ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الثلاثاء، 17 أكتوبر، 2017

عبس الوطن

عَبس الوطن
لن تهدأ ثورتك، لن تفلت من هذا الضجر الذي يحاصرك من كل الجهات، سينال منك القاصي والداني، ويعلنوك على الملأ زنديقًا كفر بتعاويذ الأجداد، ورمى خلف ظهره صورة باهتة الوطن!
لم يبقَ فيها حيًا إلا الخراب! إنه يكبر ويمتد وينتشر مع الشمس وذرات الهواء؛ لأنهما لا يجيدان القراءة بين السطور وخلف الأفق، ولا يمتدان إلى الزوايا العميقة ومنتصف الفؤاد، لا يعرفان ماء المحبة الذي شح وانقطع؛ فتربع الخراب على كتفيهما وهبط بنعليه ومشى.
في الماضي القريب كنت أعتبر صمتك داءً خبيثًا يجب أن يُجتث من جذوره، أن تُجفف مآقيه وسواقيه ونوابعه؛ فركضت أبحث عن الدواء، هرولت إلى الكتب القريبة والبعيدة، أفتش فيها كيف أداويك؟ كيف أصنع لك رفاقًا من الورق؟ كيف أرسم وطنًا على باطن الكف تشتهيه كل صباح وأنت ترتشف قهوتك؟  كيف أرسم ضحكاتهم الغائبة على جدار بارد كي لا تنساهم وتنسى كيف يكون الضحك؟
كانت الشمس أحيانًا لا تكرهني، تحنُّ عليَّ فجأة فتشرق في أعماقي، وكنتُ لا أكذب خبرًا؛ فأنفض الخريف عن قلبي، وأميط  الضجر عن عينيِّ وأمضي في حقول الصباح؛ أقطف من كل حديقة بنفسجة، وياسمينة، وأذيبهم مع رحيق  الزعتر، وأرتشفهم على الريق ثلاث مرات متوالية؛ فينتعش الوطن في قلبي، وأكتب إليه قصيدة من ألف بيت، تذوب أحرفها على الجسور والمعابر، وتتشتت قوافيها، ويلملمها الرفاق ويعلقونها على قبة الصخرة؛ فيبتسم المسجد الأقصى ويضحك كل "الحَرَم"؛ فيُجبَر خاطري الذي كُسر، وعمري الذي تصدع على بوابات الشمس.
لا ياسمينة حرَّة في حدائق الجوار، لا بنفسجة بِكرٌ، لا بقايا زعتر في أرجاء القلب، كل شيء فارغ حتى من الصور! والمطر هنا يأتي على استحياء، وفي آخر مرسوم صدر عن والي المدينة حرِّم فيه وجرِّم قطف حبات المطر؛ فلم أعد أستطيع أن أخبئ إليك بين كفيِّ حبات المطر، ولم أعد أستطيع أن أزرعهما حدائقَ لترى الوطن فيهما، وتشتهيه كل صباح وعند الغسق، ولم يعد الوطن قابلًا كي أرسمه، أو أصوره لك؛ كي تحتسيه نبيذًا معتقًا عند كل مساء قبل أن تهاجم عيونك براثن النعس.
الوطن أصبح بعيدًا، والمطر شحيحًا، والشمس أعلنت كراهيتها بالمطلق، وتواطأت مع الأكسجين على الفتك بكل قصيدة، وملاحقة الشعراء، والزج بهم إلى كهوف بعيدة؛ فالخيام أصبحت مبعث قلقٍ وأرقٍ، ونزفها ولو كان عشقًا خالصًا لوجه عفراء أو مادونا سيبقى مرفوضًا بلا سبب.  
وأنا بين كل هذا الظلام أخرج في الصباح كعادة قديمة، أفتش في الحدائق الباردة عن نرجسة يابسة، أو ضلع ياسمينة مهجورة فاتخذها صديقة! لم يبقَ منهم أحد، فلنعلن الصمت معًا؛ فهذا الوطن مثخن بجراحه، محترق حتى أصابع قدمه، لن تشفيه صلاة، لن يرثيه دعاء.
عَبس الوطن،  ولن يبتسم لقصيدة.


