ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الأربعاء، 31 أغسطس 2016

رماديٌّ ناصع البياض





رماديٌّ ناصع البياض


أغلقت المذياع بركلة وحشية وخرجت بلا وعيٍ مني ولا إدراك إلى ما كانت تعرف بالشوارع قبل أن تصبح خنادق! أخذت أجوبها طولًا وعرضًا، أفتش في كل ممرات المشاة عن خطى تشبه خطاي فأتبعها كي لا أضل طريق الأباء والأجداد وأتبع دينًا لم يعرفه أو يتعرف عليه قومي من قبل.
كيف أًسكِتُ هذا الصوت القادم من أعماقي؟ كيف أشرح له أنني بتُ وحيدًا على أرصفة الشقاء؟ الجدران تنكرت لي ومغالق الأبواب، السماء من فوق رأسي تبكي لكن في غير موسم البكاء، كل الرفاق مضوا، كل الرفاق قضوا، بعضهم استشهد، والآخر استشرس،  وبقيت وحدي بلا رفاق.
يكرهون اللون الرمادي، في آخر حديث لهم قبل الاستشراس طلبوا مني بالحرف الواحد أن أختار بين الأبيض والأسود.
لا أنتمي إلى اللون الأسود، لا أحبه بالمطلق، ولا أكرهه حدَّ قذفه بيمين الطلاق، أحب فيه شموخ الهيبة والوقار، وأكره فيه طعم الحزن، أكره امتصاصه الفجِّ لرحيق الشمس ودفنه لجدائلها في حدائقه فلا يستطيع إنسيُّ أن يعانق جديلتها أو يقبلَّ في لحظة يتيمة ثغرها عند باب الدار، لكنَّه إن هبَّ شتاء عاصف فقد يمنحك ظلالًا كاذبة من الدفء والأمان.
لا أنتمي إلى اللون الأبيض، لا أحبه حدَّ الانتحار في سبيله، ولا أكرهه فأتحالف عليه مع بومة الجوار، هو لون اللاشيء في عيني، لون الثلج حينما يحاصر مدن الفقراء، تميل إليه عيون الشمس في محاولة لاسترضائه لكنه يبعثر كل ضيائها في طريق العودة فتفقد ظلال الدفء وظلال الحياة.
للأسود سور عالٍ وجدر متينة لا تستطيع جحافل الفقراء اختراقها فيجلسون إلى جوارها فقط يمارسون عاداتهم القديمة الجديدة في الدعاء والبكاء.
الأبيض لوحة مستساغة لكل المتطفلين والمارقين، يخربشون على أفقه كما يشاؤون، وعليك وحدك أن تتحمل حرب الألوان الباردة دون أن تنطق بحرف واحد؛ فأنت في حضرة قداسة الأبيض.
رفاقي الذي استشرسوا يريدون مني أن أحدد ولائي إما للأسود أو للأبيض، يرفضون رماديتي، يكرهون رماديتي، يقولون أنها تخيفهم لأنها تعيق حروبهم ضدي.
 (رماديتك تخيفنا) يرددونها على مسامعي باستمرار؛ فهم يرونني أحيانًا أنتمي إلى الأسود حين يصبح الأبيض مداسًا لأقدام الربيع فتكثر من حوله الألوان الفجة التي تحاول أن تضفي عليه بعض البهجة حتى لا يعود لون الموت.
ويرونني أحيانًا أخرى أنتمي إلى الأبيض حين يستأسد الأسود ويأكل الشمس، ويبتلع مطر الفقراء فتخرج منه حمم بركانية يلقيها في وجوه السذج فتنفجر بهم دون أن يهتز له جفن.
أنا لا أحب الأسود، لكنَّه في بعض الأحيان يمنحني بعض الدفء. ولا أحب الأبيض، لكنَّه في بعض الأحيان يشعرني بلحظة البدء. أنا أحب الرمادي لأنه يسمح لي بالتنقل عبر مداراته دون  جواز سفر أو هوية، لا يوجد نقاط تفتيش في ممرات الرمادي، لا يوجد حواجز عليك في كل لحظة أن تحاول تخطيها.
الرمادي قد يكون هو الأسود حين يمنحك الدفء، أوالأبيض حين يمنحك الفكر، أو الأخضر، الأصفر، ألوان اللهيب، ألوان الاحتراق، ألوان النسيم، ألوان المطر الساقط من السماء قبل أن يتحول إلى حمم بركانية تجعل الأسود دخانيًا والأبيض بلون الدم.
لم يبقَ لي أي رفيق، البعض استشهد والبعض استشرس، وأنا بالرمادي أركض في ممرات من العدم، لا أعرف كيف أنتمي إلى وجهيِّ الموت الأسود والأبيض، والرفاق يلوحون بالقتل الرحيم عن بعد.

