ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الاثنين، 21 أكتوبر 2013

أوراق امرأة



أوراق امرأة 

اليوم .. أنا امرأة أخرى .. 

اليوم .. سألبي نداء قلبي المتأرجح بين زوابع الانتظار وعواصف النسيان .. 

اليوم .. سأتصالح مع أوراقي .. سأسكب عليها مداد قلبي يغلي كقهوة الصباح حين تفور على شفتيك .. سأروي ظمأ الأوراق .. سأطفىء لهيب اشتياقها وجمر حنينها إليك .. 

سأرسمك على جدران قلبي .. على مدارج السطور سأزرعك على شرفة الحروف .. سأوشح باسمك صباحات كل الفصول . 

كيف راودتني نفسي الحمقاء على نسيانك ؟ 

أية حماقة هذه التي كنت سأسطرها في تاريخ عمري وعمر أوراقي ؟ 

كيف أمزق وردة تنام بين صفحات دفتري .. تغفو على وسادة السطور .. تلتحف حروف المدِّ .. وتتدثر بتنوين الضم وعلامات السكون ؟ 

اليوم أفقت عليك تداعب أنفي بوردة حمراء كتلك التي كنت أنا وأنت نقطف ورودها في لحظات الجنون .. ألقي إليك بأوراقها .. فتلقي إليَّ بقلبك مسطر بأعذب الحروف .. أذوب أنا فيها .. أغيب عنك .. ألملم ما تبعثر من أنفاسي .. 

كنت حمقاء حين كنت أخفي عنك رغبتي بالمزيد .. حين كنت أخفي هالات الحبور التي كانت ترتسم في بؤبؤ عيني لحظة العناق مع الحروف .. 

اليوم أنا نضجت .. المرأة بداخلي نضجت .. الأنثى بداخلي نضجت .. عواصف النسيان رحلت عن فكري .. 

تصالحت مع الحلم ووعدني أن ينتظرك .. 

في المساء .. في الصباح .. في الظهيرة .. قبل الغروب .. بعد الغروب .. في ساعات السحر قبل موعد الشروق .. 

تصالحت مع الحروف .. وعدتها أن أرسلها في كل ساعة إليك .. في كل دقيقة .. في كل ثانية .. 

ستطوقك الحروف بذراعيّها المحبة وتعانقك .. فأنىَّ لك منها الهروب ؟ 

تصالحت مع أوراقي .. وعدتها بأن أرسمك ليس فقط على جدران قلبي وفكري وخيالي .. إنما بين السطور وفوق السطور وتحت السطور .. في الهوامش والزوايا .. بين الجمل .. فوق جميع علامات الاستفهام .. 

أنت اليوم خارج علامات الاستفهام .. أنت اليوم في عقر قلبي وبين ذراعيِّ .. حتى لو زرعتَ خيمتك باب دارها وأطلت المكوث .. 

أنت منذ اللحظة قلبي .. 

ولن تغادر قلبي .. 

لن تغادر أوراقي .. 

لقد استدعيت الحلم .. أنت منذ اللحظة فارس أحلامي .. فاشهدي عليَّ يا حروف .. 

واشهدي يا أوراقي .

السبت، 19 أكتوبر 2013

أهلا بالعيد .