الأحد، 15 أكتوبر، 2017

صمت القوافي

صمت القوافي
صديقي الذي يحب الوطن والمطر، علق القوافي على أشجار اللوز، وتاب عن العشق، ورحل.
خاض كل المعارك، هُزم في كل الحروب، عاش اليتم على جميع أرصفة المنافي، ولم يتوقف يومًا عن رسم الأمل والفرح على صفحات القلوب.
لكنه ثمل من الانكسارات المتلاحقة فسقط مترنحًا من يده القلم، لم يعد يقوى على رسم الضحكة الجريحة على وجوه مهشمة بعد الآن.
كم طال صمته؟ كم حاول أن يبتلع من الهزائم والانكسارات؟ وأن يتجرع هذا الزمن العائب، وأن يقوى على أن يحمل بين طيات قلبه أملًا بالغد، وحلمًا طاهرًا نقيًا لم تفسده عوائل الدهر.
 حدثني أكثر من مرة عن وطنه الذي يتسلسل إلى مجموعة أوطان؛ فصديقي كان لديه أكثر من وطن، وطن قبل الاحتلال الأول، وطن قبل الاحتلال الثاني، وطن قبل الاحتلال الثالث...... سلسلة من الأوطان التي لم تعد تتذكر تفاصيل وجهه، وحده فقط من يتذكر ملامحها جيدًا، يبكيها ليلًا حتى تأتيه بالأحلام، يرسمها قصيدة يصفق لها الجميع، ثم ينام وحيدًا في منفاه، بعد أن يهلل الجميع بدعاء النصر!
صديقي كان لا يعرف التذمر أو الشكوى، كان دائمًا يتغنى بالحب وقصص العشق السرمدية، دائمًا في جعبته الكثير من الحكايا عن الفاتنات في شتى المنافي؛ فلم يكن قلبه ليتوقف عن الحب لو لثانية من الوقت.
صديقي اكتشف أخيرًا خِدَع الحب، قصص العشق المغشوشة، الغربة التي لا يمكن أن تنتهي، الوجع الذي يتمدد في السرير حتى يأكل أحلام المساء، الوطن الذي أصبح شهيدًا بلا قبر، القصيدة التي  قررت أن تنتهي؛ فعلق القوافي على أشجار اللوز، وترك قصص العشق مهجورة على الأطلال، ورحل.


الجمعة، 6 أكتوبر، 2017

سيد الصمت.. إلى أبي في ذكرى رحيله السادسة

سيد الصمت
إلى أبي في ذكرى رحيله
يا سيد الصمت، وأنا التي كنت دائمة الدهشة والاستغراب من هذا الصمت الذي كُنتَ تَغرق فيه وتُغرقنا معك، كنتُ دائمًا أتساءل في قرارة نفسي: كيف يستطيع من وُهب القدرة على ملء هذا الكون ضجيجًا وحديثًا وأصواتًا مسموعة وغير مسموعة أن يلتزم كل هذا الصمت؟
 ولكنِّي سرعان ما كنتُ أجد الإجابة على شفة السؤال: هذا الصمت جينيٌّ، خُلق معه وبه! كما خُلِقتُ أنا من براكين الثرثرة، ولم أرث عنه هذا الصمت الجليل.
بعد أن رحلت يا أبي كبرتُ أنا فجأة، بدأت أفهم كل ما كان يستعصي عليَّ فهمه مما كنتَ تحاول أن تشرحه لي؛ فالحياة أكبر معلم، تلقنك من الدروس والعبر ما يفوق طاقة الفهم ويفيض.
اليوم أدركتُ أن صمتك لم يكن جينيًا كما كنتُ أظن! وأنك ربما كنت تهوى الكلام مثلي، ربما كنتَ تريد أن تصرخ في وجوههم: هذا الطريق خاطئ لا تسلكوه، لا تضعوا أياديكم في يد الشيطان، لا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة، لا تنحنوا عند أول هبَّة ريح، لا تثقوا بكل أنواع المطر، لا تقبِّلوا الأرض التي لا تعرفون ترابها، لا تزرعوا الزيتون إلا في أرضه، لا تغرِّبوا الياسمين عن أمه.
كنتَ تريد قول الكثير ولكنك آثرت الصمت؛ لأنك أدركتَ باكرًا أن الغربة: ليست أن تحمل حقائبك وتترك الوطن! بل أن تبقى أنتَ ويتركك الوطن، أن يذوب من بين يديك كفقاعات الصابون، يهاجر كأسراب الحمام، يختفي كسحابة صيف.
الوطن لم يعد يسمع صراخنا يا أبي ونحن نهتف باسمه وندعو له عند كل صلاة، وعندما ينهمر المطر، وينقشع الضباب. الوطن غادرنا عند أول خيانة، وارتقى إلى السماء! وما بقيَّ على هذه الأرض هو صورة باهتة للوطن، يتنافس عليها المتنافسون، يتراكض عليها الجميع، كلٌّ يحمل سكينًا تحت إبطه؛ يريد أن يقتطع منها قطعة يخبئها في جوفه قبل أن يلمحه أخوه فيرفع سكينه في وجه ويفقأ عينه ليكون الأسبق!
الوطن ارتفع إلى السماء، وأنت يا أبي أعلنت غربتك منذ زمن طويل حين كنا صغارًا لا نفقه أن هذه الحياة أصغر من كل الصراعات، وأنها تنتهي سريعًا، وتذوب كما يذوب الوطن، وترتفع إلى السماء، وما يتبقى منها على هذه الأرض هو صور الشياطين: توسوس في صدورنا فتنفجر، تذبح دمنا وتعلقه على أعواد المشانق، تنفي مآقينا وتتاجر بما تبقى من الدمع، تمزق الكتب القديمة وتُخرجُ من أرضنًا هياكل لا نعرفها  ترسم إلينا هجرة جديدة نحوالمجهول.
أثقلت عليك يا أبي بثرثرتي، دع عنك كل هذا الحديث وأَرْقِدْ  بسلام، ولا تأتِ إليهم في المنام،
"دَعْ كُل ما ينهارُ منهارًا، ولا تقرأ عليهم أيَّ شيءٍ من كتابكْ!"*
على روحك الطاهرة، وعلى روح هذا الوطن المغدور ألف سلام.

