ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الخميس، 27 يونيو، 2013

رواية



رواية
روايتي أنتَ ..
 أنتَ  .. أنتَ روايتي ..
أقصيك ثم أدنيك .. أسافر إليك ثم أرحل عنك .. أحاكمك .. أقاصصك ثم أصالحك .. أمزقك بشراسة   لبؤة فقدت وليدها للتو  ثم أعيد لملمة قصاصاتك بحنو قطة تجثو على صغارها .. أهجرك وأمعن في هجرك ثم أعود إليك كما تعود قطرات الندى إلى بتلات الزهر عند كل صباح  ..
 أنتَ .. أنتَ روايتي .. ولا رواية لي غيرك .
بعد أن مسح ذاك الصباح الغجري ذاكرتي .. بعد أن احتلها احتلال الغجر ومسح بهمجيته كل عناوينها .. بعد أن أجهز على جميع غرف الإنعاش فيها ولم يبقَ فيها شيء يتذكرني أو أتذكره  .. بعد أن أصبحت ذاكرتي صفحة بيضاء كنورس صافحت عيناه نور الشمس لأول مرة على شاطىء البحر فأخذ يرسل قبلاته إليها ثم يستردها كمحارب عنيد يتعلم فن مغازلة الحياة ..
بعد أن أصبحت ذاكرتي خالية من كل شيء .. بعد أن أصبحت ذاكرتي نورساً أبيض .. ظهرت أنتَ .. ذاكرتي أصبحت خالية من كل شيء .. إلا منك .
وحدك من نجا من ذلك الإعصار .. وحدك من صمد في وجه ذلك الاجتياح .. وحدك من ظهر لي من غرفة الإنعاش وطبع  على جبيني ابتسامة الحياة .. وغمر يدي بقبلة هامسة " عود أحمد للحياة  " ..
كيف بقيتَ في ذاكرتي .. كيف لم يمحِك ذاك الصباح .. كيف تسرب كل شيء إلا أنتَ بقيت جديداً متجدداً لامعاً براقاً كنجمة ولدت منذ لحظات  ؟
كيف اختصرت الزمن واختزلت المسافات وأخرست نغمات اللغة وعطلت عقارب الوقت وأتيت على جناحي يمامة تحمل إليَّ باقة من أزهار الأمل .. وتمنحني نافذة واسعة شاسعة مشرقة ضاحكة مستبشرة  أطل من خلالها مرة أخرى على هذه الحياة ؟
 كيف كنتَ أنتَ مع هذه الحياة جنباً إلى جنب .. تنتظرني دون أن يعيقك ملل الانتظار .. كيف لم ينتَبك اليأس ويقتلك الملل وأنتَ تنتظرني على أمل أن أطل عليك مرة أخرى من نافذة أخرى .. نافذة جديدة .. من نوافذ هذه الحياة .
كنتَ لي منذ دهر بعيد من الزمان .. وغبت عنك دهراً آخر .. وحين طويت تلك الدهور خلف ظهري .. ووضعت قدمي على أول رصيف من أرصفة النسيان .. وهممتُ بكتابة روايتي .. روايتي التي لا تنتمي إليك .. ولا تتكلم لغتك .. ولا تنتظرك كي تظهر من بين السطور  كما تظهر النجوم للعشاق في سماء الأمنيات ..
  كدتُ أشرع بكتابة رواية جديدة لن تكون أنتَ بطلها الوحيد .. أو حتى أحد أبطالها .. حينها فقط ظهرت أنتَ .. وجدتك أمامي متفتحاً كألوان قوس قزح  .. لامعاً  كنجمة صيفية .. باسماً كوجه القمر .. باشاً كوجه السماء حين ترسل إلى الأرض قبلاً من مطر .. حانياً كقلب قديس يبارك خطواتٍ باكية استجارت به من غدر الزمن ورجت المغفرة ..
 الآن أنتَ بطل روايتي الجديدة  .. روايتي القديمة الجديدة المتجددة المتعثرة المستقرة الآن في أمن وآمان بين يديك ..
 كنتَ أنت تلك الرواية القديمة .. وأصبحت أنتَ الآن هذه الرواية الجديدة ..
 روايتي أنتَ ..أنتَ روايتي منذ الأزل .. وإلى الأبد .


الاثنين، 24 يونيو، 2013

وتعطلت لغة الكلام .


