ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الأحد، 29 سبتمبر 2013

أوراق أيلولية الجزء الثالث


أوراق أيلولية 3
الورقة الثانية عشر
أشغل نفسي بصغار الأشياء .. أخرج إلى الحديقة في ساعات الاحتراق .. أرش الماء على نباتات ليست ظمأى ظنّاً مني أني أحييها .. أحادث طيوراً غريبة تحط على سور الحديقة .. ألقي إليها ببعض الحَب فتنثره في طريقها وتمضي .. ولا أحزن على مُضِيّها .. ولا آسف على ذلك .. أحاول قبض الهواء بين كفيَّ بحركات بهلوانية .. يفرُّ الهواء وتبقى كفايَّ فارغة إلا من أثار غريبة .. أثار تصفح كتاب غريب .. تلاحقني آثاره إلى الحديقة .. إلى السور المجاور .. إلى كمشة الهواء .. إلى رئتيِّ .. إلى حجرة نومي .. تختبئ تحت وسادتي وتبعثر أحلامي كما بعثرت الطيور الغريبة ما ألقيته إليها من حَبٍّ .. فهل أنت يا كتابي طير من هذه الطيور الغريبة التي تنقرُّ بمنقارها كل شيء ثم تمضي دون أن تترك خلفها أثراً ..
أذرع الطرقات جيئة وذهاباً مع أنك لست هنا .. ولن ألتقيك في هكذا طرقات .. ومع ذلك أذرعها بلا وعيٍّ مني كأنني على موعدك معي .. قد تأخرت قليلاً .. قد لا تأتي .. وأنتَ لا تدري بيِّ .. أو بموعدي .. وربما كنتَ تدري بكل هذا كما حدثني إحساسي بك وحدثني قلبي .. وأنك تنظرُّ إليَّ من خلف نظارتك العتيقة التي تقف كالسدِّ بيني وبينك .. ومع ذلك لم أطلب منك أن تتخلى عنها في وجودي ..  ولم أتعمد أن أخفيها عنك حين أتيح لي ذلك .. لم تكن مشكلتي مع الرؤية .. أو في الرؤية .. لأنني كنت أظن أن الأرواح هي التي تتلاقى .. وأن الأرواح هي جنود مجندة .. وأن القلوب هي التي تتحدث .. والمشاعر هي التي تشاهد وتتابع وترى .. وكما ترى كل شيء ذهب سُدى .. بعثرته الريح .. ريح أيلول التي لم تهبّ من أرضها أصلاً .. وأصبحت أهرب إلى صغار الأمور خوفاً من أعلق صورتك على أحد جدران قلبي وأعلنك للملأ بأنك أصبحت منذ اللحظة قصة حبي ..

الورقة الثالثة عشر  
" اليوم عاد .. كأن شيئاً لم يكن "  هبّت ريح صغيرة .. فُتح الكتاب .. صفحة جديدة .. عليها دمعة وزفرة وبعض من عصبية جارفة .. ركضتُ إليه .. مسحتُ الدمعة .. وبددت الزفرة .. وحاولت أن أهدئ من روع تلك العصبية ..
لا ذنب له .. نعم أدركت ذلك من عصبيته .. ربما كان الحق على أيلول فهو دائم الغيرة والشك وافتعال المشاكل .. ربما كان أيلول هو من أغلق الكتاب ..لا أستبعد على أيلول أفعال كهذه فرياحه دائماً تنثر كل أوراقي .. وتبعثر كل أحلامي إن كانت تؤرقه أو تقض له مضجعاً ..
من أين ستبدأ .. سألته بدلال وخبث خريفي بامتياز ..
من العنوان .. من " المذبوح " .. ممن ذبحني من الوريد إلى الوريد .. ممن دس سكينه في بطانة روحي فأرداها ممزقة الفؤاد  .. ممن عبث في تلابيب عمري فأصبحت فصلاً واحداً  .. خريف دائم .. لا ربيع له ولا صيف .. لا شتاء يدغدغ برموشه أبواب الحياة .. إنما خريف إثر خريف ..
 ولكن .. وغمزني بطرف عينه كأنه يوصاُ إليَّ رسالة ما .. كان هذا أجمل خريف .. وضحك باقتضاب .. وتابع .. كانت علامات الحزن تتبع كل جملة ..
 كاد أن يتوقف قلبي عن النبض لشدة الحزن المتراكم على الصفحات ..لأول مرة أحتار هل أعود أدراجي وأقفل الكتاب وأنسى كل ما حصل وأعتبر أن كل ما كان كان مجرد حلم وذهب لحال سبيله ..
أم أبقى بجوار قبرٍ من الأحزان .. لا يكفُّ عن النحيب .. ولا يرى شيئاً في الوجود جميلاً ..
أتيت لأزرع زهرة من الفل على إحدى التلال المنسية هناك خلف المحيطات ..  فإذ بيِّ أزرعها على قبر متحرك من الأحزان ..

