ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الأحد، 11 مايو، 2014

من حكايات الربيع .. سمك مشوي !

من حكايات الربيع
سمك مشوي !
رنَّ جرس الباب , استغربت من ذلك ,  فجميع أفراد الأسرة في المنزل , في هذا الوقت , فمن يكون الطارق ؟
وضعت عباءة الرأس , وفتحت البوابة , ولكني لم أجد أحداً .. تلفتُّ حولي فوجدت رجلاً يجرُّ عربة  قادماَ نحوي .. حين أقبل أشار إلى صندوق أبيض مغطى على العربة .. قلت له بلغة لا هي عربية  , ولا إنجليزية , ولا هي من شارات الصمَّ والبكم , افتحه .. فهم عليَّ على الفور , وفتح الصندوق , فوجدت فيه سمكاً صغيراً  شهيُّ المنظر , برتقالي اللون , تضحك عيونه وكأنه لا يزال على قيد الحياة , يبدو عليه أنه أخرج للتو من مياه البحر !
تذكرت صغيرتي قبل أيام قالت لي أنها تشتهي أكلة سمك مشوي على الفحم ,  فقلت في نفسي " جاءت على رجليها "
قلت له : ضع لي ثلاثة كيلو من السمك , نظر إليَّ باستهجان , لأن العدد قليل جداً , قلت له ضعهم وإلا سأغير رأيي ,  فأنا لا أفهم لغة السمك , ولا أتناوله إلا ما ندر , فوافق على مضض , ثم أردفت , ونظفهم جيداً فأنا أريدهم الآن للطبخ !
أخذت منه السمك وأنا يملأني الحبور .. في منزلنا سمك طازج قادم من البحر الآن  !
درت به على جميع أفراد الأسرة .. منهم من صفق بحرارة , ومنهم من صفرَّ من الفرحة ,  ومنهم من قال بابتهاج شديد  " يسعد الله " , ولكن الكل أجمع على أننا نريد أكلة سمك مشوي على الفحم .
قلت : في الغد يا أسرتي الجميلة , نجتمع في موعد السهرة , وأعد لكم سمكاً مشوياً على الفحم لن تنسوه طوال حياتكم .
نام الجميع يحلم بالسمك .. أما أنا فحاولت أن أعثر على وصفة جيدة من الإنترنت لأحصل على أشهى طبق سمك , ولكن الوقت كان يطير من بين يدي كالبرق , فوعدت نفسي في الصباح , وبعد أن أعود من عيادة الطبيب , سوف أبحث عن وصفة جيدة ,  وأطبقها بالحرف الواحد , لتشهد نجاحاً لا مثيل له .
رآني الطبيب , قال بأن الحل يكمن في الحقن , وأن عليه أن يحقنني إبرتين في كل مفصل من مفاصل الرسغ حتى نحلَّ مشكلة الألم , ووافقت مضطرة , وعلى مضض أيضاً , وبعد أن حقنني بهما , قال لي بالحرف الواحد :  اليوم .. لا تفعلي شيئاً بيديك .. اليوم راحة .. لأجل أن يسري مفعول الإبر في يديك على الوجه الأمثل .. نظرت إليه باستغراب , ففهم على الفور , وقال المطاعم في هذا البلد كثيرة , دعيهم اليوم يأكلون من إحدى المطاعم .
عدت إلى المنزل وفي نيتي تأجيل طبق السمك إلى إشعار آخر , لكن ابنتي الكبرى تبرعت بإعداد السمك ,  وقامت بالفعل بذلك , لأجل أن نحظى بوجبة سمك شهية  , وفي موعدها .