أهلاً  بالعيد
أنا وأنتَ يا عيد .. أمسياتٌ من عناقيد وعقود ..
أضواءٌ .. شموعٌ .. قناديل ..
بطاقاتُ حب .. ذكرياتٌ مطوية في دفتري العتيق ..
مواقد الشتاء .. أرصفةٌ من البياض .. دمية تناثرت بقايا شعيراتها بين مخالب مشطي العتيق ..
ليالٍ صيفية .. وقمر الجيران خلف نافذتي .. ينتظر معي صباح العيد ..
فستانٌ ورديٌ ينام بجانبي على السرير ..
مذياعٌ .. يهلل .. يكبر .. ينشد ..
أهلاً .. أهلاً  بالعيد ..
وأنا في عجالة من أمري .. قبل أن تفرَّ  أصابع العيد من يدي .. أختطف كعكة بالعجوة .. أضم الدمية إلى صدري .. أقبُّلها .. أمنحها مصروفي في العيد ..
بعد ثوانٍ  قليلة .. أشدُّ ضفيرتها .. أسرقُ منها
 " العيدية " .. وأنطلق مع الريح ..
أقذف ب " العيدية " إلى الهواء..  فيلقي إليَّ  أرجوحات الفرح .. أرجوحات العيد ..
في المساء أعود نادمة .. أضم إليَّ  دميتي من جديد .. أبكي على صدرها .. وأشكو إليها بخل العيد ..
كان بخيلاً  بحضوره .. لم يطل المكوث في الخارج .. مرت ساعاته كالحلم .. كالكذبة .. كالأسطورة  .. لم ينتظر حتى يودعني .. وجدته خلف الباب يلملم أذيال ثوبه .. وينطلق مع الريح ..
مسدت شعر دميتي ووعدتها ألاَّ  أشد ضفيرتها مرة أخرى .. ألاَّ  أسرق منها " العيدية " مرة أخرى .. ألاَّ  أقذف بثروتي إلى الهواء  كي يهديني الفرحة .. والعيد .. والأرجوحة .
في العيد الذي يليه ..
دميتي على الأرض قرب السرير .. دموعها على صدرها .. جدائلها مبعثرة .. بقايا شعيراتها علقت بين مخالب مشطي العتيق ..
وأنا أطير مع الريح .. أواعد الهواء .. أنقده مصروفي فيهديني الفرحة .. والأرجوحة .. والعيد .
ومذياع .. يهلل .. يكبر .. ينشد ..
أهلاً .. أهلا  بالعيد .

طفل في السبعين


طفل في السبعين .
جماله .. لم يفقد من جماله الكثير .. بل ربما أصبح في السبعين أجمل بكثير ..
 العيون جحظت قليلاً .. لكنها مبتسمة طِوال الوقت ..
الشفاه ترهلت قليلاً .. لكنها يفيض منها الشهد ..
 الأنف كَبُر قليلاً  .. لكن بهيبة ووقار وشموخ .. التجاعيد فرشت لها مساحات على الخد والوجه .. لكنها مساحات من ورق الورد .
هدوؤه .. لم يعد يطيق الهدوء .. ولا يعرف إليه سبيلاً .. أصبح كثير الحركة .. بالرغم من أنها تمنُّ عليه أحياناً .. وتقسو أحياناً أخرى .. إلاَّ  أنه يستطيع أن يشاكس هنا وهناك محاولاً جهده أن ينال منها .. أن يستفزها .. أن يغيظها .. ومحاولاً أكثر من هذا وذاك الانضمام وبشراسة الفرسان إلى قائمة الأطفال المشاكسين .
حديثه .. على قلته فيما مضى .. أصبح الآن يكثر من الحديث .. كأنه تحرر من ضريبة اللغة .. وضريبة الحديث  .. فأصبح يتحدث كثيراً .. كثيراً .. دونما حواجز .. دونما خطوط حمراء .. يقفز من فوق السطور .. يتعدى النقاط والفواصل .. ويخدش عن قصد .. أو عن غير قصد علامات الترقيم .. ثم يقف في وسط الكلام ليرسم قُبلة .
أشعاره ..أشعاره في السبعين تضع النقاط على الحروف .. تُكمل ما بدأه طِوال السبعين .. أشعاره التي كانت في الماضي ينقصها توابل الشعر .. وبهارات القصيد .. أصبحت الآن تامة النضج .. نضجت على نار هادئة عمرها سبعون .. ومذاقها عسل مصفى .. وشهد مكرر .. وسكر يخلو من السكرين .
غضبه .. سريع الغضب .. سريع الاشتعال .. سريع النفاذ .. سريع الاحتراق .. ونيرانه سريعة الإخماد .. غضبه باختصار شديد .. زوبعة في فنجان قهوة الصباح .. هبة ريح في صحن الدار .. غيمة عابرة فوق مظلات الصيف .. كمشة من مطر الياسمين .
طفل في السبعين ..  أجمل طفل في الأكوان .. يدرك جيداً ما أنتَ تقول .. ويدرك أكثر ما يودُّ هو أن يقول .. وفي النهاية يحتفظ بكل الحديث في جيبه .. ثم يضع في كفك اليمين .. سكر الكلام .. شهد الكلام .. عسل الكلام .. أطيب الكلام ..
وهذا ما لا يعرفه طفل في الكون ..
 إلا  طفل في السبعين .