الورقة الرابعة عشر
وبكى .. بكى بكاءً مرّاً مريراً .. بكى الأهل والأحباب .. بكى الرفاق والخلان .. بكى الأماكن التي عشقها في طفولته وصباه .. بكى كل من تخلى عنه وتنكر له بعد أن غادرت قدميه قسراً أرض الديار ..  بكى نفسه كيف عاش غريباً .. وكيف سيموت وحيداً في رقعة منفية حيث تتجمد عند حدودها شرايين القلب ..
عاش غريباً .. يتنقل بين المنافي .. يشرب الحسرة  كل صباح على مقهى غريب .. في منفى لا يعرف عنه شيئاً .. سوى أنه بديلاً للوطن .. ومن منفى إلى منفى .. مضى العمر غريباً .. وحيداً .. منفياً .. مذبوحاً ..
 لم يفلت منفى واحد من قبضة يده .. ولم يكن في حقيبته سوى حلم واحد هو الوطن .. جبال الوطن .. سهوله .. أشجار البرتقال .. وحقول الميرمية  والزعتر ..
من خُلقَ يتنفس أريج البرتقال .. وعبق الياسمين .. ويفتح عينية كل صباح على حقول الميرمية  والزعتر لا يستطيع أن يقتنع أن أزهار التوليب تحمل رائحة الوطن كزهر الياسمين الذي بقيَّ منتظراً عودته في صحن تلك الدار .
على حافة الموت كل شيء يبدو مختلفاً .. تقفز إلى الذاكرة صور قديمة .. عزيزة على القلب .. يتمنى المرء لو يمدّ إليها أنامله من جديد فيداعب عمره الذي سكن فيها .. ليوقظه .. ليؤنسه في لحظاته الأخيرة ..
أيهما أشد مرارة .. الموت .. أم ما قبل الموت ؟
سؤال سألته كثيراً .. وأسأله الآن  وأنا أرى وأشاهد وأتابع كيف يتجرع هذا المذبوح لحظاته الأخيرة .. كيف يستقبل الموت بصدره العاري إلا من أحلامه .. بشجاعة الشجعان .. وبسالة الفرسان .. وبحقيبة ممتلئة بكلمات الوداع .. لكنه كان يريد فقط .. كان يحلم فقط بسؤال يأتيه من بعيد .. سؤال ليس من الحقيبة أو من الحلم أو من الذاكرة .. سؤال يأتيه من أهل الأرض يقول فيه ..  كيف الحال ؟

