ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الخميس، 27 أكتوبر، 2016

المذبوح إصدار ميساء البشيتي الألكتروني الرابع



تم بعون الله إصدار كتابي الأكتروني الرابع "المذبوح"






المذبوح كتاب ألكتروني يقع في ما يقرب السبعين صفحة 
يتحدث الكتاب عن رحلة شاقة وقصيرة بين دفتيِّ كتاب، الرحلة كانت متأرجحة طِوال الوقت بين مدٍّ وجزرٍ على شطآن وهمية من وحيِّ الخيال وعبثية السؤال: هل الحياة تستحق منا كل هذا العناء؟

أيها المذبوح سكنتَ فيَّ، وسكنتُ إليك، وأصبحنا قطعة من العذاب فانتظرني على حافة الوجع القريب لأرتب لقاءً بين النجوم تكتب فيه وصيتها للشمس والقمر والسحاب. انتظرني أيها المذبوح فالخريف يشبهك ويشبهني ويشبه خطواتي إليك، خطواتي التي ملَّت وتعبَت من الترحال، خريفنا يشبهنا فلنكور نقطة الختام في خريف واحد، نكتب عليه حروفًا من ورق أصفر، ورق أيلول، حروفًا تسقطها الريح أو لا تسقطها، تبعثرها أو لا تبعثرها، لا يهم طالما أنك شبيهي في هذه الحياة، وخريفك هو خريفي.

السبت، 22 أكتوبر، 2016

بقية حديث


بقية حديث

أنا وأنتَ حرفان ساكنان في حديثٍ صامت لم يطفئ الشمعة الأولى من ميلاده، لم يذبل عقد الياسمين على نحره، لم تتساقط أوراق الوردة عن غصنه، لم تذب قطرات الندى عن صباحه؛ فبقيَّ حديثه ساخنًا كرغيف الخبز، طازجًا كرائحة الزعتر.
أنا وأنتَ حرفان هاربان من جزيرة تاهت في محيطها سفينة نوح فتشتت في دروبها جميع أزواج الطيور، خرست حناجر البلابل، غابت في إغفاءة طويلة زقزقات العصافير، وما بين الضياع والضياع لم يبق من يجيد الصراخ إلا طائر البوم.
ضبطت قوافي الشعر في قلبي إعلانًا للحرب، علقت جدائل الأشعار وربطتها إلى زيتونة الدار، أغلقت في وجهك دفتر مذكراتي ومنعتك أن تقرأ طفولتي وصباي، حجبت عنك عيون النور فخانتني وتسللت إليك خلسة، وعندما ضبطتها منتشية في مخدعك ارتجفت وبكت ثم باحت: أن قلبك هو من رمى إليها الشباك ومن انتظرها في عتمة ذلك المساء.
أنا وأنتَ حرفان يشكلان عنوان هذا العالم الذي مزقته الشرور والحروب والضغائن المتوارثة عبر كل الأجيال، أسكن في سكون عينيك فلا أسألك وطنًا ولا أنشد همزة الاستقلال، أنفاسك هي ماء الحياة لقلبي وتنهيداتك تعويذة سحر أرقي بها نفسي من أعين الحاسدات المتعطشات لروايات الغرام.
كيف صَلبتُ قلبي على حائط نون النسوة ووقفت حاجزًا بينك وبينه وأعلنت عليك في حينها العصيان؟
كيف خدعتني دموع تاء التأنيث وطلاوة وحلاوة ألسنتهن فاقتسمت عرش قلبك معهن، وسمحت لهن فيما بعد بمساومتي على مغادرة ساحات أحلامك؟
كيف سمحتُ لك أن تتدثر بوشاحهن، وتختبئ بين رموشهن، وأنتَ الذي كنتَ رئتي اليمنى واليسرى والوسط؛ فكيف أتنفس أكسجين العشق وعبير الحياة وشذا الأمل؟
وتعاتبني نفسي بحرقة السؤال: كيف ستمضين بقية العمر دون متكئ؟ وساعات النهار التي لا تنقضي من سيشغلها إن غاب همسه ونبض حسه وترانيم عشقه؟ وكيف سيكون لون الفجر إن كان ليله يقظًا متيقظًا كل الوقت؟ 
هل بتُ غريبة حقًا؟ هل بتُ غريبة عنك؟ ألم يعد من حقي أن أرسل جدائل أشعاري لتغفو بين ذراعيك لبعض الوقت، ألم يعد لي فنجانًا من القهوة ينتظرني معك على موائد الصباح؟ ألم تعد أنتَ المرسى والميناء والشاطئ وجميع أرصفة المنفى؟
أنا وأنتَ حرفان ساكنان في حديثٍ صامتٍ، نعم، لكنه أطاح بكل ثرثرات النساء؛ لذا أنا لن أوزع مساحات من رياض قلبك عليهن هبة أو صدقة جارية، لن أمنح مسامة واحدة حتى وإن كانت خرساء إلى حروف العلة مهما استجدتني وبكت على بابي ولن أبعثر ما تبقى من عمري مصلوبة على تلك الجدران.
أنتَ منذ الآن لي وحدي، لن تدس تاء التأنيث ونون النسوة أنوفهن في أحاديث المساء.
حديثنا: صامت، صاخب، متقطع، متأرجح، ممطر، ممحل، مقبل، مدبر، مزبد، معربد، هو حديث بدأناه وعلينا أن نكمله.



