ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الجمعة، 18 سبتمبر 2015

العهد




العهد
أما نزال على العهد يا أيلول .. أما نزال تجمعنا العهود .. وتبرق في سماء ليالينا الوعود .. وتحضر مع صباحات الشمس أحاديثنا ، فتغزل لنا من خيوطها ألف عنقود ؟
قلتُ لك ذات يوم بعيد : الطريق الذي يجمعنا شاق وطويل .. دعنا نختصر المسافات .. دعنا لا نبدأ ! أكره أن أحصي في غيابك الأيام .. أكره أن أعدَّ الفصول .. أكره ساعات الليل حين يهبط ظلامها على مدن قلبي .. فلا يومض لها فجر .. ولا  يلّوح في شتائها قنديل .
أين أنت من هذا العهد يا أيلول ؟
الطريق طويل جداً .. وأنا دفنت في مقبرة الأيام كل ما مضى منك يا أيلول .. وما تبقى الآن يرتجف بين أصابعي  .. يخشى أن تُسدلَ عليه ستائر الليل .. يخشى ألا تُصافح جبينه شمس الخريف .. يخشى رياح الغدر التي تعصف دون ميعاد ، فتُبعثر صفحات الماضي في أروقة الحاضر ، وتذر ما بقيَّ منها فتاتاً لعصافيرالأحلام .
وحدهم الأموات لا يعودون .. هل متَّ أنتَ يا أيلول ؟
هل سيمرُّ الخريف من دونك .. وتفرغ الأعياد منك .. وأشرب حسرة الغياب الذي يطول ، ويطوي تحت إبطيه صفحات ملونة .. صاخبة .. تضج بالشقاوة الوردية .. ويفوح من جنباتها رائحة المسك العذري ؟
هل سندفن أخر ميلادٍ رسمناه على جفنيِّ القمر .. والعصافير التي تعلمت منا الرقص على أغصان الشجر .. والقصيدة الزرقاء بلون الموج .. وحبات الندى على رسائل الصيف .. وأغنيتك القديمة : هاتان عيناي .. زرقاوان بلون البحر .. ليس فيهما مدُّ ولا جزر .. وليس لهما قرار .. إن شئتِ الإبحار فيهما .. فلا .. لن  تغرقي ؟

وهمسك عند شرفة الليل : سأبقى أجوب شواطىء عينيكِ .. أتأمل حديثهما العذب وماذا يخبىء لي من مفاجآت .. ماذا تخفي ضحكتك .. دمعتك .. شهقتك .. لهفتك ؟!  أحاول أن أحل لغز امرأة تغيب خلف الأفق لتحضر إليَّ بين يديها كمشة ياسمين ، ووردة مزَّق أوراقها  ألف سؤال .
يا امرأة لا تخلو من الغموض .. لا تعرف عيناها معنى الاستقرار .. أبحري في عينيِّ .. ربما استطعت أن أميط اللثام عن لغز واحد فيك .. ربما عرفت معك لحظة استقرار !
 آه يا أيلول .. أين هي عيناك الآن .. أود الإبحار فيهما .. أود الغرق فيهما .. أدركني  قبل أن يموت ما تبقى منك بين يديَّ  ، وأنا مركونة كزهرة صَّبار .. على أرصفة الانتظار ؟
 أما تزال على العهد يا أيلول ؟


الجمعة، 4 سبتمبر 2015

رائحة البقاء



رائحة البقاء
هل سقطت أوراقك يا خريف ؟
باب بيتك موصدٌ منذ آخر ربيع .. لم يأتك الصيف هذا العام .. أشعة الشمس الأرجوانية  المنشأ ارتطمت بمقدمة رأسك ثم أَفَلَت .. كلُّ الخطوات مركونة في فناء المنزل تنتظر العبور .. القبَّرة الحزينة التي كانت تزورك بين الفينة والأخرى غادرت إلى نافذة الجوار .. والموسيقى التي كانت تسترسل من حنجرتك لحظة الغناء أصبحت صامتة ..
كل شيء في ذلك الفِناء يعتريه الصمت  .. الصمت الذي يشي بأن الخريف حلَّ عليك قبل موعده .. أو في الميعاد .. ربما لم يزرك الصيف هذا العام .. أو أن ريحاً غريبة طالت الزمان والمكان  فعصفت بهما ؛ فتساقط خريفك على الأبواب .. تناثرت أوراقه على الدَّرَج .. تبعثرت حروفه في أرض الديار .. وفاحت منه رائحة الماضي التي كنت تروي لنا منها الحكايات .  
داهمك الخريف ورائحة الصيف لا تزال عالقة في الجدران .. رائحة التين لا تزال تنبعث من أوراقه .. والياسمين أخضرَ وإن جفت أعواده .. واللوز وعناقيد العنب وحبات المشمش والكرز متكومة على حالها في  صحن الدار .. كل شيء هوى أرضاَ .. مترنحاً .. ثملاً من سكرات الفنَاء .. لكن رائحة البقاء تنبعث من الأرجاء .
الخريف على باب بيتك .. وصوتك لم يحضر كالعادة ليُّكَذب نبوءة الخريف .. وساعي البريد ملَّ من طرق الباب فألقى بالرسائل على لوح من الجليد لتبقى حروفها حيَّة لا يطالها الموت المنتشر كالوباء .. وأطفال الحي يتراكضون خلف كرة من الصوف .. لكن في الساحات المجاورة .. وقطتك تموء من الجوع .. لم تمتد إليها يدك بكسرة خبز .. أو قطعة من بسكويتك المحلاة بالشهد وعطر الفانيلا  .
رائحة قهوتك السمراء تنبعث من غرف الانتظار .. عتيقة معتقة .. قد تكون غلت كثيراً قبل أن تندلق في بهو المكان .. وقد تكون لا تزال تغلي في مرجلها .. وأنت ترتشف رائحتها كما ترتشف رائحة الحياة  .. وقد تكون غارقاً في رواية جديدة أبطالها من زمن  الخرافة .. فتحوا وحرَّروا وشيَّدوا وأنشأوا وكتبوا تاريخاً من المجد .. المجد الذي لا يُقرأ ولا يُقنى ولا يُثَّمن في هذه البلاد  ..
 قد تكون منكباً على رسم لوحة جديدة .. ترسم  بفرشاة الأمل .. مفتاحاً جديداً للعودة .. لا يصدأ .. ولايهترىء مع التقلبات الجوية .. والاختلافات شديدة اللهجة بين مدن الشمس ومدن القمر .. وقد تفاجئنا بظهور قريب يهزم الخريف في عقر داره .. ويسترد منه الشمس .. ويعتلي سلَّم المجد من حيث غادر الأولون .. فما تزال في قهوتك رائحة البقاء .