ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الاثنين، 12 ديسمبر 2016

القصيدة التي تنتظر


القصيدة التي تنتظر
فنجان قهوتك، قوافي أشعارك، أغنياتنا الخريفية، سيفونيات الصبا، ذكريات عتيقة، مواعيد وهمية، أقلام جافة، قارورة حبر متيبسة وبقية حلم تركتهم خلفك، يجتمعون كل ليلة على فراش المساء، يتبادلون نظرات الخيبة وعلامات الاستفهام ثم يجددون الانتظار على قارعة الأمل.
كالبدر في ليلة ظلماء، كموج البحر بين المدِّ والجزرِ، كسنبلة شقراء اشرأب عنقها نحو السماء بالدعاء وفتحت كفيَّها ترتشف آخر قطرة ماء، كرائحة القهوة والقوافي والأغنيات والذكريات بقيت هذه القصيدة أيضًا تنتظر.
القصيدة أَعلَنَت الصمت وتمترَست خلف الأفق، لم تُغرها الحروف التي تحوم من حولك وتتسابق لإرضائك واستمالتك كي تضيء شمعة في ظلامها أو تُلقي بوردة جورية إلى شرفاتها أو تمسح جفنيِّ الصباح بلمسة حريرية فتغدو بعينيك أجمل ثم تذوب أنتَ في فنجانها شهدًا وأكثر.
كل الحروف حاولت أن ترسم إليها على مشارف قلبك قصورًا من الوهم، كنتَ تفرح بهذا الوهم وتظن أن مملكتك قد امتد بساطها السحري من البحر إلى النهر، وأنَّ نون النسوة تحاصر سماءك من الشرق إلى الغرب؛ فتمخض الشرقيُّ في داخلك وَوَلَدَ شاعرًا تأخذه الحمية الجاهلية للذود عن حمى نون النسوة وتفقُدِها في ساعات الفجر والظهر وما بعد العصر.
القصيدة بقيت ساكنة سكون الريح في ليلٍ قائظ، صابرة كراحة الكفِّ حين تقبض على أشواك الورد، حالمة بمطر يغسل روحك من كل ما علق بها من روائح نون النسوة وأحمر شفاههن وبقايا توليب ذابلة على الخدِّ، ظامئة يذيبها الحرُّ لكنها لا تذبل في البعد والهجر والانتظار ولا يقتلها الملل  والفراغ والضجر.
في كل عودة لك من رحلات الغياب كنتَ تحمل إليها بين يديك زهرة التوليب وتحاول أن تشرح إليها بكل ما أوتيت من أبجديات منمقة أن التوليب يجيد العشق أكثر من الياسمين! وعندما كانت القصيدة يشقُّ عليها الفهم ولا ترى أن التوليب كالياسمين يستطيع أن يتلو على قلب العاشق أصدق أشعار الغزل تردها إليك وتبقى هي القصيدة التي تنتظر.
بعد أن انطفأت ثورة الشك في قلبك وأُغلقت ممالك عبلة وليلى وجوليت وكليوباترا أدركتَ أن للياسمين رائحة لا توقظ الحواس فقط بل أيضًا تجلب المطر، وأن القبلة التي لا تترك أثرًا على فنجان قهوة الصباح لا تُحتَسب، واليد التي لا تجدل الضفيرة بأصابعها وتلقيها بدلال على رأس الكتف ذنبها لا يغتفر!

ومع ذلك غفرت القصيدة جاهليتك، سامحت هجرك وصدك وجلست تنتظر أن يُلوح إليها طيفك من خلف الأفق لتعتدل في جلستها وتتناول من جديد الورقة والقلم وتبدأ شطرًا آخرَ في قصيدة لو اجتمعت حروف الكون من حولك ونسجت إليك في كل شطر ألف تعويذة ترقيك من السحر فلن تنجو من سحرها وستبقى أسير هذه القصيدة التي لا تملُّ من انتظارك حتى تكتمل.


الخميس، 24 نوفمبر 2016

أقدام عارية

أقدام عارية
تأتيني أمي كل ليلة في المنام، تطلب مني طلبًا أغرب من الخيال فأركض في الصباح بكل ما أوتيت من عزم في محاولة مني لتلبية هذه الطلبات، أنجح تارة وأخفق أخرى قبل أن أتوقف فجأة وأسترجعها في ذاكرتي _وهي التي عاشت كل العمر لم تطلب مني أن أسقيها جرعة ماء_  فلماذا تأتي كل ليلة وتطلب مني ما هو عصيٌ على الفهم والإدراك؟!
لم كل هذه الطلبات والظهور المتكرر في المنام؟ أغير مرتاحة البال أمي أم أنها كسابق العهد تطالع نشرات الأخبار؟ هل ترى المدن الفاضلة كيف طُرحت أرضًا واستبدَّ بها الظلام؟ هل ترى الأشلاء وهي تتناثر كريش الطيور عند الذبح فتصعد روحها إلى السماء مثخنة بالسهام الطائشة وهي تهوي على قلب المدينة وأرصفة الحدائق وأسوار الملاعب وداخل حقائب الدرس وفناجين القهوة على شرفات الصباح؟
ماذا ترى أمي حتى تأتيني فزعة في المنام؟  ماذا ترى؟ وكيف ترى وأنا أحاول أن أغلق  عنها كل منافذ الأخبار؛ فلا ترى الصور المفخخة والجثث المتفحمة ولا تسمع صراخ الأطفال وعويل أمهات الشهداء بعد أن طفح بهن الكيل وأدركن أن الموت كان مؤامرة على فلذات الأكباد وأن اللعب على الكلمات كان من مسكنات الأوجاع؟
هل أقول لأمي الحقيقة التي لا تعرفها أو تعرفها بأنه قد سكنت ديارنا الضباع وأننا في زمان امتلأ بالضجيج والضباب، الرؤية محدودة بل معدومة لتكدس الفكر الشاذ، الأجواء مشحونة بالجدل السفسطائي، الكفُّ يسبق الفكرة، القلم يغتال الكلمة، السيف يكتب أبجدية جديدة من لم يركع وينحني لها ينسفه نسفًا، العقل طريح الفراش في غرف الإنعاش؟
كنتُ أظن أنني أستطيع أن أرسم ابتسامة مزيفة تخدع أمي فلا ترى ما في القلب من أوجاع، كنتُ أظن أنني إن قلتُ لها أنني بخير فسترى الخير يرفرف كحمائم السلام على أسوار الديار، كنتُ أظن أنني أستطيع أن أحتال أكثر وأدعوها للعودة إلينا لتنعم ببعض الرخاء، لتقيم بيننا أكثر؛ فلا ملاجئ مكتظة، لا خيام ممزقة، لا أرصفة ضاقت بما رحبت، لا موانئ أعلنت التخمة، لا بحور أغلقت في وجوهنا لأننا نتكاثر في ليالي الشقاء.
احترت فيما أقول وفيما أخفي؛ فالحقيقة الوحيدة التي تتراءى لي الآن أن أمي تطالع نشرات الأخبار! وأنها تأتيني كل ليلة لأنها أدركت أننا أصبحنا أقدامًا معلقة في الهواء، عارية من الأمان، لا مأوى يلم شعثها ويحتضن ضياعها ويعيد ترتيب شتاتها الليلي لتنتطلق عند كل صباح تتسول وطنًا على أرصفة الغرباء.
 أمي أدركت وحدها ودون أن أخبرها أنا أننا أصبحنا أقدامًا عارية في الهواء.