الورقة الخامسة عشر

انقطعت الأخبار .. أخشى أنه لم يعد هنالك أخبار .. أخشى أنه لن يردني بعد الآن أي خبر .. حالة غريبة أمرُّ فيها .. أنا خارج الزمان وخارج المكان وخارج الفصول وخارج الخريف وخارج أيلول .. أنا فقط شاهدة على الموت .. من أعلنني شاهدة على الموت وأنا ما قدمت إلا لأزرع الحب في تلك التلال ؟!
أهو السراب .. لم أعرف السراب يوماً .. أجد خيوطاً تلمع على أرض قاحلة حين تتوسط الشمس كبد السماء .. ولكن هذا لا يعنيني أبداً  .. فلم أكن يوماً ممن يلحقون السراب .. أو يجرون خلفه .. أو ممن يحاولون القبض عليه بين كفيهم .. وعضِّه بالأنياب ..
أنا لا أسير إلاَّ بخطى ثابتة .. واضحة .. مفهومة .. تنحدر من أبجدية راسخة جذورها تحت سابع أرض .. تعانق سنابلها السماء في سمو رسالتها فتكاد تلامس الشُهبَ .. أنا أتبع قلبي .. مرسالي هو قلبي .. قلبي حدثني بل أمرني أن أتجه نحو تلك التلال .. لم أعصِ لقلبي أمراً في يوم .. ولا أذكر أنني كنت من جحافل المتمردين .. أنا دائماً رهن شارته وطوع بنانه .. يعذبني أحياناً بل كثيراً كثيراً .. لكنني لم أحطم  قلباً وجَّه لي في يوم ما نداء استغاثة .. لم أكسر خاطر وردة .. لم أجرح مشاعر ياسمينة .. فكيف لا ألبي نداء قلبي وهو الذي فُطر على المحبة والدفء والحنان ..
حملت بين يديَّ مجموعة أزهار منها الأبيض ومنها الوردي ومنها الأزرق وعادة لا أحمل أزهاراً  بلون الدم فأنا أذهب لأنشر السلام والأمن والحب والحنان .. ألوان الطيف أرسمها على محيا من يقابلني وأبقى في جواره إلى أن تتدخل الحياة وتأمرني بالخروج فأخرج .. وعادة أترك قطعة من قلبي هناك ..
اليوم أنا أقف متسمرة في مكاني .. والأزهار بين يديَّ ترتجف .. لم يقطف منها زهرة .. والكلمات تتحشرج في الحلق .. يريد أن يقول كثيراً ولكن اللغة لا تسعفه فهي تستلقي على سرير الإنعاش .. وأنا بين وجوم وذهول .. جلست القرفصاء .. أنتظر أمر السماء . 

أوراق أيلولية الجزء الثاني


الورقة السابعة
لم يطل انتظاري له .. فُتحت صفحة جديدة .. ينبعث منها بعض النور .. النور الذي يمكنني من قراءة السطور بشكل واضح .. قال لي بالحرف الواحد إقرأيني أيتها الفارسة فأنا منذ عصور أنتظر فارسة تأتيني على جناحيِّ الخريف لتقلبَ بين أناملها سنينَ من عمري كانت  قد بدأت تسري على وجهها ملامح الصدأ ..
كان هادئاً .. بارداً .. وديعاً .. كحَمل وليد ينتظر والدته على باب السوق لتبتاع  له " غزل البنات " .. أو قطعاً  ملونة من حبات السكر ..
إقرأيني أيتها الفارسة .. قالها بصوت واضح ومسموع .. ولم أدخرُّ جهداً أنا .. فأخذت الورقة والقلم .. وبدأت برسم تقاطيع وجهه .. كنتُ أتأملها جيداً أثناء الرسم .. لم تكن تقاطيعَ تحمل البراءة كما راهنتُ عليها في داخلي عند البدء .. لكنها بالتأكيد لم تكن تحمل كلَّ تلك القسوة .. إذا فمن أين جاء بكل هذه الصلابة  إن كانت تقاطيع وجهه بريئة تماماً من تلك  اللعنة ..
لكنه يشبه أيلول أحياناً يزمجر دونما سبب .. أو ربما لسبب لا أدريه .. ثم يقلب الصفحة .. لماذا أيها " المذبوح ".. دعني أبقى قليلاً .. دع قلبي يستريح هنيهة فلقد أتعبني طول المشوار .. والنهاية .. لا أعلم أين هيَّ .. امنحني بعض الهدوء في ساحات عينيك المتسعة .. دعني أقيم بعض الوقت .. أقلب صفحات قلبك .. هل مرت أنثى قبلي من هنا أم أنني " السندريلا" الأولى التي تفكر جدياً بخلع حذاءها كتذكار .. وكبصمة جلية أنني يا نساء العالم أنا الوحيدة التي مررت بقلبه وكنت هنا .. ومن السابق لأوانه أن أقول أني عصفت به .. فلا يزال المشوار طويلاً .. طويلاً .. لكن ابتسامة منه دنت .. فأحالت السماء إلى أنجماً وشهباً ..
الورقة الثامنة
حتى في الكتب لا بد من صفعات توجهها أكفُّ الحياة لوجهي .. لماذا لا أدري .. ربما لأنها رأتني أقفز ككنغر بريِّ في حقول الزعتر .. ربما خشيت من دمار في حقول الزعتر .. دمار تقوده قدم كنغر بريِّ يتعلم القفز في حقول الزعتر ..
جلستُ وحدي .. عدت للجلوس وحدي .. الكتاب مغلق حتى إشعار آخر .. لكن ليس لذنب اقترفته .. بل هي الحياة تغار من كل امرأة تُثبت أنها قد تكون حياة أخرى .. لو في ظل كتاب ..
فكرت كثيراً كيف أعيد فتح الكتاب .. أيلول بعيد عني .. وحتى أيلول لا يمكن الاستعانة به في مثل هذه الأوقات .. في الأزمات أتصدر أنا وحدي لها .. فهو كتابي .. وهي قصتي .. وهي حياتي .. وأنا اعتدت على تلقي الصفعات كلما غارت مني هذه الحياة ورأت فيِّ أنثى تهدد فيها أسطح الوجود .. وتهدد فيها ومنها أزمنة البقاء ..
غارت مني الحياة .. باختصار شديد هذا ما حصل بالضبط .. وجدت الحياة فيه فارساً يرتدي خوذة  العصور الغابرة .. وجدت فيه فارساً وهبها إياه التاريخ فكيف يفرُّ من بين يديها .. وإن كانت تنكلُّ به .. وتُذيقه العذاب أصنافاً وألواناً .. ألا إنه عزَّ عليها أن تفقده .. ولمن .. لأنثى ظهرت فجأة وأخذت تسحب من تحت أقدامها البساط ؟
هي الحياة .. وغيَرة الحياة .. وحِقد الحياة .. ولكن هل تنتصر عليَّ الحياة ؟