الأحد، 9 أكتوبر، 2016

حديث الخريف

حديث الخريف
أنتَ الخريف والخريف أنتَ فلا تحاول أن تخضرَّ كالربيع أو تمطر كالشتاء أو تحلِّق كالصيف؛ فالخريف يحلو بك، يزهر بك، من عينيك يهطل عنبًا قرمزيًا ولوزيًا يفترش الأرصفة والساحات، ثم يغدو أنشودة من لهب إن مالت عليه الجدائل الشقراء وقبلَّت منه الوجنات، ويبقى هو الخريف.
تَزبِد وتَرغي وتُعربد قصائدك في أضيق أفق، ثم تمطر حروفًا من غضب، أركض أنا في الممرات الممنوعة من الصرف لألملم هذا الغضب قبل أن يشتعل، ومع ذلك تأتيني في يومٍ غير منتظر، تحمل إليَّ في قلبك زهرة فواحة في آنية من ورق.
لا تقل "أحبك" فلقد أصبحت أكذوبة الشعراء! ولا تقل اختزلي المسافات بيننا، واقتطعي عقدين أو ثلاثة من هذا العمر الممتد على أرصفة الشقاء لنعود معًا إلى مقاعد الصبا فأحفر اسمك على كل أشجار الحيِّ القديم وما جاوره من الأحياء؛ فالخريف لا يليق به الكذب.
أهديتني قطة تموء طِوال الوقت، لا أفهم حديث القطط أنا. أنا أكتب الشعر على جُدر الغرباء، لا يفهمون حديثي، نعم، ويمرون عنه مرور عابري السبيل بالأراضي الجرداء، لكنك أنتَ تفهمه وتدركه ويلامس شغاف روحك وقد يصيبك في مقتلٍ! وتصرُّ على أن مواء قطة بريِّة أكثر شاعرية من أحاديث العشاق.
أدركت لاحقًا أنني لا أستطيع أن أسند الجدار الذي أسقطه القدر بكلتي يديّ وإن اجتمعتا، لكنني أستطيع أن أسند برعم زهرة هاجت عليه الريح بطرف إصبعي؛ فلماذا إذن أركض طِوال الوقت لأرسم الكحل في حدائق عينيك؟!
مع ذلك فأنا أصبحت أحب مواء القطط البرية، وألمس شاعرية حديثها، وأصرُّ بكل ما أوتيت من عزم أن أسند بكفيِّ المتعبتين الجدار الذي أسقطه القدر، وأن أسرق الزهرة الوحيدة التي نجت من زلزال بابل وأداعب بها صباحك وإن شئت أن تزمجر في حينها فلك ما تشاء؛ فالخريف لن يمطر ويزهر ويحلق  دون ربيع أو صيف أو شتاء، ومواء قطة برية لن يكتب قصيدة أو يضيء شمعة في معابد الشعراء، لكن حديث الخريف وإن كان زمجرة ريح وصَخَب حبات مطر فسيبقى حديث كل الفصول ولن تسقط أوراقه من دفاتر الشعراء.


