ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الأربعاء، 2 أكتوبر، 2013

أوراق أيلولية الجزء الرابع


أوراق أيلولية 4
الورقة السادسة عشر
دبَّت الروح فيه فجأة .. انتفض في مكانه ..ونفض عنه كل ما كان يكسوه من غبرة الموت .. وقال اسقني من ماء الحياة .. فقدمت له كوباً صغيراً كان هو كل ما بين يديَّ ساعتها .. شربه دفعة واحدة .. ربما لم يروِ ظمأه .. ربما كان يحتاج المزيد .. لكنه لم يطلب .. بل اعتدل في جلسته .. ثم قام إلى علبة سجائره الملقاة بإهمال على طاولة تراكمت عليها الكتب والأوراق التي سال عليها بعض الحبر ..
سحب نفساً عميقاً من سيجارته وكأنه يسحب هذه الحياة من جذورها .. أنا لا زلت مشدوهة البصر .. تعتريني كل علامات الدهشة .. كيف استيقظ من نومته التي كنت أظنها النهائية وقفز كأسد يتوعد فريسة .. وها هو يبدأ الحديث عن نفسه .. ولا يتوقف .. وأنا أنظر إليه بدهشة واستغراب ..
كل ما يقوله مهماً جداً .. وأكاد أسمعه لأول مرة  .. ربما أكون سمعته من قبل .. لكنه يخرج منه بحلّة مختلفة .. حلّة جديدة .. أنيقة .. غاية في الترتيب والثقة .. لم يتكلم عن الموت .. عن الحزن .. عن الكآبة .. بل أخذ يتكلم في الميتافيزيقيا ..
نعم أحببت أن أسمع .. كم مضى عليَّ وأنا أعاني من تلوث سمعي .. فأنا آتية من بلاد ومن أقوام يعانون مثلي من التلوث السمعي .. وكنا نظن أننا لن نشفى منه .. ولكني الآن بدأت أتحسن .. وبدأت أذناي بالتقاط الحروف الجيدة للسمع .. الحروف المحسِنة للسمع .. ربما بدأت كقطرات صغيرة ترش بعناية فائقة قرب طبلة الأذن  .. لكنها أثبتت أنها ذات كفاءة عالية لمعالجتي من التلوث السمعي ..
ولامني .. وأكثر من لومي .. ولكن في بضعة حروف .. لماذا تأخرتِ .. لماذا لم تسألي عني من قبل ؟
صدمني السؤال كما صدمني كل شيء قبله .. ولم أجد إجابة واحدة أرسمها على شفتيَّ حين نظر إليَّ يريد إجابة ممن قطعت كل تلك المسافات لتزرع وردة .. فهل هذا يكفي .. وهل هذه إجابة تقنع هذا " المذبوح "  بعد أن عاد إلى الحياة .. وعادت إليه الحياة .. أنني ما أتيت إلا لأزرع وردة .. فكان هو النبع الذي أسقيت منه الوردة .. واسقيت روحي التي كانت على حافة الظمأ .. ولكنها لم تكن تدري .