 في الذكرى الخامسة لرحيل أمي عليها رحمة الله





الخميس، 10 نوفمبر 2016

لتشرق شمس الأحرار




لتشرق شمس الأحرار
أخاطبكم من بيادر الطفولة، أمدُّ إليكم يدًا بيضاءَ تصافح قلوبكم المزهرة بالحب والمفعمة بالأمل، أتلو في حضوركم الكريم بعض آيات الذكر الحكيم لتحميَّكم من هجمات الزمان وتخفف عنكم بعض الأنين.
دعوني أضمد جراحكم وأمسح بكفيِّ تلك الدموع، دماؤكم ليست فائضًا عن الحاجة وأنتم كنتم وما تزالون الجسر الذي تعبر منه الحضارات من الجدود إلى آخر العصور.
دعوني أهمس بأذانكم كلمات الوطن الحنون: اطردوا الغريب من رؤوسكم والتفوا حول بعضكم من جديد، دفئوا قلوبكم بمشاعل الحب وأطفئوا نيران الوعيد والتهديد.
صراخكم في ليل الأمس أدمى القلب، أفجعه؛ فانتنشرت هالات الخوف حول الجفون والعيون.
أنفاسكم لم تعد تصل مع رذاذ المطر وعناقيد الندى، أسراب الحمام لم تعد تحمل إلا رسائل النفير، طبول الحرب دقت وعلا هديرها وطغى على أنين المساجد وخطب المصلين ودعوات المسنين.
هناك الأقصى يفتقدكم، يبكي غيابكم الذي طال في ظلمات سرمدية؛ فلا شمسها تشرق، ولا يلوح ذيلها بفجر جديد.
تساقطتم كأوراق الخريف في أول الربيع، كسوتم أشجاركم بملامح اليتم، وشَّحتم سماءكم بالسواد، قطعتم أنفاسكم من الوريد إلى الوريد، وأدتم الحلم في مهده، مزقتم أوتار الأمل، هدرتم دماؤكم على صفحات الوطن الحزين.
عودوا إلى رشدكم، عودوا إلى أمكم، إلى حلمكم، إلى هذا الوطن الغالي وتراصوا من جديد.
افتحوا عيونكم للأمل، إلعقوا جراحكم بالصبر، أضيئوا هذا الليل المترامي على أكتاف الوطن بالشموع والقناديل.
أعيدوا ترتيب الأشياء من حولكم، الوطن أولًا ثم أشجار االحب والحنين، مراكب العودة تحمل كل المهاجرين، صلوات الآباء في المساجد وبيوت الآمنين، دعوات الأمهات تكلل الجبين.
عودوا إلى كتاب الله فهو ما يزال بين طيات قلوبكم، ورحمة الله ما لها حدود، والعدو طريقه واضح فلا تتيهوا في السراديب.
إقلعوا أشواككم، إغسلوا سوادكم، ازرعوا حدائق الوطن بالحب والأمل من جديد،
ولتشرق شمسك يا وطن الأحرار.

الخميس، 27 أكتوبر 2016

المذبوح إصدار ميساء البشيتي الألكتروني الرابع



تم بعون الله إصدار كتابي الأكتروني الرابع "المذبوح"






المذبوح كتاب ألكتروني يقع في ما يقرب السبعين صفحة 
يتحدث الكتاب عن رحلة شاقة وقصيرة بين دفتيِّ كتاب، الرحلة كانت متأرجحة طِوال الوقت بين مدٍّ وجزرٍ على شطآن وهمية من وحيِّ الخيال وعبثية السؤال: هل الحياة تستحق منا كل هذا العناء؟

أيها المذبوح سكنتَ فيَّ، وسكنتُ إليك، وأصبحنا قطعة من العذاب فانتظرني على حافة الوجع القريب لأرتب لقاءً بين النجوم تكتب فيه وصيتها للشمس والقمر والسحاب. انتظرني أيها المذبوح فالخريف يشبهك ويشبهني ويشبه خطواتي إليك، خطواتي التي ملَّت وتعبَت من الترحال، خريفنا يشبهنا فلنكور نقطة الختام في خريف واحد، نكتب عليه حروفًا من ورق أصفر، ورق أيلول، حروفًا تسقطها الريح أو لا تسقطها، تبعثرها أو لا تبعثرها، لا يهم طالما أنك شبيهي في هذه الحياة، وخريفك هو خريفي.

السبت، 22 أكتوبر 2016

بقية حديث


بقية حديث

أنا وأنتَ حرفان ساكنان في حديثٍ صامت لم يطفئ الشمعة الأولى من ميلاده، لم يذبل عقد الياسمين على نحره، لم تتساقط أوراق الوردة عن غصنه، لم تذب قطرات الندى عن صباحه؛ فبقيَّ حديثه ساخنًا كرغيف الخبز، طازجًا كرائحة الزعتر.
أنا وأنتَ حرفان هاربان من جزيرة تاهت في محيطها سفينة نوح فتشتت في دروبها جميع أزواج الطيور، خرست حناجر البلابل، غابت في إغفاءة طويلة زقزقات العصافير، وما بين الضياع والضياع لم يبق من يجيد الصراخ إلا طائر البوم.
ضبطت قوافي الشعر في قلبي إعلانًا للحرب، علقت جدائل الأشعار وربطتها إلى زيتونة الدار، أغلقت في وجهك دفتر مذكراتي ومنعتك أن تقرأ طفولتي وصباي، حجبت عنك عيون النور فخانتني وتسللت إليك خلسة، وعندما ضبطتها منتشية في مخدعك ارتجفت وبكت ثم باحت: أن قلبك هو من رمى إليها الشباك ومن انتظرها في عتمة ذلك المساء.
أنا وأنتَ حرفان يشكلان عنوان هذا العالم الذي مزقته الشرور والحروب والضغائن المتوارثة عبر كل الأجيال، أسكن في سكون عينيك فلا أسألك وطنًا ولا أنشد همزة الاستقلال، أنفاسك هي ماء الحياة لقلبي وتنهيداتك تعويذة سحر أرقي بها نفسي من أعين الحاسدات المتعطشات لروايات الغرام.
كيف صَلبتُ قلبي على حائط نون النسوة ووقفت حاجزًا بينك وبينه وأعلنت عليك في حينها العصيان؟
كيف خدعتني دموع تاء التأنيث وطلاوة وحلاوة ألسنتهن فاقتسمت عرش قلبك معهن، وسمحت لهن فيما بعد بمساومتي على مغادرة ساحات أحلامك؟
كيف سمحتُ لك أن تتدثر بوشاحهن، وتختبئ بين رموشهن، وأنتَ الذي كنتَ رئتي اليمنى واليسرى والوسط؛ فكيف أتنفس أكسجين العشق وعبير الحياة وشذا الأمل؟
وتعاتبني نفسي بحرقة السؤال: كيف ستمضين بقية العمر دون متكئ؟ وساعات النهار التي لا تنقضي من سيشغلها إن غاب همسه ونبض حسه وترانيم عشقه؟ وكيف سيكون لون الفجر إن كان ليله يقظًا متيقظًا كل الوقت؟ 
هل بتُ غريبة حقًا؟ هل بتُ غريبة عنك؟ ألم يعد من حقي أن أرسل جدائل أشعاري لتغفو بين ذراعيك لبعض الوقت، ألم يعد لي فنجانًا من القهوة ينتظرني معك على موائد الصباح؟ ألم تعد أنتَ المرسى والميناء والشاطئ وجميع أرصفة المنفى؟
أنا وأنتَ حرفان ساكنان في حديثٍ صامتٍ، نعم، لكنه أطاح بكل ثرثرات النساء؛ لذا أنا لن أوزع مساحات من رياض قلبك عليهن هبة أو صدقة جارية، لن أمنح مسامة واحدة حتى وإن كانت خرساء إلى حروف العلة مهما استجدتني وبكت على بابي ولن أبعثر ما تبقى من عمري مصلوبة على تلك الجدران.
أنتَ منذ الآن لي وحدي، لن تدس تاء التأنيث ونون النسوة أنوفهن في أحاديث المساء.
حديثنا: صامت، صاخب، متقطع، متأرجح، ممطر، ممحل، مقبل، مدبر، مزبد، معربد، هو حديث بدأناه وعلينا أن نكمله.



