ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

السبت، 20 فبراير 2016

بين شفتيِّ الكلام


بين شفتيِّ الكلام
أرغب ببعض الكلام .. الكلام بصوتٍ عالٍ .. بصوتٍ يفجّر الأفق .. يخرق المدى .. يمزق طبلة الأذن .. يزلزل معابد السخط .. ينبش مقابرالضياع .
مللتُ الكلام بصوتٍ مرتجفٍ .. بهمساتٍ مبحوحةٍ  .. عبر حنجرة يُغتال فيها الكلام ، فيُرشق فيها بالحجارة والسهام .
مللتُ تصفح الوجوه الغريبة .. تفرس ملامح الخير وأواصر المحبة فيها  .. البحث عن ذاتي الضالة المضللة على حدودها وفي عواصمها .
مللتُ النظر إلى الصور المشوهة على جدران الحقيقة .. واستنباط مواطن الخلل فيها .. ولملمة ما تداعى من حروفها وإعادة تثبيتها .
مللتُ ارتياد جزرِ الأحلام .. وانتظارِ مراكب السلام .. علها ترسو على مرافئ  قلبي  اليتيمة ..  فتجمع أنات التائهين من دروب الشتات .. وتنثر عناقيد اللقاء  على شرفات الغربة والاغتراب .
مللتُ البحث فيكَ وطَرْقَ أبواب معالمك المجهولة واختراق نبضات قلبك والوقوف صنماً في طوابير المحبين .. على أطلال العشق والعشاق .
مللتُ إيقاظ الشعلة كل فجر تحت قِدْر الحجارة
وممارسة طقوس العبادة كي ينفلق الصخر وتنبلج منه عينا اللبن والعسل وتتدفق من مآقيه انهار الخمر المعتق  فتستحم فيها أردان الصبايا .
مللتُ إعادة رسم ملامحك الباهتة وتظليلها بألوان الطيف الوردي ووضع يديِّ على مقتليِّ والتصفيق بحرارة للخطب الباردة والأشعار المكررة .
مللتُ استجداء قرص الشمس كل يوم كي يستدير لحظة تجاه خيمتي المنصوبة في العراء  فيضيء ليلها ليغدو نهاراً ، فشموع الفقر والقهر وخيبة الأمل لا تضيء من خيمتي إلا العنوان .
مللتُ السِبَاحة في جزر بعيدة .. والعوم في مياه غريبة وزرع شرفات الاغتراب بالفلِّ والزنبق .. إلى أن يتكلم  الصخر في بلادي ويضيء الحجر ويتبختر الياسمين بأكف العرائس  وتشرئب أعناق الزيتون والزعتر .
مللتُ أواني الهذيان التي أنحتها عند كل اختناق .. فأسكب فيها جمر هذياني قبل أن يصبح رماداً .. وأرشفها مرتين في اليوم .. على الريق قبل الافطار .. وعلى بوابات الحلم قبل النوم ، وأرتلها تعويذة ، أنشودة ، لحناً صاخباً من أغاني الوجود والفناء .
مللتُ من احتراقي بصمتي واحتراقكَ بصمتك .. مللتُ احتراق تلك النظرات الخرساء وانتحار الكلمات  كل صباح على لسانٍ صلدٍ وشفاه جرداء .
مللتُ صمتي ومللت هذياني .. مللت تجوالي براً وبحراً وجواً على أرصفة الكلام .. أرغب ببعض الكلام يخرج من بين شفتيَّ .. من بين شفتيِّ الكلام  .


