ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الثلاثاء، 30 ديسمبر، 2014

همسة في أذن السماء

همسة في أذن السماء
حروفي باردة ، أناملي باردة ، روحي باردة ، مقاعد الحبِّ في بلادي يفترشها الصقيع !
في آخر حديثٍ لي مع ممالك الجانِّ ، قالوا لي : أنهم رفعوا أياديهم عن أرواحنا ،  قالوا لي : أنهم استقلوا سفنهم نحو السماء ، وغادروا الأرض ، ومن عليها ، ومن في جوفها ، ومَن بين الأنقاض .
قالوا لي : على الأرض اليوم ، ما لا تقوى عليه ملوك الجانِّ ، في ممالك الإنس ، جنونٌ لم تعرفه في يوم ، ممالك الجانِّ !
رأيتهم بأمِّ عيني ، التي ترى قليلاً ، قليلاً ، وتبصر كثيراً، كثيراً ، رأيتهم وهم يتغامزون ، ويتهامسون فيما بينهم ، ويقولون في سرَّهم ، لقد انتهى زماننا ، وجاء زمان الإنسيُّ الجبَّار !
رحلت قوافل الجانِّ ، وتركتني أرتعد خوفاً من خاتم سليمان ، الذي سقط بين مدينتين ، فجلجلت الريح ، وأرعدت ، وأبرقت ، وتصارعت ، وتكالبت ، ثم أشهرت سيوفاً من رصاصٍ ، وأضرمت نيراناً من أبناء الغابات ، وأطلقت عويلها ،  صافرات الليل ، حين تداهمها قوافل الذئاب .
تغير شكل الأرض ، من فرط الصعود نحو السماء ، والنزول إلى ساحات الوغى ، فأخذت شكل المقابر ، ولكن على استحياء !
تخاطب المطر بلغة السيد للعبد ، وتقصف الغيوم ببعض الشك ، وتطارد عطارد ، وبلوتو ، وزحل ، تتهمهم بأنهم أبناء زنى ، وأنها ستقيم عليهم الحدّ ، في أول خبر عاجل ، يصدر عن رعاع الأرض .
وقبائل الجانِّ تلملم أذيالها ، وتغمزني بطرف عينها ، وتقول في سِّرها  ، من أين جاءت  ممالك الإنس بكل هذا السحر ، وشعوذة الألوان ، وبأي تعويذة استطاعت أن تحيل هذا الكون ، إلى لون واحد ، الرمادي ، وتتوجه سيدَّ  كل الألوان  ؟
كيف استطاعت أن تلغي الفصول الأربعة ، وأن تُغرق الأرض بأمطار من الغضب ، وتحيل الجنان إلى صحراء من الجدب ، ومقابر لا حصر لها ، ولا عدد ، ومشانق تصل ذروتها عنان السماء ، ثم تنفجر ؟
على هذا الأرض بركان ، يتدفق ، تخرج منه وحوش آدمية ، تقتل كل حرف دخيل على أبجديتها ، لا تتعرف إليه قواميسها ، وتنكلُّ بجثته ، وتلقي به إلى نشرات الأخبار ، ليكون عبرة ، وعظة ، وخبراً عاجلاً في عناوين الصحف .
ويسألني المداد بحرقة ، هل أختفي ، هل أذوب ، هل أتلاشى ، هل ألتحق بقبائل الجانِّ ، فأنا حرف غريب في قواميس الغجر ، أنا حرف بارد في أبجدية النيران ، أنا لن أنتظر حتى أُعلَّقَ خبراً عاجلاً على موائد اللئام ، أو تطاردني أصابع الشك فأبقى رهين المحبسين ، أنتظر براءتي ، كما  بلوتو , وعطارد وزحل ؟
هل تأذن ليَّ السماء بمكان أختفي فيه عن عيون الإنس ، وممالك الإنس ، ومقابر الإنس ، إلى أن تهدأ ثورة الربيع ، وتتقلص الصحراء ، ويهبط المطر حرَّاً ، ليس مخفوراً ، أو مكبل اليدِّ والقدم ؟
سَلْي السماء عني ، هل لي مكانٌ فيها ، قبل أن أصلب على أعواد الظلم ، أو أنتحر ؟



الأحد، 28 ديسمبر، 2014

فقط .. لمن يريد أن يستمع !


فقط .. لمن يريد أن يستمع !
أنتظر الأعياد بلهفة المشتاق ، بفرحة طفل صغير ينتظر العيد على باب الدار ، أعدُّ للأعياد قلباً معطراً بالفرح ، وأمانيَّ لا حصر لها ،  بدءاً من الأمن والآمان ، وانتهاءً بالسلم والسلام ، وأحلم بالعيد دون أن أكترث عيد من ، ولمن ، بما فيه العيد الوطني وعيد العمال .
وفي كل عيد أجلس وحيدة ، أترقب من يقرع الباب ، ....... ولا أحد ، أتذكر أغنية قديمة تقول : " ما في حدا , لا تندهي ما في حدا " ، أطوي صفحة العيد بحزن وملل ، ومع ذلك في كل موسمٍ للأعياد ، أقف في الباب ، وأنتظر العيد بلهفة المشتاق !
عام جديد يهلُّ علينا ، أفرح أنا بالعام الجديد ، وأبدأ برسم خريطة حلم جديد ، يليق بهذا العام ، وما أن ينتصف الليل ، وتعلن ساعة الوقت ، أننا دخلنا بسلام العام الجديد ، حتى تحلُّ بيَّ حالة غريبة من الكآبة الممزوجة بالحزن ، والقهر ، والسخط ، والغضب ،
ماذا يعني عام آخر جديد ؟
يعني الكثير ، وهذا ليس تحاملاً مني على العام الجديد ، وليست مبالغة ، أو سرد عبارات لا يحتملها النص ، هدفها السامي تعكير أجواء الصفو  في العام الجديد .
في العام الجديد ، كبرنا .. فما عادت تنطلي علينا حيَّلُ الكبار ، وأكاذيبهم البيضاء ، من أن الفقر أكثر نبلاً ، والثراء ولد  في أرض ملعونة ، والسماء تغدق  بالمطر فقط على الأراضي الجدباء .
 في العام الجديد ، تكاثرت أعدادنا ، فكثرت الخيام  ، وتمزقت أوصالها من التضخم ، وأصبحَ  لها جيوباً ، وأخذت تجرُّ خلفها أذيالاً ، وتعلَمت كيف تبسط يدُّها للمطر ، إن فاجأها الظمأ !
وفي العام الجديد  ، هرمنا ، فلم تعد خيامنا  قادرة على التصدي بصدرها العاري ، وثوبها الممزق ، لموجات البرد ، والثلج ، والصقيع .
وأصبحنا أكثر هشاشة ، فكل نشرة أخبار تبكينا ، وصور المجازر تستنزف طاقات الأمل فينا ، من حياة أصبح نصفها الملآن دماء ، ونصفها الفارغ تهديد بالفناء !
أصبحنا أكثر حساسية ، فلم نعد نحتمل أكثر من وجهة نظر ، لم نعد نستوعب فكرة الرأي ، والرأي الآخر !
وليس لدينا القدرة على تخيُّل أنه يوجد في هذا العالم من لا ينتمي إلى وجهة نظرنا !
أصبحنا أكثر عدوانية ، فالسلام بين الأخوة بالبندقية ، والتحية بين الجوار بالرصاص ، والويل الويل لمن يقف على نافذة الصباح ، يغازل وردة الجوار .
أصبحنا أكثر أميِّة ، فلا طالبٍ للعلم ، ولا ساعٍ إلى حقول الثقافة ، ولا منتمٍ للفنون ، ولا قارعٍ لطبول الماضي العريق ، ولا مستهلٍ إلا بالسلاح !
أصبحنا أقل آدمية ، وأكثر وحشية ، أصبحنا أقل إنسانية ، وأكثر شيطنة من الشيطان ، أصبحَ ينطبق علينا المثل القديم الجديد المتجدد " جيل  بعبع "  ، " يأكل ولا يشبع ، تنادي عليه ولا يسمع ،  يذهب ولا يرجع "
نحن قد ذهبنا  ، ولم نرجع ! وما يتحرك منا على هذه الأرض ما هي إلا أجسادنا ، لكنها خالية من أرواحنا ، أرواحنا التي ذهبت ضحية الظلم ، وما بقيَّ على الأرض ، هي أشباح الظلم ، والظلام  .
وأبشع أنواع الظلم ، أن يظلم الإنسان نفسه ، فيكسر المرآة التي تعكس بشاعته ، ظناً منه أنه يواري هذه البشاعة ، ولا يدرك أن العالم يرى كل هذه البشاعة بمرآة أكبر  !
في مستهل العام الجديد ، دعونا نتطهر من جهلنا ، من أنانيتنا ، من إفراطنا في الظلم ، من إسفافنا لكل الحقائق ، من التسليم بأن الخطأ وارد ، لأن الاستمرار في الخطأ جريمة لا تغتفر !
دعونا نعيد  الدم إلى العروق ، وإلى الوجوه ، وإلى شرايين الحياة  ، وليس إلى الشوارع  ، والأزقة ، وأبواب المخيمات !
دعونا نغلق بالشمع الأحمر خيام العزاء ، فالحياة للجميع ، وليس من حق أيٍ كان ، أن ينهيها ، وعلى طريقته .
وكل عام وكلماتي ليست ثقيلة على أحد !
ولتحل علينا البركة ، والخير ، والأمن ، والآمان ،
 إذا شاء الله .