الأحد، 9 أكتوبر 2016

حديث الخريف

حديث الخريف
أنتَ الخريف والخريف أنتَ فلا تحاول أن تخضرَّ كالربيع أو تمطر كالشتاء أو تحلِّق كالصيف؛ فالخريف يحلو بك، يزهر بك، من عينيك يهطل عنبًا قرمزيًا ولوزيًا يفترش الأرصفة والساحات، ثم يغدو أنشودة من لهب إن مالت عليه الجدائل الشقراء وقبلَّت منه الوجنات، ويبقى هو الخريف.
تَزبِد وتَرغي وتُعربد قصائدك في أضيق أفق، ثم تمطر حروفًا من غضب، أركض أنا في الممرات الممنوعة من الصرف لألملم هذا الغضب قبل أن يشتعل، ومع ذلك تأتيني في يومٍ غير منتظر، تحمل إليَّ في قلبك زهرة فواحة في آنية من ورق.
لا تقل "أحبك" فلقد أصبحت أكذوبة الشعراء! ولا تقل اختزلي المسافات بيننا، واقتطعي عقدين أو ثلاثة من هذا العمر الممتد على أرصفة الشقاء لنعود معًا إلى مقاعد الصبا فأحفر اسمك على كل أشجار الحيِّ القديم وما جاوره من الأحياء؛ فالخريف لا يليق به الكذب.
أهديتني قطة تموء طِوال الوقت، لا أفهم حديث القطط أنا. أنا أكتب الشعر على جُدر الغرباء، لا يفهمون حديثي، نعم، ويمرون عنه مرور عابري السبيل بالأراضي الجرداء، لكنك أنتَ تفهمه وتدركه ويلامس شغاف روحك وقد يصيبك في مقتلٍ! وتصرُّ على أن مواء قطة بريِّة أكثر شاعرية من أحاديث العشاق.
أدركت لاحقًا أنني لا أستطيع أن أسند الجدار الذي أسقطه القدر بكلتي يديّ وإن اجتمعتا، لكنني أستطيع أن أسند برعم زهرة هاجت عليه الريح بطرف إصبعي؛ فلماذا إذن أركض طِوال الوقت لأرسم الكحل في حدائق عينيك؟!
مع ذلك فأنا أصبحت أحب مواء القطط البرية، وألمس شاعرية حديثها، وأصرُّ بكل ما أوتيت من عزم أن أسند بكفيِّ المتعبتين الجدار الذي أسقطه القدر، وأن أسرق الزهرة الوحيدة التي نجت من زلزال بابل وأداعب بها صباحك وإن شئت أن تزمجر في حينها فلك ما تشاء؛ فالخريف لن يمطر ويزهر ويحلق  دون ربيع أو صيف أو شتاء، ومواء قطة برية لن يكتب قصيدة أو يضيء شمعة في معابد الشعراء، لكن حديث الخريف وإن كان زمجرة ريح وصَخَب حبات مطر فسيبقى حديث كل الفصول ولن تسقط أوراقه من دفاتر الشعراء.


الثلاثاء، 4 أكتوبر 2016

في الذكرى الخامسة لرحيل أبي

في الذكرى الخامسة لرحيل أبي
في الذكرى الخامسة لرحيلك يا أبي أخجل أن أخبرك أن كل ما
تركته لنا من ميراثٍ أصبح قرى عائمة من الخراب، رائحة البارود تُزكم الأنوف
الطاهرة، الدماء لا تتوقف عن تمددها العشوائي في مسارات اليمين واليسار وقفزها
الصبياني في دوائر الوسط.
الأيادي لم تعد متشابكة بل متضاربة، الأراء لم تعد
متوافقة بل متطاحنة، الوطن أصبح يرتدي لون الحداد في الليل وفي النهار على قوافل
الشهداء وعلى من تبقى من الأحياء ينتظر دوره في الصعود إلى السماء.
لم نعد ننتظر الوطن، لم نعد نرسم مفتاح العودة في رأس
الصفحة؛ فنحن في معظم الوقت مشغولون بنصب الخيام وإحصاء أعداد القتلى والمصابين واللاجئين
والنازحين والفارين من الموت إلى بلاط الجحيم.
ما فائدته الوطن؟ سؤال لم يكن يخطر لي ببالٍ عندما كنت
بيننا لا تكفَّ عن الصلاة والتسبيح. لكن بعد أن غادرتنا أنتَ ربما أيضًا غادرتنا
الملائكة فرفعت سجادة صلاتها عن أرضنا وكفت عن التسبيح في ديارنا، غادرت هي وبقيت
الشياطين في أرضنا تعيث فيها فسادًا، تزرعها خنادقَ من الرعب، تعبث بنا وتلهو ولم
يسلم من عبثها سورة أو خبر، ولم تُبقِ فينا صالحًا ولم تذر.
 الشياطين أصبحت
تفوق أعداد البشر فأصبح لكل فرد منا شيطان أو أكثر يحرسه عن اليمين وعن الشمال، من
الأمام ومن الخلف؛ كي لا يفكر قيد أنملة أن يتراجع للوراء قليلًا فيرفع يده
بالسلام أو يفجر جملة بائسة "كيف الحال".
الوطن يرسم ألف علامة اندهاش واستفسار ولكن لا أحد يجيب
الوطن، لا أحد يفكر بأسئلة الوطن العبثية ومحاولته فهم ما يجري من متناقضات؛ فكل
شيطان يرسم في العين الواحدة ألف وطن: وطن في السماء، تحت الأرض، في كنف الجبال،
في عرض البحر، في خيمة على جزر من الجليد أو فوق ثلة من الخُطب. ألف وطن زرعته
الشياطين عن اليمين وعن الشمال وفي حدائق الوسط فلم نعد ندري لأي وطن فيهم ننتمي ونلقي
التحية ونصدح بنشيد العلم.
هذا الوطن الذي كنتَ تحمل اسمه في قلبك، وتكلمنا عنه
كلما دقت حبات المطر على نوافذ المساء، تروي لنا الحكايات تلو الحكايات عن وطن كان
يعبق برائحة البرتقال، وعن "حبَّ العزيز" الذي كنا نأكله مع ذرات السكر ولم
يكن يخرج علينا في حينها من يدعي ملكية المطر!
كانت الأرض يا أبي تسأل عنا إن غبنا عنها، والمطر يبقى
في الخارج منتصبًا إلى أن نفتح إليه الأبواب، كانت السماء تضحك نهارًا فترسل الشمس
إلى كل الحارات وأزقة الفقراء، وكان الليل دافئًا حنونًا يرسل القمر ليحرس قلوب
العشاق.
اليوم لا وطن يسأل عنا، لا شمس تصل خيام الفقراء، القمر
مأجور، الليل خسيس، الوقت عائب، والوطن ألقى بحقائبه إلى مراكب الهجرة  وانتحر على شفتي السؤال.


أرقد بسلام يا أبي فالموت اليوم أصبح صديقًا للعائلة، يصبح
ويمسي بينهم، يرفع عنهم الحجارة المتناثرة وبقايا الأسوار المتصدعة، يصدُّ عنهم
الرصاص الخائن ورياح الشرِّ المستطيرة، ويعينهم على همزات وغمزات الشيطان. 

