ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الثلاثاء، 30 ديسمبر، 2014

همسة في أذن السماء

همسة في أذن السماء
حروفي باردة ، أناملي باردة ، روحي باردة ، مقاعد الحبِّ في بلادي يفترشها الصقيع !
في آخر حديثٍ لي مع ممالك الجانِّ ، قالوا لي : أنهم رفعوا أياديهم عن أرواحنا ،  قالوا لي : أنهم استقلوا سفنهم نحو السماء ، وغادروا الأرض ، ومن عليها ، ومن في جوفها ، ومَن بين الأنقاض .
قالوا لي : على الأرض اليوم ، ما لا تقوى عليه ملوك الجانِّ ، في ممالك الإنس ، جنونٌ لم تعرفه في يوم ، ممالك الجانِّ !
رأيتهم بأمِّ عيني ، التي ترى قليلاً ، قليلاً ، وتبصر كثيراً، كثيراً ، رأيتهم وهم يتغامزون ، ويتهامسون فيما بينهم ، ويقولون في سرَّهم ، لقد انتهى زماننا ، وجاء زمان الإنسيُّ الجبَّار !
رحلت قوافل الجانِّ ، وتركتني أرتعد خوفاً من خاتم سليمان ، الذي سقط بين مدينتين ، فجلجلت الريح ، وأرعدت ، وأبرقت ، وتصارعت ، وتكالبت ، ثم أشهرت سيوفاً من رصاصٍ ، وأضرمت نيراناً من أبناء الغابات ، وأطلقت عويلها ،  صافرات الليل ، حين تداهمها قوافل الذئاب .
تغير شكل الأرض ، من فرط الصعود نحو السماء ، والنزول إلى ساحات الوغى ، فأخذت شكل المقابر ، ولكن على استحياء !
تخاطب المطر بلغة السيد للعبد ، وتقصف الغيوم ببعض الشك ، وتطارد عطارد ، وبلوتو ، وزحل ، تتهمهم بأنهم أبناء زنى ، وأنها ستقيم عليهم الحدّ ، في أول خبر عاجل ، يصدر عن رعاع الأرض .
وقبائل الجانِّ تلملم أذيالها ، وتغمزني بطرف عينها ، وتقول في سِّرها  ، من أين جاءت  ممالك الإنس بكل هذا السحر ، وشعوذة الألوان ، وبأي تعويذة استطاعت أن تحيل هذا الكون ، إلى لون واحد ، الرمادي ، وتتوجه سيدَّ  كل الألوان  ؟
كيف استطاعت أن تلغي الفصول الأربعة ، وأن تُغرق الأرض بأمطار من الغضب ، وتحيل الجنان إلى صحراء من الجدب ، ومقابر لا حصر لها ، ولا عدد ، ومشانق تصل ذروتها عنان السماء ، ثم تنفجر ؟
على هذا الأرض بركان ، يتدفق ، تخرج منه وحوش آدمية ، تقتل كل حرف دخيل على أبجديتها ، لا تتعرف إليه قواميسها ، وتنكلُّ بجثته ، وتلقي به إلى نشرات الأخبار ، ليكون عبرة ، وعظة ، وخبراً عاجلاً في عناوين الصحف .
ويسألني المداد بحرقة ، هل أختفي ، هل أذوب ، هل أتلاشى ، هل ألتحق بقبائل الجانِّ ، فأنا حرف غريب في قواميس الغجر ، أنا حرف بارد في أبجدية النيران ، أنا لن أنتظر حتى أُعلَّقَ خبراً عاجلاً على موائد اللئام ، أو تطاردني أصابع الشك فأبقى رهين المحبسين ، أنتظر براءتي ، كما  بلوتو , وعطارد وزحل ؟
هل تأذن ليَّ السماء بمكان أختفي فيه عن عيون الإنس ، وممالك الإنس ، ومقابر الإنس ، إلى أن تهدأ ثورة الربيع ، وتتقلص الصحراء ، ويهبط المطر حرَّاً ، ليس مخفوراً ، أو مكبل اليدِّ والقدم ؟
سَلْي السماء عني ، هل لي مكانٌ فيها ، قبل أن أصلب على أعواد الظلم ، أو أنتحر ؟



الأحد، 28 ديسمبر، 2014

فقط .. لمن يريد أن يستمع !


