ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الأربعاء، 25 ديسمبر 2013

للشمس سلام

 للشمس سلام
استدعيت أوراقي والشمس على عجل .. فأنا لا أحبُّ الكتابة برفقة الأضواء الملونة أو الصاخبة .. ولا أحبُّ مرافقة الأضواء المتموجة والمتعرجة حسب حالة الطقس  وخريطة البرد الذي يهجم فجأة دونما سابق إنذار .. فيحتل المكان .. وينتشر في الخلايا .. ويتمدد في المسامات .. ثم يقضم الأفكار بنهم شديد .. ويلقي بالقشور إلى صفحات الجرائد والكتب .
 الشمس كفيلة بكل هذا البرد .. كفيلة بفك رموزه الغامضة .. كفيلة بقراءة سطوره الباهتة .. كفيلة بالبحث في سراديب أحلامه .. في ذاكرته العتيقة .. في بطينه الأيمن أو الأيسر .. في مكامن أسراره ..
الشمس  كفيلة بأن تجد لكل معضلة الحل .
الشمس التي إن رضيت استرخت .. وأرخت دفئها وحنانها على أكتافنا .. فأصبحنا نفوق الأشجار طولاً .. والبحار عرضاً .. والنجوم رفعة وسمواً ..
و إن غضبت مالت عنا واحتجبت .. فبتنا أقزاماً .. لا طول لنا ولا عرض .. لا رفعة ولا سمو .. ولا نكاد نرى بالعين المجردة ..
ومع ذلك فهناك من يستخف بالشمس .. من يتجاهلها .. من يوصد في وجهها بابه .. ويتوحد مع عتمة الليل .. ليشعل شمعة هزيلة يكتب بدموعها الثخينة أحلام الكون ..
ومنهم من يواعد القمر .. يتودد إليه ليكتب عنه رسائل الغرام إلى حبيبته التي ضاعت منه أثناء  حرب البسوس .. ثم يطبع  قبلة خجولة على جبين الورق .. رمزاً لحبٍ عذري لم يتحرر للآن من قبضة القمر ..
ومنهم من يغلق نوافذ عينيه وقلبه .. ويوصد كل الأبواب بوجه الشمس والقمر والسهر .. ويكتب فقط بأعواد من الفحم .. حكاية كل البشر ..
أنا لستُ منهم .. نعم أنا لستُ منهم .. وأعلنت براءتي للشمس وللبشر وللحجر ..
أنا الشمس أمي وأبي وحبيبتي وقبيلتي .. قومي هم الذين تخلوا عن داحس والغبراء منذ قرونٍ خلت .. هبطوا من جزر القمر .. تدفقوا من قلب المحيطات .. خرجوا من قلب الحكايات القديمة .. من قصص ألف ليلة وليلة .. وأتوا يرفعون الزنابق البيضاء .. يرتدون أحلاماً نُسجت بأنامل شهرزاد .. وينتعلون خطوات نجت من بطش شهريار ..
هؤلاء قومي الذين ينتمون إلى الشمس وإلى الفضاء الرحب وإلى الأفق اللازوردي .. الذين يصافحون الشمس بأكف خالية من القفازات .. وينحنون دون أن يرفعوا عن شرايينهم القبعات ..
قومي مثلي حين يكتبون التاريخ يستدعون الشمس لتجفف أنهار الخطيئة من حولهم  وبرك الدموع التي تسبح فيها ضفادع تدّعي القدسية وهي التي يتعوذ منها إبليس ويرجمها بالحجر ..
قومي مثلي يكتبون التاريخ على ضوء الشمس .. لا يعترفون بالشمعة ولا القنديل ولا الفانوس السحري الذي يضيء لهم ما يشاءون  من الحروف .. ويخفي  ما يخفيه من مجازر ارتكبت في وضح النهار وعلى مرمى البصر .
أعتذر يا شمس .. أعتذر عن هؤلاء  الذين حاولوا أن يفقأوا عين الشمس .. وأن يغتالوا أشعتك الحانية بشمعة ذابلة .. أو قنديل هالك .. ونسوا أو تناسوا أنك أم هذا الكون .. وأنَّ من رضيتِ عنه أصبح أكثر رفعة وسمواً .. ومن غضبتِ عليه بات لا يرى بالعين المجردة ..
أعتذر يا شمس ..
وإليك  مني .. ومن قومي ألف سلام .



