ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الثلاثاء، 31 مايو 2016

كيف الخلاص؟

كيف الخلاص ؟
يا قمري، يا قمر الأقمار سلامًا، أنا أبحث الآن عن الخلاص! هذه النجوم المتربصة بقلبي تكاد توقع بيّ وأنا أكاد لا أنجو من آخر حماقاتي.
الساعة على الحائط تدق بانتظام رتيب، تستفزني دقاتها ورتابتها، ويستفزني أكثر هذا الملل الذي تغرقني فيه ثوانيها الباردة، يكبلني، يقمع بركان من الثورات في داخلي تغلي.
(لا ) كم أصبح ثمنها اليوم، وهل لمثلي شراؤها؟
كيف أرفع اللاء في وجه هذه النجوم البريئة؟ كيف ألقي بأضوائها الساطعة بعيدًا عن بساتين قلبي؟ وأنتَ كالنحلة بين أحضان الزهر، تحتضن زهرة وتودع أخرى، وفي المساء تضع رأسك المثخن بالهموم على صدري وتبكي.
تعبتُ من بكائك، ومن ترحالك، ومن عقارب الساعة التي ثبتت عندك، ومن الفكرة المجنونة التي تجتاحني، ومن صمتي، ومن تلك الأضواء البعيدة، وتعبتُ أكثر لأنهم لهذه اللحظة لم يقرأوك في عيوني.
الأزهار التي كنت ترسلها إليَّ أعلنت براءتها منك، الرسائل كلها تنكرت لك، حتى الأشعار التي أنجبتها أناملك أشاحت بوجهها عنك، وحده هذا القلب لا يفهم،  وينتظرك كل مساء بعد أن تنتهي من رحلات العبث كي تلقي إليه بوردة ذابلة، يمضي هو طِوال الليل يرويها بدمعه علَّها تصحو، ولا تصحو، ولا تنفك أنتَ عن مواصلة البكاء.
أريد الخلاص، نعم أريد الخلاص، لكن ليس منك، فأنا لا أتوب عنك، أريد الخلاص منهم، (لا) كم أصبح ثمنها اليوم؟!
تعبتُ من أضواء النجوم تسطع فوق صحراء قلبي، لا يرويني إلا دمعك الذي يسقط في قلبي فيروي حدائق عمري، ويزهر البنفسج في غير أوانه، وتفوح رائحة الزعتر في غير أرضها، وينفلق الصبح الوردي من غيمة سوداء، ويضيء الياسمين حدائق عينيِّ التي غشاها الظلام، وهم لا يفهمون، لأنهم لهذه اللحظة لم يقرأوك في عيوني.

أنا أريد الخلاص، كيف الخلاص، قل لي كيف الخلاص منهم كي أبقى لك يا قمر الأقمار، بعيدًا عن عيون النجوم؟

الخميس، 26 مايو 2016

أمطار النور

 أمطار النور
حروفي دخلت في غيبوبة الخريف، أُوقظ حرفًا فيغفو الآخر، أضمها كعناقيد الشهد فتنفجر لفائف حارقة تلذَع القلوب. كنتُ فيما مضى أْشْكَلُها على صدرك فتضيء، أرسمها على شفتيك فتنطق، أكتبها على قلبك فتعشقني حتى الرمق الأخير... فمتى تعود حروفي رسول محبة إليك وتنهض من غيبوبة الشهيق والزفير؟!
 حروفي يا ابن النور لا تستطيع الوقوف على ساقيها كباقي الزهور! لا تستطيع الركض كفراشات الربيع؛ لتلتحف كفيِّك وتطلب منك الاحتماء فيك، ولا الطيران كعصفور، والتحليق كطير، واختطافك على بساط الريح لنطوف معًا كنجم ونجمة جميع مجرات الياسمين، نمسح عن أوراقها بطش الجاهلية الأولى، والعصبية القبلية، وظلام السالف من العصور.
تريدني أن آتيك كعاصفة هوجاء تخلخلك من الجذور، تقتلع من ذاكرتك بيادق القلق وخرائط الطريق، تنتشلك من ميادين الدمار، تبدد من حولك أعاصير الشك بكل من غيروا مساراتهم فجأة من اليسار إلى اليمين... فكيف لي أن  أتحول إلى عاصفة تغير معالمك إن كانت حروفي لا تقوى على الزحف، والنطق، ورسم الكحل في عينيِّ للقاء الحبيب؟!
تريدني أنا المتعبة بحروفي أن أقطف أنوارك وهي في أوج المستحيل... تلقي بها إلى ليلي المظلم فتتراقص بدلالٍ على نوافذه، وأنا كأميرة الحكايات أصعد الشرفة متسلقة جدائلي وأمد يدي لأمسك بها فتنزلق كالماء! فكيف أقطفها أنوارك؛ إن كانت هذه الأرض التي ولدتني لم تعد تحملني، وتنكرت لي رقعة أقدامي، وبالكاد تعرفت عليَّ بعض الخطوات؟
الزنابق استأسدت في غيابك وأخذت تتسابق، تحاصر أنفاسي كل الوقت، تبثني عبيرها من ثقوب الجدران، تتسلق بتلاتها الحائط وتمد أقدامها عند باب الدار فيفور دمي، وتغلي في مراجلها أعصابي، وأحمل بكل ما أوتيت من غضب هذه البتلات وألقي بها إلى الحائط  المجاور فيتحطم قلبه دونما ذنب، ولا أقدم إليه أو للزنابق أي أعذار.
بعد أن تهدأ ثورتي أخلد إلى أحلامي؛ لأستقبل منك حزم النور وهي ترفل بأجنحة الفراشات وأتمنى لو أحلق معك، لو أغمرك وتغمرني وتذوب بيننا المسافات، لو أعانق هذا النور الذي ينسكب منك  شلالات، وأقطف بعضًا منه ألقيه على عيون الظلام... لكن حروفي هاجعة في معبدها، مستكينة لقدرها، لن تقوى على قضم الجسور الممتدة بيننا وبعثرة المسافات.
أرسل مطرك الآن، أحي هذه الحروف الميتة، دعها تنتعش في حضورك، تسابق الريح إليك، تقف في وجه الزوابع والأعاصير، تصرخ بملء العنفوان:  هناك في تلك السماء البعيدة نجم شارد، أريد أن أقطفه، أضمه إلى حضني فيهطل علينا مطر يغسلنا من الوجع.
أريد لكل الأصوات القادمة مع الريح أن تهدأ، بل تخرس! أريد فقط صوت مطرك عاليًا، هادرًا، متفجرًا بالحياة، أريده أن يبعثني من جديد، يحيني، ينشيني، يطربني، يدغدغ  حروفي في غيبوبتها، يوقظ فيها الشهيق والزفير، ينتشلها من سباتها الطويل، من أقراص التنويم وحقن الموت الرحيم ويدعوها للنهوض من جديد. أريد لأمطار نورك أن تخترقني،   توغل في خلاياي، تنتشر على مساماتي، تدغدغ النبض الشارد في قلبي... فقد جفت شراييني.


