ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الأحد، 19 يوليو، 2015

أنا بخير





"  أنا بخير "
مهارة جديدة اكتسبتها هذه الأيام .. هي مهارة  القفز !
 القفز .. ليس بمظلةٍ على شاطىء البحر .. أو عبر الحواجز في مُدِنِنَا الفاضلة .. أو بين سطور الكلمات التي تشبه بعضها البعض إلى حدِ الغثيان .. بل هي القفز في تلقي الإجابات !
لم أعد أنتظر الرد على أسئلتي بأجوبة منك قد تحتمل أكثر من معنى .. أو تضطرني للتفكير  بأيَّها الجواب الذي يطمئنني عليك أكثر .
 ولجزِّ عنق القلق .. أصبحتُ أدُسُ الجواب في قلبِ السؤال .. تحسباً من أن يأتيني ردك مغايراً لما أريد !
ليس لؤماً مني يا رفيق النكبات .. أوانتقاصاً من آلامك وأحزانك .. ولكنه من وجهة نظري _التي أبررها لنفسي عند كل سؤال _  جواب صغير أرتجيه منك .. " أنا بخير"  .
 طبعاً .. حتى أقطع عليك كل الطرق التي قد تؤدي إلى أن تنبس ببنت شفة ، وتصرخ  بملء الوجع  .. أنا لست بخير !
أنا على يقينٍ تام أنك الآن ممددٌ على فراش الموت .. أو أنك تقف بعكازين من الصبر والانتظار على أحد أبوابه .. وربما لم يبقَ فيك حيٌّ يذكر سوى هاتين الكلمتين " أنا بخير" .. ترسلهما إليَّ عند كل سؤال .. كي يطمئن قلبي الذي لا يريد أن يسمع سواهما .
ليس انتقاصاً من معاناتك .. أو انتقاضاً لمشوارك النضالي منذ نكبتنا العظمى  .. فأنت كنتَ وما زلت الراعي الأول لصروح العذاب والشقاء منذ هجرتنا الأولى .. أنتَ من وقَّع بالأحرف الأولى على أرصفة الشتات .. ومن نَذَرَ روحه  فِداءً لتلك الأرض المقدسة ، ونزع أنامل فؤاده ووهبَهم إياها عن طيب خاطر  لتمسح عبَرَاتها في لحظات الاختناق .
أنتَ كنتَ أول من رفع راية الموت الزؤام للغاصب .. والحرية التامة لتلك البلاد .. وأنتَ جلّ التاريخ  في بلادي .. بل كلّه .. ومع ذلك أتخطى كل الأسئلة والأجوبة .. وأقفز إلى إجابة واحدة أريدها فقط " أنا بخير" .
هذا ليس حفل تأبين لك .. معاذ الله فأنت حيٌ ترزق .. وإن لم يبقَ منك على قيد الحياة إلا هذا السرير الذي يحملك إلى الضفة الأخرى .. ولكنك أيها المحظوظ ما تزال تُحصى مع الأحياء .. ومع ذلك تحاول أن تَضِنَّ عليَّ بالإجابة .. أو ربما تتثاقل من لفظها .
أعلم أن البقية الباقية من روحك قد لا تملأ فنجان قهوتك الذي تحتسيه على شرفات الغربة .. في صباحات أكل الصقيع شمسها .. ومساءات أستأسدت عليها وحوش الليل .. وذكريات لا ينطفىء لهيبها .. تصرُّ على أن تنكأ جراحاً تأتيك مشتعلة من هناك .. من أرضٍ ركضَ عليهاً شبَابِك .. حين كنتَ فتى أغرَّ ، أو طفلاً يحاول العبور إلى الشباب قفزاً .. كما أقفز الآن عن الكثير من محطات وجعك ؟!
من قال بأنه لا يؤلمني وجعك ؟ ولا يبكيني هذا القهر الذي يغلي في داخلك ؟ ومهاجمة الوحدة لك في كل ثانية .. وخِذلان تلك الأرض التي كنتَ متفتحاً لها أكثر من حدائق الياسمين ، وأخضر أكثر من أوراق الزيتون ، وأدفاً بكثير من عيون البنفسج .. ومع ذلك خَذَلَتك ؟!
وها أنت اليوم تفرش كل آلامك على رصيف بارد .. تحمل ما تبقى من روحك في كفٍّ .. وتحمل مفتاح العودة متجمداً في الكفِّ الأخرى  .. والكلُّ يمرُّ عنك كمتفرج .
وعروس قلبك لم ترفع القبعة انحناءً لآلامك .. لم تُنَكِس الأعلام حداداً على حزنك .. لم تعد تنظر إلى رصيف الشتات  الموقع بأحرف اسمك الأولى .. وإلى أشلاء روحك الممددة عليه ؛ فما ينتشر على أرصفتها أكثر بكثير .
ومع ذلك يا ابن نكبتنا .. سأقفز عن كل آلامك ، وعن حزنك ، وقهرك ، وخذلانك .. وأقدم إليك هذا العيد على طبقٍ هزيل .. مجففاً من البهجة .. خالياً من كل العلامات الأمارة بالفرح .. وأنتظر منك العيدية   " أنا بخير " .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.