الأربعاء، 28 سبتمبر 2016

Share نافذة على عالم الجنون pdf.pdf - 815 KB


أحبائي 
يسعدني أنا أقدم  إليكم إصداري الألكتروني الثالث "نافذة على عالم الجنون"
أتمن أن يروق لكم ويحظى بإعجابكم الكريم 



السبت، 24 سبتمبر 2016

حنين العصر





حنين العصر
لأنك وحدك من تهطل في سماء أيامي فتنعشها، وتدب الروح بأرضها فتحييها؛ فتسافر إليك دونما تأشيرات أو حواجز على أبواب الفصول، ولأنك تطيل المكوث على شرفات أحلامي، تحرسها من عيون الضباب وقراصنة المطر، لأنك أيلول، ولأجلك، سأكتب كل أغنياتي.
أذكر أنك في أيلول مضى عليه أكثر من ألف دهر، وقتها كان الزمان عصرًا، والمكان عصرًا، والكلام كان كلام عصر، أخذنا الحديث في وقت العصر، فكانت اللغة والأمل والفرح والحب وحتى الخوف كانوا واحدًا في وقت العصر.
 كانت حروفي تفرُّ مني إليك عبر أوردة  الشهيق والزفير، وتسري منك مع رذاذ الندى وعبير الياسمين، لنضع الأكاليل على رؤوس العاشقين، ونرسم حديقة ينام في أفيائها عابروا الطريق.
 لكنك أيلول، لا تستقر على حال، لا تبقى في مكانك مراوغًا  كبقية الأيام، تبقيني  وحيدة على شرفات الانتظار وتتقلب أنت بين الأرض والسماء، ثم تقفز فجأة إن زمجرت ريح من حولي، وتنتشر كحبات المطر على نوافذ الفقراء، تغسلني من براثن الريح وكل الأوجاع، وتقترب أنفاسك من كل الأبواب؛ فأسمع ترقرق الدمع وهو يسيل على وجنتيك، أحاول عبثًا  ملامسة دمعك، محاورته، التحدث إليه حديث العقلاء ؛ كي يبتعد عنك إلى غير رجعة، لكنه كان يصرٌّ على أن يفاجئنا كطرف ثالث، خفي، يرافق أنفاسنا المتهالكة تحت وطأة الانتظار!
أنا يا أيلول بعد أن ضاقت بيَّ دروب الانتظار، وأغلقت في وجهي مدن وممالك، وسُحبت من تحت أقدامي طرقات وشوارع، رفعت عينيِّ إلى السماء ورجوتها أن ترسلك إليَّ في الصباح أو المساء أو العصر!
 أريد أن أبثك موجة من موجات حنيني وهي تخرج من قلبي تغلي من فرط الشوق؛ قبل أن تبرد نيرانها لتجفف ما علق  بين جفنيك من دمع الشوق والقهر.
إنه القدر، لا مفرَّ منه ولا مهرب ، لكن الآن فقط كن معي يا أيلول حتى أعبر باقي الفصول بسلام، فأنا من دونك لا أقوى على التحليق كفراشة، ولا الطيران كيمامة، ولا الغناء كبلبل، ولا الامتلاء كسنبلة.

أنا لا أقوى إلا بأيلول، فابعثيه يا سماء وفي وقت العصر. 

الأربعاء، 31 أغسطس 2016

رماديٌّ ناصع البياض





رماديٌّ ناصع البياض


أغلقت المذياع بركلة وحشية وخرجت بلا وعيٍ مني ولا إدراك إلى ما كانت تعرف بالشوارع قبل أن تصبح خنادق! أخذت أجوبها طولًا وعرضًا، أفتش في كل ممرات المشاة عن خطى تشبه خطاي فأتبعها كي لا أضل طريق الأباء والأجداد وأتبع دينًا لم يعرفه أو يتعرف عليه قومي من قبل.
كيف أًسكِتُ هذا الصوت القادم من أعماقي؟ كيف أشرح له أنني بتُ وحيدًا على أرصفة الشقاء؟ الجدران تنكرت لي ومغالق الأبواب، السماء من فوق رأسي تبكي لكن في غير موسم البكاء، كل الرفاق مضوا، كل الرفاق قضوا، بعضهم استشهد، والآخر استشرس،  وبقيت وحدي بلا رفاق.
يكرهون اللون الرمادي، في آخر حديث لهم قبل الاستشراس طلبوا مني بالحرف الواحد أن أختار بين الأبيض والأسود.
لا أنتمي إلى اللون الأسود، لا أحبه بالمطلق، ولا أكرهه حدَّ قذفه بيمين الطلاق، أحب فيه شموخ الهيبة والوقار، وأكره فيه طعم الحزن، أكره امتصاصه الفجِّ لرحيق الشمس ودفنه لجدائلها في حدائقه فلا يستطيع إنسيُّ أن يعانق جديلتها أو يقبلَّ في لحظة يتيمة ثغرها عند باب الدار، لكنَّه إن هبَّ شتاء عاصف فقد يمنحك ظلالًا كاذبة من الدفء والأمان.
لا أنتمي إلى اللون الأبيض، لا أحبه حدَّ الانتحار في سبيله، ولا أكرهه فأتحالف عليه مع بومة الجوار، هو لون اللاشيء في عيني، لون الثلج حينما يحاصر مدن الفقراء، تميل إليه عيون الشمس في محاولة لاسترضائه لكنه يبعثر كل ضيائها في طريق العودة فتفقد ظلال الدفء وظلال الحياة.
للأسود سور عالٍ وجدر متينة لا تستطيع جحافل الفقراء اختراقها فيجلسون إلى جوارها فقط يمارسون عاداتهم القديمة الجديدة في الدعاء والبكاء.
الأبيض لوحة مستساغة لكل المتطفلين والمارقين، يخربشون على أفقه كما يشاؤون، وعليك وحدك أن تتحمل حرب الألوان الباردة دون أن تنطق بحرف واحد؛ فأنت في حضرة قداسة الأبيض.
رفاقي الذي استشرسوا يريدون مني أن أحدد ولائي إما للأسود أو للأبيض، يرفضون رماديتي، يكرهون رماديتي، يقولون أنها تخيفهم لأنها تعيق حروبهم ضدي.
 (رماديتك تخيفنا) يرددونها على مسامعي باستمرار؛ فهم يرونني أحيانًا أنتمي إلى الأسود حين يصبح الأبيض مداسًا لأقدام الربيع فتكثر من حوله الألوان الفجة التي تحاول أن تضفي عليه بعض البهجة حتى لا يعود لون الموت.
ويرونني أحيانًا أخرى أنتمي إلى الأبيض حين يستأسد الأسود ويأكل الشمس، ويبتلع مطر الفقراء فتخرج منه حمم بركانية يلقيها في وجوه السذج فتنفجر بهم دون أن يهتز له جفن.
أنا لا أحب الأسود، لكنَّه في بعض الأحيان يمنحني بعض الدفء. ولا أحب الأبيض، لكنَّه في بعض الأحيان يشعرني بلحظة البدء. أنا أحب الرمادي لأنه يسمح لي بالتنقل عبر مداراته دون  جواز سفر أو هوية، لا يوجد نقاط تفتيش في ممرات الرمادي، لا يوجد حواجز عليك في كل لحظة أن تحاول تخطيها.
الرمادي قد يكون هو الأسود حين يمنحك الدفء، أوالأبيض حين يمنحك الفكر، أو الأخضر، الأصفر، ألوان اللهيب، ألوان الاحتراق، ألوان النسيم، ألوان المطر الساقط من السماء قبل أن يتحول إلى حمم بركانية تجعل الأسود دخانيًا والأبيض بلون الدم.
لم يبقَ لي أي رفيق، البعض استشهد والبعض استشرس، وأنا بالرمادي أركض في ممرات من العدم، لا أعرف كيف أنتمي إلى وجهيِّ الموت الأسود والأبيض، والرفاق يلوحون بالقتل الرحيم عن بعد.

 أنا أغلقت المذياع، وكل نشرات الأخبار، وأعلنت الكفر بالأسود والأبيض؛ فالرمادي ناصع البياض وهذا صدري لا يخشى طلقات الرصاص.  

