ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الاثنين، 1 ديسمبر، 2014

لقاء الخريف



لقاء الخريف
(1)
أتى الخريف في موعده , كنت في انتظاره , أنا , وقهوته المعتادة , وبعض جرائد الصباح المنثورة بعشوائية على مائدة اللقاء .
حيَّاني الخريف وفي عينيه ألف سؤال , وأكثر من نظرة عتاب :  لماذا لم يخرجوا لاستقبالي ؟
أجبت بنبرة منخفضة تحاول جهدها أن ترتفع قليلاً , وكأنها لم تصفع بالسؤال , وبنظرات العتاب : أتيت أنا , ألا يكفي حضوري يا خريف , وتابعتُ قبل أن يكرر على مسامعي نفس السؤال ,  قلت بنبرة فيها حسُّ المزاح : أنتَ يا خريف تعلم جيداً أنك حين تأتي تمتد الأرض طولاً وعرضاً حتى تكاد ترى كل شيءٍ أصبح أرضاً , وترتفع السماء قليلاً , قليلاً , حتى أنك تظن أن السماء قد رفعت يدَّها عن الأرض , وأعلنت تخلِّيها الكامل عنها للخريف  , وتسليمها إليه تسليم اليد !
وحين لمحتُ في عينيه بعض الاهتمام أدركت أنني في المسار الصحيح فأتممت : والدراسة فتحت أبوابها من جديد فاحتضنت أبناءها , وأخذتهم بين ذراعيها , وأنتَ يا خريف تعلم كل العلم أنَّ أبناءها هم من يهبُّون عادة لاستقبالك , وتزيين الشوارع , والمنصات , وفرد المساحات الحمراء والخضراء , وإطلاق البالونات الملونة في الهواء  , وكل ما يتبع من طقوس الاحتفالات .
يبدو أن الجزء الأخير من إجابتي لم يرق للخريف فهزَّ رأسه دون اكتراث , ثم نظر في عينيَّ , وأردف متسائلاً .. وبقية القوم أينهم ؟


(2)

تلعثمت , ولم أدرِ بمَ أجبه ؟
 هل أقول له أن قومي لا يحبُّون الخريف .. بل ويشعرون أنه كارثة ثلاثية الأبعاد !
 هل أقول له أن النساء في قبيلتي تختفي من وجه الخريف كما تختفي من وجه الشيطان , متشائمة من حضوره الذي ينذرها وربما يهددها بكهولة مبكرة !
وأن أسياد القوم لا يحبذون مخالطة الخريف كثيراً , والخوض معه في أحاديثٍ لا تروق لهم على بال , لأنهم يستشعرون أن الخريف يقصف أجل أحلامهم , ويبدد الكثير من آمالهم مع عواصفه التي تهبُّ دونما سابق إنذار أو ميعاد .
هل أخبره أن قومي جميعهم من الكبير إلى الصغير صرَّحوا لي , وشددوا , على أن ألتقي الخريف على مائدة بعيدة عن حدائقهم , لا يريدون أن يعكروا صفاء أعينهم بأوراق الأشجار الأيلة للتساقط وهي تهبط صفراء , مهترئة , ساكنة , مستسلمة ليد الغدر ..
 يد الخريف .
قاطعني فجأة .. أخرجني من صمتي وذهولي : أما زال قومك من أنصار الربيع .. أما يزالون يرفعون رايات الربيع , ويهللون لقدومه .. أما يزالون يثقون أن الربيع يهديَّهم الورود الحمراء , وقصائد الغزل ؟
الربيع يا صديقتي غدر بهم , وهم ما يزالون على العهد والولاء له , ويتنكرون لي , ويصفونني بأنني أنا ذلك السفاح , مصاص الدماء ,  " الدراكولا " ! وأنا الذي شاهدت بأمِّ عيني أنهار الدماء تسيل من ربيع إلى آخر , حتى أن الشمس اشتكتهم إليَّ في آخر لقاء .. الشمس اشتكت بطش الربيع وتجبره .. وقالت بالحرف الواحد : الربيع تطاول جداً على بني البشر , قصف أعمار أزهارهم قبل أن تتفتح في حدائق العين , و كان شحيحاً في كل شيء ..  إلا في آبار الدمار , فلقد حفر بئراً في حديقة  كل بيت .
سكتُّ .. لم أعرف بماذا أجبه .. فاجئني  بكل ما يعرفه , وأكاد أن أخفيه , وغير مجرى الحديث الذي كنت قد أعددته له .

