المشاركات

فداء ... عصفورة كانون

فداء... عصفورة كانون على غير عادته أمطرَ كانون بعصفورة بهية أسميتها فداء... هطل ثلجه غريبًا ذلك العام، كان هطولًا رقيقًا، ناعمًا، يداعب الوجنات برقة الفراشات وينشر الفرح على ملامح الكون.  بزغ الفجر على مهلِ في تلك الليلة الباردة حاملًا   بين يديه البشرى... عصفورة قلبي الشقراء. عندها ضحك الكون فسمع ضحكته الفؤاد، وزغرد، ورفرفت أهازيج الفرح؛ فانثالت من عيني الكون اللألئ: مطرَا وبَرَدًا ورقائق بيضاء؛ فابتهلت روحي بالشكر وقبّلت يديِّ السماء. أضاء الفرحُ قنديلًا في قلبي... مع كل حرف تلعثمت به صغيرتي كنت أنسج منه وشاحًا لعمري، مع كل خطوة صغيرة خطتها عصفورتي كنت أكحل على عيون الشمس بأنامل أم يملؤها الحبور ويغمرها الفرح: كانون أضاء، كانون أزهرَ، كانون أثمر، كانون أحال العصفورة الندية إلى صبية تفوق الحسان ذكاءَ وجمالًا وبهاء. أحببتُ كانون وثلوجه التي كانت تطبق على صدري حين تغمر باب البيت وساحات المدينة! كنت أضيء شموع الفرح كل كانون وأذيب بعضًا من الصقيع المتراكم حول البيت، وعلى الطرقات التي كانت ترتجف من البرد والزمهرير، وتنكمش داخل صفائح الصقيع، بينما أشعل الفرح بأ...

هل كنتَ رقماً ؟

هل كنتَ رقماً ؟ في زمن السقوط لا يرتفع إلا الخفيف .. ولا يطير إلا الخفيف .. ولا يحلق إلا الخفيف .. وكل ثقيلٍ يهوي إلى الأرض أو إلى تحت الأرض .. أما ما يرتفع ويطير ويحلق في الفضاء فهو إما ريشة .. أو ريشة .. أو ريشة .. لذلك لا عجب أن انفضضن من حولك .. لا عجب أن انفضت نون النسوة من حولك .. وماذا يعني إليهنَّ رحيلك ؟ رحيلك بالنسبة إليهنَّ كان غياب ذلك الجسد .. ذلك الجسد الذي كان عقداً من الغيرة يزينَّ فيه أجيادهن حين كنَّ يحضرن لمقابلة الصباح في حضورك .. تنازعن كثيراً على ارتداء هذا العقد .. وتجاذبن أطراف الخلاف .. ومزقن كثيراً من القصائد المعلقة .. وعقصن ضفائر الجدال .. في رحيلك المفاجئ فرط عقد الغيرة حبة إثر حبة .. ولم يبقَ منه إلا ذلك الخيط الرفيع تتعلق فيه بعض الحبات جلسن للنحيب وذرف الدموع والذكريات على باب قبرك .. فهل تسمع روحك الطاهرة نحيبهن ؟ هل كنتَ رقماً في سلسلة أرقامهن التي تطايرت ريشاً في مهب الريح .. في زمن السقوط ؟ هل كنتَ رقماً في حسابات اختصرها الزمان على حين غرّة فاختصر معها مشاويرَ كان يقوم بها الصباح كل يوم حين كان يحملهن إليك على ضفاف الشوق ويلقي بهن إلى موائد الشعر لي...

رسائل إلى أمي .. الرسالة السابعة والأخيرة .