فقط .. لمن يريد أن يستمع !
أنتظر الأعياد بلهفة المشتاق ، بفرحة طفل صغير ينتظر العيد على باب الدار ، أعدُّ للأعياد قلباً معطراً بالفرح ، وأمانيَّ لا حصر لها ،  بدءاً من الأمن والآمان ، وانتهاءً بالسلم والسلام ، وأحلم بالعيد دون أن أكترث عيد من ، ولمن ، بما فيه العيد الوطني وعيد العمال .
وفي كل عيد أجلس وحيدة ، أترقب من يقرع الباب ، ....... ولا أحد ، أتذكر أغنية قديمة تقول : " ما في حدا , لا تندهي ما في حدا " ، أطوي صفحة العيد بحزن وملل ، ومع ذلك في كل موسمٍ للأعياد ، أقف في الباب ، وأنتظر العيد بلهفة المشتاق !
عام جديد يهلُّ علينا ، أفرح أنا بالعام الجديد ، وأبدأ برسم خريطة حلم جديد ، يليق بهذا العام ، وما أن ينتصف الليل ، وتعلن ساعة الوقت ، أننا دخلنا بسلام العام الجديد ، حتى تحلُّ بيَّ حالة غريبة من الكآبة الممزوجة بالحزن ، والقهر ، والسخط ، والغضب ،
ماذا يعني عام آخر جديد ؟
يعني الكثير ، وهذا ليس تحاملاً مني على العام الجديد ، وليست مبالغة ، أو سرد عبارات لا يحتملها النص ، هدفها السامي تعكير أجواء الصفو  في العام الجديد .
في العام الجديد ، كبرنا .. فما عادت تنطلي علينا حيَّلُ الكبار ، وأكاذيبهم البيضاء ، من أن الفقر أكثر نبلاً ، والثراء ولد  في أرض ملعونة ، والسماء تغدق  بالمطر فقط على الأراضي الجدباء .
 في العام الجديد ، تكاثرت أعدادنا ، فكثرت الخيام  ، وتمزقت أوصالها من التضخم ، وأصبحَ  لها جيوباً ، وأخذت تجرُّ خلفها أذيالاً ، وتعلَمت كيف تبسط يدُّها للمطر ، إن فاجأها الظمأ !
وفي العام الجديد  ، هرمنا ، فلم تعد خيامنا  قادرة على التصدي بصدرها العاري ، وثوبها الممزق ، لموجات البرد ، والثلج ، والصقيع .
وأصبحنا أكثر هشاشة ، فكل نشرة أخبار تبكينا ، وصور المجازر تستنزف طاقات الأمل فينا ، من حياة أصبح نصفها الملآن دماء ، ونصفها الفارغ تهديد بالفناء !
أصبحنا أكثر حساسية ، فلم نعد نحتمل أكثر من وجهة نظر ، لم نعد نستوعب فكرة الرأي ، والرأي الآخر !
وليس لدينا القدرة على تخيُّل أنه يوجد في هذا العالم من لا ينتمي إلى وجهة نظرنا !
أصبحنا أكثر عدوانية ، فالسلام بين الأخوة بالبندقية ، والتحية بين الجوار بالرصاص ، والويل الويل لمن يقف على نافذة الصباح ، يغازل وردة الجوار .
أصبحنا أكثر أميِّة ، فلا طالبٍ للعلم ، ولا ساعٍ إلى حقول الثقافة ، ولا منتمٍ للفنون ، ولا قارعٍ لطبول الماضي العريق ، ولا مستهلٍ إلا بالسلاح !
أصبحنا أقل آدمية ، وأكثر وحشية ، أصبحنا أقل إنسانية ، وأكثر شيطنة من الشيطان ، أصبحَ ينطبق علينا المثل القديم الجديد المتجدد " جيل  بعبع "  ، " يأكل ولا يشبع ، تنادي عليه ولا يسمع ،  يذهب ولا يرجع "
نحن قد ذهبنا  ، ولم نرجع ! وما يتحرك منا على هذه الأرض ما هي إلا أجسادنا ، لكنها خالية من أرواحنا ، أرواحنا التي ذهبت ضحية الظلم ، وما بقيَّ على الأرض ، هي أشباح الظلم ، والظلام  .
وأبشع أنواع الظلم ، أن يظلم الإنسان نفسه ، فيكسر المرآة التي تعكس بشاعته ، ظناً منه أنه يواري هذه البشاعة ، ولا يدرك أن العالم يرى كل هذه البشاعة بمرآة أكبر  !
في مستهل العام الجديد ، دعونا نتطهر من جهلنا ، من أنانيتنا ، من إفراطنا في الظلم ، من إسفافنا لكل الحقائق ، من التسليم بأن الخطأ وارد ، لأن الاستمرار في الخطأ جريمة لا تغتفر !
دعونا نعيد  الدم إلى العروق ، وإلى الوجوه ، وإلى شرايين الحياة  ، وليس إلى الشوارع  ، والأزقة ، وأبواب المخيمات !
دعونا نغلق بالشمع الأحمر خيام العزاء ، فالحياة للجميع ، وليس من حق أيٍ كان ، أن ينهيها ، وعلى طريقته .
وكل عام وكلماتي ليست ثقيلة على أحد !
ولتحل علينا البركة ، والخير ، والأمن ، والآمان ،
 إذا شاء الله .





