ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الاثنين، 24 فبراير 2014

علب الأيام

عُلب الأيام

اليوم أتم الثالثة والخمسين من عمره ، سحب نفساً طويلاً
من سيجارته , وأخذ رشفة عميقة من فنجان القهوة المرَّة التي أعتاد أن يشربها معظم أيام  حياته , حياته التي هو الآن بصدد فتح عُلًبِها علبةً علبة  ليتذكر ما خبأته الأيام الماضية فيها .. هذه أخر علبة ، وهاهو الآن يقطف فيها  ثمار الوحدة والفراغ .
العلبة قبل الأخيرة .. عندما كان هناك صراع قليل مع الأمل للبدء في حياته من جديد .. بعد العودة من تلك العاصمة الأوروبية الغارقة في صمتها , وسكونها حد الموت ، قضى فيها من الأعوام الطويلة ما قضى دون الوصول إلا  إلى الملل القاتل , والوحدة الفظيعة , التي كانت كل يوم تُفجِّر فكرة المغامرة بالعودة إلى أقرب نقطة إلى أرض الوطن , ومهما كلف الثمن !
العلبة ما قبل قبل الأخيرة .. ومرحلة السلام مع إسرائيل .. وها هي غزة الحبيبة القابعة على البحر تزدهر من جديد لتحتل الصدارة في أخبار العالم , ويتسابق الجميع في العودة إلى تلك الرقعة التي باتت مطمع الجميع , ومحط كل الأنظار، لكن (الختيار ) رحمة الله عليه  .. لم يستطع أن يسمح لي بالعبور معهم  , واللحاق بالركب ,  لنكمل ما بدأناه سوياً  , كما كنا في المرحلة السابقة في تونس الخضراء .
ولنفتح العلبة السابقة ..  تونس كانت بلداً جميلة .. أعطتنا كل شيء  , ولكن الاستمرار بالمعيشة في تونس كان صعباً بعض الشيء , فجُّوها مختلف جداً عن الجو في لبنان تلك البلد التي ألفناها وأحببناها كما لم نحبّ بلداً قط .
 ونفتح العلبة التي تسبق علبة تونس .. كم كان التفافنا في لبنان جميلاً  , ومميزاً , وحميمياً , وكان مليئاً بالتضحيات , والبطولات ,وشتى أنواع النضال .. وكنا إلى جانب (الختيار)  , وهو إلى جانبنا  ,وما زالت عيني تدمع كلما تذكرت تلك اللحظة الأليمة , لحظة مغادرة  فصائل المقاومة العاصمة بيروت إلى تونس , وتلك السفينة التي أقلتنا , وأقلت جراحنا , وغربتنا من جديد .
 مضى عليَّ في بيروت زمن قبل أن أستقر فيها بعد رحلة العذاب في مشارق الأرض ومغاربها ، بيروت كانت تعني لي الكثير , وتذكرني بالعلبة هذه , التي تعني لي بداية الحياة بالنسبة إلى ذلك الشبل الفلسطيني .. الذي لم يبلغ الثالثة عشرة من عمره بعد .. حيث قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي باعتقاله  إثر تنفيذه لتلك العملية الفدائية , التي تسببت بإصابته هو بإصابات عديدة نجا منها فيما بعد ,  واستشهاد زميله  في العملية أثناء  تفجيرهما  لذلك الفندق الإسرائيلي ( الإمبسادور) ...فتم أسره , واعتقاله لمدة أربعين يوماً .. كانت المدة المسموح فيها لاعتقال طفل ! عانى في الأسر والاعتقال والسجن  شتى أنواع العذاب , ثم نفي خارج الوطن فلسطين , وأُبعد حسب قوانين العدو المحتل إلى دولة عربية مجاورة ... لأن القوانين الإسرائيلية حينها لم تكن بهذه الشراسة بعد , أو لم تكن لتجرؤ على أكثر من هذا ...
وترتب فيما بعد نفيُّ أسرته بالكامل إلى تلك الدولة المجاورة ، ليمنعوا , وبشكل نهائي , من حق العودة إلى تلك الديار , وإلى الموطن الأم ,, وبيت الطفولة والأسرة .
والآن ... وقد رحل   (الختيار )  ... وتفرقنا جميعاً !!
وجدتُ نفسي أمام العلبة الأخيرة ... بقيتُ وحدي أتذكر سنوات النضال , والكفاح , والأسر , والتشرد , والغربة , والانتظار  على أبوابك أيتها القدس الخالدة ,
ولن يثنيني شيء عن فكرة العودة , ولو بعد ألف , ألف عام ....
وسأعود .