*مديح الظل العالي محمود درويش



الاثنين، 2 أكتوبر، 2017

طائر الخريف

طائر الخريف
نجا أيلول من براثن الخريف وتغامز الفصول ومناورات الشمس والمطر وتهامس النساء على الشرفات وسخط الشعراء على أرصفة المقاهي والطرقات! حط بسلام ورحل بسلام مخلفًا في الأفق غيمًا وارف الظلال.
لا أقرأ الصحف ولا أتابع نشرات الأخبار، لا أريد أن أعرف ماذا نبت في حدائق الجوار: الياسمين أم الصبار؟ لم تعد تستهويني أخبار الآخرين؛ فسمائي ملبدة، وشمسي غائمة، وقمري محتجب خلف الظلال، والغيوم القادمة من كل الاتجاهات مثقلة بالحزن، مكفهرة الملامح، يسيل من أردانها الغضب، وتتراشق النظرات الحادة وسط الضباب.
أنا لا أبرر عدم انتظاري لك على قارعة الطريق، وأنني لم أقطع بخطواتي شوارع الانتظار ككل خريف، ولم أقلِّب مفكرة الأيام وأمزق أوراقها حتى تأتيني أسرع من كل عام، ولكنني يا أيلول حلَّ بيَّ ما حلَّ بهذه الديار من وبال؛ فلم نعد ننتظر سنابل الصيف أو نغتسل بالمطر أو نرتعد من سماء الخريف أو نبتهج لاخضرار الربيع! فكيف سأخبر قومي بأنني لا أزال على عشقي لأيلول؟ وأنني أراه خلسة في فنجان الصباح، وأكتبه قصيدة بألف عنوان، وأنه إن كان هو بخير فلا يهمني ماذا يعصف بالديار من خراب!
وحدك من يعلم أنني في هذه الديار غريبة عن قومي؛ فأنا خريفية الملامح والأطوار وهم من دعاة الربيع، من أنصار الشمس المتواطئة، والمطر الممنهج، وكل أنواع التطرف في  النظرات والمعتقدات. وأنا لا أنفك أحاول أن أقنع غيمة شاردة بالعبور ولو سهوًا فوق حقولي، وأغري الشمس وهي في لحظة تثاؤب بالمرور خلسة عن العيون، ولكنهم متفقون بأنني غريبة في الولاء والانتماء لأيلول مثقل بالسواد!
 وها أنت رحلت يا أيلول: زاهٍ كبنفسجة، حالم كفراشة، سخيُّ كغيمة، دافئ كخبز التنور، شهيٌّ بهيُّ، نقيُّ، تحمل في قلبك ألف رسالة حب، لكن قومي لك كارهون! فتمهل يا طائر الخريف، وخذ مني وعدًا: بأنني كنت ولا أزال لأيلول، ودع قومي في غيِّهم يعمهون.




الأحد، 3 سبتمبر، 2017

كلمات صيفية


كلمات صيفية
لا تحدثني بلغة الحب؛ فقلبي أوصدته على آخر حديث باحت به عيناك قبل أن نغادر معًا نوافذ الصبا؛ لنرسم تجاعيد الكهولة بالورقة والقلم.
دعني أغرق في سباتي، لاترسل صوتك من جديد ليوقظني، لا أريد أن أصحو من حلمي بك فأذوي كورقة خريفية جارت عليها الرياح العنيدة وألقت بها إلى القعر.
لا ترسل كلماتك الصيفية لتفرك أذن قلبي؛ فيفيق من سباته الخريفي، ويستجيب لنسيمها العليل، ويهوي في شباكها، دون أن آذن له ، أو إلى رجائي أن يصغي.
لا أكره الحب، لا أكره كلامك في الحب، لا أكره أن يوقظني صوتك الحنون من كل أحلامي، لكنِّي أخاف، بل وتكبلني شياطين الخوف بالسلاسل والزرد؛ أن يكون كلامك هذا غزوًا آخرًا لقلبي، لن ينجو منه، بل سيرديه قتيلًا، أو جريحًا مثخنًا بوابل من طلقات الهجر.
الحب يا صانع الكلمات الجميلة كموج البحر، يتدفق بغنج، يطير برفق، يحلق كنسر، ثم يعود بصيد ثمين؛ يلقيه عند أبواب البحر، فيجلس متربعًا على الشط، وعند الأفول يغدو وحيدًا، يعد الساعات فلا تنتهي، ينتظر انقضاء الليل فلا ينقضي، يبتهل إلى السماء أن تمطر قُبَلًا فتتمنع، ثم يتحول إلى شجرة متيبسة، خيمة مهترئة، كهف قديم يدخله العشاق؛ هروبًا من القيظ ولعنة الأعين، يلقون بأحاديثهم وهمساتهم ونجواهم إلى جدرانه فيتلقفها بحسرة وكبد.
أنتصر على خوفي من تلك الصور البائسة بفرحي حينما يهلُّ صوتك رسولًا محملًا بالبشرى؛ ينفض غبار الحسرة عن قلبي، يدغدغه من خاصرته إلى أن يصفو، ثم يشبك يده بيده ويمضيان، يتراكضان على أرصفة الخيال والسحر، يعدان خطوات المساء من الميل إلى الألف، ويُشهِدان على عناقهما النجم والقمر، ثم يفلت يده من يده، ويهجره ليعود من جديد للتصحر، ويتخذ له متكئًا من القعر.
لا أريد أن أقع فريسة للكلمات الصيفية ولغة الحب، لا أريد لقلبي أن يحبك كثيرًا ولا يتوب عن حكايات العشق؛ فينتظرك كي تعمد عينيه برشفة حب، وشفتيه بقبلة لم تلمسها شفة من قبل أو خد، ويسير معك في ظلال لا تنتهي، قبل أن يرتطم مجددًا كورقة خريفية تعوي في وجه الريح ثم تهوي.