الاثنين، 7 أكتوبر 2013

همسة في أذن أبي .


همسة في أذن أبي
إلى روح أبي الطاهرة .. همسة في أذنك يا أبي .. لو جاءت بعد الرحيل .. لكني متأكدة أنها ستصل ..
ما نسيت .. ولا يمكن أن أنسى .. ومن قال أنني تمرُّ عني ثانية لا أذكرك فيها بالخير .. أو أتذكرك ..
كل يوم أنتَ معي .. حين أصبح وحين أمسي .. قبل أن أنام .. وحالما أفيق من نومي .. صورتك أمامي .. وبقلبي وفكري وخيالي ..
أسأل نفسي كثيراً هل وفيتك حقك ؟
بالطبع لا .. مقصرة كنت معك .. ولن أسوق على ذلك الحجج .. أتذكر كيف كنتَ دائماً إلى جانبي .. لم يمنعك تعب أو يثنك إرهاق من العمل .. أن تكون دائماً إلى جانبي وإلى جانب أسرتي الصغيرة ..
وأتذكر كيف لقبتك طفلتي دينا ب " وليّ العهد " .. كانت دائما ترددها على مسامعنا  " سيدو وليّ العهد " لأنك كنت دائماً معنا .. ولطالما سهرت على راحتنا وأنت متعب .. ولطالما أتعبناك وأزعجناك وحملناك فوق طاقتك .. ومع ذلك كنت سعيداً جداً .. وكانت فرحتك لا تكتمل إلا حين ترانا نجتمع .. ونتحولق من حولك .. ولم أكن أسأل نفسي ساعتها .. هل كانت شقاوتنا تزعجك ؟
لم يكن يخطر ببالي أننا قد نكون نزعجك .. بل كنت أتخيل أننا سرُّ سعادتك .. حتى لو أتعبناك أو أرهقناك أو أزعجنا نومك أو أخذنا من وقت راحتك الكثير .. لم نكن ننتبه إلى أوقات راحتك .. كنا نقتحم حياتك كل ثانية .. وكنت في كل ثانية على أتم الاستعداد لاستقبالنا واستقبال شقاوتنا وإزعاجنا ..
بكيتَ أنتَ .. بكيتَ ولأول مرة أراك تبكي في حياتك .. حين حملت حقيبتي وأسرتي وسافرت .. ولم أفهم سرُّ بكاءك في حينها .. وقبل رحيلك بشهر أخبرتني والدتي رحمة الله عليها أنك بكيتَ مرة أخرى  .. لأنني كنتُ بعيدة عنك .. كنت ُفي غربة .. وكنتُ وحيدة .. قلت لها بالحرف الواحد " قلبي على ميساء لأنها في الغربة لوحدها " ..
وأيضاً لم أفهم ..
رحلتَ دون أن أقبل جبينك الطاهر ..
دون أن ألثم يديك العامرتين بالحب والدفء والحنان ..
 ولم أفهم ..
والآن فهمت .. وندمت .. حيث لا يجدي فهم أو ندم ..
إلى رحمة الله يا أبي العزيز .. إلى رحمة الله يا والدتي العزيزة ..
 ربنا يجعل مثواكما الجنة .