(3)

نظر إليَّ بحنان مفاجىء وقال : أنتِ لا ذنبَ لك .. أنتِ يا صديقتي بلا أدنى شكٍ تكفين .. حضورك الملائكي يكفي .. ورود استقبالك تكفي .. رحيق كلامك يكفي .. كل شيء منك يكفي ويكفي .. فتعالي إليَّ .. دعينا نشرب أحاديث القهوة معاً .. ثم أقرأ من بعدها عينيك .
تنفست الصعداء أنني خرجت من هذا المأزق بسلام , على الرغم من أنني كنت أثق برجاحة عقل الخريف , وسعة صدره , وأنه لن يقف عند مسائل بسيطة , ويترك حضوري الأكثر أهمية يمرُّ دون أن يقبِّله من بين عينيه , ويتصفح عناوين الأخبار من مقلتيه , ويسمع أعذب الألحان من بين شفتيه , ويغني ملء صوته  كما اعتاد في كل خريف على موائد اللقاء .
بدأت مشوار التذمر والشكوى , ألقيت برأسي على صدره , وأغرقته بدموع اختلط فيها الصدق مع الكذب !
الخريف وحده من يسمح لي بالكذب أحياناً  , كي أبوح له بكل ما يعتمل في قلبي من عواصف , وبراكين ثائرة , وينتزع هو بمهارة الحاوي الحروف الملتوية  كما تُنتزع من العجينة الشعرة ,
 دون أن أشعر أنا , أو يشعرني هو كم بُحت إليه بحديثٍ كذب !
قلتُ  , كما كل خريف أقول , وأتذمر , وأطيل في الشكوى , وحيدة أنا , هجرني قومي , وهجرتهم , وأنني أمضيت الوقت , أعدُّ الساعات بانتظار أن يلوح إليَّ الخريف بيده , وها قد أتيت قبل الوقتِ بوقتٍ طويل لأنمق الجلسة , وأنني وضعت له ركوة القهوة قبل الفجر بدهر , لكنَّه البرد آخذ معه كل أبخرة القهوة , وأنني أرسمه  كل صباح في دفتر الرسم , وأعرض لوحاتي على المارة , لكنهم يمرُّون عنها كأنها غير مرئية لهم , أوكأنني أنا التي لا أرى .
قلت كثيراً .. كثيراً .. وكان الخريف يصغي إليَّ مستمعاً .. لا يقاطع حديثي أبداً .. لكنَّه كان يخرج منديله بين الفينة والأخرى ليمسح الدمع المنكسب بغزارة المطر  ,  قبل أن يخربش الكحل معالم وجهي , فأبدو كلوحة تاهت فيها ريشة رسام فلم تعد تدري أهيَّ أرض أم بقايا حطب ؟

(4)
قلتُ فيما قلت .. لم يزرني أحد .. أمضيتُ الصيف وحيدة أتسلق جبال الوحدة , وأعدُّ الصخور التي من حولي , وأنه قد ينبت الزهر في الصخر لو أطلت المكوث والعدَّ .
قلتُ فيما قلت أيضاً أنَّ الرفاق قد رحلوا .. بعضهم هاجر , وبعضهم انتقل إلى الضفة الأخرى من الحياة , وبعضهم اعتكف في صومعة الصمت , وبعضهم غلَّف نفسه بأوراق النسيان .
وأنَّ الطيور التي كانت تقيم في العش المجاور رحلت .. وأنَّ ديك الجوار الذي كان يوقظني صوته كل صباح قد أصابه الخرس , وينتظر الذبح في أول ربيع قادم .. وأنَّ القطة المشاغبة التي كانت تمزق أوراق الورد أصابتها شيخوخة مبكرة , فذبلت الوردة قبل أن تُقِّطع أوراقها في لعبتها المفضلة يحبني أولا يحبني!
قلت كثيراً , صدقاً وكذباً , بكيت على صدر الخريف كما لم أبكِ قط .. ثم رفعت عينيَّ الممتلئة بالدموع إلى عينيه فوجدتها باسمة , ممتلئة بالحب , والدفء , والحنان , ففهمت على الفور أنه يريدني أن أكمل كذبي , وصِدقي , وبكائي , وأن أبقي رأسي متكئة على صدره إلى أن أنتهي من حديثي , أو يملَّ هو من كذبي .

(5)

قال وهو يرفع ناظريه نحو السماء , ثم يميل قليلاً بنظراته نحوي : كل خريفٍ تشتكي من ذات الوحدة .. يبدو أنك يا صغيرتي لا تتعلمين من الحياة دروساً حقيقية .. أنا وقبل أن تبدئي حديثك الشجي هذا كنت مثلك ممتعضاً من قومك الذين خذلوا قدومي , ولم يأتوا للترحيب بيَّ , ولكنِّي سرعان ما نفضت الفكرة من رأسي , ليس لأنَّ حضورك وحده يكفيني فقط , بل لأن حضورهم لم يعد أبداً يعنيني .
في الحياة أيتها الصديقة الوفية الكثير من المتغيرات .. ربما تلحظينها في الطبيعة , وفي حالة الطقس , وتلمسينها في أوراق الشجر , ونمو الزرع في مفاصل الصخر , وتغير مسار الريح ومجرى النهر , ولكن هناك من المتغيرات الكثير والعديد , ولكنك لا تلمسينها لأنك لا تريدين ذلك , وهي التغيرات التي تعتري سلوك بني البشر !

