ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الأربعاء، 25 فبراير، 2015

رسائل من قلب الحصار

رسائل من قلب الحصار

رسالته

لا رسائل اليوم أيضاً .
مضت أيام وأيام لم تصلني منكِ رسالة .. حصار من السماء ..  حصار من الأرض ..  وحصار القلب أقسى من أي حصار .
ليلة الأمس جلستُ وحيداً أسامر الشمعة .. استرسلت العبرات على وجنتيِّ كما استرسلت  عبراتها الذابلة .. أخذت أقرأ إليها رسائلكِ السابقة  وأتصفح معها ذكرياتنا  ، وبعض الصور .
تذكرتُ أيامي الأولى معك .. حين أخذتُ أناجي الشمعة .. وأبثها قلقي .. ليلة جافاني فيها النوم ، ودبَّ فيَّ وخز الأرق .. فجلستُ بقربها أشكو إليها حالي وأسألها بقلق : هل ستحبُّني ؟ وإن بُحتُ إليها بمكنون صدري ، ودفء مشاعري .. هل ستتقبل مني هذا الحبِّ ؟
هي امرأة حزينة ، وقلبها موصد منذ زمن بعيد ،  وأنا في كل يومٍ يزداد خوفي ، وتتسع لدي رقعة الأرق .. لم تجبني الشمعة يومها ، ولكننا تبادلنا ذرف الدموع  من المقل .
بثَّ الفجر خيوطه الأولى وكنتِ لي .. فرحتِ أنتِ  بهذا الحب ، لكنك كنتِ خائفة مني ، وكثيرة الشكِّ ، وكلما حاولتُ  تبديد هذه الخوف ليعود الصفاء إلى سمائك ، وأنعم معك بلحظات من الحب ..  كُنتِ تتقلبين كأوراق أيلول الخضراء المائلة إلى الاصفرار .. لكنِّي لم أكن لأتخيل في حينها أنك ستهوين ، وأن رياح الخريف ستحملك بعيداً عني ، وأبقى وحدي أجرُّ أذيال ما مضى .
لم أيأس منك .. ولم أكلُّ أو يعتريني الملل من بثي إياك لكلَّ هذا الحبِّ ..  ولم تفتر مشاعري لحظة ..  لكنَّ قلبك للأسف كان موصداً .
اليوم وفي هذا الجو الخانق .. أرسلتُ إليك أنفاسي على أمل أن تحتضنيها ، وتضِّميها إلى صدرك .. كما كنتِ تفعلين حين كانت تنتابك نوبات العشق المجنونة .. التي سحرتني بك ، وأفقدتني لبِّي ..  وجعلتني أسير خلفكِ تائهاً ..وأنتِ بوصلتي .
لكنِّها عادت إليَّ خائبة الرجاء ، باردة الأوصال
حين ركضَتْ  خلف إثركِ فلم  تجدكِ .
أعلم أنك محاصرة مثلي .. وأعلم أن الحنين يقفز من بين ضلوعك .. ولواعج الفراق تدمي فؤادك .. وأنك في ظل  هذا الحصار لن تقوي على بثِّي أنفاسك الملتهبة .. لكنِّي أحتاج الآن إلى إجابة .. إلى متى سأبقى أذوب كالشمعة في حبك ؟  إلى متى ؟
أرجوك اخترقي الحصار واكتبي لي .. أرسلي إليَّ بعض الحروف .. مبعثرة  وإن تكون .. وأنا ألملمها في كفي ، أرويها بدمعي ، أدثرها بأنفاسي ، وأسكنها حجرات قلبي الموصدة في وجه أعتى أنواع الحصار .

رسالتها

من قال  بأنني لم أحاول خرق الحصار ؟
 من قال  بأنني لم أحاول بثك أنفاسي المتعبة والتائهة في فضاء هذا  الحصار الضبابي ؟
لكنهم حاصروا أنفاسي ، وصادروا حروفي ، وأبقوني في خانة الممنوع من الصرف .