 الورقة التاسعة
لا قدرة لي على مجابهة الحياة .. كنت أريدها رحلة شيقة في ظل خريفٍ كنتُ أظنّه لي .. ما كنتُ أريدها حرباً شعواء مع هذه الحياة .. ليس استسلاماً مني .. أو تقهقراً إلى جاهلية سلفت .. لكنه خوف وخشية على هذا الكتاب .. هو لم يستأمني على حياته .. لم يودعها بين يديَّ أمانة ..  لكني أنا دائماً من أنَصّبُ نفسي المسؤولة عن كل نفسٍ في هذه الحياة ..
الحياة تغارُ مني .. الحياة تكيلُ لي .. الحياة أقوى مني .. الحياة شرسة وأنيابها غليظة جداً .. ولكن بصدق كل هذا لم يهمني لو حركَّ هو ساكناً .. هو لم يحركّ أي ساكن ولم ينبسَّ ببنت شفة .. فكيف أخوض حرباً ضروساً كهذه وأنا لم أتلقى منه وعداً بلقاء .. كيف أقف نداً لند لهذه الحياة وهو لم ينظر في عينيِّ مرة واحدة .. ولم يقرأ إصراري على البقاء .. هو لم يفهم تعنتي ورغبتي بقراءته .. ولم يدرك أنني قادمة في رحلة سريعة .. عبر طيات كتاب .. ولكني لم أتخيل أنها سريعة إلى هذا الحد .. وإن سلالي ستعود فارغة من العنب .. وكل ما أضفته إلى حياتي خصماً جديداً .. هو هذه الحياة .
خصيمتي هذه الحياة .. لم يتسع الوقت لأخبره بهذا .. لأحذره من أنَّ الحياة قد تنقض علينا فجأة فتمزق بأنياب الغيرة كل ما غزلناه .. لكنه أُغلق فجأة .. طُويت صفحاته في وجهي .. ولم يبقَ ظاهراً إلا العنوان  " المذبوح " .. فهل أصبحنا برمشة عين اثنين ؟
إنها مشيئة القدر أن ننتهي قبل أن أبدأ .. قبل أن أقول كلمتي في حضورك .. وقبل أن أسمعها تسري في أوصالي فتدب في أوصال روحي الحياة ..
 كم تخيلتها بألوان الفرح .. بألوان الطيف .. بألوان السعادة .. كم تخيلت نظراتي إليك ساعتها .. وكيف سترقص طرباً حين تداعبها كلمة خرجت من صدرك لأول مرة .. كم رسمتها في دفتري .. وكم نبت منها غصون وفروع ..  فكيف سأجتث كل أحلامي .. وأعود من حيث أتيت فارغة الأحلام واليدين ..
 ولكن مع خصم جديد هو هذه الحياة .