الأحد، 16 يوليو، 2017

عَبس الوطن

عَبس الوطن
لن تهدأ ثورتك، لن تفلت من هذا الضجر الذي يحاصرك من كل الجهات، سينال منك القاصي والداني، ويعلنوك على الملأ زنديقًا كفر بتعاويذ الأجداد، ورمى خلف ظهره صورة باهتة للوطن!
لم يبقَ فيها حيًا إلا الخراب! إنه يكبر ويمتد وينتشر مع الشمس وذرات الهواء؛ لأنهما لا يجيدان القراءة بين السطور وخلف الأفق، ولا يمتدان إلى الزوايا العميقة ومنتصف الفؤاد، لا يعرفان ماء المحبة الذي شح وانقطع؛ فتربع الخراب على كتفيهما، وهبط بنعليه، ومشى.
في الماضي القريب كنتُ أعتبر صمتك داءً خبيثًا يجب أن يُجتث من جذوره، أن تُجفف مآقيه وسواقيه ونوابعه؛ فركضت أبحث عن الدواء، هرولت إلى الكتب القريبة والبعيدة، أفتش فيها كيف أداويك؟ كيف أصنع لك رفاقًا من الورق؟ كيف أرسم وطنًا على باطن الكف تشتهيه كل صباح وأنت ترتشف قهوتك؟  كيف أرسم ضحكاتهم الغائبة على جدار بارد كي لا تنساهم وتنسى كيف يكون الضحك؟
كانت الشمس أحيانًا لا تكرهني، تحنُّ عليَّ فجأة فتشرق في أعماقي، وكنتُ لا أكذب خبرًا؛ فأنفض الخريف عن قلبي، وأميط  الضجر عن عينيِّ وأمضي في حقول الصباح؛ أقطف من كل حديقة بنفسجة، وياسمينة، وأذيبهم مع رحيق  الزعتر، وأرتشفهم على الريق ثلاث مرات متوالية؛ فينتعش الوطن في قلبي، وأكتب إليه قصيدة من ألف بيت، تذوب أحرفها على الجسور والمعابر، وتتشتت قوافيها، ويلملمها الرفاق ويعلقونها على قبة الصخرة؛ فيبتسم المسجد الأقصى ويضحك كل "الحَرَم"؛ فيُجبَر خاطري الذي كُسر، وعمري الذي تصدع على بوابات الشمس.
لا ياسمينة حرَّة في حدائق الجوار، لا بنفسجة بِكرٌ، لا بقايا زعتر في أرجاء القلب، كل شيء فارغ حتى من الصور! والمطر هنا يأتي على استحياء، وفي آخر مرسوم صدر عن والي المدينة حرِّم فيه وجرِّم قطف حبات المطر؛ فلم أعد أستطيع أن أخبئ إليك بين كفيِّ حبات المطر، ولم أعد أستطع أن أزرعهما حدائقَ لترى الوطن فيهما، وتشتهيه كل صباح وعند الغسق، ولم يعد الوطن قابلًا كي أرسمه، أو أصوره لك؛ كي تحتسيه نبيذًا معتقًا عند كل مساء وقبل أن تهاجم عينيك براثن النَعَس.
الوطن أصبح بعيدًا، والمطر شحيحًا، والشمس أعلنت كراهيتها بالمطلق، وتواطئت مع الأكسجين على الفتك بكل قصيدة، وملاحقة الشعراء، والزج بهم إلى كهوف بعيدة؛ فالخيام أصبحت مبعث قلقٍ وأرقٍ، ونزفها ولو كان عشقًا خالصًا لوجه عفراء أو مادونا سيبقى مرفوضًا بلا سبب.  
وأنا بين كل هذا الظلام أخرج في الصباح كعادة قديمة، أفتش في الحدائق الباردة عن نرجسة يابسة، أو ضلع ياسمينة مهجورة؛ فاتخذها صديقة!
 لم يبقَ منهم أحد، فلنعلن الصمت معًا؛ فهذا الوطن مثخن بجراحه، محترق حتى أصابع قدمه، لن تشفيه صلاة، لن يرثيه دعاء.
عَبس الوطن، ولن يبتسم لقصيدة.