الاثنين، 17 فبراير 2014

سأكتب إليك ...

سأكتب إليك ...
آن الآوان كي أكتب إليك , كي أفرج عن بعض الحروف المعتقلة في قلبي , وأرسلها إليك , في رحلة غيابك .
أنا لم أستعجل رحيلك , أنتَ من وضع النقاط على الحروف , أنتَ من أختار من القصيدة بيت وانزوى فيه , أنا لم أطردك من قلبي , أنتَ خرجت بملء إرادتك .
لا تعذبني أكثر , لا أحتمل نظرات العتاب في عينيك.   
 أنا لمستُ جرحك , وغُصتُ في أعماقه .. بقربي لن تشفى , لا بد أن ترحل .
كان قراري .. نعم  , لكنها دوافعك , وأسبابك  . 
أنا لم أعتد فتح جراحك واللهو فيها ,  أنا لم أنقب عن سعادتي داخل جراحك , أنا لم أنبش جرحاً غائراً يبكي منذ سنوات .
 أنتَ من فعل !
 وأنا رأفتُ بحالك , أشفقت على جرحك الملتهب , فهو لا ذنب له في صراعاتنا . 
أنا , وأنتَ , خطان متوازيان , لا يلتقيان !
 أنتَ انحنيتَ لقلبي بملء إرادتك , أقدر لك ذلك , ولكنِّي لا أرضاه , ولا أستطيع أن أنحني لقلبك , ولن أرضى صبرك عليَّ , وانتظارك كي تمطر السماء بعضاً من أناشيد الحب , فأتقمص واحدة منها , 
أرتديها في حضورك , وأخلعها لحظة الغياب. 
ومع كل هذا الغياب , أنا ما زلت أنتظرك حافية القدمين على حافة العمر , لم أفارق البحر لحظة , أنتظر رسالة من عينين بلون البحر , وصفاء البحر , وزهو البحر , أنا ما زلت هنا , رهن حضورك , لم أتغيب , لم أنزوِ , ربما شُبِّه إليك ذلك ! 
لكنني بذات الوقت لن أطرق أبواباً موصدة في وجه الريح , لن أصارع الريح يا هذا , أتفهمني ؟ 
وإن عُدتَ بالذاكرة جيداً , ستجد أنني صارعت الريح لأجلك مراراً ,  لكنني الآن , لم أعد أستطيع ترتيل صلوات الحب على مسامعك , وأنت لم تفهم , لم تفهم , ولن تفهم ذلك .
أنا لن أعيد دولاب الحياة كي أعرض إليك ما خلفَّته رياحك المجنونة التي هبت ذات شتاء عاصف , أهوج,  فاقتلعت كل أزهار المساء .
 شمعة واحدة لا تكفي لإنارة كل هذا الظلام , شمعة واحدة لا تكفي , وأنت ترتدي قبعة المجهول , وتتسكع في طرقات قلبي , وتنظم إليَّ الأشعار  .
وعليَّ أنا أن أفتح نوافذي للشمس الحارقة , للرياح الهوجاء , بينما أنت تستظل بمظلة قلبي , تحت أقبية ضلوعي , وداخل مسامات جلدي  .
هذا ليس عدلاً ..
 لذا , أنا قررت .. إما أن نقف سوياً في وجه الريح , أو نختبىء سوياً من سيول الشتاء العارمة .. طالما ليس في الخلف متاريس لنا , سوى أبواب السراب !
والآن اهنأ بغيابك , وأنا سأهنأ بانتظاري لك , ولكني لن أسِّلم وجهي للريح كي تعبث في ملامحه , وتعيد ترتيبها كما أنتَ تشاء .
استودعك الله أنتَ ,  والقبعة , والمجهول , وتراتيل الحب,  وصلوات العشق على بيادق الريح , وأبواب السراب  . 


