ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الاثنين، 20 يناير 2014

العشاء الأخير

العشاء الأخير
سأدعوك اليوم إلى العشاء .
قررت أن أدعوك اليوم إلى مائدة العشاء , لنهجر قليلاً أحاديث الموت , وطقوس ما قبلَ الموت , وما بعده , ولنتوقف قليلاً عن إحصاء خسائرنا , وعن التفتيش في هزائمنا السابقة , واللاحقة , والتي طرحت على موائد الجوار , ولندَعَ في هذه اللحظة كل الخلق للخالق , ونتناول العشاء الأخير !
ربما أنتَ لهذه اللحظة لا تعرف بعد أنني كنتُ ممن يجيدون  فن " النكتة " , طبعاً هذا كان فيما مضى , قبل أن ألتقيك بألف عام , كنتُ لا أعرف إلا السخرية من هذا الواقع الساقط , وكنتُ أتقن جيداً فن التندر بالمصائب , إلى الحد الذي تصبح فيه لينة على الهضم , فيتناولها من كُتِبَ عليهم الشقاء والشتات , قبل رحلة الهمِّ أو بعدها , لتجلب إليهم المسرات والفرح .
هذا لا يعني أنك ثقيل الدم إلى هذا الحد !
لا , لكنك بحالٍ من الأحوال أخذتني إلى طرفك , فبدأنا بالتباري أنا وأنت أيُّنا سيصبح دَمُه أثقل , ونسيتُ في خِضَّم النِزال أنني خُلقت للسعادة ,  وللمرح , وللسخرية التي تجرُّ في أذيالها
مواسمَ الفرح .
أنتَ ساخرٌ , وجداً , لكنك تعبثُ بجدائل الموت !
لا أدري لماذا ترافق الموت في كل تحركاته ؟
كم قلتُ لك : دع الموت ممدداً على سريره , ودعنا نقطف عناقيد العنب قبل أن يغيب الصيف , ويغيب معه كل أثر للعنب والسهر .
عصرت إليك العنب , وخبأته في قوارير العسل , ووضعته على رفٍ ليس ببعيدٍ عنك , مسافة أصبع أو أكثر .
تجمد العنب فوق الشهد , وأصبح يحتاج فصولاً من الحرَّ الشديد حتى يسيل شهد العنب على شفتيك , فتلعق منه مذاقاً لا يشبه مذاق الموت الذي تتناوله بانتظام ,  كل مساء قبيل النوم , وكل صباح قبيل الضحى !
لا أقرأ الطالع , أخبرتك بذلك , لكنِّي أقرأ العيون جيداً , وأنا قرأت عينيك في أول لقاء , وجدتها تبحث عن اسمي في كل الأسماء , وجدتها تنتظر حضوري قبل أن ألج هذه الحياة , قبل أن يُدرج اسمي مع المواليد الجدد , وقبل أن يُقبِّل جبيني أيلول ويقول : أهلا بك في حدائق الدنيا المشرعة الأبواب .
نعم قرأتُ كل هذا في عينيك , ولكنِّي لم أخبرك , تركتك لفراستك , ولحدسك القوي كي يحدثاك عني طويلاً , وعمن تكون الغازية الجديدة لعناقيد العنب , قبل أن تجف عروقها في قلبك , ويلفظها على أبواب الخريف !
أنا لا أستخدم عصا القصص السحرية فأضربك على رأسك مرة فتراني السندريلا الهاربة بعد الثانية عشرة ليلاً , وأضربك مرة أخرى فتراني فتاة الغابة اليتيمة التي يهبط إليها أمير الأمراء من سابع قصر ,
 أو " سنو وايت  " في بلاد العجائب .
لا , لا , لا .
أنا أحبُّ جداً أن أراك وأنتَ تذوب في داخلك إلى أن تتحول إلى كرة من الشهد , فأقوم بتشكيلك كما أشتهي , ولا يهمُّ فيما بعد إن سال من بين يدي كل الشهد ! فأنا ما زلت أحتفظ ببعض القطرات التي علقت في أطراف أصابع يدي اليمين  , وعلى وسائد كفيَّ ,  وبين سطور هذا الورق , وأنتَ لا تدري !
أنتَ الذي يدري .
ألم تكن بانتظاري قبل الميلاد بألف عام , وجاءتك البشرى , وهبَطتُ إليك , قبل أن تهبط من قصرك السابع خلف المحيطات , في قارة تكاد الشمس لا تزورها , و يكاد البشر لا يعرفون لها أي عنوان .
ومع ذلك , فأنا قرأت في عينيك , ومنذ أول لقاء , أنك كنتَ في انتظاري !
ولن يطول بك الانتظار , لن يطول بك الانتظار .
أنا على موعدي الآن , أعددت إليك العشاء الأخير , وموسيقى تنساب من بين الأهداب , وشموعاً تعزف لحن اللحظة , وخاصرة  طال بها  أمد الانتظار لرقصة يحلم بها المساء !
لا بدَّ أن تثبت أناملك جيداً على خاصرة الرقص ,
وإلا فقد تفلت منك الأميرة , وتفرُّ من ساحة الرقص , وقد تدُق الساعة الثانية عشرة ليلاً , وتهيمُ الفتاة على وجهها في غابة الذئاب , ويذوب الثلج عن أميرته فتلعقه ألسنة ونصال  .
وتصحو أنتَ , لتجد نفسك ما زلت تحلم برقصة المساء , في عشاء كان هو الأخير , لأنك ما استطعت تثبيت أناملك الهاربة , على خاصرة الرقص !
فكان عشاؤك الأخير ,
 كان هذا هو العشاء الأخير .