  الورقة العاشرة
فقدت الأمل في البقاء و كان عليَّ أن أُعدَّ نفسي للرحيل .. وكيف أرحل وقد بقيَّ جزء مني هنا .. بين طيات هذا الكتاب .. لا أعلم لماذا أتيت .. ولكني أتيت وانتهى هنا الأمر .. وأردت المكوث بين أضلع هذا
 " المذبوح  "  ولكن الحياة لم ترد ..  فكيف أمضي وقلبي لا يزال قلبه هنا .. ورمشه معلق على نسمة قد تمرُّ على غفلة من القدر فتفتح لي صفحة جديدة .. وأعيد تثبيت عيوني مرة أخرى على أول السطر ..
لا يزال قلبي يخفق .. ونبضاته تتسارع .. ولا يزال الحلم في روحي يحدثني بأن هناك شيئاً ما بالأفق ..  ولكني لا أراه .. أحسه ربما  .. صوت من خلف المحيطات .. يقول إبقي هذا المساء .. وكل مساء .. لا تدعي الليل ينال مني .. لا تدعي الوحدة تلتهمني كلقمة سائغة من مائدة العشاء ..
ولكن اللغة .. اللغة لا تسعفني .. لغتك أيها " المذبوح "  قدت من الصخر .. وأنا لغتي مياسة .. حنونة .. صارخة البهجة .. تلائم جميع طقوس الفرح .. فكيف ستُعانق لغة من الصخر لغة تتراقص تيهاً وفرحاً على أبواب الحلم ؟
هل كان يتوجبُّ عليَّ الحذر .. هل كان عليَّ أن أقف في بابه طويلاً وأمعن في النظر .. وألاَّ أرتب حروفه وهي تسير تجاهي كما أشاء وأهوى .. بل أتركها تمشي في دلالها .. كما هي تشاء .. دون شارات مني .. دون دلالات أو إمارات .. فالتكهن هنا لم يُجدِ .. وذكائي المفرط ُ لم يفدِّ .. فكيف أطوي صفحة .. وأنهي رحلة .. كانت ستكون شهراً من العسل ؟

الورقة الحادية عشر
كيف تضعنا الحياة فجأة على حافة الاختيار .. كنتُ دائماً أرى أن أيلول هو الوحيد القادر على أن يكون ظلِّي .. أختلف معه .. ويختلف معي .. لكننا لا نفترق .. ويبقى ظلِّي الذي يلازمني طِوال الوقت ..
" المذبوح "  كان سرّاً استعصى على الفهم .. استعصى عليَّ فك رموزه .. كان أقوى من عاصفة هوجاء .. أكثر حماسة من نشيد بلادي .. وكان أرق من معزوفة صيفية حالمة غادرت أبواب الصبا تبحث عن العشق في ديار الجوار .. " المذبوح " كان قصة كاملة متكاملة تبدأ من قطف أوراق الوردة  .. وتنتهي بتكليلي بتاج من الندى .. فكيف أغلق قصة عشق جادت بها السماء وبخلت فيها الأرض ..
كيف أدع الحياة تضع براثنها على كل ما أحبُّ .. وأنسحب أجرُّ أذيال الخيبة والفشل ..
 وقلبي هذا المسكين الذي بدأ يبني قصوراً في الهواء .. وقلاعاً على الرمل .. كيف أقنعه .. وأنا لكتاب .. لعدد من الصفحات .. لم أستطع أن أقنع ..
ومع ذلك أيها " المذبوح " تأكد أنك كنت أيلول آخر .. قد أحتاج فصولاً  من العمر .. حتى أستسلم لفكرة أن أعيدك إلى مكانك بين الكتب في آخر رف ..
 قد نلت مني أيها " المذبوح " وأصبحتُ على رمشك أنام  .. وعلى رمشك أصحو ..
فهل هذا يكفي ؟