في كل ليلة أحمل  شمعة حزينة .. أذرع بها  تلك الطرقات التي كانت تجمعنا .. أجوبها مراراً ، أبحث فيها عن خيال لك منسيٌّ على أحد الجدران ، أفتش فيها عن ظل  خطوات لك تأخرت في عودتها ذات مساء ، أقود شمعة هزيلة تدلني على شرفة نافذة  أتلصص منها على بريق عينيك ، وبحة همسك .. ومن ثم أعود أدراجي كل ليلة خالية الوفاض .. إلا من  شمعة ذاب عمرها وهي ترافقني في اقتفاء أثرك .
لم أجد أمامي سوى أيلول  ..
ألم نطفىء شموع أيلول في الأمس ونودعه حتى  الباب ؟
 كيف عاد ؟ لماذا عاد أيلول سريعاً هذا العام ؟
سألتُ حكيمة البلدة : ولماذا أيلول بالذات ؟
 قالت : هي مشيئة الله .
قلت : ولكن ألا يجوز أن يأتي أيلول عاماً ويغيب أعواماً ؟
ضحكت  بخبث وقالت : أيلول يأتي مرة كل عام.
ولكنه أتى هذا العام مرتين ! مرتين أتى هذا العام .
بالأمس كنت أستلقي في حضن القمر .. تداعبني أنواره .. يناجيني طيفك .. ويطول بيَّ السهر ..
 لكنهم اليوم صلبوا القمر خلف الجدار .. وأطبقوا على أنواره فكيِّ الحصار .
وضوء الشمعة بات يخيفني في ظلمة الليل .. يخيل إلي أنَّ طيفك الملائكي أصبح شبحاً  طويلاً  يلاحق ذيل ليلي .. يبرز إليَّ أنيابه .. وعيناه يقدح منها الشرر .. أحاول أن أفرَّ من قبضته .. لكن ..
 لا .. لا تقلها .. أنا لم أخدعك .. لم أخدع  أحداً ..
كثيرة الشك أنا .. نعم .. لكنني لم أخدعك ..
 لم أرسل حروفي .. نعم .. لكني لم أخدعك .
هو الحصار ..
هو الحصار ..
وأنا وأنتَ وهذا القمر الحزين نرزح تحت نيرهذا الحصار .













وردة لأمي




 وردة لأمي
حلم طويل جمعني بك الليلة .. لم يكن جميلاً أبداً ، وكان غريب الوقع على النفس المشتاقة إليك على مدار الأيام .. جريت فيه طِوال الحلم وحدي .. كنتُ أركض فيه في طرق متشعبة وملتوية تضيق شيئاً فشيئاً حتى تكاد تطبق على قفصي الصدري .
 في الجانب المظلم من الحلم كُنتُ أتأرجح بين فواصل المشقة ونقاط التعب .. وفي الجانب المنير كنت أنتِ ، تمدين إليَّ يدك ولكن عن بعد ِ .. وكان هناك حديث مطول بينا ، يتيه لبعض الوقت ثم يظهر .. لم ينتهِ الحديث ولكنه للأسف أيضاً ربما لم يبدأ .
اختلفنا في الحلم  مع أننا لم نختلف في يومِ .. قلتِ كثيراً ولم أسمع ، وقلت أكثر ولم يصلك .. بقيتِ في مكانك وبقيتُ في مكاني وتفصلنا شوارع من العتمة .
كنت بحاجة لرضاك .. لبسمتك .. ضحكتك .. هدوء ملامحك .. طيب نصحك .. دفء نظراتك .. رنة صوتك  .. كلَّ ما كان يشكلُّ بالنسبة إليَّ أمي .
لم أرَ في الحلم إلا أمواجاً  تتقاذفني من القلق .. وصوتك يأتيني محاولاً أن يفسح إليَّ بعض الطريق ، لكني لم أسمع منه شيئاً .. كنتُ غارقة في تفاصيل الهرب .
كل ما أتذكره أنني في نهاية الحلم قررت أن أحمل إليك وردة .. وأن أطلب منك الصفح والغفران عن كل ما بدرَّ مني في الحلم .. وما تسَبَبت فيه براكين قلقي وهلعي .. ولكنني تذكرت في نهاية الحلم أنك رحلت عنا .. وحاولت أن أتذكر أكثر هل رحلتِ فعلاً ؟ وهل رحلتِ قبل أن أبدأ هذا الحلم الشقيُّ ، وأنني لم أتعبك فعلاً ، وكان مجرد حلم فحسب ؟
أياً كان ، فأنا قررت أن أحمل إليك وردة ، وأن أقبِّلك من بين عينيك ، وأطلب الصفح والمغفرة ، فاقبلي وردتي  يا أم ، وانسي كل ما كان في الحلم .