ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الجمعة، 31 أكتوبر 2014

أسرار صغيرة

أسرار صغيرة
إلى روح الشاعر الرمز " محمود درويش " .
أتيت إلى هنا .. إلى حيث كنتَ ترتشف قهوتك المرَّة على سفوح الكرمل .. وكعادتي حين تهاجمني رياح الشوق إلى حديثٍ مطول معك .. آتي إلى هنا .. وفي جعبتي الكثير من البكاء .. وبعض الكلام الممنوع من الصرف !
بعضُ الغيَّاب عادوا  من غيابٍ طويل ..
والبعض يغادر دون أن تعرف إلى أين وجهته .. وإلى أيِّ زمان أصبح الآن  ينتمي !
وحدك من لا يغادر .. ويبقى حياً في القلوب .. يشرب من عين الصباح .. ويُسقي بيمينه عكا وحيفا والكرمل وصفد .
القهوة اليوم ..  في هذا الفضاء الذي يحتوي روحك في بيت من بيوت  القصيد .. أصبحت بطعم الحنظل .. القهوة اليوم  تفتقد إلى سكر حديثك .. تفتقد إلى شهد الكلام .. فليس سواه المرار يغمر حياتنا .. كما تغمر الثلوج قمم الجبال .
نحن الآن في حالٍ لا يسرُّ الحبيب .. ولا يغيظ العدا .. نحن نمرُّ بحقبةٍ  زمنيةٍ  دخيلة على تاريخنا ..
نُخدع  في كل يومٍ  ألف مرة .. ولكن ليس لذكاء المخادع .. بل لغباء في سعة مداركنا !
نصدق الآخر .. الآخر الذي بنيَّ .. وتشكلَّ من الكذب .. والمراوغة .. ونقول لأنفسنا .. ونوهمها .. أنه
شبع كذباً .. وأنه لا بد أن يعود إلى المسار الصحيح .. فنفاجأ بأن أفكارنا وكلماتنا قد نصبت للتوِّ على أعواد المشانق !
الكلُّ يكذب .. اليوم الكلُّ يكذب .. الصغير والكبير يكذب .. الكلُّ يكذب .. لكن كذب ينمُّ عن غباءٍ  كبير..
أيام الذكاء .. والدهاء .. والخداع المبطن .. ولَّت إلى غير رجعة .. كل شيء أصبح على المكشوف .. ومع ذلك نخدع كل يوم ألف مرة !
من أين أتانا كل هذا الغباء .. وفي أيِّ دهر احتلنا .. ونحن لم نكن نعي أننا محتلون إلا  من عدو واحد ؟!
اكتشفنا اليوم .. وبالصدفة المحضة .. أننا محتلون من هذا الغباء الذي أخذ يتكاثر .. وينمو ..  ويكبر أكثر بكثير من أشجار الزيتون في بلادنا .
هل تذكر أشجار الزيتون بكرمها .. وبهائها .. وعظمتها .. اليوم بدأت تظهر إلى جانبها أشجار غباءنا !
كيف ضحك علينا الآخر .. ونال منا كل هذا ؟
كيف ترعرعت السذاجة في عقولنا وأفكارنا .. وانتشرت كما تنتشر النار في الهشيم ..  ثم تسللت  إلى جيناتنا .. وأصبحت من الصفات المكتسبة .. بل وأخذنا نورثها جيلاً بعد جيل !
أتذكر كم ركضنا في رياض المدارس ..  وحرم الجامعات .. وكم خبئنا من الكتب  تحت المعاطف .. وداخل الجيوب .. خوفاً من عيون الظلم  ..
هم اليوم يخبئون الرغيف  !
فالجوع قد احتل البلد ..  والويل لأمة تكالبت عليها شتى صنوف الظلم والقهر ..  فنسيت عدوها الأوحد .. الذي تفشى كالسرطان في الكبد  !

وعكا .. لن أكلمك عن عكا أو الكرمل أو صفد ..  فأنت أدرى الناس بهم .. وكيف مزقوا جدائلهم العربية  .. ووزعوها على الغرباء .. وما لبى نداءهم أحد .. وما التفت إليهم من ملتفت .