الاثنين، 1 ديسمبر، 2014

لقاء الخريف



لقاء الخريف
(1)
أتى الخريف في موعده , كنت في انتظاره , أنا , وقهوته المعتادة , وبعض جرائد الصباح المنثورة بعشوائية على مائدة اللقاء .
حيَّاني الخريف وفي عينيه ألف سؤال , وأكثر من نظرة عتاب :  لماذا لم يخرجوا لاستقبالي ؟
أجبت بنبرة منخفضة تحاول جهدها أن ترتفع قليلاً , وكأنها لم تصفع بالسؤال , وبنظرات العتاب : أتيت أنا , ألا يكفي حضوري يا خريف , وتابعتُ قبل أن يكرر على مسامعي نفس السؤال ,  قلت بنبرة فيها حسُّ المزاح : أنتَ يا خريف تعلم جيداً أنك حين تأتي تمتد الأرض طولاً وعرضاً حتى تكاد ترى كل شيءٍ أصبح أرضاً , وترتفع السماء قليلاً , قليلاً , حتى أنك تظن أن السماء قد رفعت يدَّها عن الأرض , وأعلنت تخلِّيها الكامل عنها للخريف  , وتسليمها إليه تسليم اليد !
وحين لمحتُ في عينيه بعض الاهتمام أدركت أنني في المسار الصحيح فأتممت : والدراسة فتحت أبوابها من جديد فاحتضنت أبناءها , وأخذتهم بين ذراعيها , وأنتَ يا خريف تعلم كل العلم أنَّ أبناءها هم من يهبُّون عادة لاستقبالك , وتزيين الشوارع , والمنصات , وفرد المساحات الحمراء والخضراء , وإطلاق البالونات الملونة في الهواء  , وكل ما يتبع من طقوس الاحتفالات .
يبدو أن الجزء الأخير من إجابتي لم يرق للخريف فهزَّ رأسه دون اكتراث , ثم نظر في عينيَّ , وأردف متسائلاً .. وبقية القوم أينهم ؟


(2)

تلعثمت , ولم أدرِ بمَ أجبه ؟
 هل أقول له أن قومي لا يحبُّون الخريف .. بل ويشعرون أنه كارثة ثلاثية الأبعاد !
 هل أقول له أن النساء في قبيلتي تختفي من وجه الخريف كما تختفي من وجه الشيطان , متشائمة من حضوره الذي ينذرها وربما يهددها بكهولة مبكرة !
وأن أسياد القوم لا يحبذون مخالطة الخريف كثيراً , والخوض معه في أحاديثٍ لا تروق لهم على بال , لأنهم يستشعرون أن الخريف يقصف أجل أحلامهم , ويبدد الكثير من آمالهم مع عواصفه التي تهبُّ دونما سابق إنذار أو ميعاد .
هل أخبره أن قومي جميعهم من الكبير إلى الصغير صرَّحوا لي , وشددوا , على أن ألتقي الخريف على مائدة بعيدة عن حدائقهم , لا يريدون أن يعكروا صفاء أعينهم بأوراق الأشجار الأيلة للتساقط وهي تهبط صفراء , مهترئة , ساكنة , مستسلمة ليد الغدر ..
 يد الخريف .
قاطعني فجأة .. أخرجني من صمتي وذهولي : أما زال قومك من أنصار الربيع .. أما يزالون يرفعون رايات الربيع , ويهللون لقدومه .. أما يزالون يثقون أن الربيع يهديَّهم الورود الحمراء , وقصائد الغزل ؟
الربيع يا صديقتي غدر بهم , وهم ما يزالون على العهد والولاء له , ويتنكرون لي , ويصفونني بأنني أنا ذلك السفاح , مصاص الدماء ,  " الدراكولا " ! وأنا الذي شاهدت بأمِّ عيني أنهار الدماء تسيل من ربيع إلى آخر , حتى أن الشمس اشتكتهم إليَّ في آخر لقاء .. الشمس اشتكت بطش الربيع وتجبره .. وقالت بالحرف الواحد : الربيع تطاول جداً على بني البشر , قصف أعمار أزهارهم قبل أن تتفتح في حدائق العين , و كان شحيحاً في كل شيء ..  إلا في آبار الدمار , فلقد حفر بئراً في حديقة  كل بيت .
سكتُّ .. لم أعرف بماذا أجبه .. فاجئني  بكل ما يعرفه , وأكاد أن أخفيه , وغير مجرى الحديث الذي كنت قد أعددته له .