الورقة السابعة عشر
ربما لم تكن قد دبَّت الروح فيه من جديد .. وربما كانت الحياة تعطيه فرصة صغيرة ليُخرج ما في أعماقه من لآلىء ودرر وينثرها على السطح .. قبل أن يغفو من جديد .. ويذهب في نوم يطول أو يقصر حسب مشيئة القدر ..
وأنا أصبحت لقمة سائغة في فم القلق .. يلوكني القلق على مهله .. يعتصرني بين أسنانه .. ثم يبقيني في فمه .. لا يبتلعني فأستريح .. ولا يخرجني فأفرُّ إلى حيث أقرأ أي شارة أو علامة أو دلالة تقول لي قد عادت به الحياة أو أوشكت ..
أنا التي ولدت ثورة في قومي .. كيف استحلت إلى زهرة بين يديه .. في الصباح أكون بيضاء بلون الإشراق .. وحين تستوي الشمس في كبد السماء أصبح بلون الورد .. وعند المساء أغدو بلون الشعاع فأضيء إليه كل مساحات العتمة .. ليكتب على أوراقي سفر حياته قبل ألف نكسة ونكبة وشتات ..
كيف تضطرب السماء فجأة .. وكيف يكسوها الحزن ..  وكيف تسكن إلى حزن نبيل .. بينما تقفز الأرض دون أن يعتري قفزها ما يعيق .. ما أشد نبلك أيتها السماء وما أفظع جرأتك أيتها الأرض .. قد كان هنا .. على الأرض بين يديك .. ولكن السماء تألمت عليه أكثر منك .. ولبست عليه ثوب الحزن .. وأنت كأن شيئاً لم يكن .. أليس هذا "المذبوح " أحد أبناؤك البررة فلمَ تقسين عليه .. أليس هو من أضاع عمره وهو يرسمك على جدران الغرباء .. ويضع إصبعه على نقطة صغيرة جداً .. لا ترى بالعين المجردة .. ويصرخ في وجوههم .. هذه بلادي .. وبروحي أفديها .. فكيف تتنكرين له بعد كل هذا .. وتستمرين في جريك الدؤوب خلف ظلك المشبوه الحياة .. ولا تقفين برهة صمت تتفقدين فيها من غاب من أبنائك .. ومن حضر ..
يمرُّ الوقت .. ويلوكني القلق .. وتستمر الأرض بالقفز .. والحياة بالغدر .. والسماء في حزنها النبيل .. ويستمر "المذبوح "  بين الحياة والألم .. إلى أن يشاء القدر ..

 الورقة الثامنة عشر

وحيدة ..عدتُ وحيدة .. كما بدأت أول مرة طرق أبواب المجهول فيها لأتعلم منه كيف تكون الحياة .. هذه المرة المجهول علمني كيف يكون الموت !
وبقيت على حافة الانتظار .. مترددة .. متأرجحة بين أن أمضي إلى الأمام .. حيث هو ساكن .. صامت .. لا ينبس ببنت شفة .. أم أمضي إلى هناك حيث قومي ودياري وأصدقاء الطفولة وملاعب كنتُ هجرتها لأجلك أيها " المذبوح "  وما عاد الآن من شيء يجدي .
كنتُ في رحلة طويلة وشاقة .. لا أدري إن كنتُ عدتُ منها .. أم للآن لم أعدِ .. كلُّ ما أشعر به هو أنني عدتُ غريبة .. غريبة .. غريبة ..عن الأهل والقوم والديار والحبِّ .. وإنني عدتُ طفلة تتعلم من جديد كيف نحو هذه الحياة تخطو .. خطوة إلى الأمام .. خطوة إلى الوراء .. خطوة إلى الأمام .. عشرة إلى الوراء ..  
إلى حيث كنتُ .. ولم يبقَ أحد .
لا أدري إن كانت دموعي الآن تسعفني .. إن كانت في شدتي تنفعني .. ربما دموعي للآن لم تفهم ما حلَّ بيَّ من الوجع ..
هيَّ أيام من عمري مرّت عليَّ كالدهر ..أيام ركضت بيَّ بلا وعي ..وتركتني غريبة على حافة الوجع .. أُجلد كل ثانية بسياط الانتظار بلا أمل .. ومع ذلك لا أستطيع ألا أنتظر ..
ماذا أخبر الأهل والأصحاب وبقية القوم .. كل ما حدث .. حدث في ساعة من الزمن .. في غفلة من الزمن .. كنتُ في رحلة خارج هذا الزمان  .. وخارج هذا المكان .. وعدتُ بخفي حنين كعادتي .. وبجرار من الألم ..
الموت .. الموت .. الموت .. لفرط ما تحدثت أيها " المذبوح " عن الموت .. ظننتك أصبحت هو .. مَلَكُ الموت ! ..
 ومع ذلك .. مع كلِّ كآبتك التي كانت تفترش لها مساحات واسعة من أرض السماء .. أنتظرك الآن .. بكل جبروت الانتظار .. بكل عناده وإصراره .. عُد من موتك .. عُد من كآبتك .. فمكانك فارغ .. فارغ .. فارغ .. وبانتظارك .. مكانك فارغ ولن يملؤه أحد ..  والحياة على غدرها وخيانتها أفضل بكثير من الموت .. والبطولة الحقة هيَّ أن تَهزم الموت .. وليس أن تنمق كلمات الوداع .. دع الموت في عقر داره .. لا تستنهضه من نومه .. أبقه في فراشه .. أبقه في غفلته .. وتعال أنتَ .. تعال أنتَ فقط واترك الموت ..  دع عنك الموت .. دع عنك الموت ..
عد أنا بانتظارك ..
 عُد إلى ديارك أيها المذبوح .. عُد إلى ديارك ..


