ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الأحد، 29 سبتمبر، 2013

أوراق أيلولية الجزء الثالث


أوراق أيلولية 3
الورقة الثانية عشر
أشغل نفسي بصغار الأشياء .. أخرج إلى الحديقة في ساعات الاحتراق .. أرش الماء على نباتات ليست ظمأى ظنّاً مني أني أحييها .. أحادث طيوراً غريبة تحط على سور الحديقة .. ألقي إليها ببعض الحَب فتنثره في طريقها وتمضي .. ولا أحزن على مُضِيّها .. ولا آسف على ذلك .. أحاول قبض الهواء بين كفيَّ بحركات بهلوانية .. يفرُّ الهواء وتبقى كفايَّ فارغة إلا من أثار غريبة .. أثار تصفح كتاب غريب .. تلاحقني آثاره إلى الحديقة .. إلى السور المجاور .. إلى كمشة الهواء .. إلى رئتيِّ .. إلى حجرة نومي .. تختبئ تحت وسادتي وتبعثر أحلامي كما بعثرت الطيور الغريبة ما ألقيته إليها من حَبٍّ .. فهل أنت يا كتابي طير من هذه الطيور الغريبة التي تنقرُّ بمنقارها كل شيء ثم تمضي دون أن تترك خلفها أثراً ..
أذرع الطرقات جيئة وذهاباً مع أنك لست هنا .. ولن ألتقيك في هكذا طرقات .. ومع ذلك أذرعها بلا وعيٍّ مني كأنني على موعدك معي .. قد تأخرت قليلاً .. قد لا تأتي .. وأنتَ لا تدري بيِّ .. أو بموعدي .. وربما كنتَ تدري بكل هذا كما حدثني إحساسي بك وحدثني قلبي .. وأنك تنظرُّ إليَّ من خلف نظارتك العتيقة التي تقف كالسدِّ بيني وبينك .. ومع ذلك لم أطلب منك أن تتخلى عنها في وجودي ..  ولم أتعمد أن أخفيها عنك حين أتيح لي ذلك .. لم تكن مشكلتي مع الرؤية .. أو في الرؤية .. لأنني كنت أظن أن الأرواح هي التي تتلاقى .. وأن الأرواح هي جنود مجندة .. وأن القلوب هي التي تتحدث .. والمشاعر هي التي تشاهد وتتابع وترى .. وكما ترى كل شيء ذهب سُدى .. بعثرته الريح .. ريح أيلول التي لم تهبّ من أرضها أصلاً .. وأصبحت أهرب إلى صغار الأمور خوفاً من أعلق صورتك على أحد جدران قلبي وأعلنك للملأ بأنك أصبحت منذ اللحظة قصة حبي ..

الورقة الثالثة عشر  
" اليوم عاد .. كأن شيئاً لم يكن "  هبّت ريح صغيرة .. فُتح الكتاب .. صفحة جديدة .. عليها دمعة وزفرة وبعض من عصبية جارفة .. ركضتُ إليه .. مسحتُ الدمعة .. وبددت الزفرة .. وحاولت أن أهدئ من روع تلك العصبية ..
لا ذنب له .. نعم أدركت ذلك من عصبيته .. ربما كان الحق على أيلول فهو دائم الغيرة والشك وافتعال المشاكل .. ربما كان أيلول هو من أغلق الكتاب ..لا أستبعد على أيلول أفعال كهذه فرياحه دائماً تنثر كل أوراقي .. وتبعثر كل أحلامي إن كانت تؤرقه أو تقض له مضجعاً ..
من أين ستبدأ .. سألته بدلال وخبث خريفي بامتياز ..
من العنوان .. من " المذبوح " .. ممن ذبحني من الوريد إلى الوريد .. ممن دس سكينه في بطانة روحي فأرداها ممزقة الفؤاد  .. ممن عبث في تلابيب عمري فأصبحت فصلاً واحداً  .. خريف دائم .. لا ربيع له ولا صيف .. لا شتاء يدغدغ برموشه أبواب الحياة .. إنما خريف إثر خريف ..
 ولكن .. وغمزني بطرف عينه كأنه يوصاُ إليَّ رسالة ما .. كان هذا أجمل خريف .. وضحك باقتضاب .. وتابع .. كانت علامات الحزن تتبع كل جملة ..
 كاد أن يتوقف قلبي عن النبض لشدة الحزن المتراكم على الصفحات ..لأول مرة أحتار هل أعود أدراجي وأقفل الكتاب وأنسى كل ما حصل وأعتبر أن كل ما كان كان مجرد حلم وذهب لحال سبيله ..
أم أبقى بجوار قبرٍ من الأحزان .. لا يكفُّ عن النحيب .. ولا يرى شيئاً في الوجود جميلاً ..
أتيت لأزرع زهرة من الفل على إحدى التلال المنسية هناك خلف المحيطات ..  فإذ بيِّ أزرعها على قبر متحرك من الأحزان ..