(3)

نظر إليَّ بحنان مفاجىء وقال : أنتِ لا ذنبَ لك .. أنتِ يا صديقتي بلا أدنى شكٍ تكفين .. حضورك الملائكي يكفي .. ورود استقبالك تكفي .. رحيق كلامك يكفي .. كل شيء منك يكفي ويكفي .. فتعالي إليَّ .. دعينا نشرب أحاديث القهوة معاً .. ثم أقرأ من بعدها عينيك .
تنفست الصعداء أنني خرجت من هذا المأزق بسلام , على الرغم من أنني كنت أثق برجاحة عقل الخريف , وسعة صدره , وأنه لن يقف عند مسائل بسيطة , ويترك حضوري الأكثر أهمية يمرُّ دون أن يقبِّله من بين عينيه , ويتصفح عناوين الأخبار من مقلتيه , ويسمع أعذب الألحان من بين شفتيه , ويغني ملء صوته  كما اعتاد في كل خريف على موائد اللقاء .
بدأت مشوار التذمر والشكوى , ألقيت برأسي على صدره , وأغرقته بدموع اختلط فيها الصدق مع الكذب !
الخريف وحده من يسمح لي بالكذب أحياناً  , كي أبوح له بكل ما يعتمل في قلبي من عواصف , وبراكين ثائرة , وينتزع هو بمهارة الحاوي الحروف الملتوية  كما تُنتزع من العجينة الشعرة ,
 دون أن أشعر أنا , أو يشعرني هو كم بُحت إليه بحديثٍ كذب !
قلتُ  , كما كل خريف أقول , وأتذمر , وأطيل في الشكوى , وحيدة أنا , هجرني قومي , وهجرتهم , وأنني أمضيت الوقت , أعدُّ الساعات بانتظار أن يلوح إليَّ الخريف بيده , وها قد أتيت قبل الوقتِ بوقتٍ طويل لأنمق الجلسة , وأنني وضعت له ركوة القهوة قبل الفجر بدهر , لكنَّه البرد آخذ معه كل أبخرة القهوة , وأنني أرسمه  كل صباح في دفتر الرسم , وأعرض لوحاتي على المارة , لكنهم يمرُّون عنها كأنها غير مرئية لهم , أوكأنني أنا التي لا أرى .
قلت كثيراً .. كثيراً .. وكان الخريف يصغي إليَّ مستمعاً .. لا يقاطع حديثي أبداً .. لكنَّه كان يخرج منديله بين الفينة والأخرى ليمسح الدمع المنكسب بغزارة المطر  ,  قبل أن يخربش الكحل معالم وجهي , فأبدو كلوحة تاهت فيها ريشة رسام فلم تعد تدري أهيَّ أرض أم بقايا حطب ؟

(4)
قلتُ فيما قلت .. لم يزرني أحد .. أمضيتُ الصيف وحيدة أتسلق جبال الوحدة , وأعدُّ الصخور التي من حولي , وأنه قد ينبت الزهر في الصخر لو أطلت المكوث والعدَّ .
قلتُ فيما قلت أيضاً أنَّ الرفاق قد رحلوا .. بعضهم هاجر , وبعضهم انتقل إلى الضفة الأخرى من الحياة , وبعضهم اعتكف في صومعة الصمت , وبعضهم غلَّف نفسه بأوراق النسيان .
وأنَّ الطيور التي كانت تقيم في العش المجاور رحلت .. وأنَّ ديك الجوار الذي كان يوقظني صوته كل صباح قد أصابه الخرس , وينتظر الذبح في أول ربيع قادم .. وأنَّ القطة المشاغبة التي كانت تمزق أوراق الورد أصابتها شيخوخة مبكرة , فذبلت الوردة قبل أن تُقِّطع أوراقها في لعبتها المفضلة يحبني أولا يحبني!
قلت كثيراً , صدقاً وكذباً , بكيت على صدر الخريف كما لم أبكِ قط .. ثم رفعت عينيَّ الممتلئة بالدموع إلى عينيه فوجدتها باسمة , ممتلئة بالحب , والدفء , والحنان , ففهمت على الفور أنه يريدني أن أكمل كذبي , وصِدقي , وبكائي , وأن أبقي رأسي متكئة على صدره إلى أن أنتهي من حديثي , أو يملَّ هو من كذبي .

(5)

قال وهو يرفع ناظريه نحو السماء , ثم يميل قليلاً بنظراته نحوي : كل خريفٍ تشتكي من ذات الوحدة .. يبدو أنك يا صغيرتي لا تتعلمين من الحياة دروساً حقيقية .. أنا وقبل أن تبدئي حديثك الشجي هذا كنت مثلك ممتعضاً من قومك الذين خذلوا قدومي , ولم يأتوا للترحيب بيَّ , ولكنِّي سرعان ما نفضت الفكرة من رأسي , ليس لأنَّ حضورك وحده يكفيني فقط , بل لأن حضورهم لم يعد أبداً يعنيني .
في الحياة أيتها الصديقة الوفية الكثير من المتغيرات .. ربما تلحظينها في الطبيعة , وفي حالة الطقس , وتلمسينها في أوراق الشجر , ونمو الزرع في مفاصل الصخر , وتغير مسار الريح ومجرى النهر , ولكن هناك من المتغيرات الكثير والعديد , ولكنك لا تلمسينها لأنك لا تريدين ذلك , وهي التغيرات التي تعتري سلوك بني البشر !

(6)

هنالك من أصبحت قلوبهم أقسى من الصخر , وهناك من تلونت أمزجتهم , وتقلبت أراؤهم , وماتت ضمائرهم , وتضخمت قوى الشر في نفوسهم , ومنهم من أهدى روحه إلى الشيطان , ومنهم من استعار من الشيطان عباءته وقرنيه , فأصبح لديه قرنان ينطح بهم أفئدة أحبته .
لا تحدثيني عن قسوة البشر , ولا تقارني حديثي عنهم بحديثي عن قسوة الصخر ، فالصخر خلق ليكون صخراً , صلباً , قاسياً , ولو كان هشاً لانتفت عنه صفة الصخر !
 بينما الماء خلق ليكون صافياً , رقراقاً , عذباً , سلسبيلاً , وإلا لأصبح ماء الموت , وليس ماء الحياة والعين .
والجبال الشاهقات خلقت متعرجة ليسهل صعودها ووصول القمم , ولو كانت سهلة , منبسطة , لما ارتفع البشر عن سطح الأرض !
هذا الحال يا صغيرتي لا ينطبق على بني البشر . فالبشر أصبحوا قساة القلوب , بل أقسى من الصخر . ضمائرهم , أفئدتهم , أحاسيسهم ، أحاديثهم .. كلها  ملتوية , متعرجة  ..أكثر من الجبال الشاهقات القمم , ونفوسهم مالحة أكثر من مياه البحار , ورؤاهم شحيحة كأمطار الصيف على الأراضي المقفرة , وعقولهم جدباء كأشجار الزينة .. جميلة نعم لكنها غير مثمرة .
وأكثر من ذلك بكثير .. فهؤلاء قوم لا يُعتب عليهم , ولا يؤخذ منهم عنبٌ .. بعد طول العتب !