السبت، 21 سبتمبر 2013

أوراق أيلولية الجزء الأول


أوراق أيلولية


الورقة الأولى

يدغدغني الخريف .. يدقُ بأنامله الخريفية أبواب قلبي كي تفتح له .. يتوسلها بزخة مطر حانية .. بهبة ريح ناعمة تلاطف منه الوجنات ..  فهو يعلم جيداً أنَّ من يأتِ بعد الصيف وأبوابه المشرعة لاستقبال الغياب .. يبقَ منتظراً كثيراً في الباب .. فالعصافير تركن إلى الهدوء .. إلى السكينة .. وأيلول يقتحم بفوضى الحضور كل هذا الهدوء ليطلب إذناً بالعبور إلى صحن الدار ..
أنا متواطئة مع الخريف .. أنا متواطئة مع كل خريف يدق الباب .. أو يتسلل من الشباك .. لذلك بعد أن قطعت أشواطاً طويلة مع الخريف في كرٍّ وفرٍّ  قررت أنَّ ما كان يجري في كل خريف بيني وبين أيلول من صولاتٍ وجولاتٍ .. لن يعود ليسري على خريف هذه الأيام ..
كنتُ في كل خريف مضى أغلق الباب .. لكني أترك نافذة لأيلول .. يعبرُ منها خلسة عن أعين الأحباب .. فيضيء لي شمعة جديدة في كل عام .. ولا أنكر أن شموع أيلول لا تذوب .. بل تبقى متقدة دون انطفاء ..
في كل خريف أكون على موعد مع شمعة جديدة من شموع أيلول .. لا أسأله متى .. وكيف .. ومن أين أتى بشمعته هذه .. فأنا لا أكثر مع أيلول السؤال ..
 أنا أعدُّ له مائدة كبيرة من الاشتياق .. وأذيب له قطعاً من الحديث في فنجان قهوة الصباح .. وعند العصر أقطف له ما تبقى من عناقيد تدلت بغنج من دالية الجوار .. أما في المساء فأيلول يحبُّ أن أكتبه لوحة من الشعر أو النثر .. سيان .. يحبُّ أن أرسمه بين السطور .. وألونه في كل عنوان .. أيلول كان وسيبقى حديث الشعراء ..
يستوقفني أيلول في كثير من الأحيان .. يسألني .. بل يباغتني بالسؤال .. وحين يلحُّ بالسؤال كثيراً أدرك أنه قد لاكته أنياب الغيرة .. وانتابته أعاصير الشك .. وأنَّ زوبعة في صحن داري ستهبُّ عما قريب .. وبذكاء عصفورة أيلولية اعتادت على غيرة أيلولها .. أعدُّ  له حلوى العيد التي يشتهي ويطلبها في كل عام .. فينسى معها زوابع الغيرة والشك .. ويعود إلى مرابع الطفولة وملاعب الصغار .. ويكتبني كما أكتبه في دفتر الأشعار ..
أيلول خفيف الظل .. لكنه دائم العتب والعتاب .. قليل .. كثير الشك أحياناً .. ويلح عليَّ دائماً أن أبقيه بالجوار .. لكن ما أن أرفع يدي ملوحة له بالرحيل .. يحمل أوراقه بكل ما نثرته عليها  من أشعار .. ويلملم بصمات قلبي بين كفيه .. ويصعد إلى السماء .. ليأخذ دور نجمة تضيء لي كل مساء .


