يبدي تعاطفاً لا سيما أنه لاحظ أنني وحدي ومعي البنات فقط وهن لا يستطعن القيام في هكذا أعمال وأن موضوع زوجي والكهرباء كان كذبة لأحمي فيها نفسي من رجل غريب يعبر البيت ولو بصفة عامل .. فالحرص واجب بكل الظروف ..
ذهب بيَّ إلى السوق وقال لي هذا مكان مناسب لما تودين شراؤه ..  أنزلي من السيارة وابتاعي ما تريدين ..
قلت له باستنكار :  ألن تنزل معي .. أنا لا أعرف كيف تتم عملية الشراء ولا أعرف النوع الجيد ؟
هز رأسه وضرب يداً بيد وقال لي " يختي إنت من وين طلعتي لي " ثم قال لي أنا أبو فلان وأنت قلت أنا أم فلان .. قال تفضلي لشراء ما تريدين .. ومن هذه اللحظة اعتبري نفسك أختي وأنا أخوك وفي خدمتك يا أم فلان .
نزل إلى البائع وطلب منه أن يعرض لنا كل ما لديه من لوزام المنزل وعندما اخترت ما أعجبني .. قلت له تفاهم معه على الثمن وأنا سأعود إلى السيارة .. عاد بعد قليل وبدأ بوضع المشتريات في الصندوق وأعلى السيارة وربطهم بشكل جيد .. ثم عدنا للمنزل ..
عندما وصلنا كان قد حفظ الدرس فقام ونزل إلى المنزل وفتح الباب ونقل جميع المشتريات إلى الداخل .. كانت الدنيا ساعتها تميل إلى الغروب ..
وضبّتُ  أنا بدوري جميع المشتريات بشكل  سريع ثم خرجت إليه ..  كان ينتظرني عند باب السيارة .. كنت أريد أن أنقضه الأجر الذي اتفقنا عليه .. وصلت فوجدته واقفاً مطرقاً رأسه إلى الأرض .. رفع رأسه حين رآني قادمة وقال لي .. الدنيا تميل إلى الغروب وعما قليل يحل الظلام والمنزل لا يوجد به إنارة .. تفضلي كي أوصلك أنت والبنات من حيث أتيت في هذا الصباح .. لن تجدي سيارة تقلكم وأنتم بهذا العدد غير المسموح بنقله بسيارة واحدة ..
كان عرضه مغرياً .. لكن البقاء في المنزل ولو لساعة واحدة فقط أتناول فيها فنجاناً من القهوة مقابل تلك النوافذ التي تطل على أيلول ودندنات فيروز تصلني من مذياع يعمل لو بالبطارية في تلك الأثناء  .. كانت جميعها أجواء تغريني بالبقاء ولو لساعة زمن ..
نظرت إليه وأنا فعلياً ممتنة له .. كانت كل خلية من خلاياي تنبض بالشكر له .. قلت له ببلادة لكن مصطنعة هذه المرة .. كم تريد ؟
ضحك ضحكة حزينة وقال لا أريد شيئاً ..
قلت :  لا .. هذا لا يجوز .. نحن اتفقنا على مبلغ ما ولكن أنا بصدق أخجل أن أناقشك بهذا الموضوع فأنا اعتبرتك أخي وأنت اعتبرتني أختك والله شاهد على هذا ولكن بصدق يجب أن تأخذ هذا المبلغ مني لأنني لن أقبل .. ربما كان  المبلغ ضعف ما طلب أو أكثر .. لكن أنا كان بودي أن أدفع له أضعافاً مضاعفة .. ليس لأنه ساعدني بمروءة وشهامة نادرة جداً في هذه الأيام .. بل لأنه استطاع أن يثبت لي أن الدنيا لسه بخير .



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.