الثلاثاء، 4 أكتوبر، 2016

في الذكرى الخامسة لرحيل أبي

في الذكرى الخامسة لرحيل أبي
في الذكرى الخامسة لرحيلك يا أبي أخجل أن أخبرك أن كل ما
تركته لنا من ميراثٍ أصبح قرى عائمة من الخراب، رائحة البارود تُزكم الأنوف
الطاهرة، الدماء لا تتوقف عن تمددها العشوائي في مسارات اليمين واليسار وقفزها
الصبياني في دوائر الوسط.
الأيادي لم تعد متشابكة بل متضاربة، الأراء لم تعد
متوافقة بل متطاحنة، الوطن أصبح يرتدي لون الحداد في الليل وفي النهار على قوافل
الشهداء وعلى من تبقى من الأحياء ينتظر دوره في الصعود إلى السماء.
لم نعد ننتظر الوطن، لم نعد نرسم مفتاح العودة في رأس
الصفحة؛ فنحن في معظم الوقت مشغولون بنصب الخيام وإحصاء أعداد القتلى والمصابين واللاجئين
والنازحين والفارين من الموت إلى بلاط الجحيم.
ما فائدته الوطن؟ سؤال لم يكن يخطر لي ببالٍ عندما كنت
بيننا لا تكفَّ عن الصلاة والتسبيح. لكن بعد أن غادرتنا أنتَ ربما أيضًا غادرتنا
الملائكة فرفعت سجادة صلاتها عن أرضنا وكفت عن التسبيح في ديارنا، غادرت هي وبقيت
الشياطين في أرضنا تعيث فيها فسادًا، تزرعها خنادقَ من الرعب، تعبث بنا وتلهو ولم
يسلم من عبثها سورة أو خبر، ولم تُبقِ فينا صالحًا ولم تذر.
 الشياطين أصبحت
تفوق أعداد البشر فأصبح لكل فرد منا شيطان أو أكثر يحرسه عن اليمين وعن الشمال، من
الأمام ومن الخلف؛ كي لا يفكر قيد أنملة أن يتراجع للوراء قليلًا فيرفع يده
بالسلام أو يفجر جملة بائسة "كيف الحال".
الوطن يرسم ألف علامة اندهاش واستفسار ولكن لا أحد يجيب
الوطن، لا أحد يفكر بأسئلة الوطن العبثية ومحاولته فهم ما يجري من متناقضات؛ فكل
شيطان يرسم في العين الواحدة ألف وطن: وطن في السماء، تحت الأرض، في كنف الجبال،
في عرض البحر، في خيمة على جزر من الجليد أو فوق ثلة من الخُطب. ألف وطن زرعته
الشياطين عن اليمين وعن الشمال وفي حدائق الوسط فلم نعد ندري لأي وطن فيهم ننتمي ونلقي
التحية ونصدح بنشيد العلم.
هذا الوطن الذي كنتَ تحمل اسمه في قلبك، وتكلمنا عنه
كلما دقت حبات المطر على نوافذ المساء، تروي لنا الحكايات تلو الحكايات عن وطن كان
يعبق برائحة البرتقال، وعن "حبَّ العزيز" الذي كنا نأكله مع ذرات السكر ولم
يكن يخرج علينا في حينها من يدعي ملكية المطر!
كانت الأرض يا أبي تسأل عنا إن غبنا عنها، والمطر يبقى
في الخارج منتصبًا إلى أن نفتح إليه الأبواب، كانت السماء تضحك نهارًا فترسل الشمس
إلى كل الحارات وأزقة الفقراء، وكان الليل دافئًا حنونًا يرسل القمر ليحرس قلوب
العشاق.
اليوم لا وطن يسأل عنا، لا شمس تصل خيام الفقراء، القمر
مأجور، الليل خسيس، الوقت عائب، والوطن ألقى بحقائبه إلى مراكب الهجرة  وانتحر على شفتي السؤال.


أرقد بسلام يا أبي فالموت اليوم أصبح صديقًا للعائلة، يصبح
ويمسي بينهم، يرفع عنهم الحجارة المتناثرة وبقايا الأسوار المتصدعة، يصدُّ عنهم
الرصاص الخائن ورياح الشرِّ المستطيرة، ويعينهم على همزات وغمزات الشيطان.