الخميس، 27 أبريل، 2017

أرض السنابل


أرض السنابل
سنبلة نبتت على شرفات القهر، تمسح الدمع المنسكب كشلالات من أعين المعذبين، تداعب خلايا الحزن المستشرية في قلوب المكلومين، تنام على خد اليتم وحيدة فتصحو قبائل من أنجم، وكواكب من نور.
غزتهم جيوش الحقد في ظلمة إحدى الدهور، ضربتهم بمعاول غلِّها الدفين، وفؤوس شرِّها المستطير؛ كي تخلعهم من تربتهم الخضراء، وتقطع رؤوسهم اليانعة؛ لم تعد تقوى على رؤية السنابل الشقراء تحتضنها الأرض، تعانقها السماء، تلثمها بآلاف القبلات غيمات كانون.
لم تترك للريح الماجنة فرصة دك أسوار المدينة، ونثر ضفائرها المجنونة على رؤوس الشياطين، وتفتيت القلوب الشقراء، وبعثرة ما في من أفئدتها حبوب.
لمَ كل هذا الخوف من سنبلة برية نبتت صدفة على شرفة أحد المقهورين؟!
من أن تملأ الكون سنابلَ تشرق الشمس من عينيها، وينام على كتفيها قمر تشرين؟!
أم أن الحقد لم يتسع مداه، ويمتد أفقه، لتتربع غطرسة الشتاء في أحضانه؛ فيشير إليه بطرف خفيِّ ليحصد البراعم الخضراء قبل أن يصبِّح عليها ربيع؟!
أو ربما ساورته بعض الشكوك في مدى بطش الريح حين تنتابها ثورات الجنون فتفجر براكين الغضب، وتحرق بشرارة عمياء كل الحقول؟!
أم أنه يعلم علم اليقين أن هذه الريح العاتية، المزمجرة، المعربدة، لا بد أن تنحني أمام جيد سنبلة يتمايل نحو الشمس بحب طهور؛ فتسدل خيوطها الأرجوانية على خاصرته، تغمره بكفيِّن من ضياء بهيج فيضحك وجه النهار بعد طول عبوس، وتزول تجاعيده المكفهرة من بطش القطيع.
أم أنه خاب ظنه في معاول الشيطان وفؤوس الحديد أن تقتلع حبة واحدة من حبوب سنبلة اختارتها السماء، وتوجتها أميرة على شرفات المنكوبين؛ لتثر الدفء والآمان في قلوبهم، لتبث الأمل في نفوس مقهورة تحيا منذ أزمان بعيدة على طيف سنبلة ينبلج عنها  الضوء فتلوح من أفقها حبال فجر جديد.


الخميس، 13 أبريل، 2017

إعلان انتحار

إعلان انتحار
صديقي الذي غفا في أرجوحة المنفى، وصام دهرًا عن الكلام، استيقظ فجأة عندما أذن ديك الحيَّ معلنًا بدء النهار، ليعلن على الملأ: أنه قررَّ أن يتربص بالموت، وأن يفجر آخر قصيدة لديه على شرفات الانتحار!
لم ألتزم الصمت حين وصلني النبأ العظيم لكنه خِذلان الكلام! فاجأني -كما يفعل حين يجنُّ بعض الشعراء-  بقصيدة أخيرة يحتفظ بها بين طيات ثيابه؛ ليفجرها قبل الممات، لتكون قصيدة رثاء له، يريد أن يرثي نفسه بنفسه؛ ليحقق حلمًا راوده طِوال الحياة: أن يسبق الموت بخطوة، ويضع إكليلًا من الغار على قبر القصيدة، ويكتب على شاهدها: وُلدت غريبة، عاشت غريبة، انتحرت غريبة.
صديقي الذي يخبئ في جوفه الكثير من الحكايات عن الفتيات اللواتي يعشقن الياسمين، ويشكلن ضفائرهن بأوراقه، ويخبئنه في دفاتر الحساب؛ ليقع الأستاذ في شِباك الغرام، فيبدأ بجمع براعم الياسمين على وسادته كل ليلة، ثم يقِسمهن بالتساوي على نوافذ الأحلام.
خبرني ذات يوم أنه كغيره من العشاق لديه ألف حكاية وحكاية مع أشجار الورد والجلنار، وأنه كتب كثيرًا من رسائل الغرام، لكنه خبأها تحت بلاطة مكسورة في بيته العتيق في غزة أو حيفا أو يافا، أو عكا، أو الكرمل، لم أعد أذكر بالضبط من أيِّ البقاع كان هو فكل حديثنا أصبح عن برودة الأحوال.
كان يكثر الحديث عن نفسه ليس لأنه يحب الثرثرة؛ بل لأنه لم يجد من تاريخ مولده إلى تاريخ الوفاة من يسأله كيف الحال؟!  فكان يقف قرب الحروف التي يعشق، ويضمها إلى صدره بحنان، ثم يأخذ معها صورة للتذكار، ويقول فيما بعد: كنتُ هنا برفقة عصفور أو غزال.
ضحك كثيرًا عندما رأى الرفاق يتجمعون لأول مرة، يبكون صديقًا قضى على حين غفلة عند باب داره الموصد منذ أول نكبة، ولم يزره طِوال سنين الانكسار إنسيٌّ أو جانٌ أو حتى بنت الجيران!!
الآن يتسابقون في رفع صوره، وسرد ضحكاته، ولملمة دمعاته التي كان يخبؤها في قارورة جانب سريره كي لا تنسكب على دفاتر الأشعار؛ فتبللها، وتبهت حروفها التي كانت تبرق في ليالي آب، وتلمع في سماء كانون.
لم يبُح بحزنه على فراق صديقه لأنه يعلم جيدًا أن الحزن قليل عليه، وأن القصائد مهما علَت وسَمَت ستبقى حبرًا على ورق، وأن كل سنوات النضال والضياع والشتات لا يمكن أن تُختزل في دمعة وصورة وحرف.