وتعطلت لغة الكلام
" وتعطلت لغة الكلام وخاطبت عينيَّ في لغة الهوى عيناك "
تعطلت لغة الكلام بيننا .. تعطلت لغة الكلام فينا وحولنا وحوالينا .. تعطلت لغة الكلام وأصبحت الأبجدية صماء .. بكماء .. مشلولة الحركة .. لا تقوى على قلب الصفحة .. ولا تكوير النقطة في آخر السطر الهزيل  من رواية الملل ..
كيف تحجرت أبجديتنا الثرثارة .. كيف تجمدت كلماتنا .. وكيف شُيدت  كل تلك الأسوار في وجه حروفنا .. وبين طيات قلبينا .. وأمام ناظرينا ؟
أشتاق لغة الكلام التي كانت تشبهنا وتشبعنا ..
أشتاق لغة الصباح حين كنت ترسلها إليَّ مع عصافير الصباح فتوشوشني في أذنيِّ وفي صمامات قلبي كل كلمات الاشتياق .. وتشي بانتظارك صبح الصباح بفارغ اللهفة والشوق حتى لا تطير عصافيرك الموشاة بألوان العشق المخملية الرضاب إليَّ دون أن تحمل منك كلمات الصباح .. وكل الصباح ..
اشتقت إلى لغة الظهيرة .. هذا الوقت الذي قدَّ من ذهب .. فالظهيرة في لغة البشر منتصف الوقت بين الصبح والعصر .. هذا الوقت وقت بنو البشر .. يحبونه جداً .. يميلون فيه  إلى النعاس وإلى الكسل .. إلا أنا .. فأنا كنت عصفورة من الشجن .. لا تعرف أبجديتها طقوس الكسل .. أنا كنت عصفورة الانتظار .. أنا دائمة الانتظار على تلك الشرفة .. أستقبل عصافيرك الموشاة بالحب وكلماتك المغلفة بحبات الندى .. أستقبلها بقلبي وعيوني كما كانت وصيتك الدائمة لي ..  ثم أضم أجنحتها الرقيقة  إليَّ .. وأكتب عليها بمداد المحبين كل كلماتي ..
لم أكن أعرف إلا الانتظار حتى أنه أصبح متعتي الوحيدة بعد متعة الاستماع إليك .. والاستمتاع بسيمفونية  كلماتك ..
اليوم عصافيرك تأتيني فارغة .. لا تحمل إليَّ كلماتك الناعمة .. الناعسة .. الدافئة .. العذبة .. المبتسمة  كل الوقت .. المنشرحة الصدر عند كل الأعتاب ..
اليوم عصافيرك لم تعد تحمل إليَّ  وشوشات الصباح ووصاياك العشر .. وتعليمات الحضور والغياب لنهار يبدأ عندك وينتهي بين يدي في ساعات المساء ..
عصافيرك اليوم تراوح مكانها .. تحدث نفسها .. ولا تحمل بين أجنحتها سلامات النسيم وقبلاته للورد .. أوراق الورد تشكو الغياب .. وتبكي الأنامل التي كانت تدغدغ أوراقها عند كل صباح  حتى تسقط أوراقها وردة وردة  فألملمها في حضني .. وأجمعها من جديد إليك ..
عصافيرك اليوم تأتيني خرساء إلا من تغريد باهت وهبته الطبيعة إياها .. تغريد لا لون له ولا صوت .. تدور عصافيرك من حولي .. نظراتها صامتة .. أجنحتها فارغة .. لم تُكتب عليها كلماتك .. ولم أكتب عليها كلماتي .. تنظر إليَّ العصافير بحزن ثم تذهب وتغيب .. وتغيب معها أوقات الصباح والظهيرة والعصر والغروب ومنتصف الليل وأذان الفجر ويأتيني الضحى يتمطى كسلاً  ويتثاءب مللاً .. والعصافير كما هي تدور في فلك الفراغ واليتم والملل .
بالأمس انتابتني نوبة من الضحك .. ضحكة هستيرية أطلقتها في سماء الفراغ .. كسرت بها حاجب الصمت .. أنا كسرت طوق الفراغ من حولي وضحكت .. ضحكت من كل قلبي .. أو من غلَّ  قلبي .. لم أعد أدري .. كل ما أدري به أننا كم أضعنا من الوقت في تفاصيل لا معنى لها .. كم أضعنا من الوقت تقول لي وأقول لك .. كم أضعنا من الوقت تختفي مني وأختفي منك .. ولم نحسب يومها أننا قد تتعطل بنا لغة الكلام وتلقي بنا إلى أرصفة الصمت ..
ومع ذلك ضحكت لأنني تذكرت نلك الكلمات قبل أن تتعطل بيننا لغة الكلام وأصبح أنا وأنت مشرد ومشردة  على أرصفة الصمت .. نجول بفكرنا فقط شوارع الذكريات .. قد تضحك مثلي حين تصلك ضحكاتي مع هذا الصباح فلقد نسيت أن تقول لي وصاياك لهذا اليوم .. قبل أن تتعطل بيننا لغة الكلام .


الثلاثاء، 18 يونيو، 2013

الصامت إلى حين !

