ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الجمعة، 7 أغسطس 2015

وجوه عابرة




وجوه عابرة
حين ترتدي كل الوجوه وجهاً غير وجهك ، ويتبدل لون الصباح فأرى كل شيء إلا أنت ، وتهفُّ من حولي نسائم كل الفصول إلا نسائم عطرك ، وأنتظر على بابي جميع القادمين .. وأنا لا أنتظر إلا وجهك .
حين تصبح كل هذه الوجوه علباً كرتونية ، خالية من التعابير ، من الألوان ، من الطقوس ، من الحروف ، من علامات الاندهاش والتعجب .. ولا يبقى متقداً في فكري إلا وجهك  .
هل نتعاتب قليلاً ؟!
 لمَ لم نعد نتعاتب .. فيمَ أنت غارق حد النسيان .. فيمَ أنت مبحر بلا شطآن ..  هل ترى وجه الشمس هذه الأيام .. ألم تشتاق إليها حين كانت تطل عليك في ثياب الصباح فتضيئك ؟
الشمس مثلي تشتاق وجهك .. تشتاق الصباحات التي كانت تحمل إليها وجهك .. تشتاق رائحة عطرك تملأ المكان في حضورك وبعدك .. تشتاق همسك وشدوك وسخريتك الجادة من طقوس بعض النوارس في مراسم الولاء  !
 الشمس مثلي تشتاق أن تعود رفيقة ألمك .. رفيقة بوحك .. رفيقة صباحاتك الندية .. رفيقة مدادك الحزين .. رفيقة تلك الذكريات التي علِّقت على باب الوطن البعيد ..
أنا لست أنا في غيابك .. وما أرتديه على وجهي من فرحٍ هو قناع أهدتني إياه عيون الشمس .. حتى لا تشمت جارة الشمس بيّ وتهمس في أذن بقية الجوار : هجرها قبل الفجر بليال عشر .. فأصبحت في البعد صفراء اللون .. شاحبة الملامح  .. تنتظر ملاك الموت على أبواب الغياب .
جارة الشمس تغار منك ومني ، تغار من قصائد الغزل التي كنت تزرعها أزهاراً صيفية أمام
بيتي ؛ فهمست في أذن الشمس كلاماً كثيراً ، وَشَت لها ببعض الأسرار التي كنت تضعها لي في أنية الورد .. قالت لها : يحبها .. يعشقها عليك .. هما متفقان على الحبِ .
 ذابَ قلب الشمس غيرة مني وعليك ؛ فحرقت نسائم عطرك بجمرها المجنون ، ومسحت أثار حبك عن باب بيتي ، وأعلنت حالة الثأر مني ، وأخبرت عيون القبيلة عنك وعني .
لا تشتق لهذه الشمس بعد اليوم !
لا نريدها .. لا نريد ودَّها ، ولا شمسها .. لا نريد أن تضيء نهاراتنا وتضيئك .. لا نريد هذه الشمس التي وشت بأسرارنا ، وأرسلت عيون القبيلة إلى الغدير لترقب بنظرات الحسد هل ما زلت أسقيك الماء بأردان ثوبي ؟!
فلتفقأ عين الشمس ، وعين جارة الشمس اللدودة ، وعيون القبيلة ، وإن غدت أيامنا ظلاماً .. ونهاراتنا ليالٍ .. فإشراقة حبك ستضيء لنا الغياهب .

أنا على باب غيابك .. أتصفح كل الوجوه .. أصافح جميع العابرين .. مرَّوا جميعهم .. مرت الشمس ، وجارة الشمس ، وعيون القبيلة ، والوجوه الكرتونية .. مرَّ الجميع .. إلا وجهك !