الاثنين، 1 ديسمبر، 2014

لقاء الخريف



لقاء الخريف
(1)
أتى الخريف في موعده , كنت في انتظاره , أنا , وقهوته المعتادة , وبعض جرائد الصباح المنثورة بعشوائية على مائدة اللقاء .
حيَّاني الخريف وفي عينيه ألف سؤال , وأكثر من نظرة عتاب :  لماذا لم يخرجوا لاستقبالي ؟
أجبت بنبرة منخفضة تحاول جهدها أن ترتفع قليلاً , وكأنها لم تصفع بالسؤال , وبنظرات العتاب : أتيت أنا , ألا يكفي حضوري يا خريف , وتابعتُ قبل أن يكرر على مسامعي نفس السؤال ,  قلت بنبرة فيها حسُّ المزاح : أنتَ يا خريف تعلم جيداً أنك حين تأتي تمتد الأرض طولاً وعرضاً حتى تكاد ترى كل شيءٍ أصبح أرضاً , وترتفع السماء قليلاً , قليلاً , حتى أنك تظن أن السماء قد رفعت يدَّها عن الأرض , وأعلنت تخلِّيها الكامل عنها للخريف  , وتسليمها إليه تسليم اليد !
وحين لمحتُ في عينيه بعض الاهتمام أدركت أنني في المسار الصحيح فأتممت : والدراسة فتحت أبوابها من جديد فاحتضنت أبناءها , وأخذتهم بين ذراعيها , وأنتَ يا خريف تعلم كل العلم أنَّ أبناءها هم من يهبُّون عادة لاستقبالك , وتزيين الشوارع , والمنصات , وفرد المساحات الحمراء والخضراء , وإطلاق البالونات الملونة في الهواء  , وكل ما يتبع من طقوس الاحتفالات .
يبدو أن الجزء الأخير من إجابتي لم يرق للخريف فهزَّ رأسه دون اكتراث , ثم نظر في عينيَّ , وأردف متسائلاً .. وبقية القوم أينهم ؟


(2)