(7)
وقلبي يا أيها الخريف , قلبي اليافع كيف له لكل هذه المتغيرات أن يفهم ؟
قلبي لا يريد الكثير , ولا يريد المستحيل , يريد أن يفتح نوافذ النهار على شمس ذهبية , وليس على شمس كالحة .. يريد أن يسمع زقزقات العصافير , وليس صوت نواحها , يريد مصافحة أوراق الورد , وليس وخز أشواكها  .. يريد أن يقبِّل الياسمين من بين عينيه , وليس أن يضمد عينيَّ الياسمين بعد أن أصيبت بمقتل , يريد أن يجمع حبات اللؤلؤ عن شاطىء البحر , وليس طلقات المسدس ..  يريد أن يرسم خريطة قلبه على فنجان القهوة , ثم يتَّبع أثره .. ولا يريد أن يرسم فخاً لصديقٍ , ثم يتقبل فيه العزاء !
(8)
أنا أيها الخريف دائمة التذمرِّ والشكوى ولكني لا أفتعل أحداثاً وأخلق قصصاً من العدم ..
رأيتهم بأم عيني يشنقون الورود على أعواد الربيع , ثم يصلون عليه صلاة الجنازة .. رأيتهم يكسرون ألواح الطباشير , ويمزقون أوراق المستقبل , ويكتبون عناوين غريبة على دفاتر الإنشاء , والتاريخ , والفلك .. إنهم يغيرون شارات المرور , وشارات العبور , وشارات الدخول إلى الجنة أو إلى جهنم .
أنا كثيرة التذمر ولكني لا أقلب الحقائق ,هيَّ الحقائق أصبحت مقلوبة رأساً على عقب .. المفاهيم أصبحت تحتمل أكثر من معنى , وفيها أكثر من قول , وأكثر من مبنى .. والمبادىء أصبحت كالبضاعة الكاسدة في سوق العرض والطلب لكنها لا يرتفع ثمنها أبداً .. حتى في عالم الأرقام كل شيء تضخم وواحد زائد واحد أصبحت تحتمل الكثير من الأرقام والكثير من الأجوبة .. ومفردات العصر جديدة جداً من فقيد إلى شهيد , ومن عميل إلى عميد ,  ومن مراتب في الجنان إلى مقابر تحت الأرض ..  وأصبح من يحاسب العباد عبداً لا حول له ولا قوة , ورصيده من زبانية جهنم ما ليس له عدٌّ أو حصرُ .



الجمعة، 31 أكتوبر، 2014

أسرار صغيرة

أسرار صغيرة
إلى روح الشاعر الرمز " محمود درويش " .
أتيت إلى هنا .. إلى حيث كنتَ ترتشف قهوتك المرَّة على سفوح الكرمل .. وكعادتي حين تهاجمني رياح الشوق إلى حديثٍ مطول معك .. آتي إلى هنا .. وفي جعبتي الكثير من البكاء .. وبعض الكلام الممنوع من الصرف !
بعضُ الغيَّاب عادوا  من غيابٍ طويل ..
والبعض يغادر دون أن تعرف إلى أين وجهته .. وإلى أيِّ زمان أصبح الآن  ينتمي !
وحدك من لا يغادر .. ويبقى حياً في القلوب .. يشرب من عين الصباح .. ويُسقي بيمينه عكا وحيفا والكرمل وصفد .
القهوة اليوم ..  في هذا الفضاء الذي يحتوي روحك في بيت من بيوت  القصيد .. أصبحت بطعم الحنظل .. القهوة اليوم  تفتقد إلى سكر حديثك .. تفتقد إلى شهد الكلام .. فليس سواه المرار يغمر حياتنا .. كما تغمر الثلوج قمم الجبال .
نحن الآن في حالٍ لا يسرُّ الحبيب .. ولا يغيظ العدا .. نحن نمرُّ بحقبةٍ  زمنيةٍ  دخيلة على تاريخنا ..
نُخدع  في كل يومٍ  ألف مرة .. ولكن ليس لذكاء المخادع .. بل لغباء في سعة مداركنا !
نصدق الآخر .. الآخر الذي بنيَّ .. وتشكلَّ من الكذب .. والمراوغة .. ونقول لأنفسنا .. ونوهمها .. أنه
شبع كذباً .. وأنه لا بد أن يعود إلى المسار الصحيح .. فنفاجأ بأن أفكارنا وكلماتنا قد نصبت للتوِّ على أعواد المشانق !
الكلُّ يكذب .. اليوم الكلُّ يكذب .. الصغير والكبير يكذب .. الكلُّ يكذب .. لكن كذب ينمُّ عن غباءٍ  كبير..
أيام الذكاء .. والدهاء .. والخداع المبطن .. ولَّت إلى غير رجعة .. كل شيء أصبح على المكشوف .. ومع ذلك نخدع كل يوم ألف مرة !
من أين أتانا كل هذا الغباء .. وفي أيِّ دهر احتلنا .. ونحن لم نكن نعي أننا محتلون إلا  من عدو واحد ؟!
اكتشفنا اليوم .. وبالصدفة المحضة .. أننا محتلون من هذا الغباء الذي أخذ يتكاثر .. وينمو ..  ويكبر أكثر بكثير من أشجار الزيتون في بلادنا .
هل تذكر أشجار الزيتون بكرمها .. وبهائها .. وعظمتها .. اليوم بدأت تظهر إلى جانبها أشجار غباءنا !
كيف ضحك علينا الآخر .. ونال منا كل هذا ؟
كيف ترعرعت السذاجة في عقولنا وأفكارنا .. وانتشرت كما تنتشر النار في الهشيم ..  ثم تسللت  إلى جيناتنا .. وأصبحت من الصفات المكتسبة .. بل وأخذنا نورثها جيلاً بعد جيل !
أتذكر كم ركضنا في رياض المدارس ..  وحرم الجامعات .. وكم خبئنا من الكتب  تحت المعاطف .. وداخل الجيوب .. خوفاً من عيون الظلم  ..
هم اليوم يخبئون الرغيف  !
فالجوع قد احتل البلد ..  والويل لأمة تكالبت عليها شتى صنوف الظلم والقهر ..  فنسيت عدوها الأوحد .. الذي تفشى كالسرطان في الكبد  !

وعكا .. لن أكلمك عن عكا أو الكرمل أو صفد ..  فأنت أدرى الناس بهم .. وكيف مزقوا جدائلهم العربية  .. ووزعوها على الغرباء .. وما لبى نداءهم أحد .. وما التفت إليهم من ملتفت .

لو بقيت معنا إلى اليوم لرأيت كم سيفٌ سيشهر في وجهك .. ويطالبك بالرحيل عن كل معتقد ..
وما أكثر السيوف التي تدك خاصرة الوطن الكبير اليوم .. سيوف التطرف .. والتشهير .. والتكفير .. والتعريب .. والتغريب .. ......
هو أيضاً مزقوا جدائله كما جدائل عكا والجليل والأقصى وأبواب القدس السبع  ..
ولكن جدائله لم تعطَ للغريب .. بل ألقوا بها إلى هامش التاريخ .. فلن تفيد أحداً ..
هذا التاريخ الطويل العريض المشع البراق الذي طالما غنيته في أشعارك .. محوه .. مزقوه .. زيفوه ..
نالوا منه .. ووضعوا عوضاً عنه تاريخاً آخر .. غير مقروء .. غير مفهوم .. غير منتمي لأحد .
نحن اليوم يا محمود  لم نعد نخبىء الكتب داخل معاطفنا .. بل أصبحنا نخبىء كسرة الخبز!

