ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الثلاثاء، 28 فبراير 2017

ملامح مستترة



ملامح مستترة
يا رفيق جرحي، لا أريد لحديثي أن يخدش ملامح الفرح على محياك؛ لكننا ما أن نرفع حجرًا عن حجر حتى تتدفق ينابيع غريبة اللون والرائحة من بيادرنا، لونها لا يشبه بياضنا الذي وُلدنا به، رائحتها لا تشبه ياسميننا، فمن أين أتت براكين الكراهية هذه؟ من زرعها في حقولنا؟ وكيف نرجم بها فلذات الأكباد؟!
في الماضي القريب كنا مشاتل من الحب، نعانق الصباح، ندغدغ الطيور، نستقبل الليل العنيد؛ ليفرش عباءته السوداء، ويستريح على أبواب خيامنا، ويستيقظ معنا لصلاة الفجر، والدعاء على الغاصب المحتل، فكيف تبدل بنا الحال  وأصبحنا كطائر البوم لا ننعق إلاَّ بالخراب؟!
يا رفيق وجعي، سؤال يحيرني ويقض مضجعي: أأنتَ ذلك العاشق الغبيُّ أم الغبيُّ العاشق؟ أم أنتَ لا هذا ولا ذاك، ولا شيءٌ أبدًا؟ وأنني على مدى دهر سلف قد راهنت على الحصان الأعرج؛ فكنتُ الخاسر الأوحد في لعبة العشق ومدارات الوهم، وأنتَ كما أنتَ لا تدري إلى أي حائط تولِّي وجهك، وتقيم صلاتك؛ بعد أن تتوضأ بقبلات محرمة على السمع، ثم تأتي إليَّ فيما بعد ترسم خريطة جديدة للحلم.
أعوام طويلة وأنا أقتات الحياة من عينيك، أتبختر في حدائقها، أستنشق بنفسجها، أدندن موسيقاها قبل النوم؛ فأرى في منامي الفصول الأربعة، وسماء تَرَفُّلُ بأثواب العرس، فأتساءل في صمتٍ: أيكون هذا هو الوطن العاشق، أم العاشق الوطن، أم كلاهما معًا؟ وأنحني أمام عظمة هذا العشق؛ لتفترسني فيما بعد كل خيبات الأمل.
أخبرني يا صديقي اللدود عن الموت، الأحجية، الأكثر تعقيدًا من هذه الحياة: كيف يأتون وقد رحلوا؟!  كيف يحضرون في مواعيد الفرح، والترح، وحين تسقط الدمعة، وتختنق الآهة، وتفرُّ التنهيدة عند بوابات الصور، وحين نجاهر بجاهليتنا العظمى؛ فلا نمد اليد اليمنى لتحتضن اليسرى، ونبني جدارًا جاهليًا بيننا وبين من انتبذ مكانًا قصيًا ليواري عزلته؟
قساة نحن، وفينا من اللؤم الجاهليُّ ما يكفي لتُفزَع أم في قبرها؛ فتستأذن الموت كي تعود من رحيلها الأبدي لبعض الوقت، تركض إلينا في الهَزِيع، تطرق ناقوس الليل بشدة، ترفع ستارته الثقيلة عن نوافذ القلب، تمسح السواد المتمرس على جفنيِّ العتمة، وتدعونا بقلب ينفطر من الرجاء: لا تكسروا سواعدكم، لا تَحنوا ظهوركم، لا تعيشوا ما تبقى من هذه الحياة على فتيل شمعة محترقة؛ وبين أياديكم كل هذا الضياء؟!
ومع ذلك يا صديقي فلا أحد يستيقظ من سباته ليستقبل هذه الأم القادمة من الموت، لا أحد يقبِّل يدها أوجبهتها، لا أحد يستمع إلى دعائها، وبكائها على أبواب الليل!
إنها رائحة غريبة تنبعث من قلوبنا، وأنتَ تولي وجهك نحو ذلك الجدار، تتوضأ بوجعي، ثم تأوي إلى خيمتك؛ تكتب قصيدة غزلية لفاتنة مرت في حدائق البال، وتحلم بوطن يليق بأشعارك، تكتب أغنياته وتوزعها على الفقراء، ثم تتأبط حلمك وتسافر على أجنحة الخيال.