الأربعاء، 2 أكتوبر 2013

ليس على هذه الأرض ما يستحق الحياة


ليس على هذه الأرض ما يستحق الحياة  
مع الاعتذار لشاعر الحياة  " محمود درويش " ..  فليس على هذه الأرض الآن ما يستحق الحياة .
لقد فُجعنا بموتك .. هذا كان في حينه .. حين كان الموت أشرس ما نخافه في هذه الحياة ..
 لقد مِتَّ ونلت شرف الموت في أكثر الأوقات بركة .. حين كان للموت مسمى واحد هو الموت .. ووجه واحد هو وجه الموت .. أما اليوم فالموت لم يعد مخيفاً إلى هذا الحد .. بل ربما تسلل إلى فئة الأمنيات ..
فصار الموت عند البعض أمنية .. وربما يصبح في المستقبل القريب حلماً .. كحلم العودة .. ربما وأكثر ..
" لا تذكر الموتى فقد ماتوا فرادى أو عواصم "
 نعم يا محمود فالموت صار له أكثر من وجه فلم نعد نموت فرادى أو أفراداً  بل أصبحنا نموت جماعات .. ربما ما يتبقى بعد الموت منا قد يملأ وعاء أدمي واحد .. هذا إن بقيَّ من الجماعة ما يملأ  قبر فرد واحد ..
وأصبحنا نموت عواصم .. هل شاهدت العواصم وهي تموت .. ألم أقل لك أنك نلت شرف الموت في أكثر الأوقات بركة ..  حين كان يموت الفرد وهذا أمر الله .. لكن العواصم تبقى خالدة مخلدة إلى أبد الآبدين .. أما اليوم فالعواصم تموت .. وقد لا يبقى منها ما يملأ  قبراً واحداً ..
اليوم الموت يمشي في الأسواق .. وعلى أسطح البنايات .. وفي صفوف الأطفال .. وعلى بوابات الحدائق .. ولا يستهجنه أحد .. أو يستنكر تجوله البريء في حدائق الطفولة أو ملاعب الصبا ..
الموت اليوم يحمل جواز سفر .. يتنقل فيه بحرية تامة .. دون أن توقفه دورية تفتيش واحدة .. بينما الأفراد  اليوم لا يملكون أية هوية أو ورقة مدوناً عليهم الاسم .. أو تاريخ الميلاد .. فيعيشون مجهولي الهوية .. ويموتون أرقاماً قد يصعب عدّها وحصرها ..
حين كان الموت يهبط من أعالي السماء كانت تبكي الأرض وتقف على حافة القبر تنتحب وتدعو له بالرحمة والمغفرة  .. أما اليوم فالموت لم يعد زائراً ثقيلاً  .. بل مقيماً على موائد الجميع دون استثناء .. لا أحد يبكي الموت لأن الدموع شبهة يخشاها الجميع .. والنحيب قنابل موقوتة قد تنفجر في ما تبقى فينا من إنسانية .. آخذة في الموت على المدى القريب ..
حين كنا  " نفتح علبة السردين تقصفها المدافع " ..
كنا نرفع أيادينا إلى السماء .. وتلهج ألسنتنا بالدعاء .. الدعاء على من قصف علبة قوتنا ومعيشتنا .. أما اليوم فنحن لا نجرؤ على الدعاء لأن من يقصف رغيف الخبز قد يكون أنا أو أنت أو هو أحد أصابع هذه اليد التي كانت تمسك على الزناد وتوجه دويَّ صرختها إلى هناك حيث كان عدونا يربض على أرضنا الطاهرة ..
 أما اليوم فعدونا كالموت يتجول داخل أرواحنا .. يقطف ما يشاء من أزهار عمرنا  .. ولا تجرؤ دمعة واحدة أن تسيل على الخد لأن الدمعة غدت شبهة .. والموت غدا رفيقاً يسير في رياض الأطفال .. يمسك يد هذا الصغير أو ذاك ويقوده معصوب العينين  إلى مقبرة ليس لها سقف أو جدران ..
والحنين بعثرته الأيام .. فلم يعد هناك من الرفاق من نتقاسم معه الحنين وكأس الشاي .. فخريطة الرفاق طويلة وعريضة لا مكان فيها لاسم يقول أنا من هنا أو من هناك .. فكلها مشاريع موت مؤجلة تسير بنفس الاتجاه ..
لذلك يا محمود نم قرير العين .. فليس على هذه الأرض الآن ما يستحق الحياة .