الجمعة، 24 أكتوبر، 2014

بوابات الانتظار





بوابات الانتظار
إلى الراحل , الساكن فينا  " الشاعر طلعت سقيرق "
أنا ما عرفتُ الانتظار يوماً إلا على بوابات القدس . أنا ما أغراني الانتظار في يوم , ولا اشتهيته , ولكنه جسر العودة جعلني بطيئة الخطا , حتى لا تقع أقدامي الصغيرة  في نهر الأحزان , فتضيع مني خطواتي , التي هي وحدها من تعرف سرُّ الطريق إلى بيتي هناك .
أنتَ , في غيابك الذي أمضغه على مضض , لأنه لا صباح له أنشره فيه على حبال الشمس , فيستلقي الوجع في دفءٍ , وتتسرب منه خيوط الوهن التي أثقلته , فيعود رشيقاً , زهو الخطوات , خفيفاً من الألم , فأبقى ألوك الوجع بين أضراسي , أخشى أن أبتلعه فيفقد بعضاً من ملامحه الثائرة , وأخشى أن أبقيه فأفقد ما تبقى لي من أسلحة أواجه فيها نفاد الصبر .
غِبتَ , وتركت حيفا في الغياب تنتظر .
 حيفا تنتظر الشاعر الذي كان يرسل القوافي مع إحدى الغيمات  المسافرة إليها  كل صباح , فتعود إليه في المساء ممتلئة برائحة حيفا , وجدائل حيفا , وسحر حيفا , فينظم فيها ما يشاء من ورد القصيد , ويسدله على آخر الأشجار المغادرة إلى حيفا , ويودعها قبلاته الحارة , وبعضاً من وصاياه الأخيرة , أن ابقي حيفا على أكفِّ الانتظار , ولا ترحلي مع الغريب ,
 لا ترحلي  .
وجسر العودة ينتظر , ينتظر خطواتٍ ما عادت تمشي فوقه بخوف ووجل , وما عادت تنتظر بلهفة الطفلة باب العودة أن يُشرع , فتطل منه القدس بكامل هيبتها وأناقتها , وتطل مآذنها , وكنائسها , وشوارعها العتيقة , وأبواب كانت هيَّ متاحفَ للبصر , وملاذاً للبشر , فتهمس بأذن الرسل .. إليكم , وعليكم ,
مني ألف سلمٍ وسلام .
وكرم الزيتون في الحقل المجاور لخيمة العودة , كان ينتظر أيادٍ حنونة , تداعبه برفق , وتضعه في الحضن , وتدعو له بالبركة , وبعد أن طال انتظاره , أخذ يتساقط مضرجاً بدمائه كالقتلى , ويتسابق كالفاتحين في مرمى الموت , فلا يجد من يقرأ عليه سورة الفاتحة , أو يلثم جبينه عند الشهادة , ويدعو له بالثواب والمغفرة .
وبقاع طاهرة ما دُنس ثوبها إلا من نعال العابرين , وما كفَّت يوماً عن الانتظار , صلبت على مواعيدٍ وهمية , زرعت منذ النكبة الأولى على شرفات الأحداق , بأننا عائدون , وهذا المفتاح علينا وعليهم يشهد , وهي للآن تحلم بالقادمين من الأفق اللازوردي ,  والهابطين من سابع السماء , كي يرفعوا أشباح الليل عن أحلامها ,
وبقيت إلى الآن مصلوبة على أعواد الانتظار !
الانتظار فنجان الحياة  , مرُّ المذاق , حلو المذاق , بنفس الآن , من يلعق مذاقه الحلو , مع مذاقه  المرِّ , يتعلم فنون الصبر على الأوجاع , ويتعلم فن الإبحار دون سفينة في عرض البحر , ويتعلم فن السباحة ضد الأمواج العاتية ,  ويتعلم فن التمرد , وكيف يكون النغم  " لا "  , فنرفعها  شعاراً فوق رؤوسنا , ونكتبها بالدم على الجباه , ولا نستبدلها مهما نهشتنا مخالب غريبة , أو لطمتنا أياد الغدر والطغيان .
لن أقلق نومك الهانئ أكثر .. فحالنا اليوم أشبه بحال المحتضر , ولكن بلا موت يسعفه , وأخشى أننا سنخرج فيما بعد  جماعات غفيرة  إلى الصلاة ,  صلاة الاستسقاء طبعاً , نستسقي الموت ونتوسله أن يهبط إلينا , فالمطر كثير جداً , ولكن لا حاجة لمحتضر بالموت إلى الماء ,  الموت أصبح مطر هذه الأيام , الموت أصبح مطر هذه الحياة .




الأربعاء، 15 أكتوبر، 2014

يسألني الخريف

يسألني الخريف
يسألني عنك الخريف .. تسألني ركوة القهوة .. محبرة الحروف .. وبعض الأوراق المتناثرة على سطح المكان .. تسألني ذكريات طويلة جمعتنا على مرِّ السنين والأيام .. وصور غابت عن العين .. وبقيت تئن في طيات الوجدان .. يسألني عنك الغيم والمطر  وأوراق الخريف وعناقيد تدلت من شرفات النسيان .
لماذا يتواجد الحزن على موائدنا .. ويتناول طعامه في أطباقنا .. من شرع للحزن باباً يدخل منه إلى صباحاتنا .. من قال بأن الحزن ضيف مرغوب فيه .. يرتدي من ثيابنا .. يقرأ معنا الجريدة .. يخربش على صفحات الكتب القديمة .. ويكتب باليد اليسرى على الجدران .. وينغمس في ملامحنا إلى أن يصبح شبيهاً لنا .. أو لبعض الصور الكالحة منا  ؟
لا يفرحني كل هذا الغياب .. وجودك الغائب يستفزُّ جنوني .. كيف تتنحى الهامات الكبيرة .. وتركن الحروف إلى رصيف عابر .. يجهل خطانا ..لا يميز وقع أقدام الغريب  من وقع أقدامنا .. كيف نصبح نكرة في ثياب مجهولة وعلى جبيننا ألف عنوان ؟
 أيُّ البلاد هيَّ بلدي .. وأي الأوطان هو وطني .. وعائلتي .. ومدرستي .. وأول قصيدة حب .. وأول لفافة رسالة سربتها من عقب الباب .. وعناوين الفلسفة .. وكتب المنطق والإحصاء .. كيف غابت كلها .. وحلَّت حروف الفوضى في كل مكان ؟
فنجان القهوة الذي لا يقبل إلا أنت .. ولا يقبلُّ إلا شفتيك .. ولوحات بعرض الحائط كانت لا تملُّ من النظر إليك .. وتشتاق بلوعة المحب أن تمرَّ أناملك عليها بخفة العاشق فترسم قبلة عذراء .
ونمضي بعيداً عنك .. نحتسي رشفة مرَّة من فناجين الأيام .. ونكتب ما يطول شرحه .. ويستعصي فهمه على القراءة والقراء .. ونقول بملء التحدي .. أنا ما أزال موجوداً .. رغم أنف الظلام  .
 أنا  مثلك يا وطن حاضر وغائب بنفس الآن .. حاضر على الورق .. على الخريطة .. على أجندة الذكريات .. وغائب غارق في البحث عنك .. عن آخر عنوان لك .. وأين كانت آخر خيمة تتقبل فيها العزاء .. وهل صادرت هويتك آخر ريح هوجاء هبَّت على البلاد ..  أم بقيت كما أنت .. أقدامك في المنفى وجبينك يعانق السماء !
 أين أنت يا وطن .. دلني على الطريق إليك .. فلقد تُهت كثيراً وأنا أبحث لك عن عنوان !
 والخريف لا ينفك يسألني عن ركوة القهوة والمحبرة والأوراق وزنزانة قديمة رميت فيها كل ذكرياتي ليسهل عليَّ خلفك الترحال ..