الأربعاء، 5 أغسطس 2015

كفانا ابتعاداً




رسائل أدبية بعنوان : كفانا ابتعاداً .... لن أبتعد


رسالته إليها .. بعنوان : كفاناً ابتعاداً

كفانا ابتعاداً يا رفيقة الوجع .. كفانا .
 لا تبتعدي عني بعد الآن .. لا تغيبي أكثر ..
كم مضى على هذا الغياب ؟!
لم أعد أعلم .. لم أعد أعدّ في غيابك الساعات ، ولا الأيام .. تساوى عندي الليل والنهار ، بل تشابها .. فلم أعد أميِّزُهما  .. ومن يأبه إن كان الليل ليلاً ..أم قطعة من نهار ؟!
منذ تسللتِ من هذا القلب .. أبقيته مسكوناً بالوحشة والاغتراب .. فغدا كساعة المدينة المثبتة أعلى الدوِّار.. تلهث وراء الدقائق والثواني .. دون أن تضنيها حرارة الصيف ، أو يلفحها برد الشتاء .
منذ غادرت في ليلة لم أعد أذكرها ، طواها النسيان ، أو ربما خيِّل إليَّ أنها في طيِّ النسيان ، أو أنك أصبحتِ أنتَ في عداد النسيان ، أو أنا .. لم أعد أدري من بقيَّ منا في الذاكرة ، ومن ترجل إلى متاهات النسيان .
يخيَّل إليَّ أنك بقربي الآن ، أم إنني أحلم ؟
مدي إليَّ يدك الصغيرة .. دعيني ألمسها ، أتحسس العمر الفائت فيها ، أشتم روائح الماضي ، وعبق السنين الجميلة التي غادرت على عجل .
 لا تخجلي مني ، لا تفزعي ، فهذا القلب بعد أن غادرتيه أصبح موصداً على البرد والظلام .. لم يشق النورُ إليه طريقاً ، لم تداعبه نسائم الربيع ، وخلجات الصيف ، وعبق الياسمين .
رائحة البرودة ما تزال تفوح من جنباته ، ويسكنه ظل ثقيل من الفراغ .. لا يبرحه  لو لثوان من الوقت  .
دعيني أنظر في عينيك ِ، دعيني أرى نفسي في مرآتيهما .. لم أنظر نفسي في مرآة قط  .. آه ..
لقد غزاني المشيب ، وفرشت التجاعيد بساتينها على قسمات وجهي ، واخشوشنت نبرات حسي الدافىء وأنا لا أزال أردد اسمك حبيبتي ..
آه لو تدرين !
مدِّي ذراعيك النحيلتين ، طوقيني ، ضمِّي إليك خاصرتي واحضنيني ، قلبي الآن يقفز بين ضلوعي .. أشعر أن الطفل في داخلي بدأ يحبو على سِنيِّ العمر والبعاد .. خذي بيدي وساعديني .
كم مضى على بعدك ؟
لا أعلم .. ربما دهر بأكمله !
اليوم صدى همسك يرنُّ في أذني .. يوقظ فيّ عمراً مهجوراً ، مخلوعاً على عتبات الزمن ، عمراً منسياً  .. كقسمات وجهي التي تاهت في زحمة الأيام .
لن أسألك كيف عدت .. ولن أطيل في السؤال ..
هل أنتِ من طرق بابي ، أم أنني من فتش عنك في أعماقي .. لا يهم  .. ولن ألحَّ  في السؤال ؟
 أنت الآن بقربي .. لا تبتعدي بعد اليوم فلن أطيق البعاد .. أحبك أكثر مما مضى فكفانا ابتعاداً .



رسالتها إليه بعنوان ..  لن أبتعد .

أنا يا رفيق الوجع لم  أبتعد .. لم أتسلل هاربة من حضن قلبك الدافىء .. لكنِّي وجدت نفسي في هذا المدى الضبابي وحدي .. وجدت نفسي في صحراء مترامية الأطراف ، وسكين الغربة منغرس  في خاصرتي .. وليس في حوزتي إلا  كمٌّ من الأسئلة المحمومة  تحاصرني .. ومضارب من الشكوك تتلقفني .. وفراغ كبير يظللني .
وجدت نفسي ونبضات قلبي تعبث بنا أصابع الفوضى ، نئن تحت وطأة الاستفهام ، من يجيب أسئلتنا الحائرة سواك ؟
أنا ما عدت أستطيع البحث عن حيرتي في عينيك ..  تراءى لي ساعتها أن صدرك لم يعد مسكني .. لم تعد أنفاسك الحارة تبعث الدفء في أوصالي  .. فاستحال  القلب إلى كرة جليدية تتدحرج على  تلال من الصخر، لا رذاذ المطر يحييها ، ولا نسائم الصباح تدغدغ رئتيها ، فتنتشي ، وتنتعش ، وتفترش ساحات الأيام كربيع في مقتبل العمر .
عيناك كانتا مرآتي ، لم أنظر نفسي في مرآة قط ، لم أنتبه لغزو الشيب لخصيلات شعري .. ولا لزحف التجاعيد على وجنتيِّ  وباطن كفي ، ولا إلى بحة صوتي وأنا أنادي اسمك  في منامي ويقظتي .
استسلمت لعجزي وضعفي .. انزويت أحضن همي ، وأغسل بالدمع كل ليلة عيني .. لم أفكر بالبحث عنك أو فيك ..  لم أعد أبحث عن كفيك تحتضن عمري وأرقي وفزعي ..  نفدت كل ذرات الأكسجين  من دمي  ، ولم أفكر أن أستنشق  الياسمين من حدائق رئتيك  كما عودتني !
 إلى أن مددت يدك بحنو في ظلامي ، وانتشلتني ،  كما يُنتشل رضيع أوشك على الاحتضار .. حَضَنْتَ بكفيِّك الصغيرتين كل ألمي  .. نظرتُ في عينيك فوجدت نفسي فيهما ملكة ً مُتوَّجَة ً .. وقلبك ما زال مسكني ، وملعبي .. وأنك رفيق الوجع .. كنتَ .. ولم تزلِ .. لن أبتعد  .