رسائل إلى أمي الرسالة السابعة .. والأخيرة . رسالة مغمسة بالحزن على فراقك يا غالية .. ما كان في الحسبان يوماً أن تتوقف رسائلي إليك فجأة لتعلن النهاية وتضع حروف النعي مكان حروف الشوق والحنين . اعتدت أن أشرب القهوة مع عينيك كل صباح .. وأن أدلق همومي وأوجاعي في كأس نهارك .. وأن تمسحي بكلامك الدافئ آثار الوجع والقهر والحزن . اليوم بعد أن أضحى فنجانك فارغاً .. ومكانك فارغاً .. وصوتك مهاجراً .. لم يعد بإمكان الحروف أن تنطلق من جوفي .. وما عاد بإمكاني أن أحتضن فنجان القهوة بين يديِّ لأنه أصبح بارداً جداً .. يخلو من دفء أحاديثك وأنفاسك . كنتُ قوية كما كنتِ تتمنين .. عملتُ بوصيتك أن أكون الشجاعة .. القوية .. الصلبة .. التي لا تنهار .. ولا تنحني أمام قسوة الأيام وجبروتها .. ولكنك أمي .. أمي وحبيبتي وقلبي ووطني وكل عالمي فكيف سأبقى تلك القوية الشجاعة البطلة التي تقهر الصعاب وأنا أدفن قلبي وأرحل ؟ ومع ذلك أحاول جاهدة أن أكون بطلة مثلك .. بطلةٌ كنتِ حتى آخر نفس .. بطلةٌ كنتِ حتى آخر رمق .. بطلةٌ كنتِ وسجلتِ أعلى رقم في البطولة عندما أخرتِ الموت دقائق معدودة حتى آتيك من غربتي .. وأقبّلُ يديك الطاهرتي...

عذراً سيدتي ومولاتي .

عذراً سيدتي ومولاتي عذراً أمي .. عذراً سيدتي ومولاتي .. عذراً يا أمي لأنني في هذا اليوم لا آتيك محملة بباقات الورد .. لم أكتب فيك شعراً ولا نثرأ .. لم أرسل مع الحمام الزاجل إليك زهور قصائدي مغلفة بأريج القوافي .. عذراً يا مولاتي ..لأنني في هذا اليوم لا أحمل إليك إلا قلبي المسكون فيك .. وألبوم الذكريات .. نار الوجع بقلبي تهب هبات ٍ هبات .. لا يطفىء نيرانها إلا صورة لك على غلاف قلبي تدعو لي بالمسرات .. لم أجد حولي أحداً يستطيع أن يقرأ معي ألبوم ذكرياتي .. ليس سواك أنت مولاتي من يجيد قراءة همي وتصفح ألبوم عمري على تلك الشرفات .. الصورة الأولى .. هناك تحت ظلال ليمونتنا العتيقة .. همست بأذني أن أتناول سراً قطعة من الحلوى لأنني سمعت نصيحتك ولم أقتح باب الدار وأنطلق كعادتي أعانق جدران الحارات .. مذاق الحلوى لا يزال شهدها يسيل مع لعابي ورائحة الليمون لا تزال تتسلل كل ليلة إلى أنفي .. تعانقني وتدعونني أن أقطف ليمونها وأعصره في قلبي فأشفى من الوجع .. من المرض .. من القهر .. من ضربات الزمان .. الصورة الثانية .. مدرستي وحقيبتي التي كانت تعج بقصص ملونة ودمية جميلة ضفائرها بلون الذهب .. لا تشبهني .....

على صدر أمي

على صدر أمي تضيقُ بنا الحياة ذرعاً .. تصعب علينا .. تقسو علينا .. لا يوجد صدر حنون نبكي عليه .. لا يوجد كتف بار نستند إليه في الشدائد .. لا يوجد من يكفكف الدمعة .. من يهدهد الآهة .. لا يوجد سواك يا حرف فهل تستوعب أنت كل هذا ؟ هل تستطيع أن تكون حضن الأم في لحظات الغياب ؟ هل تستطيع أن تكون صدر الأب وكتف الأخ وأُذن الأخت ؟ هل تستطيع يا حرف أن تكفكف الدمعة ؟ في يوم ما فوجئت بأن الصدر الحنين الذي أبكي عليه كل يوم وأبثه همومي وأوجاعي .. التي قد تبدو للبعض صغيرة أو تافهة لكنها لي كانت موجعة .. كان صدر أمي هو ملجئي وملاذي . كنت أبوح لها .. أفضفض لها .. أشتكي لها .. أثور عليها .. أبكي أمامها .. أصرخ في وجهها ..أضحك معها وأضحكها .. أُسرّي عنها وتسرّي عني .. تخفف عني كل وجعي .. فأعود طفلة صغيرة ليس لها همٌ في الدنيا سوى أن تسرح شعر دميتها . قالوا لي قبل أعوام " أمك مريضة بالقلب " عليكِ أن تخففي من شكواك إليها .. حاولي أن تعتمدي على نفسك .. وأن تتظاهري أمامها بأن كل شيء على ما يرام .. لا تتذمري من العمل .. من الأولاد .. من زحمة السير .. من قسوة الأصدقاء .. من جشع الجيران .. من ومن ومن .....