يسألني الخريف عنك .. فبماذا أجبه .. وهل لك اليوم أيُّ عنوان ؟

الاثنين، 6 أكتوبر، 2014

تمرُّ الأعوام

تمرٌّ الأعوام
في ذكرى رحيل الوالد  
ويستمر الاشتياق .. تستمر قوافل الاشتياق بغزو قلبي صباح مساء .. تأتي الأعياد تنقصها نكهة الأعياد .. ينقصها وجودك .. تنقصها مباركتك .. تنقصها تهنئتك بالعيد .
حلوى العيد  التي أصبحت لا يقترب منها أحد .. فنجان قهوتك المرة .. مسبحتك التي تداعبها أناملك المرتجفة من خشية الرحمن .. بَّحة صوتك التي كانت تملأ المكان أنساً ودفئاً وضياء .. كلماتك القليلة التي كانت كعناقيد الذهب تزين الرأس كالتيجان .. وضحكتك التي كانت تمزق أغشية الفضاء وأنت تداعب الصغار  يملؤك الفرح , وعيناك يفيض منهما الشكر لله .
وأكثر من هذا بكثير يا أبي أتذكره اليوم في الذكرى الثالثة للرحيل .. بل وأتذكر الأكثر مرارة في زمن أصبح العلقم فيه شهدنا , والتجبر والقسوة  من ملامح بني البشر .
القدس يا أبي أصبحت بعيدة .. بعيدة جداً .. كل يوم تغرق في براثن التهويد .. والأقصى يا أبي الذي أمضيت العمر في انتظار أن يعود لتقدسَّ فيه حجتك أصبح بعيداً .. بعيداً عن اليد والنظر .
كم قلت لهم سيغضب أبي .. سيحزن أبي .. سيُقهر أبي .. لو مسَّ الأقصى شرٌّ .. لكنَّهم الأخوة يا أبي كجبال الثلج .. أصابهم التصدع .. أصابهم السكون المخيب للرجاء .. أصابهم العطب والصمم .
والأقصى لم يعد كسابق عهدك به .. لم يعد يستغيث .. الأقصى تخلى عن الاستغاثة .. الأقصى يقف على قدميه وحيداً , وسيف الظلم يبتر من أحشائه قطعة , قطعة .. والأخوة تماثيل جريحة .. لا يهتزُّ لهم رمش في جفن .
وماذا أقول يا أبي أكثر .. لم يكفني فقدك .. بل أنا أفقد ما كان غالياً عليك كثيراً أيضاً .. بدأت أفقد الوعد بالعودة .. حتى فستان العودة لن يأتي .. فأنت من وعد بفستان العودة وأنت رحلت , وأنا كبرت , وجدائلي غزاها الشيب , ودميتي مزقتها الريح  , ولكنني واقفة يا أبي على أبواب العودة .. معي الأخوة المرابطين .. الذين ما يزالون على العهد .. الذين ما زالوا يستنشقون أكسجين الحياة من رئتي الأقصى .. هم معي .. ننتظر جميعنا العودة  , وبيدنا مفتاح العودة كما سلمتني إياه يا أبي .. يلمع ويبرق في قلبي وعقلي ووجداني , وفي وجدان كل الصغار .. أحفادك يا أبي ..

نم قرير العين يا أبي فالعودة ما تزال رايتنا إلى أن تعود فلسطين , وتعود لنا شجرة الليمون في القدس , وصلاتك التي بقيت هناك تنتظر في باحات الأقصى , وألف رحمة ونور تتنزل على روحك الطاهرة .

الجمعة، 19 سبتمبر، 2014

مدينة أيلول الجديدة

مدينة أيلول الجديدة  . 

نوارة  قلبي .. نوارة عمري .. أيلولي ! 
من قال بأنك أصفرُّ اللون .. رماديُّ الخطوات .. متقلب المزاج .. هائج .. مائج .. 
مبعثرٌ  لكل اللحظات  ؟
أنتَ يا أيلول .. ورديُّ اللون .. ورديُّ القلب .. ورديُّ العمر .. ورديُّ المشاعر .. ورديُّ الإحساس .. 
وأنت أيضاً ورديُّ الجنون .. ورديُّ التقلبات .. ورديُّ المزاج .. ورديُّ الهفوات .
أما أنا فكما تعرفني عصبية جداً .. حادة جداً .. غيورة جداً .. متقلبة المزاج .. 
لكنِّي ورديّة الفؤاد .. ورديّة الوجد .. ورديّة المشاعر .. ورديّة الهمسة .. ورديّة الدمعة ..
مثلك يا أيلول .. أنا ورديّة الضحكات  .

شعرتُ بغربة في مدينتي .. 
شعرتُ بأن هذه المدينة .. مدينة قلبي  ..
المدينة التي أخفيتُ عنك خريطتها حتى لا تتبعني أنفاسك فتربك نهاراتي .. وتشتت مساءاتي .. 
وتتركني فريسة للقلق وللانتظار .. على شوارع لا تمرُّ عليها سوى رجعُ ذكرياتنا .. وصدى همساتك !

اختبأتُ عنك هنا في هذه المدينة التي لونتُ أنا طرقاتها .. وشوارعها .. وعلقتُ بيدي يافطاتها ..
وكتبتُ بأناملي الطرية على لوائحها من يحق له فقط المرور من بواباتها . 
هذه المدينة التي غرقتُ في حبِها خلسة عنك.. أنكرتني ! 
أنكرتني طرقاتها التي رسمتها أنا بريشة ألواني  ..
أنكرتني الشوارع والممرات .. حتى اللوائح أنكرتني  وتنكرت لي ! 
ضاقت عليَّ هذه الطرقات .. وأطبقت ممراتها على صدري .. وأصبحت كابوساً يجرُّ أقدامه الثقيلة كل مساءٍ على مساحات قلبي .. 
أصبحتُ وحيدة يا أيلول  ..
فقررت أن أخلع عني مدينتي ! 
أن أخلع عني طرقاتها , وممراتها , وشوارعها , ورائحة الصيف فيها ! 