لو بقيت معنا إلى اليوم لرأيت كم سيفٌ سيشهر في وجهك .. ويطالبك بالرحيل عن كل معتقد ..
وما أكثر السيوف التي تدك خاصرة الوطن الكبير اليوم .. سيوف التطرف .. والتشهير .. والتكفير .. والتعريب .. والتغريب .. ......
هو أيضاً مزقوا جدائله كما جدائل عكا والجليل والأقصى وأبواب القدس السبع  ..
ولكن جدائله لم تعطَ للغريب .. بل ألقوا بها إلى هامش التاريخ .. فلن تفيد أحداً ..
هذا التاريخ الطويل العريض المشع البراق الذي طالما غنيته في أشعارك .. محوه .. مزقوه .. زيفوه ..
نالوا منه .. ووضعوا عوضاً عنه تاريخاً آخر .. غير مقروء .. غير مفهوم .. غير منتمي لأحد .
نحن اليوم يا محمود  لم نعد نخبىء الكتب داخل معاطفنا .. بل أصبحنا نخبىء كسرة الخبز!

الجمعة، 24 أكتوبر 2014

بوابات الانتظار





بوابات الانتظار
إلى الراحل , الساكن فينا  " الشاعر طلعت سقيرق "
أنا ما عرفتُ الانتظار يوماً إلا على بوابات القدس . أنا ما أغراني الانتظار في يوم , ولا اشتهيته , ولكنه جسر العودة جعلني بطيئة الخطا , حتى لا تقع أقدامي الصغيرة  في نهر الأحزان , فتضيع مني خطواتي , التي هي وحدها من تعرف سرُّ الطريق إلى بيتي هناك .
أنتَ , في غيابك الذي أمضغه على مضض , لأنه لا صباح له أنشره فيه على حبال الشمس , فيستلقي الوجع في دفءٍ , وتتسرب منه خيوط الوهن التي أثقلته , فيعود رشيقاً , زهو الخطوات , خفيفاً من الألم , فأبقى ألوك الوجع بين أضراسي , أخشى أن أبتلعه فيفقد بعضاً من ملامحه الثائرة , وأخشى أن أبقيه فأفقد ما تبقى لي من أسلحة أواجه فيها نفاد الصبر .
غِبتَ , وتركت حيفا في الغياب تنتظر .
 حيفا تنتظر الشاعر الذي كان يرسل القوافي مع إحدى الغيمات  المسافرة إليها  كل صباح , فتعود إليه في المساء ممتلئة برائحة حيفا , وجدائل حيفا , وسحر حيفا , فينظم فيها ما يشاء من ورد القصيد , ويسدله على آخر الأشجار المغادرة إلى حيفا , ويودعها قبلاته الحارة , وبعضاً من وصاياه الأخيرة , أن ابقي حيفا على أكفِّ الانتظار , ولا ترحلي مع الغريب ,
 لا ترحلي  .
وجسر العودة ينتظر , ينتظر خطواتٍ ما عادت تمشي فوقه بخوف ووجل , وما عادت تنتظر بلهفة الطفلة باب العودة أن يُشرع , فتطل منه القدس بكامل هيبتها وأناقتها , وتطل مآذنها , وكنائسها , وشوارعها العتيقة , وأبواب كانت هيَّ متاحفَ للبصر , وملاذاً للبشر , فتهمس بأذن الرسل .. إليكم , وعليكم ,
مني ألف سلمٍ وسلام .
وكرم الزيتون في الحقل المجاور لخيمة العودة , كان ينتظر أيادٍ حنونة , تداعبه برفق , وتضعه في الحضن , وتدعو له بالبركة , وبعد أن طال انتظاره , أخذ يتساقط مضرجاً بدمائه كالقتلى , ويتسابق كالفاتحين في مرمى الموت , فلا يجد من يقرأ عليه سورة الفاتحة , أو يلثم جبينه عند الشهادة , ويدعو له بالثواب والمغفرة .
وبقاع طاهرة ما دُنس ثوبها إلا من نعال العابرين , وما كفَّت يوماً عن الانتظار , صلبت على مواعيدٍ وهمية , زرعت منذ النكبة الأولى على شرفات الأحداق , بأننا عائدون , وهذا المفتاح علينا وعليهم يشهد , وهي للآن تحلم بالقادمين من الأفق اللازوردي ,  والهابطين من سابع السماء , كي يرفعوا أشباح الليل عن أحلامها ,
وبقيت إلى الآن مصلوبة على أعواد الانتظار !
الانتظار فنجان الحياة  , مرُّ المذاق , حلو المذاق , بنفس الآن , من يلعق مذاقه الحلو , مع مذاقه  المرِّ , يتعلم فنون الصبر على الأوجاع , ويتعلم فن الإبحار دون سفينة في عرض البحر , ويتعلم فن السباحة ضد الأمواج العاتية ,  ويتعلم فن التمرد , وكيف يكون النغم  " لا "  , فنرفعها  شعاراً فوق رؤوسنا , ونكتبها بالدم على الجباه , ولا نستبدلها مهما نهشتنا مخالب غريبة , أو لطمتنا أياد الغدر والطغيان .
لن أقلق نومك الهانئ أكثر .. فحالنا اليوم أشبه بحال المحتضر , ولكن بلا موت يسعفه , وأخشى أننا سنخرج فيما بعد  جماعات غفيرة  إلى الصلاة ,  صلاة الاستسقاء طبعاً , نستسقي الموت ونتوسله أن يهبط إلينا , فالمطر كثير جداً , ولكن لا حاجة لمحتضر بالموت إلى الماء ,  الموت أصبح مطر هذه الأيام , الموت أصبح مطر هذه الحياة .




