ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الخميس، 26 مايو، 2016

أمطار النور

 أمطار النور
حروفي دخلت في غيبوبة الخريف، أُوقظ حرفًا فيغفو الآخر، أضمها كعناقيد الشهد فتنفجر لفائف حارقة تلذَع القلوب. كنتُ فيما مضى أْشْكَلُها على صدرك فتضيء، أرسمها على شفتيك فتنطق، أكتبها على قلبك فتعشقني حتى الرمق الأخير... فمتى تعود حروفي رسول محبة إليك وتنهض من غيبوبة الشهيق والزفير؟!
 حروفي يا ابن النور لا تستطيع الوقوف على ساقيها كباقي الزهور! لا تستطيع الركض كفراشات الربيع؛ لتلتحف كفيِّك وتطلب منك الاحتماء فيك، ولا الطيران كعصفور، والتحليق كطير، واختطافك على بساط الريح لنطوف معًا كنجم ونجمة جميع مجرات الياسمين، نمسح عن أوراقها بطش الجاهلية الأولى، والعصبية القبلية، وظلام السالف من العصور.
تريدني أن آتيك كعاصفة هوجاء تخلخلك من الجذور، تقتلع من ذاكرتك بيادق القلق وخرائط الطريق، تنتشلك من ميادين الدمار، تبدد من حولك أعاصير الشك بكل من غيروا مساراتهم فجأة من اليسار إلى اليمين... فكيف لي أن  أتحول إلى عاصفة تغير معالمك إن كانت حروفي لا تقوى على الزحف، والنطق، ورسم الكحل في عينيِّ للقاء الحبيب؟!
تريدني أنا المتعبة بحروفي أن أقطف أنوارك وهي في أوج المستحيل... تلقي بها إلى ليلي المظلم فتتراقص بدلالٍ على نوافذه، وأنا كأميرة الحكايات أصعد الشرفة متسلقة جدائلي وأمد يدي لأمسك بها فتنزلق كالماء! فكيف أقطفها أنوارك؛ إن كانت هذه الأرض التي ولدتني لم تعد تحملني، وتنكرت لي رقعة أقدامي، وبالكاد تعرفت عليَّ بعض الخطوات؟
الزنابق استأسدت في غيابك وأخذت تتسابق، تحاصر أنفاسي كل الوقت، تبثني عبيرها من ثقوب الجدران، تتسلق بتلاتها الحائط وتمد أقدامها عند باب الدار فيفور دمي، وتغلي في مراجلها أعصابي، وأحمل بكل ما أوتيت من غضب هذه البتلات وألقي بها إلى الحائط  المجاور فيتحطم قلبه دونما ذنب، ولا أقدم إليه أو للزنابق أي أعذار.
بعد أن تهدأ ثورتي أخلد إلى أحلامي؛ لأستقبل منك حزم النور وهي ترفل بأجنحة الفراشات وأتمنى لو أحلق معك، لو أغمرك وتغمرني وتذوب بيننا المسافات، لو أعانق هذا النور الذي ينسكب منك  شلالات، وأقطف بعضًا منه ألقيه على عيون الظلام... لكن حروفي هاجعة في معبدها، مستكينة لقدرها، لن تقوى على قضم الجسور الممتدة بيننا وبعثرة المسافات.
أرسل مطرك الآن، أحي هذه الحروف الميتة، دعها تنتعش في حضورك، تسابق الريح إليك، تقف في وجه الزوابع والأعاصير، تصرخ بملء العنفوان:  هناك في تلك السماء البعيدة نجم شارد، أريد أن أقطفه، أضمه إلى حضني فيهطل علينا مطر يغسلنا من الوجع.
أريد لكل الأصوات القادمة مع الريح أن تهدأ، بل تخرس! أريد فقط صوت مطرك عاليًا، هادرًا، متفجرًا بالحياة، أريده أن يبعثني من جديد، يحيني، ينشيني، يطربني، يدغدغ  حروفي في غيبوبتها، يوقظ فيها الشهيق والزفير، ينتشلها من سباتها الطويل، من أقراص التنويم وحقن الموت الرحيم ويدعوها للنهوض من جديد. أريد لأمطار نورك أن تخترقني،   توغل في خلاياي، تنتشر على مساماتي، تدغدغ النبض الشارد في قلبي... فقد جفت شراييني.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.