 دخلتُ مدينتي لألقي عليها نظرة الوداع .. 
فأنا رومانسية أحياناً  .. أو هي إحدى نوبات جنوني !  وفتحتُ باب مدينتي لآخر مرة كي ألقي عليها نظرة الوداع !
من أخبرك يا أيلول بأنني هنا , أتيت ألقي على مدينتي نظرة الوداع  الأخيرة ؟
من أعطاك خريطة مدينتي .. من أحضرك اللحظة لتأخذ مني حقائب يدي .. وتعلن أنها أصبحت مدينتنا .. وأن الخريف من هنا .. والصيف من هنا .. والشتاء من هنا .. والربيع من هنا .. وأيلول من هنا . 
 وسنعدل خريطة الأشياء ليصبح لأيلول ركناً في مدينتي .. ومقهى في مدينتي .. وفنجاناً من القهوة المرة التي اعتاد أيلول أن يشربها كل صباح على شرفة قلبي .. 
وأعلم يا أيلول أنك لن تطيل البقاء  ..وأنك دائم الترحال .. وأنك عصفوري المهاجر .. وأيلولي الغائم .. وفنجان قهوتي الحائر .. متقلب المزاج ..
لكني في هذه اللحظة أحتاجك .. 
فشكراً لقدومك .. 
شكرأ لأنك بالقرب من قلبي الآن  ..
شكراً لأنك داخل أسوار مدينتي .. 
داخل أسوار مدينتنا .. 
مدينة أيلول الجديدة  . 

الاثنين، 8 سبتمبر، 2014

الحج إلى صقلية “ Sicily ”






 الحج إلى  صقلية
“  Sicily ”


 لست غريبة .. هذا كان شعوري حين وطأت قدماي أرض جزيرة الأحلام  ..
 أنا لست غريبة في سيسلي !
كان أول ما عانقته عيناي في مطار " كتانيا " هو شجرة الصبار .. نبتة الصبار هي أرق  ما أتذكره من طفولتي السعيدة في القدس .. بل هي أفضل ما يعنون أرض الديار ..
كنت كلما اقتربت من سيسلي أكثر كلما شعرت أنني ألج من أبواب القدس السبعة  إلى الحرم .. أجوب شوارعها العتيقة .. أدخل حاراتها  وأزقتها .. وأشتم رائحتها العتيقة المعتقة في قوارير الفؤاد  ..
رائحة هذا المكان أنا أعرفها جيداً .. أنفي يدركها .. يألفها .. يميزها .. يعشقها ..
 الشوارع .. البيوت .. الطرقات .. الأزقة .. شاطىء البحر المترامي الأطراف .. لون البحر الأزرق الداكن كعيون الخرز .. حديث الناس .. طيبة القلوب والنفوس .. علاقات الجوار .. كلها أعرفها جيداً ..
أعرفها منذ طفولة سلفت في القدس .
أحضروا إليَّ طبقاً من  نبتة الصبار بلونيها الأبيض والأحمر .. وقالت لي الجارة بتودد كبير .. تذوقي الأبيض منها .. إن مذاقه ألذ بكثير .. قلت لها هذا
 "الصبر"  أنا رُبيت عليه في أرض كانت .. ولا تزال .. تسمى فلسطين  !
في اليوم الثاني أحضرت إليَّ  طبقاً من التين الأخضر .. الفاكهة التي تشتهر بها  جزيرة سيسلي " صقلية " .. فضحكت المرارة في قلبي وأجابت عني .. إنَّ أشجار التين تولد في منازلنا .. وتكبر معنا في حدائقنا .. تصل إلينا من النوافذ .. وتلقي بثمارها على الأرائك والوسائد  ..
التين يا جارتي كما الصبار .. كلاهما من أفراد عائلتي .
كل شيء في سيسلي كان مألوفاً إليَّ .. ركضت في شوارعها وطرقاتها كأنني تلك الطفلة التي كانت تركض في شوارع القدس قبل  دهرٍ من الآن ..
كنت أصافح الجدران والأبواب وكنائس المدينة ..  لم يعقني شيءٌ أبداً .. ولم أستهجن شيئاً  .. وكأن  كل نسمة هواء كانت تمرُّ في رئتيَّ كانت  تقول أهلا بك محارة فلسطينية الوجنات .
حين وصلت الفاتيكان .. كان البابا يحيِّ القدس من نافذة السلام .. كان يتكلم عن موطن السيد المسيح .. وأنا أشعر بالفخر والاعتزاز .. فأنا يا قوم من هناك .. أنا من تلك الأرض الطاهرة .. أرض الأنبياء ..
في حديقة " البستاشو " "الفستق الحلبي " .. قالوا لي .. هذه الشجرة تتكلم لغتك .. هذه الشجرة لم تكن نعرفها في سيسلي .. أحضرها قومك إلى هنا .. غادروا هم .. وبقيت هي .. فأصبحت الرمز
 والعنوان  ..
تسلقت جبالاً وتلالاً .. ومشيت بمحاذاة الأنهار .. ركبت البحر .. وصعدت على أمواجه نحو السماء .. أعلو وأدنو من عرائس البحر .. ويهوي قلبي في كل تجاه .. ألتقطه ببسالة الفرسان .. وأخلع عنه رداء الخوف .. وأمضي نحوك يا  فلورنسا فأتوجك عاصمة للتاريخ .. وأقلدك الوشاح ..
فيك أرفع عينيِّ نحو السماء .. سماؤك يا فلورنسا لا لا تشبهها سماء .. فيها ينحني الغروب .. ويسجد لرب العرش .. يسبح طويلاً قبل أن ينام .. بينما تستلقي أنتِ يا فلورنسا على كتف الدلال ..
ويلهج لساني .. ويخفق قلبي بالدعاء .. أنا لا أملك إلاَّ حروفي يا فينيسيا .. فهل تكفيني للإبحار ؟
آتية من فلورنسا مدينة الكنائس والخمائل والخيال .. لأبحر في بهائك يا فينيسيا .. وأكتب رسائلي إلى عشاق الأرض .. إنها فينيسيا يا قوم .. "البندقية " التي ترك لي فيها قومي مركباً  يتهادى على الشطآن ..
يحملني إلى قلب البحر ويهدهدني بحنان .. ثم يعود بيَّ كما تعود الشمس إلى موطنها آخر النهار ..
أنا هنا يا فنيسيا جئت أحمل إليك من بلادي القدس ألف تحية وسلام .