 أنا أغلقت المذياع، وكل نشرات الأخبار، وأعلنت الكفر بالأسود والأبيض؛ فالرمادي ناصع البياض وهذا صدري لا يخشى طلقات الرصاص.  

الثلاثاء، 23 أغسطس 2016

عيون جاهلية






جاهلية 7
عيون الجاهلية
بكى قومي، بكوا كثيرًا كثيرًا، لا شيء يستطيع أن يوقف هذا البكاء فمذ وعيت على هذه الحياة وقمت بفتح عيني على كل ما هو حولي وأنا أسمع أصواتهم وهم يبكون! تعددت الأسباب والبكاء واحد، ومتواصل، منذ داحس والغبراء.
الجاهليون كما هم منذ ألف عام، لم يتغير فيهم شيء، منذ قرون تلت وهم يجيدون البكاء بل ويعشقونه، فهل البكاء سلاح الضعفاء؟!
 لكنَّ قومي ليسوا بضعفاء حسب آخر إحصائيات النجوم وقراءة الطالع وعلم الفلك! وليسوا بأقوياء، إلا إن كنا نتكلم عن فرد العضلات!
القوة كما دُرِّست لنا في كتب التاريخ هي: التوازن التام بين حركة الذراع وحركة الدماغ. _هذا حسب فتاوى التاريخ_ وأن أي خلل في هذا التوازن سيؤدي إلى موت الدماغ وبطش الذراع، فهل ماتت أدمغة قومي؛ لأنَّ أذرعتهم طالت، بطشت، عربدت، تجبرت، ثم بكت كثيرًا كثيرًا؟
قومي يبكون منذ الأزل فهل بكاؤهم هو وليد الألم؟ أم أنه طوق النجاة لكل منافذ الألم؟!
أطفال بلادي لا يشفقون على هذا البكاء، لا يجزعون منه، لا يستهجنونه، بل ربما يشعرون بالغثيان عند كل موجة نحيب، فهم لا يبكون، لا يعرفون معنى البكاء، لم يرثوا عن قومي صفة البكاء، لذلك هم ليسوا ببكائين بل إنهم يقطعون عرض البحر، يقدمون أجسادهم كدروع نجاة، يسافرون إلى بلاد الموت، يعتلون ضفاف الشقاء، يحفرون على الجليد أسماؤهم قبل موعد الرحيل.
قومي يواصلون بكاءهم، لكنَّ أطفالهم لا يسمعون فهل أصابهم الصمم؟ أم ولدوا بداء الصمِّ؟ أم أنهم ولدوا وعلى جبينهم كتبت كل عناوين الشقاء، والترحال، والقفز بين أودية الموت لينعم قومي بلذة البكاء؟!
قومي يجيدون أمرًا آخرًا هو دفن الرأس في الرمل، وإن ظهر منهم الرأس فإنه  يبقى مرتجفًا طوال الوقت، خائفًا من  ظلال الشمس إن هبطت إلى الأرض أن تشي بقصصهم إلى عيون الليل، ولدرء هذه الشبهات يلقون بها في سلال الآخر، ومن يدٍ إلى يدِ حتى تقع في قبضة الشيطان فتدور الدوائر على من بُغيَّ عليه وظُلم، ثم يعود قومي للنحيب في جنازات لا حصر لها ولا عدد.
ومما أذيع سرَّه_ ولا أحب أن أُفشي الأسرار_ أن أحد أطفال قومي الصغار وهو يلهو مع لعبة الموت في ساحة الدار قبل أن يسقط أرضًا ويلقي تحية الوداع، رفع يده ملوحًا  لقومي أنَّ هناك هوة عميقة عند باب الدار، خشيَّ أن تزل أقدامهم فيموتوا، لكنَّ قومي أسرعوا بإسدال التراب عليه قبل أن يلفظ الحياة، خافوا من يده التي تلوح في الهواء، ثم عادوا لمواصلة البكاء.
 ظلَّ أطفال بلادي يتسلقون جبال الخوف، يبحثون عن هذا الملقب بالموت، يفتشون عنه في جزر الشمس والقمر، ظنًا مهم أن الموت  رجلٌ فيطيحون برأسه، أو مجموعة من الرجال فينصبون إليهم شركًا يقعون فيه واحدًا تلو الآخر، أو قد يكون مدينة من الرجال فيحفرون حولها خندقًا كبيرًا ويتربصون بهم في ساعات المساء، لكنَّ  صوت البكاء القادم من مدن الهلاك كان صفارة إنذار للشياطين فانطلقت لتحمي عرشها، وألقت كل ما في جوفها من نار وبارود فانهارت أسوار آخر المدن، وسقط جميع الأطفال مضرجين بالموت، وبقي عويل قومي يصدح إلى الآن.