أوراق أيلولية الجزء الرابع


أوراق أيلولية 4
الورقة السادسة عشر
دبَّت الروح فيه فجأة .. انتفض في مكانه ..ونفض عنه كل ما كان يكسوه من غبرة الموت .. وقال اسقني من ماء الحياة .. فقدمت له كوباً صغيراً كان هو كل ما بين يديَّ ساعتها .. شربه دفعة واحدة .. ربما لم يروِ ظمأه .. ربما كان يحتاج المزيد .. لكنه لم يطلب .. بل اعتدل في جلسته .. ثم قام إلى علبة سجائره الملقاة بإهمال على طاولة تراكمت عليها الكتب والأوراق التي سال عليها بعض الحبر ..
سحب نفساً عميقاً من سيجارته وكأنه يسحب هذه الحياة من جذورها .. أنا لا زلت مشدوهة البصر .. تعتريني كل علامات الدهشة .. كيف استيقظ من نومته التي كنت أظنها النهائية وقفز كأسد يتوعد فريسة .. وها هو يبدأ الحديث عن نفسه .. ولا يتوقف .. وأنا أنظر إليه بدهشة واستغراب ..
كل ما يقوله مهماً جداً .. وأكاد أسمعه لأول مرة  .. ربما أكون سمعته من قبل .. لكنه يخرج منه بحلّة مختلفة .. حلّة جديدة .. أنيقة .. غاية في الترتيب والثقة .. لم يتكلم عن الموت .. عن الحزن .. عن الكآبة .. بل أخذ يتكلم في الميتافيزيقيا ..
نعم أحببت أن أسمع .. كم مضى عليَّ وأنا أعاني من تلوث سمعي .. فأنا آتية من بلاد ومن أقوام يعانون مثلي من التلوث السمعي .. وكنا نظن أننا لن نشفى منه .. ولكني الآن بدأت أتحسن .. وبدأت أذناي بالتقاط الحروف الجيدة للسمع .. الحروف المحسِنة للسمع .. ربما بدأت كقطرات صغيرة ترش بعناية فائقة قرب طبلة الأذن  .. لكنها أثبتت أنها ذات كفاءة عالية لمعالجتي من التلوث السمعي ..
ولامني .. وأكثر من لومي .. ولكن في بضعة حروف .. لماذا تأخرتِ .. لماذا لم تسألي عني من قبل ؟
صدمني السؤال كما صدمني كل شيء قبله .. ولم أجد إجابة واحدة أرسمها على شفتيَّ حين نظر إليَّ يريد إجابة ممن قطعت كل تلك المسافات لتزرع وردة .. فهل هذا يكفي .. وهل هذه إجابة تقنع هذا " المذبوح "  بعد أن عاد إلى الحياة .. وعادت إليه الحياة .. أنني ما أتيت إلا لأزرع وردة .. فكان هو النبع الذي أسقيت منه الوردة .. واسقيت روحي التي كانت على حافة الظمأ .. ولكنها لم تكن تدري .

