ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الخميس، 24 نوفمبر، 2016

أقدام عارية

أقدام عارية
تأتيني أمي كل ليلة في المنام، تطلب مني طلبًا أغرب من الخيال فأركض في الصباح بكل ما أوتيت من عزم في محاولة مني لتلبية هذه الطلبات، أنجح تارة وأخفق أخرى قبل أن أتوقف فجأة وأسترجعها في ذاكرتي _وهي التي عاشت كل العمر لم تطلب مني أن أسقيها جرعة ماء_  فلماذا تأتي كل ليلة وتطلب مني ما هو عصيٌ على الفهم والإدراك؟!
لم كل هذه الطلبات والظهور المتكرر في المنام؟ أغير مرتاحة البال أمي أم أنها كسابق العهد تطالع نشرات الأخبار؟ هل ترى المدن الفاضلة كيف طُرحت أرضًا واستبدَّ بها الظلام؟ هل ترى الأشلاء وهي تتناثر كريش الطيور عند الذبح فتصعد روحها إلى السماء مثخنة بالسهام الطائشة وهي تهوي على قلب المدينة وأرصفة الحدائق وأسوار الملاعب وداخل حقائب الدرس وفناجين القهوة على شرفات الصباح؟
ماذا ترى أمي حتى تأتيني فزعة في المنام؟  ماذا ترى؟ وكيف ترى وأنا أحاول أن أغلق  عنها كل منافذ الأخبار؛ فلا ترى الصور المفخخة والجثث المتفحمة ولا تسمع صراخ الأطفال وعويل أمهات الشهداء بعد أن طفح بهن الكيل وأدركن أن الموت كان مؤامرة على فلذات الأكباد وأن اللعب على الكلمات كان من مسكنات الأوجاع؟
هل أقول لأمي الحقيقة التي لا تعرفها أو تعرفها بأنه قد سكنت ديارنا الضباع وأننا في زمان امتلأ بالضجيج والضباب، الرؤية محدودة بل معدومة لتكدس الفكر الشاذ، الأجواء مشحونة بالجدل السفسطائي، الكفُّ يسبق الفكرة، القلم يغتال الكلمة، السيف يكتب أبجدية جديدة من لم يركع وينحني لها ينسفه نسفًا، العقل طريح الفراش في غرف الإنعاش؟
كنتُ أظن أنني أستطيع أن أرسم ابتسامة مزيفة تخدع أمي فلا ترى ما في القلب من أوجاع، كنتُ أظن أنني إن قلتُ لها أنني بخير فسترى الخير يرفرف كحمائم السلام على أسوار الديار، كنتُ أظن أنني أستطيع أن أحتال أكثر وأدعوها للعودة إلينا لتنعم ببعض الرخاء، لتقيم بيننا أكثر؛ فلا ملاجئ مكتظة، لا خيام ممزقة، لا أرصفة ضاقت بما رحبت، لا موانئ أعلنت التخمة، لا بحور أغلقت في وجوهنا لأننا نتكاثر في ليالي الشقاء.
احترت فيما أقول وفيما أخفي؛ فالحقيقة الوحيدة التي تتراءى لي الآن أن أمي تطالع نشرات الأخبار! وأنها تأتيني كل ليلة لأنها أدركت أننا أصبحنا أقدامًا معلقة في الهواء، عارية من الأمان، لا مأوى يلم شعثها ويحتضن ضياعها ويعيد ترتيب شتاتها الليلي لتنتطلق عند كل صباح تتسول وطنًا على أرصفة الغرباء.
 أمي أدركت وحدها ودون أن أخبرها أنا أننا أصبحنا أقدامًا عارية في الهواء.

 في الذكرى الخامسة لرحيل أمي عليها رحمة الله





الخميس، 10 نوفمبر، 2016

لتشرق شمس الأحرار




لتشرق شمس الأحرار
أخاطبكم من بيادر الطفولة، أمدُّ إليكم يدًا بيضاءَ تصافح قلوبكم المزهرة بالحب والمفعمة بالأمل، أتلو في حضوركم الكريم بعض آيات الذكر الحكيم لتحميَّكم من هجمات الزمان وتخفف عنكم بعض الأنين.
دعوني أضمد جراحكم وأمسح بكفيِّ تلك الدموع، دماؤكم ليست فائضًا عن الحاجة وأنتم كنتم وما تزالون الجسر الذي تعبر منه الحضارات من الجدود إلى آخر العصور.
دعوني أهمس بأذانكم كلمات الوطن الحنون: اطردوا الغريب من رؤوسكم والتفوا حول بعضكم من جديد، دفئوا قلوبكم بمشاعل الحب وأطفئوا نيران الوعيد والتهديد.
صراخكم في ليل الأمس أدمى القلب، أفجعه؛ فانتنشرت هالات الخوف حول الجفون والعيون.
أنفاسكم لم تعد تصل مع رذاذ المطر وعناقيد الندى، أسراب الحمام لم تعد تحمل إلا رسائل النفير، طبول الحرب دقت وعلا هديرها وطغى على أنين المساجد وخطب المصلين ودعوات المسنين.
هناك الأقصى يفتقدكم، يبكي غيابكم الذي طال في ظلمات سرمدية؛ فلا شمسها تشرق، ولا يلوح ذيلها بفجر جديد.
تساقطتم كأوراق الخريف في أول الربيع، كسوتم أشجاركم بملامح اليتم، وشَّحتم سماءكم بالسواد، قطعتم أنفاسكم من الوريد إلى الوريد، وأدتم الحلم في مهده، مزقتم أوتار الأمل، هدرتم دماؤكم على صفحات الوطن الحزين.
عودوا إلى رشدكم، عودوا إلى أمكم، إلى حلمكم، إلى هذا الوطن الغالي وتراصوا من جديد.
افتحوا عيونكم للأمل، إلعقوا جراحكم بالصبر، أضيئوا هذا الليل المترامي على أكتاف الوطن بالشموع والقناديل.
أعيدوا ترتيب الأشياء من حولكم، الوطن أولًا ثم أشجار االحب والحنين، مراكب العودة تحمل كل المهاجرين، صلوات الآباء في المساجد وبيوت الآمنين، دعوات الأمهات تكلل الجبين.
عودوا إلى كتاب الله فهو ما يزال بين طيات قلوبكم، ورحمة الله ما لها حدود، والعدو طريقه واضح فلا تتيهوا في السراديب.
إقلعوا أشواككم، إغسلوا سوادكم، ازرعوا حدائق الوطن بالحب والأمل من جديد،
ولتشرق شمسك يا وطن الأحرار.