لكما أشتاق

لكما أشتاق كم أشتاق لعينيك الزرقاوين وهما تحتضنان أيام عمري .. تشعان فيها الدفء والأمل مع برودة هذه الأيام وقسوة كل البشر ؟ كم اشتاق لتلك اللمسات الحنونة التي كانت تداعب خصلات شعري وأنت تسّرحينها لي عندما كنت طفلة صغيرة فتُسّرح معها هموم عمري كله وأوجاعه ؟ كم أشتاق إلى صوتِك الهادئ عندما كان يردد اسمي وأنتِ لا تنفكين تطلبين مني الكفَّ عن شقاوتي المعهودة .. وأنا لا أبالي لهذا الصوت الذي ما زال يرن في أذني حتى هذا اليوم .. أنني أعشق هذا الاسم .. اسمي .. لأنك أول قلب ناداني به .. ولا أطرب لسماعه إلا من قلبك ؟ كم أشتاق إلى جلسات المساء عندما كنت تضميننا حولك تبثين فينا الفرح والأمل وتزرعين الحب والكبرياء ؟ وأبي الدافئ الشامخ كشموخ جبال بلادي .. كم أشتاق إليه .. وكم أشتاق أنفاسه الزكية العبقة كعبق الفل والياسمين في رياض بلادي ؟ كم أشتاق إلى يده التي كانت تحتضن رأسي الصغيرة وتتمتم عليها آيات من القران الكريم حتى يمن الله عزَّ وجلَّ عليَّ بالشفاء من وجع ألم بيَّ ذات يوم ؟ كم أخجل من دموعكما التي تهاوت بغزارة المطر في شهر كانون وأنا أحمل حقيبة السفر وأنتما ترجواني ألا أغيب وأشعر حيالكم بالعجز ...

إليك أمي

إليك أمي حين تجف الكلمات في حنجرتي .. تمطرني عيناك بغيمات من الحنان والود .. تعطرني بشذى الياسمين والورد .. تمسح بأكفها الطاهرة جبهة قلبي .. وتمرُّ على رأسي .. وعلى ضفيرتيِّ وخصلات شعري . كنت عندما تضيق هذه الدنيا الرحبة بموطىء قدمي .. أناديك " ماما " .. تركضين إليَّ .. تمتصين كل عذاباتي .. تستنشقين كل وجعي .. تذيبين كل ألمي .. تبددين كل آهاتي .. ثم تبتسمين .. وترسمين لي شمس الغد على دفتر الألوان وداخل أبيات الشعر . وتمضين .. تغزلين لنا الأيام من شهد قلبك .. تضيئين لنا حلكة السنين بدعواتك وصبرك .. تنتشرين مع خيوط الفجر تجمعين نسائم الصباح وتُهدينا .. ترقبين خطانا وأنفاسنا .. توجفين .. ترجفين .. ولا تشعريننا .. وعندما يحل المساء تكونين أدفأ حضن يحتويننا . إليك أمي .. وأنا ما زلت طفلة لا تعرف لغة الكلام .. دعيني أقبل كفيك الطاهرتين .. دعيني أختبىء في بؤبؤ عينيك .. أسكن فيهما .. أغفو عمري كله .. فلا توقظيني .