تلعثمت , ولم أدرِ بمَ أجبه ؟
 هل أقول له أن قومي لا يحبُّون الخريف .. بل ويشعرون أنه كارثة ثلاثية الأبعاد !
 هل أقول له أن النساء في قبيلتي تختفي من وجه الخريف كما تختفي من وجه الشيطان , متشائمة من حضوره الذي ينذرها وربما يهددها بكهولة مبكرة !
وأن أسياد القوم لا يحبذون مخالطة الخريف كثيراً , والخوض معه في أحاديثٍ لا تروق لهم على بال , لأنهم يستشعرون أن الخريف يقصف أجل أحلامهم , ويبدد الكثير من آمالهم مع عواصفه التي تهبُّ دونما سابق إنذار أو ميعاد .
هل أخبره أن قومي جميعهم من الكبير إلى الصغير صرَّحوا لي , وشددوا , على أن ألتقي الخريف على مائدة بعيدة عن حدائقهم , لا يريدون أن يعكروا صفاء أعينهم بأوراق الأشجار الأيلة للتساقط وهي تهبط صفراء , مهترئة , ساكنة , مستسلمة ليد الغدر ..
 يد الخريف .
قاطعني فجأة .. أخرجني من صمتي وذهولي : أما زال قومك من أنصار الربيع .. أما يزالون يرفعون رايات الربيع , ويهللون لقدومه .. أما يزالون يثقون أن الربيع يهديَّهم الورود الحمراء , وقصائد الغزل ؟
الربيع يا صديقتي غدر بهم , وهم ما يزالون على العهد والولاء له , ويتنكرون لي , ويصفونني بأنني أنا ذلك السفاح , مصاص الدماء ,  " الدراكولا " ! وأنا الذي شاهدت بأمِّ عيني أنهار الدماء تسيل من ربيع إلى آخر , حتى أن الشمس اشتكتهم إليَّ في آخر لقاء .. الشمس اشتكت بطش الربيع وتجبره .. وقالت بالحرف الواحد : الربيع تطاول جداً على بني البشر , قصف أعمار أزهارهم قبل أن تتفتح في حدائق العين , و كان شحيحاً في كل شيء ..  إلا في آبار الدمار , فلقد حفر بئراً في حديقة  كل بيت .
سكتُّ .. لم أعرف بماذا أجبه .. فاجئني  بكل ما يعرفه , وأكاد أن أخفيه , وغير مجرى الحديث الذي كنت قد أعددته له .

(3)

نظر إليَّ بحنان مفاجىء وقال : أنتِ لا ذنبَ لك .. أنتِ يا صديقتي بلا أدنى شكٍ تكفين .. حضورك الملائكي يكفي .. ورود استقبالك تكفي .. رحيق كلامك يكفي .. كل شيء منك يكفي ويكفي .. فتعالي إليَّ .. دعينا نشرب أحاديث القهوة معاً .. ثم أقرأ من بعدها عينيك .
تنفست الصعداء أنني خرجت من هذا المأزق بسلام , على الرغم من أنني كنت أثق برجاحة عقل الخريف , وسعة صدره , وأنه لن يقف عند مسائل بسيطة , ويترك حضوري الأكثر أهمية يمرُّ دون أن يقبِّله من بين عينيه , ويتصفح عناوين الأخبار من مقلتيه , ويسمع أعذب الألحان من بين شفتيه , ويغني ملء صوته  كما اعتاد في كل خريف على موائد اللقاء .
بدأت مشوار التذمر والشكوى , ألقيت برأسي على صدره , وأغرقته بدموع اختلط فيها الصدق مع الكذب !
الخريف وحده من يسمح لي بالكذب أحياناً  , كي أبوح له بكل ما يعتمل في قلبي من عواصف , وبراكين ثائرة , وينتزع هو بمهارة الحاوي الحروف الملتوية  كما تُنتزع من العجينة الشعرة ,
 دون أن أشعر أنا , أو يشعرني هو كم بُحت إليه بحديثٍ كذب !
قلتُ  , كما كل خريف أقول , وأتذمر , وأطيل في الشكوى , وحيدة أنا , هجرني قومي , وهجرتهم , وأنني أمضيت الوقت , أعدُّ الساعات بانتظار أن يلوح إليَّ الخريف بيده , وها قد أتيت قبل الوقتِ بوقتٍ طويل لأنمق الجلسة , وأنني وضعت له ركوة القهوة قبل الفجر بدهر , لكنَّه البرد آخذ معه كل أبخرة القهوة , وأنني أرسمه  كل صباح في دفتر الرسم , وأعرض لوحاتي على المارة , لكنهم يمرُّون عنها كأنها غير مرئية لهم , أوكأنني أنا التي لا أرى .
قلت كثيراً .. كثيراً .. وكان الخريف يصغي إليَّ مستمعاً .. لا يقاطع حديثي أبداً .. لكنَّه كان يخرج منديله بين الفينة والأخرى ليمسح الدمع المنكسب بغزارة المطر  ,  قبل أن يخربش الكحل معالم وجهي , فأبدو كلوحة تاهت فيها ريشة رسام فلم تعد تدري أهيَّ أرض أم بقايا حطب ؟