الأربعاء، 15 أكتوبر 2014

يسألني الخريف

يسألني الخريف
يسألني عنك الخريف .. تسألني ركوة القهوة .. محبرة الحروف .. وبعض الأوراق المتناثرة على سطح المكان .. تسألني ذكريات طويلة جمعتنا على مرِّ السنين والأيام .. وصور غابت عن العين .. وبقيت تئن في طيات الوجدان .. يسألني عنك الغيم والمطر  وأوراق الخريف وعناقيد تدلت من شرفات النسيان .
لماذا يتواجد الحزن على موائدنا .. ويتناول طعامه في أطباقنا .. من شرع للحزن باباً يدخل منه إلى صباحاتنا .. من قال بأن الحزن ضيف مرغوب فيه .. يرتدي من ثيابنا .. يقرأ معنا الجريدة .. يخربش على صفحات الكتب القديمة .. ويكتب باليد اليسرى على الجدران .. وينغمس في ملامحنا إلى أن يصبح شبيهاً لنا .. أو لبعض الصور الكالحة منا  ؟
لا يفرحني كل هذا الغياب .. وجودك الغائب يستفزُّ جنوني .. كيف تتنحى الهامات الكبيرة .. وتركن الحروف إلى رصيف عابر .. يجهل خطانا ..لا يميز وقع أقدام الغريب  من وقع أقدامنا .. كيف نصبح نكرة في ثياب مجهولة وعلى جبيننا ألف عنوان ؟
 أيُّ البلاد هيَّ بلدي .. وأي الأوطان هو وطني .. وعائلتي .. ومدرستي .. وأول قصيدة حب .. وأول لفافة رسالة سربتها من عقب الباب .. وعناوين الفلسفة .. وكتب المنطق والإحصاء .. كيف غابت كلها .. وحلَّت حروف الفوضى في كل مكان ؟
فنجان القهوة الذي لا يقبل إلا أنت .. ولا يقبلُّ إلا شفتيك .. ولوحات بعرض الحائط كانت لا تملُّ من النظر إليك .. وتشتاق بلوعة المحب أن تمرَّ أناملك عليها بخفة العاشق فترسم قبلة عذراء .
ونمضي بعيداً عنك .. نحتسي رشفة مرَّة من فناجين الأيام .. ونكتب ما يطول شرحه .. ويستعصي فهمه على القراءة والقراء .. ونقول بملء التحدي .. أنا ما أزال موجوداً .. رغم أنف الظلام  .
 أنا  مثلك يا وطن حاضر وغائب بنفس الآن .. حاضر على الورق .. على الخريطة .. على أجندة الذكريات .. وغائب غارق في البحث عنك .. عن آخر عنوان لك .. وأين كانت آخر خيمة تتقبل فيها العزاء .. وهل صادرت هويتك آخر ريح هوجاء هبَّت على البلاد ..  أم بقيت كما أنت .. أقدامك في المنفى وجبينك يعانق السماء !
 أين أنت يا وطن .. دلني على الطريق إليك .. فلقد تُهت كثيراً وأنا أبحث لك عن عنوان !
 والخريف لا ينفك يسألني عن ركوة القهوة والمحبرة والأوراق وزنزانة قديمة رميت فيها كل ذكرياتي ليسهل عليَّ خلفك الترحال ..