السبت، 14 ديسمبر 2013

في غرفة الإنعاش


في غرفة الإنعاش
حضرت فقط كي أقول ما أعرفه في حضرة الموت .. كل شيء كان معداً للموت .. مزفوفاً إليه ..
 وأنا ما أتيت لأرفع الموت عن جبهتك .. ما أتيت لأسرقك من الموت .. بل لأقول لك ..
 مُت بسلام ..
أتيت لأقول ما يقال عادة في حضرة الموت .. كان بطلاً .. شجاعاً .. فارساً .. مغواراً .. كان ابن أمه ووطنه .. كان فتى الوطن الأول .. وابن تلك البلاد .. وكل ما يقال عادة في حضرة الموت من قصائد الوداع ..
قبل أن أرحل بخطوتين  .. وبعد أن تلوت عليه ما بين يديَّ من تعويذات رمادية اللون والبصمة والميعاد .. رفعَ رأسه فجأة .. وألقى إليَّ بالسؤال ..
عقدت الدهشة لساني .. وتبعثرت ملامحي .. وارتجفت العبرات على وجنتيِّ .. لكنّي سارعت بإخفائها حتى لا يتمكن من قراءتها .. وكي لا يلحظ اضطراب ملامحي وتشتتها من جرأة السؤال ..
 كيف تسأل وأنت تضع قدميك في سلّة الموت .. كيف يخرج منك السؤال وأنت تخرج شبراً شبراً من هذه الحياة .. كيف لم تتبعثر حروفك وهي في طريقها إليَّ .. وكيف وصلتني سالمة كأنها زنابق نبتت للتو على الشرفات  .. فتمايلت تيهاً .. واشرأبت أعناقها نحو سابع سماء ..
لم أجبك .. نعم فأنا لا أعرف الإجابة .. أنا ما أتيت إلا لأقول كلمات الوداع .. فلمَ استوقفتني .. لمَ سألتني .. لمَ جعلتني فريسة الحيرة .. وفارسة الكذبة الأولى في الحياة ..
رحلتَ .. أم لم ترحل .. لا فرق بين الحالين .. فالحياة الآن تشبه الموت .. والموت اليوم وجه  آخر من وجوه الحياة .. لا داع كي تنهض من سريرك .. لا تغادر فراش الموت .. خارج هذه الغرفة لا يوجد ما يستحق الحياة .. دع عنك هذه الحياة .. ودع عنك أيضاً هذا السؤال .. ودعني أتلو على مسامعك قصيدة الوداع ..
أنا يا ابن تلك البلاد الغارقة في الفوضى والخراب .. القابضة على جمر القهر والحزن وسلسلة طويلة من خيبات الآمال .. أنا قبل أن آتيك محملة بعبارات جوفاء .. كنتُ على قارعة الطريق .. أحصي خطوات العابرين إلى الحياة .. أرى أقدامهم وهي تُغرس كعشب بريٍّ على أرصفة الطرقات ..  فلا يخرج منها  سالماً إلا ما شاء الله .. ومع ذلك فهناك أقدام تهرول .. وهناك أقدام تركض عبر القارات .. وهناك أقدام الطواويس تتيه غطرسة و كبراً وخيلاء .. وهناك أقدام تزحف .. نعم أقدام تزحف .. قد تصل إلى غرفتك .. غرفة الإنعاش ..  قبل أن تصل إلى هذه الحياة ..
فارقد بسلام ..
 ولنقل عنك فيما بعد .. رحل بصمت وسلام ..
كان باراً وتقياً .. ورعاً وصالحاً ..
 كان أضحية هذا العيد ..
مات قبل أن ينبس ببنت شفة  .. أو يجرؤ على طرح السؤال ..