(4)
قلتُ فيما قلت .. لم يزرني أحد .. أمضيتُ الصيف وحيدة أتسلق جبال الوحدة , وأعدُّ الصخور التي من حولي , وأنه قد ينبت الزهر في الصخر لو أطلت المكوث والعدَّ .
قلتُ فيما قلت أيضاً أنَّ الرفاق قد رحلوا .. بعضهم هاجر , وبعضهم انتقل إلى الضفة الأخرى من الحياة , وبعضهم اعتكف في صومعة الصمت , وبعضهم غلَّف نفسه بأوراق النسيان .
وأنَّ الطيور التي كانت تقيم في العش المجاور رحلت .. وأنَّ ديك الجوار الذي كان يوقظني صوته كل صباح قد أصابه الخرس , وينتظر الذبح في أول ربيع قادم .. وأنَّ القطة المشاغبة التي كانت تمزق أوراق الورد أصابتها شيخوخة مبكرة , فذبلت الوردة قبل أن تُقِّطع أوراقها في لعبتها المفضلة يحبني أولا يحبني!
قلت كثيراً , صدقاً وكذباً , بكيت على صدر الخريف كما لم أبكِ قط .. ثم رفعت عينيَّ الممتلئة بالدموع إلى عينيه فوجدتها باسمة , ممتلئة بالحب , والدفء , والحنان , ففهمت على الفور أنه يريدني أن أكمل كذبي , وصِدقي , وبكائي , وأن أبقي رأسي متكئة على صدره إلى أن أنتهي من حديثي , أو يملَّ هو من كذبي .

(5)

قال وهو يرفع ناظريه نحو السماء , ثم يميل قليلاً بنظراته نحوي : كل خريفٍ تشتكي من ذات الوحدة .. يبدو أنك يا صغيرتي لا تتعلمين من الحياة دروساً حقيقية .. أنا وقبل أن تبدئي حديثك الشجي هذا كنت مثلك ممتعضاً من قومك الذين خذلوا قدومي , ولم يأتوا للترحيب بيَّ , ولكنِّي سرعان ما نفضت الفكرة من رأسي , ليس لأنَّ حضورك وحده يكفيني فقط , بل لأن حضورهم لم يعد أبداً يعنيني .
في الحياة أيتها الصديقة الوفية الكثير من المتغيرات .. ربما تلحظينها في الطبيعة , وفي حالة الطقس , وتلمسينها في أوراق الشجر , ونمو الزرع في مفاصل الصخر , وتغير مسار الريح ومجرى النهر , ولكن هناك من المتغيرات الكثير والعديد , ولكنك لا تلمسينها لأنك لا تريدين ذلك , وهي التغيرات التي تعتري سلوك بني البشر !