الثلاثاء، 23 أغسطس 2016

عيون جاهلية






جاهلية 7
عيون الجاهلية
بكى قومي، بكوا كثيرًا كثيرًا، لا شيء يستطيع أن يوقف هذا البكاء فمذ وعيت على هذه الحياة وقمت بفتح عيني على كل ما هو حولي وأنا أسمع أصواتهم وهم يبكون! تعددت الأسباب والبكاء واحد، ومتواصل، منذ داحس والغبراء.
الجاهليون كما هم منذ ألف عام، لم يتغير فيهم شيء، منذ قرون تلت وهم يجيدون البكاء بل ويعشقونه، فهل البكاء سلاح الضعفاء؟!
 لكنَّ قومي ليسوا بضعفاء حسب آخر إحصائيات النجوم وقراءة الطالع وعلم الفلك! وليسوا بأقوياء، إلا إن كنا نتكلم عن فرد العضلات!
القوة كما دُرِّست لنا في كتب التاريخ هي: التوازن التام بين حركة الذراع وحركة الدماغ. _هذا حسب فتاوى التاريخ_ وأن أي خلل في هذا التوازن سيؤدي إلى موت الدماغ وبطش الذراع، فهل ماتت أدمغة قومي؛ لأنَّ أذرعتهم طالت، بطشت، عربدت، تجبرت، ثم بكت كثيرًا كثيرًا؟
قومي يبكون منذ الأزل فهل بكاؤهم هو وليد الألم؟ أم أنه طوق النجاة لكل منافذ الألم؟!
أطفال بلادي لا يشفقون على هذا البكاء، لا يجزعون منه، لا يستهجنونه، بل ربما يشعرون بالغثيان عند كل موجة نحيب، فهم لا يبكون، لا يعرفون معنى البكاء، لم يرثوا عن قومي صفة البكاء، لذلك هم ليسوا ببكائين بل إنهم يقطعون عرض البحر، يقدمون أجسادهم كدروع نجاة، يسافرون إلى بلاد الموت، يعتلون ضفاف الشقاء، يحفرون على الجليد أسماؤهم قبل موعد الرحيل.
قومي يواصلون بكاءهم، لكنَّ أطفالهم لا يسمعون فهل أصابهم الصمم؟ أم ولدوا بداء الصمِّ؟ أم أنهم ولدوا وعلى جبينهم كتبت كل عناوين الشقاء، والترحال، والقفز بين أودية الموت لينعم قومي بلذة البكاء؟!
قومي يجيدون أمرًا آخرًا هو دفن الرأس في الرمل، وإن ظهر منهم الرأس فإنه  يبقى مرتجفًا طوال الوقت، خائفًا من  ظلال الشمس إن هبطت إلى الأرض أن تشي بقصصهم إلى عيون الليل، ولدرء هذه الشبهات يلقون بها في سلال الآخر، ومن يدٍ إلى يدِ حتى تقع في قبضة الشيطان فتدور الدوائر على من بُغيَّ عليه وظُلم، ثم يعود قومي للنحيب في جنازات لا حصر لها ولا عدد.
ومما أذيع سرَّه_ ولا أحب أن أُفشي الأسرار_ أن أحد أطفال قومي الصغار وهو يلهو مع لعبة الموت في ساحة الدار قبل أن يسقط أرضًا ويلقي تحية الوداع، رفع يده ملوحًا  لقومي أنَّ هناك هوة عميقة عند باب الدار، خشيَّ أن تزل أقدامهم فيموتوا، لكنَّ قومي أسرعوا بإسدال التراب عليه قبل أن يلفظ الحياة، خافوا من يده التي تلوح في الهواء، ثم عادوا لمواصلة البكاء.
 ظلَّ أطفال بلادي يتسلقون جبال الخوف، يبحثون عن هذا الملقب بالموت، يفتشون عنه في جزر الشمس والقمر، ظنًا مهم أن الموت  رجلٌ فيطيحون برأسه، أو مجموعة من الرجال فينصبون إليهم شركًا يقعون فيه واحدًا تلو الآخر، أو قد يكون مدينة من الرجال فيحفرون حولها خندقًا كبيرًا ويتربصون بهم في ساعات المساء، لكنَّ  صوت البكاء القادم من مدن الهلاك كان صفارة إنذار للشياطين فانطلقت لتحمي عرشها، وألقت كل ما في جوفها من نار وبارود فانهارت أسوار آخر المدن، وسقط جميع الأطفال مضرجين بالموت، وبقي عويل قومي يصدح إلى الآن. 


الثلاثاء، 31 مايو 2016

كيف الخلاص؟

كيف الخلاص ؟
يا قمري، يا قمر الأقمار سلامًا، أنا أبحث الآن عن الخلاص! هذه النجوم المتربصة بقلبي تكاد توقع بيّ وأنا أكاد لا أنجو من آخر حماقاتي.
الساعة على الحائط تدق بانتظام رتيب، تستفزني دقاتها ورتابتها، ويستفزني أكثر هذا الملل الذي تغرقني فيه ثوانيها الباردة، يكبلني، يقمع بركان من الثورات في داخلي تغلي.
(لا ) كم أصبح ثمنها اليوم، وهل لمثلي شراؤها؟
كيف أرفع اللاء في وجه هذه النجوم البريئة؟ كيف ألقي بأضوائها الساطعة بعيدًا عن بساتين قلبي؟ وأنتَ كالنحلة بين أحضان الزهر، تحتضن زهرة وتودع أخرى، وفي المساء تضع رأسك المثخن بالهموم على صدري وتبكي.
تعبتُ من بكائك، ومن ترحالك، ومن عقارب الساعة التي ثبتت عندك، ومن الفكرة المجنونة التي تجتاحني، ومن صمتي، ومن تلك الأضواء البعيدة، وتعبتُ أكثر لأنهم لهذه اللحظة لم يقرأوك في عيوني.
الأزهار التي كنت ترسلها إليَّ أعلنت براءتها منك، الرسائل كلها تنكرت لك، حتى الأشعار التي أنجبتها أناملك أشاحت بوجهها عنك، وحده هذا القلب لا يفهم،  وينتظرك كل مساء بعد أن تنتهي من رحلات العبث كي تلقي إليه بوردة ذابلة، يمضي هو طِوال الليل يرويها بدمعه علَّها تصحو، ولا تصحو، ولا تنفك أنتَ عن مواصلة البكاء.
أريد الخلاص، نعم أريد الخلاص، لكن ليس منك، فأنا لا أتوب عنك، أريد الخلاص منهم، (لا) كم أصبح ثمنها اليوم؟!
تعبتُ من أضواء النجوم تسطع فوق صحراء قلبي، لا يرويني إلا دمعك الذي يسقط في قلبي فيروي حدائق عمري، ويزهر البنفسج في غير أوانه، وتفوح رائحة الزعتر في غير أرضها، وينفلق الصبح الوردي من غيمة سوداء، ويضيء الياسمين حدائق عينيِّ التي غشاها الظلام، وهم لا يفهمون، لأنهم لهذه اللحظة لم يقرأوك في عيوني.