الورقة التاسعة عشر
أيلول انتهت رحلته على الأرض .. انتهت زيارته إليَّ .. وإقامته في دياري .. عليه أن يعود إلى مكانه بين النجوم .. أيلول سيرحل .. ولا بد أن يأخذني معه ويعيدني إلى قومي .. إلى دياري .. ليتني ما غادرتهم .. ولا كنت رهن شارتك يا أيلول  للبدء في رحلة مجنونة كهذه .
ماذا جنيت أنا .. لا أدري .. الآن صعب عليَّ أن أحصي الخسائر .. لكني أصبحت مقتنعة بأنني ما كان عليَّ طرق أبواب المجهول .. فأنا لست بحاجة إلى مزيد من الكآبة يبثها الآخر في أيامي فيتعكرُّ صفوها .. وتتلبد سماؤها بالغيوم الحزينة التي لا تمطر لينقشع الضباب .. بل تبقى رمادية كل الوقت ..
قلبي المسكين حزين لهذا الرحيل .. يريد أن يبقى بانتظار " المذبوح " .. لا يريد أن يبقيه وحيداً .. لا يريد أن يبقيه فريسة للحزن والوحدة والكآبة .. لكن " المذبوح " وصل إلى مرحلة متقدمة من الحزن .. كلماتي وورودي لن تستطيع أن تكون لها البلسم الشافي ..
مدَّ يده إليَّ .. لا تغادري .. قالها بالحرف الواحد .. تحملي كل تناقضاتي .. تحملي شرودي المستمر .. تحملي كآبتي التي لا تنتهي .. تحملي حزني .. ولم يقل تحملي غموضي وأسراري وعالمي الخاص الذي أخفيه عنك .. لم يقل أنني وجدت عالماً كبيراً مليئاً بالغموض والتناقضات .. كثير من التساؤلات طرحت أرضاً لأنها لم تجد لها أي تفسير وكثير من الأسئلة تدور في فلك مكوكي ثم تعود إليَّ فارغة من كل شيء وفي النهاية يرسل إليَّ أكبر علامة استفهام بالكون ويرجوني البقاء ..
أيها " المذبوح " أنا غادرت دياري وقومي لأزرع وردة في صباحك .. وهذه سلة من الورد سأنثرها بين يديك .. اختر ما تشاء منها للصباح وللمساء ولعتمة الليل وتذكرني أيها " المذبوح " حين تشتم كل وردة  ..ولكن لا تحاول أبداً امتلاك الورود .. لأنها ستذبل بين يديك وستموت ..
الوداع أيها " المذبوح " .. الوداع يا كتاب استعصى عليه فهمه واستعصى عليَّ أن أبقى بقربه ..  وكان عليَّ العودة من حيث أتيت .. قلبي قد يحتاج القليل من حبات المطر لتغسله من وعثاء رحلة شاقة كهذه .. ثم سيعود لينبض من جديد .. كأن شيئاً لم يكن .
  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.