(6)

هنالك من أصبحت قلوبهم أقسى من الصخر , وهناك من تلونت أمزجتهم , وتقلبت أراؤهم , وماتت ضمائرهم , وتضخمت قوى الشر في نفوسهم , ومنهم من أهدى روحه إلى الشيطان , ومنهم من استعار من الشيطان عباءته وقرنيه , فأصبح لديه قرنان ينطح بهم أفئدة أحبته .
لا تحدثيني عن قسوة البشر , ولا تقارني حديثي عنهم بحديثي عن قسوة الصخر ، فالصخر خلق ليكون صخراً , صلباً , قاسياً , ولو كان هشاً لانتفت عنه صفة الصخر !
 بينما الماء خلق ليكون صافياً , رقراقاً , عذباً , سلسبيلاً , وإلا لأصبح ماء الموت , وليس ماء الحياة والعين .
والجبال الشاهقات خلقت متعرجة ليسهل صعودها ووصول القمم , ولو كانت سهلة , منبسطة , لما ارتفع البشر عن سطح الأرض !
هذا الحال يا صغيرتي لا ينطبق على بني البشر . فالبشر أصبحوا قساة القلوب , بل أقسى من الصخر . ضمائرهم , أفئدتهم , أحاسيسهم ، أحاديثهم .. كلها  ملتوية , متعرجة  ..أكثر من الجبال الشاهقات القمم , ونفوسهم مالحة أكثر من مياه البحار , ورؤاهم شحيحة كأمطار الصيف على الأراضي المقفرة , وعقولهم جدباء كأشجار الزينة .. جميلة نعم لكنها غير مثمرة .
وأكثر من ذلك بكثير .. فهؤلاء قوم لا يُعتب عليهم , ولا يؤخذ منهم عنبٌ .. بعد طول العتب !

(7)
وقلبي يا أيها الخريف , قلبي اليافع كيف له لكل هذه المتغيرات أن يفهم ؟
قلبي لا يريد الكثير , ولا يريد المستحيل , يريد أن يفتح نوافذ النهار على شمس ذهبية , وليس على شمس كالحة .. يريد أن يسمع زقزقات العصافير , وليس صوت نواحها , يريد مصافحة أوراق الورد , وليس وخز أشواكها  .. يريد أن يقبِّل الياسمين من بين عينيه , وليس أن يضمد عينيَّ الياسمين بعد أن أصيبت بمقتل , يريد أن يجمع حبات اللؤلؤ عن شاطىء البحر , وليس طلقات المسدس ..  يريد أن يرسم خريطة قلبه على فنجان القهوة , ثم يتَّبع أثره .. ولا يريد أن يرسم فخاً لصديقٍ , ثم يتقبل فيه العزاء !
(8)
أنا أيها الخريف دائمة التذمرِّ والشكوى ولكني لا أفتعل أحداثاً وأخلق قصصاً من العدم ..
رأيتهم بأم عيني يشنقون الورود على أعواد الربيع , ثم يصلون عليه صلاة الجنازة .. رأيتهم يكسرون ألواح الطباشير , ويمزقون أوراق المستقبل , ويكتبون عناوين غريبة على دفاتر الإنشاء , والتاريخ , والفلك .. إنهم يغيرون شارات المرور , وشارات العبور , وشارات الدخول إلى الجنة أو إلى جهنم .
أنا كثيرة التذمر ولكني لا أقلب الحقائق ,هيَّ الحقائق أصبحت مقلوبة رأساً على عقب .. المفاهيم أصبحت تحتمل أكثر من معنى , وفيها أكثر من قول , وأكثر من مبنى .. والمبادىء أصبحت كالبضاعة الكاسدة في سوق العرض والطلب لكنها لا يرتفع ثمنها أبداً .. حتى في عالم الأرقام كل شيء تضخم وواحد زائد واحد أصبحت تحتمل الكثير من الأرقام والكثير من الأجوبة .. ومفردات العصر جديدة جداً من فقيد إلى شهيد , ومن عميل إلى عميد ,  ومن مراتب في الجنان إلى مقابر تحت الأرض ..  وأصبح من يحاسب العباد عبداً لا حول له ولا قوة , ورصيده من زبانية جهنم ما ليس له عدٌّ أو حصرُ .