الصامت إلى حين !
مهداة إليك ..
إلى الصامت إلى حين ..
مني أنا تلك التلميذة التي تعلمت منك وعلى يديك كيف تفكك الحروف وكيف تعيد تركيبها وتشكيلها ووضع النقاط عليها ورسم الدهشة في العيون .
تلك الطفلة التي طالما انتظرتك على أرجوحة الأيام باب بيتك .. لم تستقبلها أنت بوجهك المضيء بل استقبلتها العواصف العاتية المحملة بالمطر الغزير ..
عصفت بها رياح الظنون ..
تقاذفتها أمواج القلق والهمِّ ..
لكنها لم تغادر بيتك ..
وبقيت تنظم إليك قصيدة لم تكتمل أبياتها بعد .. ابتدأتها هناك .. على عتبة بيتك ..
وكحلتها برمش عينك ..
عصفورة كانت ..
حزينة كانت ..
وأنتَ كنتَ لا تهوى العصافير الحزينة ..
ربما هُيئ لها ذلك .. وربما كنتَ ترسل لها شارات ودلالات كي تبحث عن مساحات الفرح داخل قلبها ..
لكنها لم تجد ..
ربما لم تبحث هي جيداً عن بيارق الفرح ..
وربما عزَّ عليها الفرح في ذلك الحين ..
ومع ذلك كانت كل هجراتها خلفك ..
نحو الشمال .. نحو الجنوب .. حتى نحو عالمك المجهول ..
لم تكلَّ من الطيران .. ولم تملَّ من الانتظار..
ولم تعصف بروحها نسائم النسيان ..
وأنت تغرق في صمتٍ لا يستطيع أن يقرأه أحد .. ولا يفكك حروفه أحد .
كانت بعد كل هجرة تعود أدراجها إلى عتبة بيتك .. تقف طويلاً في ذلك الباب ..
تقبلُّه بعينيها ..
وتكتب بتلك الحروف اسمك على صفحات الغبار الذي أرخى سدوله على صدر الباب وعلى صدر ذلك الزمان الذي أوصدتَ بوجهه كل الأبواب .. كما أوصدت بوجهي ذلك الباب ..
وتحاول أن تستشف بحدس عصفورة حزينة أنهكها الطيران .. ماذا يمكن أن يكون وراء هذا الباب ؟
وتقنع نفسها ..
ليس إلا أبخرة الصمت وراء الباب ..
ليس إلا أبخرة الصمت وراء الباب .. وخلف النافذة .. وتحت عقب الباب ..
وترحل وفي العين دمعة كسيرة وفي القلب بعض من وفاء .. ووخز حنين ينتفض من نار الشوق وألم الفراق .
ليس بعد أيها الصامت إلى حين ..
لم تنتهِ الحكاية هنا ..
فالصمت حين يبزغ فجره يشرق الكون بأسره .. وكنتَ أنت ذلك الفجر لذاك الليل الطويل .. مسحتَ دمعة عن الخدِّ .. وربتَّ بدفء قلبك المعهود على كتفٍ هدّته جبروت الأيام ..
يدك الحانية تلك التي نظمت قصائد الشوق والحنين هي ذاتها يدك التي طبطبت على كتفي بعد كل هذه السنين لتقول لي :_
لم أنسكِ ..
لا .. ولن يكون ..
يدكَ التي بثت الأمل في روحي وردت الآمان إلى تقاسيم وجهي المشردة .. وبعثت بعض الفرح إلى تلك الرئة التي خنقتها أصابع الحزن ..
هي يدك أنتَ أيها الصامت إلى حين ..
أما الآن .. إن شئت أن ترحل فارحل .. ولكن تأكد أن قلبي يدعوك للبقاء .. وأنني تعبت من الانتظار على عتبة بيتك .. وأن الصمت يأخذني إليك كل الوقت .. قد بدأت أتعلم أول حروفه .. كما تعلمت أن أفكك حروف اللغة بين يديك ..
وقد يكون الصمت هو ما سيجمعني بك إلى ذلك الحين .. أيها الصامت إلى حين انتظرني في محراب صمتك ..
انتظرني أيها الصامت إلى حين .

سلسلة جاهلية



جاهلية 1

فتحتُ أبوابَ الجاهلية على مصراعيها وصافحت أبا جهل وأبا لهب ،عانقت حمالة الحطب وجواري الردة وفتيان النرد ورسمت لهم ابتسامة ممطوطة من المحيط إلى الخليج الملتهب .
أودعت في أعماقي كما ً من الأسرار وطرحت على ذاتي الحائرة بعضا ً من الأسئلة التي لا تحتمل الأجوبة .
من أين جاءوا وأنا التي رممت أسماءهم المتآكلة في قائمة الممنوع من الصرف ؟ من خطّهم عناوين بارزة في دفاتري وصفهم فوق السطر ؟
انتشر الرجال للصلاة والحديث عن صلة الرحم وإغاثة الملهوف وابن السبيل ... وما أن فرغوا من خطبة الجمعة حتى تجمهروا في ذلك الركن القصيّ واختلفت لغة الكلام ، أجمع الحضور كل الحضور على حرمان الإناث من الميراث .
كدت أجنّ وأصرخ في وجوههم : رفقا ً بالقوارير يا معشر الرجال .. رفقا ً بالقوارير .. وانتابتني رغبة جامحة في أن أستل سيفي الساكن في غمده وأعمله في تلك الرقاب إلى أن التقيت النساء ..
أية نساء هذه ؟ أية نساء ؟
أية قوارير هذه ؟ أية قوارير ؟
على رسلك يا شجر الدرّ .. على رسلك ورفقا ً رفقا ً في الآباء ، عندها فقط شعرت بحاجة ماسة للاحتفاظ بأكبر عدد من ( القباقيب) ورغبة عارمة في تهشيم أعناق هذه القوارير، قوارير هذا الزمان .
قادوني إلى قبورهم ، قصور من الرخام تعتليها (ثريات) تهبط من السماء تضيء الجدران وما وراء الجدران ولكنها لم تضئ لهم عقولهم وقلوبهم السوداء .
هبت إلي ّ حسناء في عمر الورود وسألتني بخبث العذارى : ألستُ ساحرة الجمال ؟
ضحكت في سري وقلت : نعم أنت الحسناء الهاربة من العصور الجميلة ، كيف ظهرت في هذا الزمان المعيب ؟
آه يا حسنائي كم هو خوفي عليك كبير أن تلتهمك عشوائيتهم وغوغائيتهم وعقول يرتدونها كالطبول الجوفاء .
كنتُ أحسبهم سطور مطفأة في دواوين الأيام ، من سلّط الضوء عليهم ؟ من أخرجهم من قعر الجحيم ليصطفوا حولي في جولة حرة للعتاب ، باب العتاب أغلقته أنا منذ زمن بعيد ، منذ سمحت للذاكرة أن تدفنهم في علب النسيان ولكني اليوم فتحتُ أبواب الجاهلية على مصراعيها وصافحتُ رغما ًعني أبا جهل وحمالة الحطب وعانقتُ أزمنة وأفئدة من ورق. 
 