الورقة الرابعة عشر
وبكى .. بكى بكاءً مرّاً مريراً .. بكى الأهل والأحباب .. بكى الرفاق والخلان .. بكى الأماكن التي عشقها في طفولته وصباه .. بكى كل من تخلى عنه وتنكر له بعد أن غادرت قدميه قسراً أرض الديار ..  بكى نفسه كيف عاش غريباً .. وكيف سيموت وحيداً في رقعة منفية حيث تتجمد عند حدودها شرايين القلب ..
عاش غريباً .. يتنقل بين المنافي .. يشرب الحسرة  كل صباح على مقهى غريب .. في منفى لا يعرف عنه شيئاً .. سوى أنه بديلاً للوطن .. ومن منفى إلى منفى .. مضى العمر غريباً .. وحيداً .. منفياً .. مذبوحاً ..
 لم يفلت منفى واحد من قبضة يده .. ولم يكن في حقيبته سوى حلم واحد هو الوطن .. جبال الوطن .. سهوله .. أشجار البرتقال .. وحقول الميرمية  والزعتر ..
من خُلقَ يتنفس أريج البرتقال .. وعبق الياسمين .. ويفتح عينية كل صباح على حقول الميرمية  والزعتر لا يستطيع أن يقتنع أن أزهار التوليب تحمل رائحة الوطن كزهر الياسمين الذي بقيَّ منتظراً عودته في صحن تلك الدار .
على حافة الموت كل شيء يبدو مختلفاً .. تقفز إلى الذاكرة صور قديمة .. عزيزة على القلب .. يتمنى المرء لو يمدّ إليها أنامله من جديد فيداعب عمره الذي سكن فيها .. ليوقظه .. ليؤنسه في لحظاته الأخيرة ..
أيهما أشد مرارة .. الموت .. أم ما قبل الموت ؟
سؤال سألته كثيراً .. وأسأله الآن  وأنا أرى وأشاهد وأتابع كيف يتجرع هذا المذبوح لحظاته الأخيرة .. كيف يستقبل الموت بصدره العاري إلا من أحلامه .. بشجاعة الشجعان .. وبسالة الفرسان .. وبحقيبة ممتلئة بكلمات الوداع .. لكنه كان يريد فقط .. كان يحلم فقط بسؤال يأتيه من بعيد .. سؤال ليس من الحقيبة أو من الحلم أو من الذاكرة .. سؤال يأتيه من أهل الأرض يقول فيه ..  كيف الحال ؟

الورقة الخامسة عشر

انقطعت الأخبار .. أخشى أنه لم يعد هنالك أخبار .. أخشى أنه لن يردني بعد الآن أي خبر .. حالة غريبة أمرُّ فيها .. أنا خارج الزمان وخارج المكان وخارج الفصول وخارج الخريف وخارج أيلول .. أنا فقط شاهدة على الموت .. من أعلنني شاهدة على الموت وأنا ما قدمت إلا لأزرع الحب في تلك التلال ؟!
أهو السراب .. لم أعرف السراب يوماً .. أجد خيوطاً تلمع على أرض قاحلة حين تتوسط الشمس كبد السماء .. ولكن هذا لا يعنيني أبداً  .. فلم أكن يوماً ممن يلحقون السراب .. أو يجرون خلفه .. أو ممن يحاولون القبض عليه بين كفيهم .. وعضِّه بالأنياب ..
أنا لا أسير إلاَّ بخطى ثابتة .. واضحة .. مفهومة .. تنحدر من أبجدية راسخة جذورها تحت سابع أرض .. تعانق سنابلها السماء في سمو رسالتها فتكاد تلامس الشُهبَ .. أنا أتبع قلبي .. مرسالي هو قلبي .. قلبي حدثني بل أمرني أن أتجه نحو تلك التلال .. لم أعصِ لقلبي أمراً في يوم .. ولا أذكر أنني كنت من جحافل المتمردين .. أنا دائماً رهن شارته وطوع بنانه .. يعذبني أحياناً بل كثيراً كثيراً .. لكنني لم أحطم  قلباً وجَّه لي في يوم ما نداء استغاثة .. لم أكسر خاطر وردة .. لم أجرح مشاعر ياسمينة .. فكيف لا ألبي نداء قلبي وهو الذي فُطر على المحبة والدفء والحنان ..
حملت بين يديَّ مجموعة أزهار منها الأبيض ومنها الوردي ومنها الأزرق وعادة لا أحمل أزهاراً  بلون الدم فأنا أذهب لأنشر السلام والأمن والحب والحنان .. ألوان الطيف أرسمها على محيا من يقابلني وأبقى في جواره إلى أن تتدخل الحياة وتأمرني بالخروج فأخرج .. وعادة أترك قطعة من قلبي هناك ..
اليوم أنا أقف متسمرة في مكاني .. والأزهار بين يديَّ ترتجف .. لم يقطف منها زهرة .. والكلمات تتحشرج في الحلق .. يريد أن يقول كثيراً ولكن اللغة لا تسعفه فهي تستلقي على سرير الإنعاش .. وأنا بين وجوم وذهول .. جلست القرفصاء .. أنتظر أمر السماء . 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.