الجمعة، 15 أغسطس، 2014

نغم من بلادي

نغم من بلادي
الآن .. وبعد أن دُمرَّ  بيت الكلام  .. وأصبح الحضور فارغاً من غوايات العصافير .. وباقات الورود .. ورائحة القهوة  .. وأغاني الصباح .. وشقشقة شمس الضحى .. أُعلن للسماء والأرض .. أن الكلام قد أصبح يتيماً على موائدنا ..
في الماضي .. قبل ألف صورة من الآن .. رجوتك بحرارة المحب أن تأخذ صورك بعيداً عن عينيِّ .. لا أريدها أن تسرقني مني .. لا أريد  لنظرات الشوق التي تهبُّ كجحافل النيران من عينيك أن تأسرني .. وأن تكبلني بأشعار تدندن بها نجوم السماء قبل أن ينطقها لسان قلبي ..
اليوم .. بعيداً عن الماضي .. بعيداً عن تلك الصور .. وبعيداً عن عينيك .. وما علق فيها مني .. وفي هذا الحاضر .. الحاضر الخانق .. كل الصور باردة .. كل الصور باهتة .. لزجة .. ليس لها رؤوس .. لها فقط  أذناب وأصابع ..
حضورك اليوم أصبح بلا معالم .. ملامحك يكسوها دخان المعارك .. صوتك عويل السبايا .. كلامك جعجعة حروب .. لكنِّها حروب ساقطة .. أسقطها التاريخ من دفاتر أيامه .. قال عنها في حديثٍ له عبر الهاتف .. أنها مجرد صولات وجولات بين ذراعيَّ المحارب .. هيَّ ليست غزوات لفتوحات أو انتصارات أو غنائم .. بل هي رميٌّ لسهام الغدر في قلوب الأشقاء وفي المآقي والمدامع ..
تبكي أنت .. وأنا ألملم الدمع .. والدم المتناثر على أرصفة القصائد ..
كم يكلفنا هذا الوطن ؟
كثيراً ..
وللفقراء .. كل شيء !
 من غيمات حبلى بالدموع .. إلى زنود الأحبة التي طارت مع قصف الريح .. إلى لقمة الحياة  التي دفنت تحت سابع أرض .. إلى خطوات الطفولة الشاردة .. المشتتة .. الملقاة على أرصفة المنافي .. إلى خيمة تئن طِوال الليل .. لا يسكن وجعها .. ولا يذبل دمعها .. ولا تسلم من سكاكين الليل .. وعواصف التردي الجامح  ..
الآن .. وبعد أن دُمرَّ  بيت الكلام  .. أدعوك للاقتراب .. لا يهم إن كانت  ملامحك غائبة خلف نشرات الأخبار الكاذبة .. ولا يهم إن كانت أناملك ترتجف من برد الخيام  .. والأزقة المتآكلة .. ولا يهم إن رحل صوتك خلف الأحبة يستحث حضورهم .. وإن زاغ  بصرك وهو يتفقد ما بقيَّ لنا من جدران  نستند إليها عندما تمطر السماء أكفاناً ..

المهم أن قلبك في صدرك لا يزال ينبض .. وأستطيع إن ألقي برأسي التائه على وسائده الآمنة  .. وأن أسمع نغم من بلادي .. يعدُ  بأن نكون أنا وأنت أول العائدين  .. لو على جناحيِّ طائر ..

الأربعاء، 6 أغسطس، 2014

رسالة من طفل غزة إلى سلاطين العرب

رسالة من طفل غزة إلى
سلاطين العرب
أضاقت بكم الدنيا فلم تجدوا سوى أرضي وساحة ملعبي وصفوف مدرستي كي تفقأوا عين الشمس فيها وتقنصوا حبات المطر.
أضاقت بكم صفحات المدى فبترتم البسمة على شفتيِّ وخنقتم الأمل المتدفق في قلبي وأوردتي ولهاث خطاي المتهالك على سلالم مدرستي .
أضاقت بكم نسمات الهواء التي تداعب رئة الطفولة في جسدي فأطبقتم عليها كماشة أنيابكم تريدون تمزيق رئتي وتمزيق حلمي وتمزيق أملي وشمس نهاري وملامح غدي .
ماذا جنيت لكم  ؟  ماذا طلبت منكم ؟
هل طلبت منكم ملاعب الطفولة وحدائق البنفسج وبيارات البرتقال ومشاتل الزيتون  ؟
هل طلبت منكم حقائب الدرس وأدوات الرسم وفرشاة التلوين ؟
هل طلبت نزع خارطة الكون ولصقها وشماً على زندي وضرب بوق الصباح ونشيد العلم وهتاف الرفاق في طابور الدرس ؟
هل طلبت ماءً ، فضاءً ، ذرات أكسجين ، حبات قمح ، سترة نجاة ، هل طلبت عنواناً لأسمي وخارطة لأيامي وقنديل فجر لليلي الطويل ؟
أنا لم أطلب سوى مهد الطفولة وحضن أمي وحلم أبي أتدثر فيه  وأكبر به ، فلماذا قصفتم سريرالطفولة وشردتم الحلم الدافىء والأمل اليتيم وألقيتم بأشلائي إلى أحضان العدم ؟
ماذا جنت لكم أحلامي حتى تقصفوا عمرها في المهد وتدمروا جذورها وتبعثروا كل ذرة فيها وتنثروها في ضباب حقدكم فتحجبوا عن عيني ضياءها ونور آمالها وحلم أحلامها ؟
ألا تكفيكم جلُّ البقاع التي طمستم هويتها وقدمتموها إلى عدوي على طبق من فضة .
ألا يكفيكم ضرب الأعناق وتكميم الأفواه وقلع الأضراس وتثبيت أعواد المشانق والخيام .. وماذا بعد تريدون حتى تكتفوا ؟
يا سلاطين العرب ماذا تريدون مني ؟
ماذا تريدون من نسمات الهواء التي تداعب وجنتيٍّ كل صباح على شاطىء عمري وبحري ؟
ماذا تريدون من حدائق البنفسج وأكاليل الياسمين التي تحضن وجعي وقهري في ساعات الغروب وقبل أن يخيم الظلام الذي رسمتموه في سمائي .. سماء غزة ؟
ماذا تريدون من دمي ؟
هل بتم تثملون على عصارة دمي ؟
هل باتت هذه الأنامل الطرية التي تعض على قلم الرصاص لتخط اسمها برأس الصفحة فتعلن للعالم بأسره ولادة طفل فلسطيني من رحم الدمار هل باتت هذه الأنامل ترهبكم ؟
إذاً فإليكم رسالتي يا سلاطين العرب :
أنا وأشقائي أطفال غزة الحرة  سنشكوكم إلى التاريخ ... هل تذكرون التاريخ  ؟
هل تذكرون التاريخ يا سلاطين العرب ؟
هل تذكرون صلاح الدين الأيوبي وركن الدين بيبرس ؟
 هل تذكرون اشبيلية وغرناطة ؟
 هل تذكرون فتوحات الأندلس ؟
هل تذكرون المسجد الأقصى وقبة الصخرة ؟
التاريخ ... التاريخ أيضاً لن يذكركم يا سلاطين العرب ، سيذكر فقط طفلاً كان يلعب بدميته ثم قصفته يد الغدر فاستشهد هو والدمية وجلَّ أحلام الطفولة ومقاعد الدرس وخطوات المستقبل التي أعدمتموها على أعواد مشانق طمعكم وجبنكم وخوفكم وخلافاتكم وتخاذلكم ولكن هذا الحلم الفلسطيني سينبت من جوف التربة السمراء ومن داخل ملاعب الطفولة وسيحرر الأمل والحلم والبسمة وسيرفع راية فلسطين وسيذكره التاريخ يا سلاطين العرب ... سيذكره التاريخ.