عند المساء رنَّ جرس الباب مرة أخرى , فتحت الباب , فإذ به المسؤول عن صيانة أفران الغاز , قلت له أنني أشم رائحة غاز تتسرب من الفرن , وهو مغلق , ربما الأنابيب بحاجة إلى تبديل .
فاجأني بالرد أن العيب ليس من الأنابيب , بل ربما يكون من فرن الغاز نفسه , وأنَّ عليه أن يأخذ الفرن  معه إلى محل التصليح , فقلت لا يمكنك ذلك اليوم , لديَّ عشاء , قال بالحرف الواحد : " مدام سآخذ الفرن يعني سآخذه , أنا لا آتي مشواراً  كهذا وأعود منه فارغ اليدين , ثم إنها مسألة خطيرة جداً , وأشار إلى ساعديه ليريني كيف احترق شعر ساعديه بينما كان يهم بإشعال أحد أفران الغاز وذلك لأنها كانت تعاني من  تسريب للغاز .
 خفت , خفت جداً .. لكنِّي أحتاج الفرن في المساء , لإعداد السمك المشوي , فرفضت !
في السهرة قلت لأسرتي المنتظرة على أحر من الجمر , سأريكم طريقة إعداد الفحم الجديدة , لأنني وحدي من يعرفها  ويتقنها , ووافق الجميع على مضض لإنقاذ مشروع السمك المشوي .
أحضرت الفحم ووضعته على أكبر عين من عيون الغاز , ولم أفكر ساعتها إلا بإشعال الفحم .. الكل استنكر هذا الإجرام , لكنِّي قلت لهم , بل وأصريَّت على أنها أفضل طريقة للشي .. وقمنا بنقل الجمر المشتعل إلى الكانون في الخارج , ولكني تفاجأت بأن "  الفلتر " الموضوع فوق فرن الغاز قد لحق به الضرر , وانهارت شاشته على الفور,  فخفت من حريق كبير .. أطفأت الغاز على الفور , وقلت في الصباح أنظر في أمره .
جهز السمك بعد جهد وعناء , وتناولنا العشاء والكل سعيد وراضٍ كل الرضى , لكنِّي قلت لهم بأن أي عملية شواء في المرة القادمة ستكون في البرَّ , وليس في المنزل .
في الصباح وعدت نفسي أن أتناول قسطاً من الراحة حتى أتم علاجي على الوجه الأكمل , ومنيت نفسي بكوبٍ من القهوة مع الحليب , وعندما هممت بوضعها في " فرن الميكرويف "  تفاجأت بأنه لا يعمل !
 هوى قلبي من الخوف , فالفرن  جديد , لم يمضِ عليه في بيتنا  أكثر من شهر !
 نظرت حولي وأخذت أتفحص باقي الأجهزة الكهربائية  فوجدت أن التيار الكهربائي مقطوع عنها بالكامل , استغربت , ولكني نظرت إلى " الفلتر " وتوقعت أنه قد يكون هو السبب .
 أرسلت وراء شركة التصليح , وكان ظني في مكانه , لقد خسرت الفلتر ,  ثم نظرت إلى فرن الغاز بعد أن نظفته عاملة التنظيف وأخبرتني أنه ربما تضرر من طريقة وضع الفحم على رأس الغاز مباشرة , بالتالي احترق سطحه بعض الشيء .

نظرت حولي , وأحصيت الخسائر , وقلت في نفسي ربما كان السمك في حالة غضب , وكانت هذه هي خطاياه , أو ربما هي أخطائي في الشواء , ولكن هل تستحق أكلة سمك مشوي كل هذا العناء ؟؟؟

الثلاثاء، 6 مايو، 2014

على شرفات الذبول




على شرفات الذبول 


تمرُّ الأعوام إثر الأعوام , خالية من علامات الربيع , يقفز فيها القحط , والجدب , فيحتل كل العناوين !


وأنا وردة ذابلة في أصيص , تراود عينيِّها المثقلتين بالنعاس , أن ترفع رأسها قليلاً , نحو السماء الحبلى بالأشعار , وأناشيد الفرج , والأمل البعيد .