الورقة السابعة عشر
ربما لم تكن قد دبَّت الروح فيه من جديد .. وربما كانت الحياة تعطيه فرصة صغيرة ليُخرج ما في أعماقه من لآلىء ودرر وينثرها على السطح .. قبل أن يغفو من جديد .. ويذهب في نوم يطول أو يقصر حسب مشيئة القدر ..
وأنا أصبحت لقمة سائغة في فم القلق .. يلوكني القلق على مهله .. يعتصرني بين أسنانه .. ثم يبقيني في فمه .. لا يبتلعني فأستريح .. ولا يخرجني فأفرُّ إلى حيث أقرأ أي شارة أو علامة أو دلالة تقول لي قد عادت به الحياة أو أوشكت ..
أنا التي ولدت ثورة في قومي .. كيف استحلت إلى زهرة بين يديه .. في الصباح أكون بيضاء بلون الإشراق .. وحين تستوي الشمس في كبد السماء أصبح بلون الورد .. وعند المساء أغدو بلون الشعاع فأضيء إليه كل مساحات العتمة .. ليكتب على أوراقي سفر حياته قبل ألف نكسة ونكبة وشتات ..
كيف تضطرب السماء فجأة .. وكيف يكسوها الحزن ..  وكيف تسكن إلى حزن نبيل .. بينما تقفز الأرض دون أن يعتري قفزها ما يعيق .. ما أشد نبلك أيتها السماء وما أفظع جرأتك أيتها الأرض .. قد كان هنا .. على الأرض بين يديك .. ولكن السماء تألمت عليه أكثر منك .. ولبست عليه ثوب الحزن .. وأنت كأن شيئاً لم يكن .. أليس هذا "المذبوح " أحد أبناؤك البررة فلمَ تقسين عليه .. أليس هو من أضاع عمره وهو يرسمك على جدران الغرباء .. ويضع إصبعه على نقطة صغيرة جداً .. لا ترى بالعين المجردة .. ويصرخ في وجوههم .. هذه بلادي .. وبروحي أفديها .. فكيف تتنكرين له بعد كل هذا .. وتستمرين في جريك الدؤوب خلف ظلك المشبوه الحياة .. ولا تقفين برهة صمت تتفقدين فيها من غاب من أبنائك .. ومن حضر ..
يمرُّ الوقت .. ويلوكني القلق .. وتستمر الأرض بالقفز .. والحياة بالغدر .. والسماء في حزنها النبيل .. ويستمر "المذبوح "  بين الحياة والألم .. إلى أن يشاء القدر ..

 الورقة الثامنة عشر

وحيدة ..عدتُ وحيدة .. كما بدأت أول مرة طرق أبواب المجهول فيها لأتعلم منه كيف تكون الحياة .. هذه المرة المجهول علمني كيف يكون الموت !
وبقيت على حافة الانتظار .. مترددة .. متأرجحة بين أن أمضي إلى الأمام .. حيث هو ساكن .. صامت .. لا ينبس ببنت شفة .. أم أمضي إلى هناك حيث قومي ودياري وأصدقاء الطفولة وملاعب كنتُ هجرتها لأجلك أيها " المذبوح "  وما عاد الآن من شيء يجدي .
كنتُ في رحلة طويلة وشاقة .. لا أدري إن كنتُ عدتُ منها .. أم للآن لم أعدِ .. كلُّ ما أشعر به هو أنني عدتُ غريبة .. غريبة .. غريبة ..عن الأهل والقوم والديار والحبِّ .. وإنني عدتُ طفلة تتعلم من جديد كيف نحو هذه الحياة تخطو .. خطوة إلى الأمام .. خطوة إلى الوراء .. خطوة إلى الأمام .. عشرة إلى الوراء ..  
إلى حيث كنتُ .. ولم يبقَ أحد .
لا أدري إن كانت دموعي الآن تسعفني .. إن كانت في شدتي تنفعني .. ربما دموعي للآن لم تفهم ما حلَّ بيَّ من الوجع ..
هيَّ أيام من عمري مرّت عليَّ كالدهر ..أيام ركضت بيَّ بلا وعي ..وتركتني غريبة على حافة الوجع .. أُجلد كل ثانية بسياط الانتظار بلا أمل .. ومع ذلك لا أستطيع ألا أنتظر ..
ماذا أخبر الأهل والأصحاب وبقية القوم .. كل ما حدث .. حدث في ساعة من الزمن .. في غفلة من الزمن .. كنتُ في رحلة خارج هذا الزمان  .. وخارج هذا المكان .. وعدتُ بخفي حنين كعادتي .. وبجرار من الألم ..
الموت .. الموت .. الموت .. لفرط ما تحدثت أيها " المذبوح " عن الموت .. ظننتك أصبحت هو .. مَلَكُ الموت ! ..
 ومع ذلك .. مع كلِّ كآبتك التي كانت تفترش لها مساحات واسعة من أرض السماء .. أنتظرك الآن .. بكل جبروت الانتظار .. بكل عناده وإصراره .. عُد من موتك .. عُد من كآبتك .. فمكانك فارغ .. فارغ .. فارغ .. وبانتظارك .. مكانك فارغ ولن يملؤه أحد ..  والحياة على غدرها وخيانتها أفضل بكثير من الموت .. والبطولة الحقة هيَّ أن تَهزم الموت .. وليس أن تنمق كلمات الوداع .. دع الموت في عقر داره .. لا تستنهضه من نومه .. أبقه في فراشه .. أبقه في غفلته .. وتعال أنتَ .. تعال أنتَ فقط واترك الموت ..  دع عنك الموت .. دع عنك الموت ..
عد أنا بانتظارك ..
 عُد إلى ديارك أيها المذبوح .. عُد إلى ديارك ..