الجمعة، 6 مايو 2016

سَوْرَةُ الأبجدية الضالة




سَوْرَةُ الأبجدية الضالة
من أنتَ، من تكون؟
 تتسلل بخفة ريشة، تمزق شرنقة الصمت من حولي، تنتشلني من غَرَقٍ محتم في أبجدية عقيمة قدت حروفها من لهيب، لا تجيد إلا الاحتراق، وفي زوايا محكمة الإغلاق! ليس لها نوافذ تطل منها على دلافين البحر، أو أعين تشاهد فيها براعم اللوز وهي تتفتح في قلب آذار، لتُفصح دونما خجل، عن قصة عشق جريئة في حدائق الربيع.
هل أنتَ دمية من دمى أحلامي؟
 الدمى التي شاركتني ربيع عمري، حِكت فساتينها من بعض الحروف الملونة والمزركشة، المخملية والتافتا، وربطت جأشها بخيوطٍ ماسية من الوهم، وأمرتها في كل ليلة أن ترقص السامبا، والسالسة، وزوربا؛ لتضيء سماء أحلامي ببهجة الأعياد.
أم أنكَ فتى الأخبار في تلك الجريدة الصماء؟  الجريدة التي جَمَعتُ لفائف حبرها الأسود، وصَنَعتُ منها أهراماً للسيَّاح، وجداراً عازلاً  بيني وبين أحبتي، غير قابل للانهيار، أستند إليه حين يشتد الضرب على مدن الفقراء، أخشى لعنة  تطاردني حتى الممات.
لستَ من الأبجدية الضالة، أبجدية النشوء والارتقاء، والقفز على رؤوس الآخرين بالمظلات، وصبغ الآفاق بالحبر السريِّ، وافتراش موائد اللئام بالشهقات.
ولستَ حجراً، وإن كان ذلك الحجر المقدس في أكفِّ براعم النضال، يرفعونه علماً، يرتلونه نشيداً، يشعلونه قنديلاً يضيء إليهم طريق: البيت، المدرسة، العودة إلى القرية من المعتقلات، أو من غرف التعذيب.
ولستَ غيمة، لأن الغيم بطبعه متواطىء مع رؤوس الجبال، يسقيها مطراً عذباً، زلالاً، غزيراً، يفيض من باطن كفيَّها؛ فتتصدق به على الجواري الحسان، ويُضن به على الأودية الظامئة لقطرة ماء؛ فيلقي إليها بالأبخرة السامة، وبقايا السحب الغاضبة، والضباب.
كائناً من تكون؟!
 ففي زمن الغضب لا يهم من تكون! فكل من سبقك وعلى مرِّ العصور، كانوا بشراً، خلقوا من طين، لكن، بعد آخر عاصفة هوجاء هشمت أعمدة التاريخ، تفجروا لأشلاءٍ من دم وبارود، ومن بقيَّ منهم صالحاً للحياة، تبعثر كأمواج رملية على ضفاف الشتات، تعلو وتدنو حسب: قسوة المطر، شدة الريح، وانحراف المسارات بفعل الزلازل والهزات.
كائناً من تكون؟!
في هذا الزمن الغريب، الربيع الغريب، ربيع الغضب: يتساقط مطر الغضب، تفيض أنهار الغضب، تندلع نيران الغضب، تتفجر سَوْرَةُ الغضب، سَوْرَةُ الأبجدية الضالة.
 لا تكن منهم، وكن من تكون.