الخميس، 9 يناير 2014

الجغرافيا الجديدة


الجغرافيا الجديدة
مادة الجغرافيا في المدارس مادة قد تكون مقيتة بعض الشيء ..  في صغري أنا وللصدق والأمانة العلمية لم أكن أكره مادة الجغرافيا حد الموت بل أقل بكثير .. لكن مع الاعتذار الشديد من أساتذة الجغرافيا فهي مادة ليست سهلة .. وليست محببة .. لا إلى الطلاب  في الصفوف الأولى .. ولا إلى الطلاب في الصفوف العليا ..
الجغرافيا لمن لا يعرفها جيداً مادة جميلة بصدق لمن نظر إليها بحب .. ولكنها تقوم على الجانب النظري في وطننا العربي .. وتعتمد كثيراً على أسلوب الحفظ الذي ينطوي على عدم الفهم أحياناً ..
سنوات طِوال وأنا أدرس جغرافية البحر الميت وأحفظها جيداً وأحصل على أعلى العلامات القادمة من عالم الحفظ الصم .. إلى أن كبرت وزرت البحر الميت .. عندها أول شيء خطر ببالي أن أمزق كتاب الجغرافيا !
أول ما يستهل به كتاب الجغرافيا .. وهذا كان فيما مضى .. ولم أطلع للأسف على كتب الجغرافيا الحالية .. ولا أدري أصلاً أن أبقت وزارة التربية والتعليم عليها ضمن المنهاج .. كونها مادة تنسى بمجرد أن نغلق الكتاب لأنها في وطننا العربي تدرس نظرياً ونظرياً فقط ..
المهم أول درس في الجغرافيا كان هو تقسيم الدولة .. بغض النظر عنها مملكة كانت أم جمهورية أم غير ذلك إن توفر .. إلى ثلاثة أقسام وهي :
المدينة .. ويسكنها أهل المدن .. وتشتهر المدن بصناعة كذا .. وكذا .. وعدد سكانها كذا .... وعدد جبالها .. وعدد سهولها .. وعدد أعواد الكبريت فيها ...إلخ  .
الريف .. ويسكنها أهل الريف .. وهي تابعة لمدينة  كذا .. وكذا .. ويشتهر الريف بالزراعة .. وعدد سكانه .. وعدد ينابيع الماء فيه .. وعدد حبات القمح .. إلخ
البادية .. وتسكنها قبائل البدو .. وتشتهر البادية  برعي الأغنام .. ويوجد فيها كذا ألف رأس من الغنم .. ويشتهر البدو بالكرم الحاتمي الشديد .. وعدد قبائل البدو من الصعب حصره لأنه في آخر حرب قامت بينهم بعد داحس والغبراء .. ربما لم يبقَ منهم أحد .
حصة التاريخ كانت أجمل بكثير .. كان كتاب التاريخ يحضر جنباً إلى جنب مع علبة المحارم الورقية .. لفرط البكاء على تاريخ حافل بالهزائم والانكسارات والحروب والتحالفات والمؤامرات وتلبيس الطرابيش وما الخ من تاريخ لا ينسى .. وليس كمادة الجغرافيا الحزينة سريعة الذوبان والنسيان ..