جاهلية 2
وكأن الإسلام ما زار هذه الديار ولا حط رحاله هنا .. كأن معالمه اختفت .. تبخرت .. طُمست حروفها على مرِّ الزمان فلم يعد يظهر منها إلا خيالات متكسرة .. مهشمة .. منقوشة على جدران باهتة وملامح من عدم .
تفحصت جيداً طقوس عبادتهم علّني أجد ضالتي المنشودة فيها .. لكنني عبثاً أحاول فما هي إلا حركات معدودة .. وإيماءات مرصودة .. وقلوب
وأفئدة جوفاء تديرها عقول مأجورة .
درت حول نفسي مستنكرة .. حاولت أن أفهم لغتهم .. ماذا يتكلمون .. ماذا يسّبحون .. من يشكرون .. لمن يستغفرون ؟
السلطان .. السلطان هو سيّدهم .. هو إلههم المزعوم على الأرض .. هو قِبلتهم للصلاة وله وحده عبارات شكرهم ودعائهم وإرضاؤه هو همهم الأول والأخير بل همهم الأوحد .
من أين سأبدأ معهم الحوار وكل الطرق إلى عقولهم مغلقة .. كل السبل إلى أفئدتهم متعرجة .. ملتفة بكل ألوان اللف والدوران ؟
كيف أبدأ معهم الحوار ودروبهم ملتوية وأفكارهم متحجرة وكلماتهم حروف مبعثرة في الهواء وقلوبهم كأنها قدت من حطب ؟
كيف السبيل إليهم وأعينهم لا تبصر أبعد من مرمى الحجر .. ولمن أمدَّ يدي وهم تماثيل
نحتت وُشكلت من باطن الصخر ؟
وكأن الإسلام ما زار هذه الديار وما حط رحاله هنا .. وكأن الإسلام ما انبعثت رايته من هنا وما رفرفت وما علت .. وكأن نبيَّ الله ما تلا على أهل هذه الديار ثلاثين جزءاً من السور .
كأنها الجاهلية الأولى بعثت من جديد وامتدت أزمانها حقباً وحقب فانتشرت معالمها على كل الوجوه والصور .. رق في ازدياد وجَوارٍ تملأ جنبات القصر وعبودية للناس .. للطير .. للشجر .. للحجر .
كيف السبيل إليهم وهم في غيّهم وطغيانهم يعمهون ؟
لا سبيل إليهم .. لا سبيل .. فلن يصلح العطار ما أفسده الدهر .
 
 

جاهلية 3
دقت الساعة معلنة الوقت .. فُتحت شاشات التلفاز وتجمهر الجميع أمامها .. رجالٌ .. نساءٌ .. أطفالٌ من كافة الأعمار .. لم توحدهم قضية قط منذ آلاف السنين .. اجتمعوا اللحظة فاغرين أفواههم .. جاحظين أعينهم .. تتلاحق أنفاسهم وتتسارع نبضات قلوبهم محاولين بكل جهد ادخروه اقتناص لحظات من الرومانسية المفقودة .. محاولين قدر الإمكان شحن قلوبهم وعقولهم بعبارات الحب المُغفلة وكلمات الغزل الغائبة على مرِّ الأيام والسنين .
تسمرت نظراتهم عند تلك الشاشة الصغيرة وكأن رقابهم قد عُلّق مصيرها هناك على أحداث افتعلها أحدهم ووقع الجميع ضحيتها لكن عن طيب خاطر منهم ورضا كبير .
أخذت أتفحص وجوههم على مدار الساعة .. أتابع بشغف نظراتهم وهي تتأرجح بين فرح وترح .. أخذت أرقب كل تحركاتهم .. إيماءتهم .. تنهيداتهم .. حسراتهم .. غبطاتهم .. دمعاتهم .. ابتساماتهم ...
رجالٌ تقطر نظراتهم سماً من الغيرة والغيظ .. كل منهم يحلم بأنه ذلك الفتى الوسيم الذي ترمقه أعين نساء الكون بنظرات من الإعجاب لا حد لها ولا مثيل لها .. ونساءٌ تعتصر قلوبهم أسىً ولوعةً وحيرة ًعلى واقعٍ مُرٍّ يغلف حياتهن وتعطش شديد لقصة حب جامحة تلوح خيالاتها في سقف العقل الباطن وداخل أسوار أحلام المساء .
وأطفالٌ في عمر الورود يرسمون أحلاما ً نديةً لمستقبل ترفرف راياته في السحب لكن جذوره ترتع في قعر الجحيم .
وما أن دقت الساعة معلنة انتهاء العرض حتى انتفضت شخصية السيد داخل كل رجل منهم وتلاشت غيوم الرومانسية المحلّقة في سماء المكان وأخذ السيد يصدر أوامره التي لا معنى لها سوى أنه موجود .. أما النساء فسرعان ما سرت في أعماقهن أنفاس الجواري فهرعن إلى ركنهن المعتاد لممارسة طقوسهن وهروبهن الدائم تحت أقبية المطبخ .. وفزع الأطفال من أحلامهم الوردية ليرتطموا بصخرة الواقع الأليم وتلبية الأوامر الهابطة على رؤوسهم كالقنابل الصوتية لكن في امتعاض واشمئزاز شديدين .
نظرت حولي مجدداً فوجدت الدنيا قد تبدلت ألوانها .. كل شيء عاد لما كان عليه .. كل فرد تمترس في زاويته التي وجد فيها منذ ألف عام .. تنفست الصعداء لبعض الوقت ثم قلت لهم مداعبة هل ألتقي بكم في مثل هذا الوقت من مساء الغد ؟
نظر إلي الرجال نظرات خجلة ونظرت إليَّ النساء في حيرة بالغة وصاح الأطفال بدون خجل أو وجل لا .. لا .. لااااااااااا .
حينها قفز إلى ذهني شيء .. فتناولت سماعة الهاتف على الفور وحادثت شركة الطيران مستفسرة : هل انتم متأكدون من قيام الرحلة رقم ... أثناء العرض ؟
 


