ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الثلاثاء، 4 أكتوبر، 2016

في الذكرى الخامسة لرحيل أبي

في الذكرى الخامسة لرحيل أبي
في الذكرى الخامسة لرحيلك يا أبي أخجل أن أخبرك أن كل ما
تركته لنا من ميراثٍ أصبح قرى عائمة من الخراب، رائحة البارود تُزكم الأنوف
الطاهرة، الدماء لا تتوقف عن تمددها العشوائي في مسارات اليمين واليسار وقفزها
الصبياني في دوائر الوسط.
الأيادي لم تعد متشابكة بل متضاربة، الأراء لم تعد
متوافقة بل متطاحنة، الوطن أصبح يرتدي لون الحداد في الليل وفي النهار على قوافل
الشهداء وعلى من تبقى من الأحياء ينتظر دوره في الصعود إلى السماء.
لم نعد ننتظر الوطن، لم نعد نرسم مفتاح العودة في رأس
الصفحة؛ فنحن في معظم الوقت مشغولون بنصب الخيام وإحصاء أعداد القتلى والمصابين واللاجئين
والنازحين والفارين من الموت إلى بلاط الجحيم.
ما فائدته الوطن؟ سؤال لم يكن يخطر لي ببالٍ عندما كنت
بيننا لا تكفَّ عن الصلاة والتسبيح. لكن بعد أن غادرتنا أنتَ ربما أيضًا غادرتنا
الملائكة فرفعت سجادة صلاتها عن أرضنا وكفت عن التسبيح في ديارنا، غادرت هي وبقيت
الشياطين في أرضنا تعيث فيها فسادًا، تزرعها خنادقَ من الرعب، تعبث بنا وتلهو ولم
يسلم من عبثها سورة أو خبر، ولم تُبقِ فينا صالحًا ولم تذر.
 الشياطين أصبحت
تفوق أعداد البشر فأصبح لكل فرد منا شيطان أو أكثر يحرسه عن اليمين وعن الشمال، من
الأمام ومن الخلف؛ كي لا يفكر قيد أنملة أن يتراجع للوراء قليلًا فيرفع يده
بالسلام أو يفجر جملة بائسة "كيف الحال".
الوطن يرسم ألف علامة اندهاش واستفسار ولكن لا أحد يجيب
الوطن، لا أحد يفكر بأسئلة الوطن العبثية ومحاولته فهم ما يجري من متناقضات؛ فكل
شيطان يرسم في العين الواحدة ألف وطن: وطن في السماء، تحت الأرض، في كنف الجبال،
في عرض البحر، في خيمة على جزر من الجليد أو فوق ثلة من الخُطب. ألف وطن زرعته
الشياطين عن اليمين وعن الشمال وفي حدائق الوسط فلم نعد ندري لأي وطن فيهم ننتمي ونلقي
التحية ونصدح بنشيد العلم.
هذا الوطن الذي كنتَ تحمل اسمه في قلبك، وتكلمنا عنه
كلما دقت حبات المطر على نوافذ المساء، تروي لنا الحكايات تلو الحكايات عن وطن كان
يعبق برائحة البرتقال، وعن "حبَّ العزيز" الذي كنا نأكله مع ذرات السكر ولم
يكن يخرج علينا في حينها من يدعي ملكية المطر!
كانت الأرض يا أبي تسأل عنا إن غبنا عنها، والمطر يبقى
في الخارج منتصبًا إلى أن نفتح إليه الأبواب، كانت السماء تضحك نهارًا فترسل الشمس
إلى كل الحارات وأزقة الفقراء، وكان الليل دافئًا حنونًا يرسل القمر ليحرس قلوب
العشاق.
اليوم لا وطن يسأل عنا، لا شمس تصل خيام الفقراء، القمر
مأجور، الليل خسيس، الوقت عائب، والوطن ألقى بحقائبه إلى مراكب الهجرة  وانتحر على شفتي السؤال.


أرقد بسلام يا أبي فالموت اليوم أصبح صديقًا للعائلة، يصبح
ويمسي بينهم، يرفع عنهم الحجارة المتناثرة وبقايا الأسوار المتصدعة، يصدُّ عنهم
الرصاص الخائن ورياح الشرِّ المستطيرة، ويعينهم على همزات وغمزات الشيطان. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.