لذا وبناء على ما تقدم .. وحتى تصبح مادة الجغرافيا لا تقل أهمية عن مادة التاريخ  .. وحتى لا ننتقص من حقها بأن يكون إلى جوارها دائماً علبة من المحارم الورقية لتجفيف آبار الدموع التي تتفجر بعد كل مراجعة للكتاب .. قررنا أن نغير بعض الشيء في مادة الجغرافيا كي نخرج أنفسنا من ورطة النظرية العقيمة .. ونقترب أكثر من رؤية التطبيق العملي على أرض الأحلام ..
الجغرافيا الجديدة هي كالتالي ..
تقسم الدول العربية برمتها مملكة كانت أم جمهورية أم أي مسمى آخر إلى ثلاثة أقسام وهي :
مخيم رقم 1 .. مخيمات اللاجئين الفلسطينيين .. وهذا  المخيم أقصد مخيم رقم 1 ما زال يتربع على عرش المخيمات .. ولا ينافسه في ازدياد عدد سكانه أي مخيم آخر .. ويشتهر بأنه غير صالح للاستهلاك البشري .. باستثناء مخيم اليرموك فقد انتهت صلاحيته تماما بفعل فاعل .. ومع ذلك ما يزال ساري المفعول ؟!
مخيم رقم 2 .. مخيمات اللاجئين السوريين وهذه المخيمات بدأت تتزايد بكثرة وتتقدم بقوة لتنافس مخيمات اللاجئين الفلسطينيين لكن من الصعب أن تتفوق عليها بالعدد تحديداً .. لأنه بصراحة لاجئيها ليسوا لاجئين سوريين فقط بل يتقاسم معهم رغد الخيام واللجوء إخوانهم في النضال على مدى الحياة اللاجئون الفلسطينيون .. ولكن مع حداثة هذا النوع من المخيمات ألا أنه ولد غير صالح للاستهلاك البشري أو الإنساني على الإطلاق .. ومع ذلك يتكاثر .. وبشراسة !
مخيم رقم 3 .. وهذا ليس المخيم الأخير .. وليته يكون .. هذا المخيم رقم 3 سأتركه فارغاً لكم .. حتى تعبئونه أنتم بأياديكم الطاهرة .. وتكونون كما قال " المعري "  .. هذا ما جنيته على نفسي ولم يجنِ عليَّ أحد ..
وأعتقد أن كتاب الجغرافيا الجديد سيكون غلافه باللون الأسود حتى لا ينسى أبداً .. وعنوانه الجديد من أي مخيمٍ أنت ؟
وشكرا لكم لأنكم ساهمتم في تغيير مادة الجغرافيا العقيمة .. وأوجدتم عوضاً عنها الجغرافيا الجديدة .. الحديثة .. الحية إن بقيت على قيد الحياة ..
وسجلي يا جغرافيا أنا الذي ....


الأربعاء، 1 يناير 2014

فقط .. لمن يريد أن يستمع !