جاهلية 4
يوم المرأة العالمي
هل تلد الأمَة ُ أحراراً ؟
ساقتني أقدامي المتهالكة ذات مساء لحضور أمسية للاحتفال بيوم المرأة العالمي وهناك رأت نفسي المصدومة .. المصعوقة ما أجج بداخلي ثورة عارمة من التساؤلات وبركاناً هائجاً من الانفعالات .
عبارات مثقلة بالمديح المطلي والمعسول والمنمق والمزخرف والملون بجميع ألوان الطيف المرئي .. عبارات رنانة تتداعى لرقتها جميع الحواس وتـُشنـَّف لمسمعها الأذان .. شعارات تطير في الأفق .. ترفرف بأجنحة الكذب كالأَعَلام .
حرية المرأة .. حقوق المرأة .. أمان المرأة ..
عبارات استفزت صمتي المطبق منذ قرون فنفضتُ عن وجهي غبار الأزمنة الغابرة ورفـَعْت عني سقف القبر الذي وئدت فيه بأيدي جاهليٍّ غابر وخرجت إليهم صارخة .. ضاربة عرض الحائط بكل هذه الشعارات الرنانة وكل هذه الدعايات الكاذبة : عن أية امراة تتحدث أيها الجاهلي وعن أية حرية وأية حقوق ؟
حرية المرأة أيها الجاهلي ليست قصيدة شعر تتلى في الأمسيات الشعرية .. حقوق المرأة ليست باقةً من النثر تعطر بها صفحات الدواوين .. أمان المرأة ليس صورةً لغلاف مجلة .. ليس هديةً تُهدى لها في عيد العشاق لإيهامها بأنها حظيت ولحسن حظها بقلب عاشقٍ يؤمن بحرية المرأة وحقوق المرأة وأهمية المرأة .
هذه المرأة التي تتغنى بها الآن كانت قبل لحظات أمَتُك التي تجلدها بسياطك حين تشاء ودون أن تنبس ببنت شفة .. فلك أن تصادر حريتها .. أن تهضم حقوقها .. أن تستغل ضعف قلبها ورهافة مشاعرها .. أن تهدد استقرارها .. أن تزعزع أمنها وأن تسلبها كل شيء .. ثم تنطلق فيما بعد واثق الخطوة لترفع عقيرتك إلى السماء وتدلي بأعلى صوتك عن حرية المرأة وحقوق المرأة .
هذه المرأة هي أمَتُك التي تنتظر في كل ساعة أن توارى الثرى وتوأد حية إن أشارت لك بطرف بنانها أو همست في أذنك بأني حرة .
أيتها المرأة الأمَة من تكونين بعرف هذا السيد الجاهليّ .. من تكونين في عقله وقلبه .. في أمسه وغده .. في حاضره ومستقبله ؟
من تكونين لهذا الجاهليّ الذي يطبق بفكيه على أيام عمرك .. على لحظات السعادة والأمل .. على خيبات الرجاء والألم .. على إشراقة صباحاتك .. على بسمتك .. على دمعتك .. على كل نفَسٍ صاعد هابط في رئتيك يبحث معك عن الخلاص .
أيها السيد الجاهليُّ تمهل في غيّك قليلاً ولا تنسَ في غمرة احتفالاتك نساءً تربعن على عرش الدنيا .. لا تنسَ شهرزاد بحكاياتها ألف ليلة وليلة ..لا تنسَ شجر الدر .. لا تنسَ زنوبيا ملكة تدمر .. لا تنسَ كليوباترا .. لا تنسَ كيف سحرتك عشتار وأذابتك في بحور شعرها وحبها .. لا تنسَ أن هذه هي المرأة .. هذه هي المرأة التي أنت بجاهليتك العمياء أضعتها .
وأعلم أيها الجاهليُّ أن هذه المرأة الأمَة التي تتغنى بها الآن لم تلد أحرارا ً.. هذه المرأة الأمَة لم تلد إلا عبيداً ولم ترب ِ إلا جاهلينَ فابحث عن المرأة الحرة أيها الجاهليُّ حتى تصبح حراً .. ابحث عن المرأة الحرة إن أردت أن تكون
حرا ً .