يسألني الخريف عنك .. فبماذا أجبه .. وهل لك اليوم أيُّ عنوان ؟

الاثنين، 6 أكتوبر 2014

تمرُّ الأعوام

تمرٌّ الأعوام
في ذكرى رحيل الوالد  
ويستمر الاشتياق .. تستمر قوافل الاشتياق بغزو قلبي صباح مساء .. تأتي الأعياد تنقصها نكهة الأعياد .. ينقصها وجودك .. تنقصها مباركتك .. تنقصها تهنئتك بالعيد .
حلوى العيد  التي أصبحت لا يقترب منها أحد .. فنجان قهوتك المرة .. مسبحتك التي تداعبها أناملك المرتجفة من خشية الرحمن .. بَّحة صوتك التي كانت تملأ المكان أنساً ودفئاً وضياء .. كلماتك القليلة التي كانت كعناقيد الذهب تزين الرأس كالتيجان .. وضحكتك التي كانت تمزق أغشية الفضاء وأنت تداعب الصغار  يملؤك الفرح , وعيناك يفيض منهما الشكر لله .
وأكثر من هذا بكثير يا أبي أتذكره اليوم في الذكرى الثالثة للرحيل .. بل وأتذكر الأكثر مرارة في زمن أصبح العلقم فيه شهدنا , والتجبر والقسوة  من ملامح بني البشر .
القدس يا أبي أصبحت بعيدة .. بعيدة جداً .. كل يوم تغرق في براثن التهويد .. والأقصى يا أبي الذي أمضيت العمر في انتظار أن يعود لتقدسَّ فيه حجتك أصبح بعيداً .. بعيداً عن اليد والنظر .
كم قلت لهم سيغضب أبي .. سيحزن أبي .. سيُقهر أبي .. لو مسَّ الأقصى شرٌّ .. لكنَّهم الأخوة يا أبي كجبال الثلج .. أصابهم التصدع .. أصابهم السكون المخيب للرجاء .. أصابهم العطب والصمم .
والأقصى لم يعد كسابق عهدك به .. لم يعد يستغيث .. الأقصى تخلى عن الاستغاثة .. الأقصى يقف على قدميه وحيداً , وسيف الظلم يبتر من أحشائه قطعة , قطعة .. والأخوة تماثيل جريحة .. لا يهتزُّ لهم رمش في جفن .
وماذا أقول يا أبي أكثر .. لم يكفني فقدك .. بل أنا أفقد ما كان غالياً عليك كثيراً أيضاً .. بدأت أفقد الوعد بالعودة .. حتى فستان العودة لن يأتي .. فأنت من وعد بفستان العودة وأنت رحلت , وأنا كبرت , وجدائلي غزاها الشيب , ودميتي مزقتها الريح  , ولكنني واقفة يا أبي على أبواب العودة .. معي الأخوة المرابطين .. الذين ما يزالون على العهد .. الذين ما زالوا يستنشقون أكسجين الحياة من رئتي الأقصى .. هم معي .. ننتظر جميعنا العودة  , وبيدنا مفتاح العودة كما سلمتني إياه يا أبي .. يلمع ويبرق في قلبي وعقلي ووجداني , وفي وجدان كل الصغار .. أحفادك يا أبي ..

نم قرير العين يا أبي فالعودة ما تزال رايتنا إلى أن تعود فلسطين , وتعود لنا شجرة الليمون في القدس , وصلاتك التي بقيت هناك تنتظر في باحات الأقصى , وألف رحمة ونور تتنزل على روحك الطاهرة .