فقط .. لمن يريد أن يستمع !
أنتظر الأعياد بلهفة المشتاق .. بفرحة طفل صغير ينتظر العيد على باب الدار .. أعدُّ للأعياد قلباً معطراً بالفرح .. وأماني لا حصر لها .. بدءاً من الأمن والآمان .. وانتهاءً بالسلم والسلام .. وأحلم بالعيد دون أن أكترث عيد من .. ولمن .. بما فيه العيد الوطني وعيد العمال .
وفي كل عيد أجلس وحيدة أترقب من يقرع الباب .. ولا أحد .. " ما في حدا , لا تندهي ما في حدا " .. وأطوي صفحة العيد بحزن وملل .. ومع ذلك في كل موسمٍ للأعياد أقف في الباب .. وأنتظر العيد بلهفة المشتاق !
عام جديد يهلُّ علينا .. أفرح أنا بالعام الجديد .. وأبدأ برسم خريطة حلم جديد يليق بهذا العام .. وما أن ينتصف الليل وتعلن ساعة الوقت أننا دخلنا بسلام العام الجديد حتى تحلُّ بيَّ حالة غريبة من الكآبة الممزوجة بالحزن والقهر والسخط والغضب ..
ماذا يعني عام آخر جديد ؟
يعني الكثير .. وهذا ليس تحاملاً مني على العام الجديد .. وليست مبالغة .. أو سرد عبارات لا يحتملها النص .. هدفها السامي تعكير أجواء الصفو في العام الجديد ..
في العام الجديد .. كبرنا .. فما عادت تنطلي علينا حيل الكبار .. وأكاذيبهم البيضاء .. من أن الفقر أكثر نبلاً .. والثراء ولد  في أرض ملعونة .. والسماء تغدق  بالمطر فقط على الأراضي الجدباء ..
 في العام الجديد .. تكاثرت أعدادنا .. فكثرت الخيام  .. وتمزقت أوصالها من التضخم .. وأصبحت لها جيوباً .. وأخذت تجرُّ خلفها أذيالاً .. وتعلمت كيف تبسط يدها للمطر إن فاجأها الظمأ ..
وفي العام الجديد  .. هرمنا .. فلم تعد خيامنا  قادرة على التصدي بصدرها العاري وثوبها الممزق لموجات البرد والثلج والصقيع ..
وأصبحنا أكثر هشاشة فكل نشرة أخبار تبكينا  .. وصور المجازر تستنزف طاقات الأمل فينا من حياة أصبح نصفها الملآن دماء .. ونصفها الفارغ تهديد بالفناء !
أصبحنا أكثر حساسية فلم نعد نحتمل أكثر من وجهة نظر .. لم نعد نستوعب فكرة الرأي والرأي الآخر .. وليس لدينا القدرة على تخيل أنه يوجد في هذا العالم من لا ينتمي إلى نفس وجهة نظرنا !
أصبحنا أكثر عدوانية فالسلام بين الأخوة  بالبندقية والتحية بين الجوار بالرصاص .. والويل الويل لمن يقف على نافذة الصباح يغازل وردة الجوار ..
أصبحنا أكثر أميِّة .. فلا طالب للعلم .. ولا ساع إلى حقول الثقافة .. ولا منتمٍ إلى الفن .. ولا قارع لطبول الماضي العريق .. ولا مستهلٍ إلا بالسلاح !
أصبحنا أقل آدمية وأكثر وحشية .. أصبحنا أقل إنسانية وأكثر شيطنة من إبليس .. أصبحنا كجيل
 " بعبع "   يأكل ولا يشبع .. تنادي عليه ولا يسمع ..  يذهب ولا يرجع ..
نحن قد ذهبنا  .. ولم نرجع .. وما يتحرك منا على هذه الأرض ما هي إلا أجسادنا .. لكنها خالية من أرواحنا .. أرواحنا التي ذهبت ضحية الظلم .. وما بقيَّ  على الأرض هي أشباح الظلم والظلام ..
وأبشع أنواع الظلم أن يظلم الإنسان نفسه .. فيكسر المرآة التي تعكس بشاعته .. ظناً منه أنه يواري بشاعته .. ولا يدرك أن العالم يرى كل هذه البشاعة بمرآة أكبر  !
في مستهل العام الجديد دعونا نتطهر من جهلنا .. من أنانيتنا .. من إفراطنا في الظلم .. من إسفافنا لكل الحقائق .. من التسليم بأن الخطأ وارد .. لأن الاستمرار في الخطأ جريمة لا تغتفر..
دعونا نعيد  الدم إلى العروق .. وإلى الوجوه .. وإلى شرايين الحياة  .. وليس إلى الشوارع  والأزقة وأبواب المخيمات ..
دعونا نغلق بالشمع الأحمر خيام العزاء .. فالحياة للجميع .. وليس من حق أيٍ كان أن ينهيها .
وكل عام وكلماتي ليست ثقيلة على أحد ..
ولتحل علينا البركة والخير والأمن والآمان إذا شاء الله .