أنا أريد الخلاص، كيف الخلاص، قل لي كيف الخلاص منهم كي أبقى لك يا قمر الأقمار، بعيدًا عن عيون النجوم؟

الخميس، 26 مايو 2016

أمطار النور

 أمطار النور
حروفي دخلت في غيبوبة الخريف، أُوقظ حرفًا فيغفو الآخر، أضمها كعناقيد الشهد فتنفجر لفائف حارقة تلذَع القلوب. كنتُ فيما مضى أْشْكَلُها على صدرك فتضيء، أرسمها على شفتيك فتنطق، أكتبها على قلبك فتعشقني حتى الرمق الأخير... فمتى تعود حروفي رسول محبة إليك وتنهض من غيبوبة الشهيق والزفير؟!
 حروفي يا ابن النور لا تستطيع الوقوف على ساقيها كباقي الزهور! لا تستطيع الركض كفراشات الربيع؛ لتلتحف كفيِّك وتطلب منك الاحتماء فيك، ولا الطيران كعصفور، والتحليق كطير، واختطافك على بساط الريح لنطوف معًا كنجم ونجمة جميع مجرات الياسمين، نمسح عن أوراقها بطش الجاهلية الأولى، والعصبية القبلية، وظلام السالف من العصور.
تريدني أن آتيك كعاصفة هوجاء تخلخلك من الجذور، تقتلع من ذاكرتك بيادق القلق وخرائط الطريق، تنتشلك من ميادين الدمار، تبدد من حولك أعاصير الشك بكل من غيروا مساراتهم فجأة من اليسار إلى اليمين... فكيف لي أن  أتحول إلى عاصفة تغير معالمك إن كانت حروفي لا تقوى على الزحف، والنطق، ورسم الكحل في عينيِّ للقاء الحبيب؟!
تريدني أنا المتعبة بحروفي أن أقطف أنوارك وهي في أوج المستحيل... تلقي بها إلى ليلي المظلم فتتراقص بدلالٍ على نوافذه، وأنا كأميرة الحكايات أصعد الشرفة متسلقة جدائلي وأمد يدي لأمسك بها فتنزلق كالماء! فكيف أقطفها أنوارك؛ إن كانت هذه الأرض التي ولدتني لم تعد تحملني، وتنكرت لي رقعة أقدامي، وبالكاد تعرفت عليَّ بعض الخطوات؟
الزنابق استأسدت في غيابك وأخذت تتسابق، تحاصر أنفاسي كل الوقت، تبثني عبيرها من ثقوب الجدران، تتسلق بتلاتها الحائط وتمد أقدامها عند باب الدار فيفور دمي، وتغلي في مراجلها أعصابي، وأحمل بكل ما أوتيت من غضب هذه البتلات وألقي بها إلى الحائط  المجاور فيتحطم قلبه دونما ذنب، ولا أقدم إليه أو للزنابق أي أعذار.
بعد أن تهدأ ثورتي أخلد إلى أحلامي؛ لأستقبل منك حزم النور وهي ترفل بأجنحة الفراشات وأتمنى لو أحلق معك، لو أغمرك وتغمرني وتذوب بيننا المسافات، لو أعانق هذا النور الذي ينسكب منك  شلالات، وأقطف بعضًا منه ألقيه على عيون الظلام... لكن حروفي هاجعة في معبدها، مستكينة لقدرها، لن تقوى على قضم الجسور الممتدة بيننا وبعثرة المسافات.
أرسل مطرك الآن، أحي هذه الحروف الميتة، دعها تنتعش في حضورك، تسابق الريح إليك، تقف في وجه الزوابع والأعاصير، تصرخ بملء العنفوان:  هناك في تلك السماء البعيدة نجم شارد، أريد أن أقطفه، أضمه إلى حضني فيهطل علينا مطر يغسلنا من الوجع.
أريد لكل الأصوات القادمة مع الريح أن تهدأ، بل تخرس! أريد فقط صوت مطرك عاليًا، هادرًا، متفجرًا بالحياة، أريده أن يبعثني من جديد، يحيني، ينشيني، يطربني، يدغدغ  حروفي في غيبوبتها، يوقظ فيها الشهيق والزفير، ينتشلها من سباتها الطويل، من أقراص التنويم وحقن الموت الرحيم ويدعوها للنهوض من جديد. أريد لأمطار نورك أن تخترقني،   توغل في خلاياي، تنتشر على مساماتي، تدغدغ النبض الشارد في قلبي... فقد جفت شراييني.


الجمعة، 6 مايو 2016

سَوْرَةُ الأبجدية الضالة




سَوْرَةُ الأبجدية الضالة
من أنتَ، من تكون؟
 تتسلل بخفة ريشة، تمزق شرنقة الصمت من حولي، تنتشلني من غَرَقٍ محتم في أبجدية عقيمة قدت حروفها من لهيب، لا تجيد إلا الاحتراق، وفي زوايا محكمة الإغلاق! ليس لها نوافذ تطل منها على دلافين البحر، أو أعين تشاهد فيها براعم اللوز وهي تتفتح في قلب آذار، لتُفصح دونما خجل، عن قصة عشق جريئة في حدائق الربيع.
هل أنتَ دمية من دمى أحلامي؟
 الدمى التي شاركتني ربيع عمري، حِكت فساتينها من بعض الحروف الملونة والمزركشة، المخملية والتافتا، وربطت جأشها بخيوطٍ ماسية من الوهم، وأمرتها في كل ليلة أن ترقص السامبا، والسالسة، وزوربا؛ لتضيء سماء أحلامي ببهجة الأعياد.
أم أنكَ فتى الأخبار في تلك الجريدة الصماء؟  الجريدة التي جَمَعتُ لفائف حبرها الأسود، وصَنَعتُ منها أهراماً للسيَّاح، وجداراً عازلاً  بيني وبين أحبتي، غير قابل للانهيار، أستند إليه حين يشتد الضرب على مدن الفقراء، أخشى لعنة  تطاردني حتى الممات.
لستَ من الأبجدية الضالة، أبجدية النشوء والارتقاء، والقفز على رؤوس الآخرين بالمظلات، وصبغ الآفاق بالحبر السريِّ، وافتراش موائد اللئام بالشهقات.
ولستَ حجراً، وإن كان ذلك الحجر المقدس في أكفِّ براعم النضال، يرفعونه علماً، يرتلونه نشيداً، يشعلونه قنديلاً يضيء إليهم طريق: البيت، المدرسة، العودة إلى القرية من المعتقلات، أو من غرف التعذيب.
ولستَ غيمة، لأن الغيم بطبعه متواطىء مع رؤوس الجبال، يسقيها مطراً عذباً، زلالاً، غزيراً، يفيض من باطن كفيَّها؛ فتتصدق به على الجواري الحسان، ويُضن به على الأودية الظامئة لقطرة ماء؛ فيلقي إليها بالأبخرة السامة، وبقايا السحب الغاضبة، والضباب.
كائناً من تكون؟!
 ففي زمن الغضب لا يهم من تكون! فكل من سبقك وعلى مرِّ العصور، كانوا بشراً، خلقوا من طين، لكن، بعد آخر عاصفة هوجاء هشمت أعمدة التاريخ، تفجروا لأشلاءٍ من دم وبارود، ومن بقيَّ منهم صالحاً للحياة، تبعثر كأمواج رملية على ضفاف الشتات، تعلو وتدنو حسب: قسوة المطر، شدة الريح، وانحراف المسارات بفعل الزلازل والهزات.
كائناً من تكون؟!
في هذا الزمن الغريب، الربيع الغريب، ربيع الغضب: يتساقط مطر الغضب، تفيض أنهار الغضب، تندلع نيران الغضب، تتفجر سَوْرَةُ الغضب، سَوْرَةُ الأبجدية الضالة.
 لا تكن منهم، وكن من تكون.