أفتح الحروف , أحاول أن أستنشق منها هواءً نقياً , أحاول أن أعبرَّ دهاليزها , أن أصل قلب الذكريات , أعود إلى حيث تركت مرابع الطفولة قبل ألف عام , أبحث عن ورقة قديمة تركت فيها عنواني للريح , أبحث عن قلمي المكسور , هل هو مع صديقتي في الدرج المقابل ؟


أفتح خزنتي وما تحتويه من أسرار , أجد لعبة قديمة جداً كنتُ أتسلى بها في أوقات الصبا , كان اسمها يتردد دائماً على طرف لساني , أما الآن فلم أعد أذكره , فالنسيان قد يزحف مبكراً على أوراق الورد , فيكسوها برذاذ الندى , ليصبح الماضي ليس بعيداً , لكنه ليس صافياً كالمرآة !


أمدُّ رأسي قدر المستطاع في بئر الماء , هل ما يزال يحتفظ لنا ببعض الماء , أم أنه قد جف ماؤه بعد أن هاجمه صيف قائظ , وحط رحاله عند الباب , فهربت العصافير التي كانت تتعلم فنَّ مغازلة عيون النهار ؟


وأشجار الورد , كم قالوا أنها لا تنفك تسألهم عني , لا يزال يتفتح وردها كل يوم بألوان الزهو , يبحث عني في حديقة البيت , يسأل ورد الجوار , وأنا أسافر في غربة طويلة , أقضي فيها نهاري مع الملل , ألمع أصيصاً فارغاً , وأصيصاً آخر يحوي نبتة ذابلة , وزهرة برية تراود نفسها على الانتحار !


هل يكفي أن أمنحهم بعض أنفاسي كي يبقوا على قيد الحياة , ولمن يعيش الورد , ولمن يبقى يرفرف على الغصون ؟


اقتلعته بأنانية مفرطة من الجذور , أخذته من أحضان تربته , أنزلته عن أكتاف أمه , وحملته معي , كي يؤنسني في غربتي , فذبلَّ معي , ولم نعد أنا وهو قادرين على الغناء من جديد .


قدمت له قهوة الصباح , فرفضها بأدبٍ خجول , قال الورد , لا أشرب القهوة , أعيش فقط على قطرات الحب , فهل لديك منها المزيد ؟


حتى العصافير في الخارج أصبحت شرسة , ربما لأنها تستمع إلى نشرات الأخبار المتسربة من مذياعي العتيق , لم أشأ أن أمنعها , فهذا السرُّ لم يعد خافياً على أحد !


وما أخفيه اليوم من أخبار الوطن , تفضحه إذاعات الجوار , وتفشيه بين الأحبة , والأعداء , وقطاع الطريق .


وأنا وردة ذابلة في أصيص , أراود نفسي الممتلئة بالهزائم , والمثخنة بالانكسارات , على فرصة أخيرة في البقاء , فأبحث في عيون الغد , عن بصيص أمل أكمل فيه الطريق .


أنظر في عيون الأطفال , فأراها مبهمة , غير مقروءة , فأدرك أن الحليب كان مغشوشاً , وأن الطفولة ضاعت بين جشع التجار , وفقر ذات الحال . 


شوك الصبار نبت , وتنامى على الشرفات , أقطف منه كل صباح , وأقرأ عليه تعويذات حارة , وأدعو له بطول البقاء , فالورد في الأصيص ذابل , وعلى الشرفات يتأرجح بين الجفاف , وبين الذبول .


ونشرة الأخبار تجذبُ إليها العصافير الغِرّةّ , فتصبح غريبة , شرسة , تدقُّ بمناقير الغلِّ زجاج الأيام , أخشى أن أفتح لها النوافذ , فتكون هي الأخرى قد أصبحت من رفاق السوء , لا تنعق إلا بالخراب , ولا تأتي إلا بالدمار الأكيد !


فأعود , وأحتضن الصبَّار بين ذراعيَّ , وأدعوه كي يبقى إلى جانبي , إلى أن أتجاوز هذا الذبول , وألج ربيعاً آخر ليس فيه إلا الورد والبلابل ورفاق الدحنون .