صديقي قرر ألا ينتظر الموت كصديقه، قرر أن يوقف هذا الانتظار، أن يتحدى الموت، أن يسبقه بخطوة أو خطوات، أن يغادر السرير الأبيض دونما رجعة، أن يقبِّل يد الحياة مودعًا وقتما هو يشاء، أن يلقي برأسه على وسادة كتبه التي تحدث بها طويلًا عن أساطير الشجاعة والشجعان، عن سنوات النضال في شتى المنافي، عن ذلك الوطن البعيد الذي ينتظر أبناءه كل ليلة قبل النوم؛ ليقبِّلوا يديه وجبهته، ويدعون له بطول البقاء، ويضعون عند كل صباح على رأسه إكليلًا من أوراق الياسمين التي كانت بنات الحيَّ القديم يقطفنه ويخبئنه بدفاتر الحساب، صديقي قرر أن يباغت الموت في عقر داره، ويعلن الانتحار.

الاثنين، 6 مارس، 2017

عيون جاهلية .. ميساء البشيتي .. إصداري الإلكتروني السادس


أحبائي
تم بعون الله إصدار كتابي الإلكتروني السادس
"عيون جاهلية"



على هذا الرابط 


https://www.dropbox.com/home?preview=عيون+جاهلية+..+ميساء+البشيتي.pdf

أو

https://goo.gl/wOYK7f

انقر هنا



الكتاب عبارة عن سلسلة من المقالات تقع في ما يقرب من الأربعين صفحة
أتمنى أن يحظى هذا الكتاب بقبولكم الكريم 



نبذة عن الكتاب
           هذا الكتاب عبارة عن مجموعة من المقالات التي كتبتها على فترات متباعدة، وفي أماكن متفرقة، رصدت فيها مجموعة من الصور؛ أردت أن أسلط الضوء عليها لأنني رأيت أنها تشي بشيء ما، وأننا من خلالها نستطيع أن نضع إصبعنا على الجرح الغائر، الجاهلية المتمترسة فينا حتى النخاع.
 سنبحث معًا عن الدواء كي نشفى من جاهليتنا التي برزت في هذه الصور، وغيرها، ونتعافى منها، وننطلق نحو حياة أزهى وأحلى وأبهى.