الأحد، 3 أبريل 2016

فارسة من حيفا

فارسة من حيفا
انسحبتُ من ذرات الأكسجين حتى لا أسبب الاختناق لفراشات الربيع وهي تتحولق حول علامات الاستفهام .. ترفرف كالطيور المذبوحة في آفاق الاغتراب .. تحاول أن تبسط أجنحتها في فضاءات مغلقة فترتطم بالجدران .. تتألم .. تتناثر .. ثم تتجمع عند حدود الوجع وتضيف علامة جديدة إلى علامات الاستفهام .
أشتاق إلى الحديث المسترسل معك دون همزات قطع .. دون فواصل إعلانية أو صفارات إنذار .. دون مقص الرقيب أو دورة الأرض حول الشمس دورة كاملة لتخرج الحروف إلى النور شبكات مضيئة .. لكنها لا تحمل أي دفء أو عنوان !
ولأن الحديث إليك هو الغناء بصوتٍ عالٍ .. هو تغريدة كنعانية  .. بوح إغريقي .. صلاة في معابد الشعر .. تراتيل في كنائس الحروف .. غزل ربيعي .. أمطار صيفية .. عناقيد العنب على سطوح  أيلول .. فهو يغيب كلما جُرح في بلادي غصن من الياسمين .
لأن الحديث إليك يرفض كل القيود .. يلفظ الذل المذاب في قعر الكؤوس .. لا يرتدي أوشحة الحرير من دودة القز الخائنة .. لا يصافح العيون الضالة .. لا يضع قدميه على أكتاف الفقراء .. لا يلقي بفلذة كبده إلى الغربان .. فهو يحتجب داخل الشمس ويندس معها في مقابر البحر إلى أن تعود مجدداً إلى الحياة .
ولأن الحديث إليك أمانة في عنق التاريخ .. لأنه وفيٌّ لسنوات النضال .. لأوطانٍ لا تزال تنتظر عند أقدام باب العودة  ولا تستبدل نشيدها الصباحي بموسيقى الجاز .. لا تلقي بجدائلها لزواحف الأرض فتصعد أدراجها وتثقب بأظافرها المطلاة بالمكر والنفاق غيوم الشرق والأكباد .
لأجل كل هذا يا فارسة من حيفا نعتكف في معابد الصمت .. نخرج من الزمان والمكان والتاريخ .. نرتدي ملامح ساكنة ، خالية من ملامح الحياة .. القلب فيها ساكن وكذلك الشفتان .. وروائح  الحبرالجاهليِّ وحدها تتبختر على الورق !
ولأن حيفا ما تزال حيَّة في القلب وعلى صفحات الخريطة .. في مقل العيون وعلى أرصفة الورق .. لأنها عصية على الموت  وعلى الاندثار .. لأنها تولد كل ربيع ويشهد على ولادتها الحادي عشر من كل نيسان .. ولأن نيسان يقف بمرآتي .. يغمزني بطرف العين والشفة والوجنات .. فأسلمه أنامل قلبي ليكتب إليك بحبر الياسمين أجمل الأشعار .


الاثنين، 21 مارس 2016

فلنصلِّ


فلنصلِّ
فلنصلِّ استسقاءً  للمطر والحب والسلام ..
فلنعتلِ أرجوحة  الأمل ، نحلق عالياً في السماء  ، نلقِ بالهموم من الأعلى .. ولنتنفس هواءً  حراً، غير ملوث بالذل ، غير مشحون بالألم .. فلنمتطِ صهوة السحاب ، نسابق الريح ، نوقد النجوم لتضيء لنا أجمل غد !
فلنصلِّ استسقاءً  للمطر والحب والسلام ..
فالشمس في بلادي  باهتة ، الأمطار مسافرة ، الحمائم مهاجرة ، الأشجار نائمة .. حتى البلابل في بلادي غدت صامتة .
فلنصلِ  استسقاءً  للمطر والحب والسلام ..
فبلادي باتت مدينة للأشباح ، حدائقها لا ترويها سوى  الدماء ، لا تسطع فيها شمس ، لا يغيب عنها الظلام ، لا يبزغ لها فجر ، لا يلوح إليها صباح ، ضحكات الأطفال فيها مختنقة ،  وأهازيج الأعراس نواح .
فلنصلِّ استسقاءً  للمطر والحب والسلام ..
فلنصلِّ كي يبزغ لنا فجر من ذيل هذا الظلام ، ليغرد بلبل فوق سرير طفل أرقه أنين العذاب ، لأجل شيخ اغتسل بدمه على باب الأقصى ، لأجل أم  تزرع الموت على شرفتها غداة  كل اجتياح ، لأجل تلميذ غدت حقيبته  أخطر سلاح ، لأجل الأيادي السمر تزرع في بلادي عبيرها الفواح .
فلنصلِّ استسقاءً  للمطر والحب والسلام .




الأحد، 20 مارس 2016

عودة في الاننتظار

عَودة في الانتظار

أثقَلت عليَّ دموعك المنهمرة في ليل الأمس .. تلقفتها بقلب واهن وجسد مرتجف .. كيف تجرأت عليك الذكريات وانقضت على ليلك  كالضبع ؟! ألم ترحم قلبك المستجير من ضعفه .. ألم ترحم دمع عينيك وهي تهطل كزخات المطر .. ألم ترحم اشتياقك إلى موائد الصباح وهي تجمعنا .. وانتظارك لنا على شرفات النهار كي نتجاذب أطراف الحديث عبر أسلاك الهاتف ؟!
حَزِنتُ لألمك .. لشراسة الذكريات التي هاجمتك .. للدموع التي انسكبت ولم أستطع تجفيفها  وتقبيل الخد كي يستكين ويهدأ .. ولا إغلاق النوافذ جيداً في وجهها .. ولا سحب بساط الليل لتنامي كسائر الأمهات .. تضمين أطفالك إلى  حضنك .. تمسدين على رؤوسهم بأناملك الطاهرة .. تقرأين على مسامعهم  حكايات الليل الهادىء .
أخذتُ أطفالي .. أطفالك .. ورحلت إلى رصيف شتات آخر .. أحادثك الحديث المتقطع ، السريع ، المبتور ، المبهم عبر أسلاكٍ تعلن عن نيتها الانفصال  كل ثانية .. رضَيتِ أنتِ ساعتها رغماً عنك .. ورضيتُ أنا أيضاً رغماً عني . وقفت الغربة حاجزاً بيني وبين تقبيل اليد والخد والعينين .. طارت سلامات مني إليك لكنها لم تسمن ولم تغنِ من جوع ؛ فانهمرت لألئك تلك الليلة وذاب قلبي عليها حزناً ؛ فلم أجد إلا هذه الحروف الحزينة لأعبر فيها عن سخطي وقهري .. علَّ دموعك ترضى .. علَّ روحك الطاهرة تهدأ..علَّ قلبك المنفطر حزناً يهدأ ولا يهم إن هدأت نيران قلبي أو اشتعلت .
جلستُ حينها أنا وساعات الليل الثقيلة نتصفح رسائلك الملأى بالدموع .. نقلب سنوات العمر البالية .. نفتح صناديق الذكريات الصدئة .. نعبث بجدائل الماضي والحاضر والمستقبل .. نرسم ألف علامة استفهام وعشرون ألف علامة تعجب !
ننتظر سنة ما .. شمسية .. قمرية .. ميلادية .. هجرية .. منسية .. منفية .. ننتظر سنة العودة !
حقائبنا معدة في الانتظار .. قوالب آدمية معدة في الانتظار .. مشاريع أحلام معدة في الانتظار .. وبقايا من بقايا الروح مغلفة ومعدة أيضا في الانتظار .
لم تمضِ سوى ساعات قليلة من هذا الليل الطويل  فبماذا نتسامر وكيف سنمضي هذا الليل بانتظار الصباح ؟ أحاول فتح نافذة يتسرب منها هواءٌ منعش إلى رئتي .. أطل منها على سماءٍ مضيئة ذات نجوم تتلألأ  وقمر منير يدعونا للسهر !
لكنَّ السماء هنا في الركن البعيد الهادىء تخلد للنوم مبكرة .. تأخذ في حضنها قمرها ونجومها وحتى السحب المهاجرة إليها وتغلق عليهم الأبواب وتنطفىء !.. فبماذا سنمضي باقي هذا الليل ؟
هل نعد على أصابع اليد خيباتنا العظمى .. كم مرة حزمنا حقائبنا .. كم مرة بدأنا المشوار منذ البدايات الحجرية .. كم مرة طلبنا فيها تجديد الهواء لأنه أصبح خانقاً .. ولفظنا الماء من شراييننا لأنه مرٌّ كالعلقم .. كم مرة حلمنا بتلك الياسمينة وسهراتنا الممتدة في ظلالها عبر دهاليز الليل إلى بوابات الفجر ؟!
هل نمضيك أيها الليل بانتظار الصحوة على وخز الأحلام لخاصرة الصباح .. معلنة بذلك نهار جديد نركض فيه لبدء مشوار العد .. عد ساعات الفراغ الثقيلة .. تصفح باقي رسائل الأحبة الملأى بالدموع .. محاولة تفسير أحلام ذلك الليل الطويل .. أم نكتفي بالانزواء في صومعة النفس .. بعيداً عن مضارب الشمس .. ورياح الخريف .. وقمر نيسان .. وعناقيد الصيف ؟
أظن ساعتها أن روحك لن تهدأ .. وأحلامنا لن تهدأ .. والأيام من حولنا لن تهدأ .. لذلك ألتمس منك العذر يا أم فلقد أتعبت قلبك وروحك بما يكفي .. وأعلم جيداً أن قلبك لن يرضى حتى أرضى !
لذا أنا يا أم أنعم بكل الرضى .. سأبقى كما اعتدنا أعد حقائب العودة وأنتظر على أرصفة وبوابات العودة  .. سأفتح نوافذ  الذكرى لكن دون خوف أو وجل .. وسأكتب على شبابيكها : أُرَضِّي يا أم علَّ هذا الكون يرضى . 