جاهلية 5
الجهل سيد الوقت .
الأمية كتعريف بسيط لها هي ألا تعرف كيف تُقرأ الحروف الأبجدية وكما يجب أن تُقرأ .. ألف .. باء .. تاء ..الخ .
الأمية هي ألا تعرف القراءة .. وإن عرفت كيفية هذه القراءة أو تعلمت تهجئة هذه الحروف فإنك تخرج من خانة الأميين وتدخل إلى خانة جديدة هي خانة غير الأميين .. ومن أتباع هذه الخانة هم المتعلمون والمثقفون والأدباء والشعراء والكتاب والفقهاء والمشرعون ومسميات كثيرة يصعب وصفها وتصنيفها الآن .. هذا إن مارست عملية التهجئة بإتقان .. وكوفئت جهودك بشهادة أو أكثر تتزين فيها جدران حياتك..
الأمية هيَّ ألا تقرأ .. باختصار شديد هي كذلك .. لكن أن لا تفهم ما تقرأه هذا لا علاقة له بالأمية ولا يحتاج إلى فصول مكثفة من محو الأمية .. والدليل أن نسبة من يقرأ دون أن يفهم ما يقرأه قد تفوق كل النسب ومع ذلك فهؤلاء يتمتعون بصفة " غير أميّ " ولا يحتاج حاملها إلى فصول مكثفة من محو الأميّة ..
أن لا تفهم ما تقرأه هذه لا يمكن تصنيفها بأنك شخص أميٌّ .. ولكن هذا لا يمنع من تصنيفها بأنك شخص جاهل .. فالجهل لا علاقة له بالقراءة والكتابة .. الجهل لا علاقة له بالحروف الأبجدية من حيث عددها .. أو من حيث تراكيبها اللغوية العجيبة كأن تتوجها بقوافٍ مزيفة كدس السمِّ في الشهد .. أو تركها منثورة تثير الاشمئزاز على مساحات من البياض الجليل .. الجهل هو ألا تفهم نفسك .. وألا تفهم كل ما يدور من حولك .. والجهل الأكبر ألا تسمح لنفسك أن تفهم شيئاً .. أو أن تسعى لمحاولات غير مقصودة من الفهم والإدراك والاستدراك ..
لماذا نقمع أنفسنا .. لماذا نمنعها من الفهم والاستفهام والإدراك والاستدراك .. لماذا نمنع أنفسنا من أن تشعر بغيرها .. وتُحسُّ بكل ما حولها ومن حولها .. لماذا نقتل بذرة الإحساس فينا .. ألأننا ببساطة شديدة نحب أن نئد كل ما يمكن أن يقف في طريق جهلنا ؟
عقدة كبيرة في حياتنا تبدأ صغيرة كعقلة الأصبع ثم تكبر كوحش يبتلعنا ويبتلع كل شيء من حولنا .. هذه العقدة أسمها " أنا " وتعريفها ببساطة شديدة هو تراكم الجهل في داخل النفس وفي مدارك العقل وفي مسارب التفكير بحيث يسدُّ جميع المنافذ لتدخل الأنا .. والأنا فقط .. لتتربع على عرش الجهل .. وتأخذ أكبر مساحة لها .. ثم ترفع راياتها المختلفة .. الجاهل الشاعر .. الجاهل الكاتب .. الجاهل الأديب .. الجاهل المسؤول .. الجاهل الجاهل .. وهذا طبعاً الزعيم في الجهل والجاهلية لأنه أي هذا الأخير " الجاهل الجاهل " يخرج من مصافِ البشر ليدخل في مصافِ الآلهة فيظن نفسه أنه الإله على هذه الأرض .. طبعاً لا أدري إن كان يعترف بوجود إله غيره هو الله جلَّ وعلا .. الله الذي خلقه وقادر على أن يطمسه .. ولكنه يمهله ولا يهمله .. أم أن الأنا في داخله طغت فطمست كل شيء لا يتناسب ومقاييسه .
هذا الجاهل الإله لا يعرف أن للألوهية صفات وقدرات جاهل مثله لا يفهمها ليس لأنه لا يقرأ ولا يكتب على العكس بل هو ممن يجيد القراءة والكتابة ونظم الأشعار وزرع القوافي في كل ما لذ وطاب .. لكنه لا يحتاج أن يفهم ما هي الألوهية وما هي صفاتها ولماذا تكون فقط لواحد أحد .. هو فقط يريد أن يفهم حقيقة واحدة فقط هي أنه شاعر .. وكما يجيد فرض قوافيه في آخر الكلمات .. يجيد اغتصاب كل شيء !
يجيد اغتصاب الحقوق والحريات والمشاعر التي تخص الآخرين .. الآخرون العبيد .. لأنه هو السيد وكل ما عدا ذلك فهم عبيد لديه .. من حقه أن يرفع عصاه الغليظة في وجوهم البريئة وقت يشاء لأنه السيد .. ولأنه أراد .. ويريد ذلك .. أليس هو الإله الجاهل على هذه الأرض .. ولا يرى ولا يسمع سوى صوت جهله وجهل العبيد الذي يعملون تحت إمرته ..
هذا الإله الجاهل للأسف الشديد هو سيد وقتنا وعصرنا وزماننا ومكاننا .. وهو الولي على
" العصا لمن عصى ".. والوصي على أبيات الشعر " لا تشتري العبد إلا ومعه العصا " .. وهو صاحب فكرة الوأد ثم الوأد ثم الوأد لكل ما لا يعجبه .. وصاحب فكرة الأخذ ثم الأخذ ثم الأخذ دونما عطاء .. والبطش في استخدام القوة .. وظلم جميع العبيد الذين خلقوا فقط ليقبض أرواحهم إن استطاع إلى ذلك سبيلاً .. بعد أن يعذبها بسياط قوافيه التي تتربع على عرش الجهل والأنا الجاهلية ..
هذا الجاهل الإله هو سيد الوقت .. إن لم يجد من يكسر عقاربه ويفتتها ويلقي بها إلى أتون الجحيم ليصهر قوافيها الموبوءة قبل أن ينتشر وباء الأنا فيها .. ويستفحل الجهل أكثر فأكثر .. فيسقط علينا المطر من سماء الجاهلية ..
هذا الجاهل الإله هو سيد هذا الوقت الذي يفترش له مساحات من الجاهلية في عقولنا وضمائرنا وقلوبنا .. تسمح له أن يبطش بنا .. وأن نستسلم لبطشه .. بل وأن نسلمه رقابنا ليعمل فيها سيفه قبل العذل .. ثم ننحني لإله من الورق لا يعرف شيئاً عن الخلق وعمن خلق الخلق .. لا يعرف ولا يتقن سوى دس القوافي المسمومة في نهاية كل سطر ..
إنه الجهل سيد هذا الوقت ..