الثلاثاء، 28 فبراير، 2017

ملامح مستترة



ملامح مستترة
يا رفيق جرحي، لا أريد لحديثي أن يخدش ملامح الفرح على محياك؛ لكننا ما أن نرفع حجرًا عن حجر حتى تتدفق ينابيع غريبة اللون والرائحة من بيادرنا، لونها لا يشبه بياضنا الذي وُلدنا به، رائحتها لا تشبه ياسميننا، فمن أين أتت براكين الكراهية هذه؟ من زرعها في حقولنا؟ وكيف نرجم بها فلذات الأكباد؟!
في الماضي القريب كنا مشاتل من الحب، نعانق الصباح، ندغدغ الطيور، نستقبل الليل العنيد؛ ليفرش عباءته السوداء، ويستريح على أبواب خيامنا، ويستيقظ معنا لصلاة الفجر، والدعاء على الغاصب المحتل، فكيف تبدل بنا الحال  وأصبحنا كطائر البوم لا ننعق إلاَّ بالخراب؟!
يا رفيق وجعي، سؤال يحيرني ويقض مضجعي: أأنتَ ذلك العاشق الغبيُّ أم الغبيُّ العاشق؟ أم أنتَ لا هذا ولا ذاك، ولا شيءٌ أبدًا؟ وأنني على مدى دهر سلف قد راهنت على الحصان الأعرج؛ فكنتُ الخاسر الأوحد في لعبة العشق ومدارات الوهم، وأنتَ كما أنتَ لا تدري إلى أي حائط تولِّي وجهك، وتقيم صلاتك؛ بعد أن تتوضأ بقبلات محرمة على السمع، ثم تأتي إليَّ فيما بعد ترسم خريطة جديدة للحلم.
أعوام طويلة وأنا أقتات الحياة من عينيك، أتبختر في حدائقها، أستنشق بنفسجها، أدندن موسيقاها قبل النوم؛ فأرى في منامي الفصول الأربعة، وسماء تَرَفُّلُ بأثواب العرس، فأتساءل في صمتٍ: أيكون هذا هو الوطن العاشق، أم العاشق الوطن، أم كلاهما معًا؟ وأنحني أمام عظمة هذا العشق؛ لتفترسني فيما بعد كل خيبات الأمل.
أخبرني يا صديقي اللدود عن الموت، الأحجية، الأكثر تعقيدًا من هذه الحياة: كيف يأتون وقد رحلوا؟!  كيف يحضرون في مواعيد الفرح، والترح، وحين تسقط الدمعة، وتختنق الآهة، وتفرُّ التنهيدة عند بوابات الصور، وحين نجاهر بجاهليتنا العظمى؛ فلا نمد اليد اليمنى لتحتضن اليسرى، ونبني جدارًا جاهليًا بيننا وبين من انتبذ مكانًا قصيًا ليواري عزلته؟
قساة نحن، وفينا من اللؤم الجاهليُّ ما يكفي لتُفزَع أم في قبرها؛ فتستأذن الموت كي تعود من رحيلها الأبدي لبعض الوقت، تركض إلينا في الهَزِيع، تطرق ناقوس الليل بشدة، ترفع ستارته الثقيلة عن نوافذ القلب، تمسح السواد المتمرس على جفنيِّ العتمة، وتدعونا بقلب ينفطر من الرجاء: لا تكسروا سواعدكم، لا تَحنوا ظهوركم، لا تعيشوا ما تبقى من هذه الحياة على فتيل شمعة محترقة؛ وبين أياديكم كل هذا الضياء؟!
ومع ذلك يا صديقي فلا أحد يستيقظ من سباته ليستقبل هذه الأم القادمة من الموت، لا أحد يقبِّل يدها أوجبهتها، لا أحد يستمع إلى دعائها، وبكائها على أبواب الليل!
إنها رائحة غريبة تنبعث من قلوبنا، وأنتَ تولي وجهك نحو ذلك الجدار، تتوضأ بوجعي، ثم تأوي إلى خيمتك؛ تكتب قصيدة غزلية لفاتنة مرت في حدائق البال، وتحلم بوطن يليق بأشعارك، تكتب أغنياته وتوزعها على الفقراء، ثم تتأبط حلمك وتسافر على أجنحة الخيال.

الأحد، 5 فبراير، 2017

حروفي اللاجئة




حروفي اللاجئة
بيننا وطن بعيد لم نمارس الاشتياق إليه منذ دهر ونصف، احترقت الحروف التي كانت تجمعنا بلهيب آخر الحروب، وما تبقى منها غير مشتعل أصبح حروفًا لاجئة على أبواب الغرباء وعلى محياها ارتسمت كل علامات البؤس والشقاء والاغتراب.احتلتني كآبة خريفية من هذه الحروف: الحزينة، البائسة، المنكسرة، التي لا حول لها ولا قوة وتقاسمت مع نبضات قلبي نوبات الحنين إلى حروفنا الصباحية: الهادئة، الوادعة، الواثقة الخطى حين كنتُ أقبِّلها بين عينيها وأرسلها إليك، لم أكن أخشى في حينها أن تضلَّ طريقها إليك لأنك كنتَ دائمًا بانتظارها عند قارعة الأمل ولم أكن أيضًا أنتظر عودتها كي تحظى بأطول لقاء بين ذراعيك فتنعم بدفئك وحنانك ووصالك.حروفي كانت تفاجئني أحيانًا بأنها كانت تسبقك إلى باب بيتك وتنتظرك حتى تعود من غربتك. كانت: وطنًا يظللنا بالآمان، عاشقة لا تهاب غمزات النجوم، جريئة لا تخشى تهامس الجوار، خفيفة الظل تتطاير كسنابل القمح وتهبط كالشمس في حضن البحر، عذبة تذوب كعناقيد العنب بين شفتيك وشفتيِّ حتى تثمل فترقص حتى يقرصها النعاس.هذه الحروف أصبحت اليوم لاجئة: لا تحمل هوية أو جواز سفر أو حتى تأشيرة عبور إلى مخيمات النزوح.عاصفة: كما هي رياح الخريف تنذر بشتاء قاسٍ يتلوه ربيع يرتعد هلعًا عند أقدام الصيف الذي يحمل مراكب الهجرة إلى شواطئ النسيان.يتيمة: بعد أن مات الوطن بين ذراعيها ولم يُتقبل فيه العزاء؛ فالجميع في حالة خلاف واختلاف على اقتسام الميراث! البعض يريد البحر والبعض عينه ترنو إلى اقتسام السماء والبعض افترش الأرض ورسم الخطوط الحمراء على الساحات.لا أنكر أن حروفي كانت لا تخلو من الشجن لكنها لم تكن تعرف كل هذا الحزن، لم تكن تطيل البكاء، لم تكن تنتحب؛ فبكاؤها كان دلاًلًا ومراوغة، دلعًا وهيامًا؛ حين كانت تعتريها ثورة من ثورات الشك! لكن ما أن تضمها إلى صدرك وتدندن مع دقات قلبك حتى يذوب وجعها ويتبخر دمعها وتعود للرقص من جديد حتى أذان الفجر.حروفي أصبحت لاجئة، فقدت بوصلة الوطن، نامت على أرصفة الآخر، سكنت الخيام الممزقة، تعرضت لتحرش حبات المطر، لكنها مع ذلك ما زالت تعرف الطريق إلى قلبك وتنتظرك حتى تعود من غربتك، لا يهمها ماذا ينتظرها خلف الباب؛ فقدرها أنت ولجوؤها إليك ولا ترتضي بغيرك قدرًا ووطنًا ومخيمًا وحلمًا بلا نوافذَ أو أبواب.