الأحد، 5 فبراير 2017

حروفي اللاجئة




حروفي اللاجئة
بيننا وطن بعيد لم نمارس الاشتياق إليه منذ دهر ونصف، احترقت الحروف التي كانت تجمعنا بلهيب آخر الحروب، وما تبقى منها غير مشتعل أصبح حروفًا لاجئة على أبواب الغرباء وعلى محياها ارتسمت كل علامات البؤس والشقاء والاغتراب.احتلتني كآبة خريفية من هذه الحروف: الحزينة، البائسة، المنكسرة، التي لا حول لها ولا قوة وتقاسمت مع نبضات قلبي نوبات الحنين إلى حروفنا الصباحية: الهادئة، الوادعة، الواثقة الخطى حين كنتُ أقبِّلها بين عينيها وأرسلها إليك، لم أكن أخشى في حينها أن تضلَّ طريقها إليك لأنك كنتَ دائمًا بانتظارها عند قارعة الأمل ولم أكن أيضًا أنتظر عودتها كي تحظى بأطول لقاء بين ذراعيك فتنعم بدفئك وحنانك ووصالك.حروفي كانت تفاجئني أحيانًا بأنها كانت تسبقك إلى باب بيتك وتنتظرك حتى تعود من غربتك. كانت: وطنًا يظللنا بالآمان، عاشقة لا تهاب غمزات النجوم، جريئة لا تخشى تهامس الجوار، خفيفة الظل تتطاير كسنابل القمح وتهبط كالشمس في حضن البحر، عذبة تذوب كعناقيد العنب بين شفتيك وشفتيِّ حتى تثمل فترقص حتى يقرصها النعاس.هذه الحروف أصبحت اليوم لاجئة: لا تحمل هوية أو جواز سفر أو حتى تأشيرة عبور إلى مخيمات النزوح.عاصفة: كما هي رياح الخريف تنذر بشتاء قاسٍ يتلوه ربيع يرتعد هلعًا عند أقدام الصيف الذي يحمل مراكب الهجرة إلى شواطئ النسيان.يتيمة: بعد أن مات الوطن بين ذراعيها ولم يُتقبل فيه العزاء؛ فالجميع في حالة خلاف واختلاف على اقتسام الميراث! البعض يريد البحر والبعض عينه ترنو إلى اقتسام السماء والبعض افترش الأرض ورسم الخطوط الحمراء على الساحات.لا أنكر أن حروفي كانت لا تخلو من الشجن لكنها لم تكن تعرف كل هذا الحزن، لم تكن تطيل البكاء، لم تكن تنتحب؛ فبكاؤها كان دلاًلًا ومراوغة، دلعًا وهيامًا؛ حين كانت تعتريها ثورة من ثورات الشك! لكن ما أن تضمها إلى صدرك وتدندن مع دقات قلبك حتى يذوب وجعها ويتبخر دمعها وتعود للرقص من جديد حتى أذان الفجر.حروفي أصبحت لاجئة، فقدت بوصلة الوطن، نامت على أرصفة الآخر، سكنت الخيام الممزقة، تعرضت لتحرش حبات المطر، لكنها مع ذلك ما زالت تعرف الطريق إلى قلبك وتنتظرك حتى تعود من غربتك، لا يهمها ماذا ينتظرها خلف الباب؛ فقدرها أنت ولجوؤها إليك ولا ترتضي بغيرك قدرًا ووطنًا ومخيمًا وحلمًا بلا نوافذَ أو أبواب.