الورقة التاسعة عشر
أيلول انتهت رحلته على الأرض .. انتهت زيارته إليَّ .. وإقامته في دياري .. عليه أن يعود إلى مكانه بين النجوم .. أيلول سيرحل .. ولا بد أن يأخذني معه ويعيدني إلى قومي .. إلى دياري .. ليتني ما غادرتهم .. ولا كنت رهن شارتك يا أيلول  للبدء في رحلة مجنونة كهذه .
ماذا جنيت أنا .. لا أدري .. الآن صعب عليَّ أن أحصي الخسائر .. لكني أصبحت مقتنعة بأنني ما كان عليَّ طرق أبواب المجهول .. فأنا لست بحاجة إلى مزيد من الكآبة يبثها الآخر في أيامي فيتعكرُّ صفوها .. وتتلبد سماؤها بالغيوم الحزينة التي لا تمطر لينقشع الضباب .. بل تبقى رمادية كل الوقت ..
قلبي المسكين حزين لهذا الرحيل .. يريد أن يبقى بانتظار " المذبوح " .. لا يريد أن يبقيه وحيداً .. لا يريد أن يبقيه فريسة للحزن والوحدة والكآبة .. لكن " المذبوح " وصل إلى مرحلة متقدمة من الحزن .. كلماتي وورودي لن تستطيع أن تكون لها البلسم الشافي ..
مدَّ يده إليَّ .. لا تغادري .. قالها بالحرف الواحد .. تحملي كل تناقضاتي .. تحملي شرودي المستمر .. تحملي كآبتي التي لا تنتهي .. تحملي حزني .. ولم يقل تحملي غموضي وأسراري وعالمي الخاص الذي أخفيه عنك .. لم يقل أنني وجدت عالماً كبيراً مليئاً بالغموض والتناقضات .. كثير من التساؤلات طرحت أرضاً لأنها لم تجد لها أي تفسير وكثير من الأسئلة تدور في فلك مكوكي ثم تعود إليَّ فارغة من كل شيء وفي النهاية يرسل إليَّ أكبر علامة استفهام بالكون ويرجوني البقاء ..
أيها " المذبوح " أنا غادرت دياري وقومي لأزرع وردة في صباحك .. وهذه سلة من الورد سأنثرها بين يديك .. اختر ما تشاء منها للصباح وللمساء ولعتمة الليل وتذكرني أيها " المذبوح " حين تشتم كل وردة  ..ولكن لا تحاول أبداً امتلاك الورود .. لأنها ستذبل بين يديك وستموت ..
الوداع أيها " المذبوح " .. الوداع يا كتاب استعصى عليه فهمه واستعصى عليَّ أن أبقى بقربه ..  وكان عليَّ العودة من حيث أتيت .. قلبي قد يحتاج القليل من حبات المطر لتغسله من وعثاء رحلة شاقة كهذه .. ثم سيعود لينبض من جديد .. كأن شيئاً لم يكن .