الأربعاء، 17 فبراير 2016

زمن العجاف



زمن العجاف
سنة .. سنتان .. سنوات من عمرنا مرت كلمح البصر .. ربما .. لكنها كانت بكل تأكيد سنوات عجاف .
كنا فيما مضى حين تحاصرنا أزمة ما أول ما يظهر منا هو كتلة متدفقة من الشجاعة.. تسري في دماءنا ، تعلن للملأ أننا سنقهر الأزمات ، سنتصدى لها ، سنطيح بها .
 حدث هذا .. نعم حدث هذا ولا أنكر لأننا فعلاً كنا نتسم بالشجاعة الحقيقية والقوة التي لا تقهرها أزمة أو أزمات .. لم نكن نلحظ فيما مضى .. ربما لأننا صرفنا كل الاهتمام للنجاح الكبير الذي حققناه في الانتصارات الخرافية على الأزمات .. لو أمعنا النظر قليلاً لوجدنا أن هذه النجاحات وهذه الانتصارات لم تكن خالية من بعض الانكسارات ومن بعض الهزائم .
 لا شيء يدخل النفس ويخرج منها إلا ويترك أثراً بسيطاً فيها ! ومع تراكم الأزمات يأخذ هذا الأثر في الاتساع شيئاً فشيئاً ويصبح له تأثيراً ونفوذاً علينا ؛ فننصاع إليه  بإرادتنا دون أن نحاول مقاومته أو التمرد عليه .
في الماضي حين كنا نخرج من الأزمة كنا نسامح الجميع ، نفتح صفحة بيضاء ونكتب فيها يومياتنا من جديد .. أما ما حصل في الأزمة الأخيرة فقد كان غير عن كل تلك الأزمات .. لم نسامح الجميع كعادتنا .. لم نسامح أحداً !
الطيبة اختفت من تعاملنا مع الآخر ، لم نعد نلتمس الأعذار للآخرين ، لم نعد نغفر هفواتهم ، لم يعد لمبدأ " حسن النية " أي وجود على السطح .
 فقدنا لغة العتاب .. لم نعد نتعاتب كالسابق .. أصبحنا لا نتعاتب أبداً ؛ فترسخت الخلافات بيننا  .. وعلت حتى أصبحت كالسد .. أخذت تمتد طولاً وعرضاً  في وجوهنا فلم نعد نرى من الآخر أي شيء!
أصبحنا أقواماً عصبية المزاج .. سهلة الاستفزاز .. صعبة التعامل .. لا شيء يرضيها .. لا شيء يستدر عطفها أو يستميل ودها .
لم تعد الذكريات الجميلة توقظ فينا أية أحاسيس أو مشاعر .. بل لم نعد نفتح علب الذكريات أصلاً .
لم نعد ننتظر الأحبة على قارعة الطرقات أو تحت الشرفات .. لم نعد نغفو قرب الهاتف في انتظار رنينه .. لم نعد ننتظر ساعي البريد ونلح عليه في السؤال
 "هل من مكتوب لي ؟ "  .. لم نعد نرددعلى مسامع الآخر  هذه الأغنية أسمعها لأجلك فقط ، لأنها تذكرني بك .. لم نعد نقول خطرت على بالي أو مرَّ طيفك في منامي .. لم نعد نسأل الليل عن أحد .. لم نعد نُعدُّ فناجين الصباح لأحد .. لم نعد ننتظر حبات المطر أن تدق نوافذ المساء ولا حتى االزوابع أن توقظ بزمجرتها قلوباً غابت في سباتها .
لم نعد نتشارك الفرح مع أحد .. لم نعد نتقاسم إلا الأحزان .. لم نعد نذكر إلا الأخطاء .. لم نعد نحاسب إلا على الهفوات .. ما عاد يسكننا إلا الأرق والقلق .. ما عادت لنا لغة نتحدث بها سوى لغة الخصام في زمن العجاف .




الخميس، 4 فبراير 2016

موعد الشموع



موعد الشموع
في موعد الشموع .. كنا نلتقي داخل أقبية السهر .. نضيء شمعة في ذكرى ميلاد العشق .. تدغدغ قلبي بقصيدة من الشوق فيذوب خجلاً ، ترتعش أنامله ، تتورد وجنتاه ، يحاول اختلاس بعض النظرات ، تلمحه عيناك فيقع كعادته في شباك الأسر .
كان الحب فينا ينتفض متمرداً على طقوس الوقت .. أخلع صوراً خريفية من ذاكرتي وأرميها للشمس .. وأنتَ تخلع من قلبك قصائد الصيف والمطر .. نتدثر بطائن الربيع ونلتحف أكاليل الزهر .. تكلمني بلغة العيون فأخشع لكل رفة جفن .. وتتوضأ بخيوط كفي فأسجد في محرابك لصلاة الشكر .
تحمل بين يديك جورية  كانت تحلو لي .. حمراء بلون الغسق .. مخملية كضفائر الغجر .. بنكهة السهر نعم لكنها حبلى بالنعس .. كم أشتهيت ضمَّها .. لكنها بقيت تراوغ لمواقيت أُخر .
كم سردت من الحكايات عن السندباد وعن السفر .. وصورت البحر سفينة تتبختر على الرمل .. والمسافات أكاد أطويها بين ذراعيَّ .. والأيام سطوراً من ورق .
 جُلت معك البرَّ والبحر .. الصحراء والأفق .. لم أكن أظن في حينها أنك تودعني وتحمل حقائب السفر .. وأنك ستغيب في دهاليز العمر و أجوب وحدي شوارع الصحراء وأرصفة البحر والبرِّ .. كل ما معي منك صورة  محفورة على جدران القلب  .. أوقد الشموع في موعدها .. وأنتظر .