الثلاثاء، 4 يونيو، 2013

أوراق تنعي أصحابها

أوراق تنعي أصحابها .
سأسافر عبر الزمن .. ليس لأن المسافة الزمنية بعيدة جداً .. لكن لأنها على الأقل ليست بين يديِّ الآن .
التقينا في زمن الحرب .. كانت الحرب لا يزال يشتعل أوارها .. وكان من الصعب علينا في تلك اللحظة أن نكتب لأنفسنا ولأصدقائنا ولأحبتنا ولمنتظرينا عهوداً نضمن لهم ولنا فيها الحياة ..
فنحن في زمن الحرب  وزمن الموت .
أذكرهم جيداً .. أذكر وجوههم جيداً ..
 كان وسيماً جداً .. غامضاً جداً .. أنكر اسمه في البداية وشرح إليَّ الأسباب .. في حينها لم أفهم ..
كان سريع الخطى .. يضحك بصوت عالٍ كأنه يريد أن يفرض جلجلة ضحكاته على أذني الحياة ..
في يوم لمحت الدموع تنساب من عينيه وهو الذي ينكر الدموع .. ويستهجن الدموع .. قال لي .. فقدت ثلاثة من أصدقائي هذا اليوم .. ماتوا .. هكذا وبكل بساطة ماتوا .. لم يبقَ  لي إلا أنتِ .. لا تتركيني .. لا تموتي .. اقهري المرض .. ابقي على قيد الحياة .. لأجلي .. ابقي على قيد الحياة ..
كان من الصعب أن نكتب لنا ولغيرنا عهوداً تضمن لنا ولهم الحياة في زمن الحرب وزمن الموت .
كان يقفز هنا وهناك طرباً وحياة .. يرمي الضحكات بلا أدنى حساب .. كان يقول لي كلاماً عذباً .. سألته مرة .. من أين تأتي بهذا الكلام العذب ونحن في زمن الحرب وزمن الموت  ؟
 قال لي أنتِ امرأة خُلقت للكلام العذب .. ثم اختفى كلامه العذب .. واختفت كلماته الثائرة ومحاضراته التي كان دوماً يلقيها علينا عن الحضارة والمدنية والتقدم .. وأخذ بالانكسار شيئاً فشيئاً حتى أصبح كالوردة الذابلة لا يجذب أحداً ولا ينجذب إلى أحد .. لا ألومه ..
فنحن لم نكن نكتب لنا ولغيرنا عهوداً تضمن لهم ولنا الحياة في زمن الحرب وزمن الموت .
كان محباً .. كان ودوداً جداً .. لكنه كان يرتدي الكثير من الوجوه على وجهه .. كنتُ أحياناً أعرفه وأميز وجهه الجديد .. وأحياناً لا .. حتى يخبرني هو بطريقة ما أنه هو .. كان  ملاحقاً ومطارداً ولا يستطيع أن يظهر بوجهه الحقيقي دائماً .. كنت أتعب من هذا الإرباك وهذه الفوضى .. لكنني كنت أتقبله ..
 لأننا لم نكن نستطيع أن نكتب لنا ولغيرنا عهوداً تضمن لنا ولهم الحياة في زمن الحرب وزمن الموت .
هل انتهت الحرب ؟
لا أعلم ..
 ربما انتهت على سطح الكوكب .. لكن في قلوبنا لا زلنا نفزع في كل ثانية .. لا زال صوت القهر يئن في دواخلنا ..  لا زال الانكسار يحتلنا ..
لا زلت .. لا أرى ابتسامة أحد منهم .. لا أسمع رنين هاتف أحد منهم .. لا أتلقى رسالة من أحد منهم ..
لكن بين الفينة والأخرى تصلني ورقة يتيمة من أحدهم .. ورقة ينعي فيها نفسه .. ورقة تبكي فيها الحروف .. ورقة تحتضر فيها قصائد الحب وهي تعلن عن نفسها قاهرة بحضورها جميع أشباح الموت .. ورقة تذيلها عبارات الأمل المنكسرة .. عبارات الحياة المجروحة .. عبارات الحياة المذبوحة ..
فنحن ما كان من الممكن أبداً  أن نتعهد للحروف أن تبقى حيّة .. منتعشة .. في زمن الحرب  وزمن الموت ..
انتهت الحرب على السطح .. وبقيت على الرفوف  أوراق تنعي أصحابها .

الأحد، 2 يونيو، 2013

مطري أنت .