الأربعاء، 18 يناير، 2017

الوجه الآخر لي


الوجه الآخر لي
أحدثُّ صمتي بصوت عالٍ؛ أريد أن أزلزل جدران الروح، أن أعلمها أنني ما زلت على قيد الحياة وأن الصرخة في أعماقي تكاد تنفجر.
كم بودي الآن أن أُخرج ترنيمة البكاء التي في أناشيدي وأعلنها على الملأ! لماذا يجب عليَّ أن أمتد في حقول غريبة، أصافح أغصانًا جافة لا تحبل بأي ثمر بل وأقنع نفسيَّ اللوامة بأنها تحمل في أحشائها زيتونًا و حَبًّا؟
كيف أفسرُّ اشتهائي لزهر اللوز وعناقيد العنب وأقمع اشتهائي لرائحة الفلِّ والزعتر وأخفيها عن العيون وأبقيها حسرة دفينة في دهاليز العمر؟
كيف أكفُّ عن رسمك يا وطن في عيون لم تسمع عنك في نشرات الأخبار أو تقرؤك في كتب التاريخ أو تتلو اسمك في سرِّها كما الآيات المقدسة؟
كيف أضع سماءك الزرقاء الصافية في أطرٍ رمادية مغبرة تميل عند كل غروب إلى قاحلة فتذبح في مخيلتي كل تلك الصور؟
أتعبني هذا الآخر، لوحة مبهمة على جدار كاتم للصوت، قُلتُ فيه من الشعر الحرِّ ما يكفي لبناء المدينة الفاضلة للشعراء لكنه من هواة الشعر المقفى والأبيات التي لا تخرج عن السطر لو بعلامة استفهام؟
حاولت أن أفرَّ إليك من كل هذا، أن أهجر هذا الآخر وأبقيه طيَّ عواصم النسيان، أن أقتل كل هذا المساحة من التيه بالسباحة في عينيك لكنك أصريت على أن تبحث في قدود الحوريات عن الباب الخلفي للوطن.
كان لا بدَّ لي أن أرتدي وجهًا آخر لا تعرفه الحياة، سحبت منه يدًا جديدة أصافح بها من حولي، غريبة هذه الوجوه؛ تعيش داخل صناديق حجرية لا تغادرها خشية أن تذوب في الآخر فتتلاشى، أو تكفر بالتعويذات التي خلَّفها إليها الأولون فتصلَى في نار الجحيم.
يا أميري: ماذا لو أنني حاولت الاسترخاء على كتف وطن يحملني بين ذراعيه كسائر الأميرات لا أن أخرج من مأواي مذعورة أشرح للآخر بكل ما أوتيت من بيان أنا من أكون؟!
 وما الضير لو اصطحبني هذا الآخر إلى بلاط قلبه دون أن يسألني من أي البلاد أتيت يا حافية القدمين ولماذا لا تكفين عن تلاوة الشعر في منامك ونثر الطائرات الورقية عند كل صباح؟
تعبت من الآخر وتعب الآخر مني. لماذا عليَّ أن أحملك يا وطن على أكتافي؟ هل تستحق حفنة من الخطوات المنثورة على أرصفة الوطن وبعض الذكريات المبعثرة على سرير الطفولة أن أسكب عمري في قوارير عشقية يثمل منها االقاصي والداني وأبقى أنا أترنح وأنا أعدُّ أوراق العمر وهي تسقط عند بوابات الانتظار؟ ماذا لو بُحت بكراهيتي لك ؟! أجبني يا وطن: هل كنتَ تدري أن أميرة من بلاطك العامر أصبحت حافية القدمين في بلاط الغرباء؟ فما جدوى عشقي وانتظاري وحنيني واشتياقي واشتهائي لعناقيدك إن كنت لا تدري أنتَ أي وجه أنا اليوم أرتدي؟!