(6)

هنالك من أصبحت قلوبهم أقسى من الصخر , وهناك من تلونت أمزجتهم , وتقلبت أراؤهم , وماتت ضمائرهم , وتضخمت قوى الشر في نفوسهم , ومنهم من أهدى روحه إلى الشيطان , ومنهم من استعار من الشيطان عباءته وقرنيه , فأصبح لديه قرنان ينطح بهم أفئدة أحبته .
لا تحدثيني عن قسوة البشر , ولا تقارني حديثي عنهم بحديثي عن قسوة الصخر ، فالصخر خلق ليكون صخراً , صلباً , قاسياً , ولو كان هشاً لانتفت عنه صفة الصخر !
 بينما الماء خلق ليكون صافياً , رقراقاً , عذباً , سلسبيلاً , وإلا لأصبح ماء الموت , وليس ماء الحياة والعين .
والجبال الشاهقات خلقت متعرجة ليسهل صعودها ووصول القمم , ولو كانت سهلة , منبسطة , لما ارتفع البشر عن سطح الأرض !
هذا الحال يا صغيرتي لا ينطبق على بني البشر . فالبشر أصبحوا قساة القلوب , بل أقسى من الصخر . ضمائرهم , أفئدتهم , أحاسيسهم ، أحاديثهم .. كلها  ملتوية , متعرجة  ..أكثر من الجبال الشاهقات القمم , ونفوسهم مالحة أكثر من مياه البحار , ورؤاهم شحيحة كأمطار الصيف على الأراضي المقفرة , وعقولهم جدباء كأشجار الزينة .. جميلة نعم لكنها غير مثمرة .
وأكثر من ذلك بكثير .. فهؤلاء قوم لا يُعتب عليهم , ولا يؤخذ منهم عنبٌ .. بعد طول العتب !

(7)
وقلبي يا أيها الخريف , قلبي اليافع كيف له لكل هذه المتغيرات أن يفهم ؟
قلبي لا يريد الكثير , ولا يريد المستحيل , يريد أن يفتح نوافذ النهار على شمس ذهبية , وليس على شمس كالحة .. يريد أن يسمع زقزقات العصافير , وليس صوت نواحها , يريد مصافحة أوراق الورد , وليس وخز أشواكها  .. يريد أن يقبِّل الياسمين من بين عينيه , وليس أن يضمد عينيَّ الياسمين بعد أن أصيبت بمقتل , يريد أن يجمع حبات اللؤلؤ عن شاطىء البحر , وليس طلقات المسدس ..  يريد أن يرسم خريطة قلبه على فنجان القهوة , ثم يتَّبع أثره .. ولا يريد أن يرسم فخاً لصديقٍ , ثم يتقبل فيه العزاء !
(8)
أنا أيها الخريف دائمة التذمرِّ والشكوى ولكني لا أفتعل أحداثاً وأخلق قصصاً من العدم ..
رأيتهم بأم عيني يشنقون الورود على أعواد الربيع , ثم يصلون عليه صلاة الجنازة .. رأيتهم يكسرون ألواح الطباشير , ويمزقون أوراق المستقبل , ويكتبون عناوين غريبة على دفاتر الإنشاء , والتاريخ , والفلك .. إنهم يغيرون شارات المرور , وشارات العبور , وشارات الدخول إلى الجنة أو إلى جهنم .
أنا كثيرة التذمر ولكني لا أقلب الحقائق ,هيَّ الحقائق أصبحت مقلوبة رأساً على عقب .. المفاهيم أصبحت تحتمل أكثر من معنى , وفيها أكثر من قول , وأكثر من مبنى .. والمبادىء أصبحت كالبضاعة الكاسدة في سوق العرض والطلب لكنها لا يرتفع ثمنها أبداً .. حتى في عالم الأرقام كل شيء تضخم وواحد زائد واحد أصبحت تحتمل الكثير من الأرقام والكثير من الأجوبة .. ومفردات العصر جديدة جداً من فقيد إلى شهيد , ومن عميل إلى عميد ,  ومن مراتب في الجنان إلى مقابر تحت الأرض ..  وأصبح من يحاسب العباد عبداً لا حول له ولا قوة , ورصيده من زبانية جهنم ما ليس له عدٌّ أو حصرُ .



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.