مطري أنت
حائرة أنا بين الحروف .. أكتب حرفاً وأشطب آخر .. هذا الحرف يليق بك .. وهذا الحرف لا يليق .. كيف أشكل الحروف على صدرك فتضيء .. كيف أرسمها على شفتيك فتنطق .. كيف أكتبها على قلبك فتحبني أكثر وأكثر وأكثر .. كيف تصبح حروفي رسول محبة إليك  وهي كسيحة .. مختنقة .. لا تقوى على مناورات  الشهيق والزفير ؟
 لم أحتر في يومٍ كحيرتي الآن أمام هذه الحروف وأمامك .. حروفي التي ولدت معي .. وكبرت معي .. وسافرت معي .. وعشقت معي .. أراها اليوم  بالية .. فقيرة .. ضعيفة .. تائهة .. منكسرة .. مشتتة .. حزينة .. وغريبة أمام بهاء هذا الحضور ..
 حروفي يا رفيق وجعي وهمي لا تستطيع أن تقف على ساقيها كباقي الزهور .. لا تستطيع أن تركض إليك كحبات اللوز حين تلتحف كفيك وتطلب منك الاحتماء فيك ..
 حروفي لا تستطيع الطيران كعصفور .. والتحليق كطير .. واختطافك على بساط الريح  لنطوف كنجم ونجمة كل المجرات .. ونكتب على أبوابها أحلى قصائدنا .. الحرُّ منها والنثر والموزون ..
فكيف آتيك كعاصفة هوجاء تقتلعك من الجذور .. كيف يا أيها الرفيق .. إن كانت حروفي فقدت القدرة على المشي والنطق ورسم المستحيل ؟!
أنا متعبة يا رفيق .. وأنتَ في أوجك ..
 أنت كالنجم في سابع سماء تشع عليَّ طِوال الليل وأنا أحاول جاهدة أن أمسك خيطاً واحداً من كل هذا الشعاع .. تريدني أن أقطف كل شعاعك .. كل نورك .. وأنا بالكاد أمسك حزمة .. وأفلت أخرى .. أنا يا رفيق بالكاد تحملني هذه الأرض .. وبالكاد تتعرف عليَّ رقعة أقدامي ..
الكل من حولي يتسابق لإرضائي ساعة الرضى .. ولإغضابي ساعة الذروة .. يفور دمي .. وتغلي في مراجلها أعصابي .. وأحمل بكل ما أوتيت من قوة هذه الأوراق .. وألقي بها إلى صدر الحائط .. فيتحطم قلبه .. دونما ذنب له ..  ودونما أقدم إليه أعذاري واعتذاري ..
وفي الليل بعد أن تهدأ ثورة أعصابي .. أستقبل الليل .. وأنتظر منه أن يهديني شعاعك الذي يأتيني متوهجاً .. " يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار ".. أتمنى لو أحلق بك .. أتمنى لو أغمرك وتغمرني وتذوب كل المسافات .. أتمنى لو أعانق هذا النور الذي يغمرك .. أتمنى لو أقطف بعضاً منه لأنير بضيائه هذه الظلمة التي احتلتني ..
 لكن حروفي على الأرض يا رفيق .. لن تستطيع الطيران .. ولن تستطيع التحليق .
أرسل مطرك إليَّ .. أرسل مطرك الآن .. أحيِّ هذه الحروف الميتة .. اجعلها تنتعش في حضورك .. اجعلها تسابق الريح إليك .. اجعلها تقف في وجه الزوابع والأعاصير .. وتصرخ بملء العنفوان .. هناك في تلك السماء البعيدة لي نجم .. أريد أن أقطفه .. أريد أن أضمه إلى حضني .. أريد أن يهطل عليه وعليَّ المطر .. أريده أن يغتسل في حضني ومن همومي يغسلني ..
 أريد لكل الأصوات القادمة مع الريح أن تهدأ .. أن تخرس .. أريد فقط صوت مطرك ينشيني ويطربني .. أريد أن أعود إلى الحياة .. أرسل مطرك يا نجمي الساطع في سابع سماء .. أريد مطرك أن يرويني .. أنت يا نجم شعاع عمري كله .. أنتَ حبات المطر في كفيِّ الطفولة ..  وأنتَ سنين عمري القادمة ..
فتوهج أكثر ..
 وأهطل أكثر ..
 فأنا قد جفت شراييني .

السبت، 1 يونيو، 2013

مطرٌ أسود .

مطرٌ أسود

كلما اشتد المطر في الخارج أهرب إلى هنا ..أهرب إليك .. أشتاق للحديث معك ..  بعيداً عن ضوضاء هذا المطر  .
كنت أعشق المطر .. هذا فيما مضى .. عندما كان المطر ناعماً يداعب زجاج نافذتي بحنان في ساعات المساء .. قبل النوم ..
كان يداعب زجاج نافذتي .. يداعب زجاج قلبي كما يداعب الكرى أجفان العين إلى أن يداهمها شبح النوم الثقيل  .
اليوم المطر ثقيل .. لم يعد يداعب زجاج القلب .. لم يعد يداعب زجاج النافذة .. بل أخذ يقذف وبكل ما يملكه من جبروت بحباته السوداء إلى زجاج الحياة .. لم يعد يداعب عينيِّ كالكرى .. بل أصبح يوقظها .. يقلقها .. يؤرقها  .
لم أكن أتخيل أن المطر يوشح بالسواد زجاج النوافذ حتى رأيت بعيني مطر هذا المساء .. مطرٌ  أسود .. يصبغ كل شيء تقع بصمته عليه .. يحيل كل شيء إلى سواد  ..
لقد اشتقت لحبات المطر الزلال  ..لحبات المطر
الشفافة .. المنعشة .. الحيّة .. التي لا لون لها ولا رائحة ..
رائحة هذا المطر كريهة .. كريهة .. كريهة ..
لقد أزكمت أنفي وأطبقت على صدري .. فهربت إليك .. إلى حيث أشعر بالأمان .. بالدفء .. بالطهر .. بالنقاء .. بالشفافية ..
أنتَ لست كزجاج نافذتي الذي صبغته حبات المطر الأسود .. أنتَ كمرآتي التي لا أرى فيها إلا نفسي .. نفسي الطاهرة .. العفيفة .. الشفافة ..البريئة التي لا تعشق إلا المطر الشفاف .. ولا يرويها إلا المطر الزلال .. وأنت تشبهني .. بل أنتَ أنا وأنا أنت .. فلنحتمِ من عاصفة المطر الأسود قبل أن تصبغ بسوادها ما تبقى من زجاج الحياة  .