السبت، 15 فبراير 2014

إلى إشعار آخر

إلى إشعار آخر
نذرت نفسي للصوم ..
كل شيءٍ في الغياب يصبح شرعياً ومنطقياً !
 حين تغيب الشمس , أو يأفل القمر , أو ينزوي البحر , أو تنكمش الجبال , لا معنى لأن أبقى أضجُّ في ثرثرتي , وأرتدي على وجهي ملامح الزهو والفرح!
ما الحياة .. إن كانت شمسها الذهبية تهددني بالمغيب طِوال الوقت , وقمرها الفضي يتربع على عرش الغياب .. دون أن يقدم إليَّ أسباباً , أو يدور في فلكه أي عذر ؟
 والبحر .. هذا البحر الكبير , المترامي الأطراف , الثلاثي الأبعاد , أيضاً يهددني , بل ولديه نيَّة مبيتة للانزواء خلف صخرة بعيدة عن مرمى البصر !
والجبال .. الجبال التي كانت أحجية لي منذ الصغر , ولغزاً يحيرني , ويضعني دائماً في خانة السؤال .. كيف يقف هذا الكون على قدميه دونما عكازٍ , وكيف يكون صلباً .. لا تهزه ريح عاتية , ولا تغرقه جحافل المطر ؟
هذه الجبال أيضاً تراود نفسها على الانكماش !
 وأنا التي كنتُ أسكن هذه الجبال , أختبئ داخلها حين يدق ناقوس الخطر , أحصِّن نفسي بعلوِّها , وأتدثر بصمتها , كيف سأبدو فيما بعد لباقي البشر ؟
 هل سأبدو لهم كعملاق بشري يزحف نحو أهل الأرض ؟!
 سيخافون مني , وينتشرون بعيداً عني , وقد يشهرون رماحهم في وجهي , أو يحاولون تصويب سهامهم تجاه قلبي , وقلبي أميٌّ لا يجيد قراءة أبجدية هؤلاء البشر .. فكيف سينجو منهم , أو يفرُّ ؟
 لا شمس بعد اليوم تدفئني , ولا قمر يؤنسني , ولا بحر يحتضن خوفي وأرقي , ولا جبال تخبئني في حالة الهلع  , ولا غيمة تظللني من طيش المطر .
 أنا وحدي في مرمى الهدف !
ويحاصرني الليل بعينين يملؤهما الشك , وترتجف على شفتيه عبارات مستعارة من قواميس اللغة ,  يمدحني ويهجوني بنفس الوقت , ويطلب مني أن أعتلي عرش الكلمات لأسبِّحه وأقدِّسه , وأن أهبط إلى سابع أرض إن لاح بالأفق نجم شارد يبحث عن ضالته في رياض الأفق !
 ونسيَّ , أو تناسى , أن النجوم جذورها غافية في عمق السماء , لا تطالها مخالبُّ الليل , مهما طالت , ومهما قست , ومهما اخشوشنت , ومهما عربَّدت !
وأن من خُلق ليزحف على الرمال , سيبقى طِوال العمر من الزواحف , وإن نبتت على شرفاته أجنحة مضيئة , وزعانف ملونة , وأعداد لا حصر له من الأذرع والأرجل .
ومع ذلك أنا لم أستسلم , ولم يكن الاستسلام في أبجديتي , لكنَّ الحياة داخل عيون الليل قاتلة ..
 والحياة خارج عيون الليل .. دونما شمس , دونما قمر , دونما بحر , دونما جبال أنتمي إليها , وأحمل هويتها , وأكتب على جبيني اسمها .. حياة مفرغة من النعم .. أكسجينها خانق , هواؤها مالح , ماؤها لا يسمن من جوع , ولا يروي من ظمأ .
 وأنتَ أيها الليل الأسود , دعني أعلنها عليك , وعلى الملأ , أنني منذ اللحظة التي نصبَّت فيها عينيك قاضياً عليَّ , وجلاداً بنفس الوقت , انسحبت من حدائق اللوز , موطني , وموطن أشعاري , وموطن الفقراء من أبناء الشمس , وأنذرت نفسي للصيام عنك إلى الأبد .
 لا ثرثرة بعد اليوم مع عينين لا يملؤهما الحبُّ , ويعبث , ويلهو , ويتبختر ,  في أحداقهما شيطان الشك .
لا ثرثرة بعد اليوم معك أيها الليل , وصيام عنك يا إلى آخر الدهر , صيام عنك يا ليل إلى إشعار آخر !