ميساء البشيتي



الخميس، 17 مارس 2016

عازف الناي

عازف الناي

"أدقُّ على بابِ عمري
فيفتحُ وجهٌ غريبٌ
ويسألُ
من أنتَ .. ماذا تريدْ ؟؟..
/ أنا سيدي كنتُ من قبلُ
داخلَ هذا المكانِ
أنظفُ بعضَ الحروفِ
وأقطفُ وردَ الكلامِ
أعيدُ الصباحَ النديَّ
إلى ضحكةٍ من صفاءٍ
وأركضُ نحو الحكاياتِ
كي ينهضَ السروُ أحلى
وكي أستردَّ الزمانَ الشريدْ / "

سيذكرني الناي .. طلعت سقيرق

وأنا في ذكرى مولدك الذي لا يغيب عن البال كأنت .. أدق باب هذه المساحة " مقهى الكرمل لصاحبه أبو الشوق " التي افتَتَحتَها ذات يوم لتجمعنا حول قصيدة حرة .. وفنجان من القهوة المرَّة .. على ضفافك أيها الكرمل المجيد .. تحت سماء أبية على المحتل .. تتقبلنا أفراداً وجماعات .. دون جوازات سفر أو تأشيرات .
ندلف إلى قلوب بعضنا في ساعة صفاء .. دون أن تعيقنا الحواجز عسكرية ونقاط التفتيش .. دون أن نتسلل عبر الدهاليز والأنفاق  .
أردتَ أن توحد قلوبنا في جلسة طيبة كأنت .. مرحة كأنت .. مُحِبَة للفرح كأنت .. وتعشق تراب تلك الأرض الطاهرة المسافرة عبر أوردتنا كأنت .
كم كان رحيلك صعباً علينا .. لكنِّي اليوم أحمد الله أنك رحلت دون أن تتغير .. لم تعصف بك رياح التغيير .. أنا لا ألقي بسلال اللوم على كلِّ من تغيَّر ؛ فالعاصفة أقوى من الجميع !
تكسرت المسارات من ضربات الريح .. بعضنا أصبح بلا أقدام .. يجدف بيديه ليصل أقرب شاطىء للآمان !! ومع ذلك لغاية هذه اللحظة التي أكتب إليك فيها هذه الحروف لم يصل منا أحد إلى شاطىء الآمان !!!
البعض أصابته هستيريا الحروب فأخذ يقتات على الفوضى والدمار .. تجده كلما هدأت العاصفة قليلاً  يوقد من تحتها النار ؛ فتشتعل ، وتأكل الأخضر والجاف .. وتلتهم بشراسة الضباع أجزاءً منا ، تبقينا عبرة لمن يعتبر .. وعلامة فارقة على جبين التاريخ  .
وها نحن كالدفوف في أيادِ المجانين .. تضربنا عاصفة وتتلقفنا أخرى .. أصبحنا مراكباً مهشمة في عرض البحر .. قصائد معلقة على الحيطان .. لا يقرؤها أحد .. لأنها لا تنتمي إلى فكره .. الفكر الذي يشعله تارة أبو جهل وأخرى أبو لهب ..
بقيَّت لنا أشعارك التي لا تخمد نيرانها ولا يخبو بريقها .. لأنها من لهيب آخر .. من نار أخرى .. أشعارك التي تحترق لتضيء إلينا الطريق إلى يافا وحيفا وعكا والكرمل وإلى القدس هناك حيث الأقصى يرتل أشعارك إلى الآن ..
يدق على بابِ العمر
فيفتحُ وجهٌ غريبٌ
ويسألُ
من أنتَ .. ماذا تريدْ ؟؟..


الأحد، 13 مارس 2016

يسألني الياسمين




يسألني الياسمين ... ؟
يسألني الياسمين ولا أجد جواباً !
بماذا أجيب الياسمين ، وكيف أرد حيرته ، وأُسْكن لهفته ، وأنا لا أملك لسؤاله الجواب ؟
يا ياسمين لا تَقْسُ ، ولا تكثر للسؤال .
أنا التي أنهكتني موانىء الغربة ، وأنهكتُها من وقع خطايَ ، أنا التي أتعبتني شطآن المنافي ، وأتعبتها وأنا أبحث عن ظل ياسمينة من بلادي أزرعها على وسائد الليل وشاحاً .. أرتديها كل صباح .. أبكي على أوراقها عند كل اشتياق .
صادقت البحر هناك لعلَّ أمواجه تأخذني بعيداً إلى غير سماء ، سماء تلمع نجومها لأجلي ، يضيء قمرها لأجلي ، ويكتب رسائله على جبيني أنا ، ولا يخطئ العنوان أبداً .
لكن البحر صار غريباً مثلي .. أمواجه استكانت .. نامت في مخدعها ، ولم تعد الشمس تغريها قبلات الصباح .
صادقتُ العصافير هناك .. أغريتها للغناء على سرير الأحلام ، واستهلكتُ عمري وأنا أكتبها عنوانين لمذكراتي .. رسمتها شعراً .. تغنيت بها نثراً ، وطبعت على ريشاتها أحلى القبلات .
ولكنْ يبقى حنين العصافير إلى الهجرة يسري في عروقها ، لا يشغلها عنه أجمل المعلقات .
وجدتُكِ يا ياسمينةُ غريبة مثلي ، وحيدة مثلي ، تتكئين على جدار آيل للانحناء ، تلتقطين أنفاسك حسب أبجدية أعرفها جيداً ، وأعرف كيف أقرأ أسرارها أيضاً .
تغطين الريشة في محبرة قلبك ، وتكتبين شعراً يشبهني ، ويشبه أشعاري التي سافرت معي قبل ألف شتات .
وأنا التي أتعبتني كتابة الشعر والنثر ، وبُح صوت البوح في أعماقي ، هل لي أن أتكىء على قلبك قليلاً ، هل لي أن أغرف منه ما ضنَّت به أمواج البحر ، وعصافير الشتات ؟
كانت الأيام قبلك غريبة ، واليوم أنا لا حاجة لي بتلك الأيام ، اسقني من محبرة قلبك ، أنا ما عاد يرويني الماء .
يسألني الياسمين فلا أجد جواباً !
يا ياسمين لا تكثر السؤال ، أنت اليوم قلبي ، وصمتُ بوحي ، ومحبرة الأشعار . كل الأشعار قبلك كانت خيوط عنكبوت على أوراق هذا الزمان ، أنت وحدك أبجدية ، أبجدية لم يكتبها من قبل إنسان ، ولم يقرأها غير قلبي ، فلا تكثر الدلال يا ياسمين ، ولا تكثر السؤال .
أنت أبجديتي الجديدة ، وأنت رأس الصفحة ، وأنت العنوان ، فلا تكثر السؤال يا ياسمين ، لا تكثر السؤال .

من كتابي " بين شفتي الكلام "
ميساء البشيتي