الورقة الثانية
كعادتي حين أنوي الفرار من قومي والبدء برحلة جديدة  نحو المجهول .. لقد فُطرت على الترحال .. وأيلول هو موعد الترحال في كل عام .. أنطلق من كوة صغيرة فتحتها في إحدى الجدران الخلفية للحياة .. أفرُّ منها كل عام مع أيلول .. نبتعد قليلاً عن القوم والديار .. أغيب في رحلة قد تطول وقد تقصر ولكنها رحلة قصيرة بكل الحالات .. دائماً أعود بخفيِّ حنين فالرحلات القصيرة ليست للمكوث .. إنما هيَّ عملية تفتيش سريعة في رئتي الهواء .. وتنقيب في ذرات الأكسجين .. هل ترَكتُ خلفي أحداً مقصياً .. منسياً .. منفياً .. مهجوراً على أبواب النسيان ؟
لا بد أن يكون هناك خلف تلك السحب البعيدة القريبة تلة مهجورة نسيها الزمان .. أو ثلة من الحجارة تكاد تصدأ من الهجران .. أيلول يصرُّ في كل عام أن نذهب إلى هناك .. إلى حيث التلة والثلة وكل معالم الهجر والنسيان .. يصرُّ على أن نمطر قليلاً من الحب في تلك الأرجاء .. أيلول الخريفي المزاج أحياناً يتقمص دور الربيع فيهدي في الخريف أزهاراً .. لا تعيش طويلاً .. لكنها تمنح الدفء والحنان لبعض الوقت .. وتترك بصمة جلية للعيان أننا كنا هنا قبل عام .. أو أعوام .. ونعود إلى الديار .. فيتركني أيلول على أبواب الخريف .. ويرحل هو إلى مكانه بين النجوم في سابع سماء ..
هذه المرة أنا مترددة .. خائفة بعض الشيء .. حائرة قليلاً .. لا أريد ترك قومي .. لا أريد ترك الديار .. شيء ما يمسك بتلابيب ثوبي .. يدعوني للبقاء .. هيَّ تلة مهجورة تشكو برودة الصدأ والنسيان .. وأيلول مثلي متأرجح بين إقدام وإحجام .. وأنا على أبواب الخريف لا أستطيع أن أعدهم  أنَّ في جعبتي غيمة صغيرة لا تزال تمطر قليلاً من الحب على جبال من الجليد .. فهل يذوب الجليد بقطرات من الدفء والحنان ؟
تعبت .. وتعب أيلول معي .. وتعب الفرار مني .. والخريف مكشراً عن أنيابه كي لا أتأخر بالعودة فيحين فصل الشتاء .. وغيمة صغيرة جداً تغمزني بطرف عينها .. وتلقي إليَّ بمظلة الهروب .. وقلبي حائر .. متردد .. خائف ..
هل يذيب الجليد بضع قطرات دافئة من الماء ؟ 

الورقة الثالثة
ربما أصبحت عنيدة كأيلول .. وربما فُقته في العناد .. لم يكن من داعٍ لطرق أبواب الصعاب كما اعتدت كلَّ خريف .. ولم يكن من داعٍ كي أستسلم لرغبات أيلول في الجري والقفز بين المدِّ والجزرِ .. فماذا يضيرني لو استقبلت شهر مولدي وأنا متكئة على مقعد الياسمين .. أحتسِ قهوته .. برفقة الوقت ..
أعددت العدة للرحلة .. لم تثنني طول المسافات .. ووعورة الطريق .. وكثرة الحفر .. رحلتي كانت جلدية الملمس .. بارزة الحروف .. ذهبية اللون .. رحلتي كانت بين دفتّي كتاب .. كتاب من العسجد .. وقع بين يديَّ بالصدفة البحتة .. شدني إليه العنوان
" المذبوح "  ..
 لا أعلم لماذا وجدت نفسي تركض إليه .. حاولت أن ألقي في طريق خطواتي الهاربة مني إليه بعض الحجارة .. علها تتعثر منذ البداية .. فتعود لرشدها .. وتعود أدراجها إلى معاقل الخريف .. وتكفُّ عن مشوارها المستحيل في دروب  الوحدة .. لكن عبثاً حاولت .. وعبثاً أحاول .. فأيلول يشدني من يدي ويلحُّ عليَّ في مشوار من العمر .. يهمس في أذني رجاءً  يتلوه رجاء .. لم يبقَ من أيلول الكثير فتعالي معي ..
كتابٌ قدَّ من الحجارة .. أو أشدُّ قسوة .. أصلب من الصخر .. لكنه أحياناً كزبد البحر يرغي كثيراً وبسهولة  .. فيغريني بمزيد من القفز .. وأنا التي كنت أحبُّ قراءة القصص الحالمة .. أعشق قصص أميرة الأحلام .. وفراشة الصباح .. وندى الفصول .. ماذا في كتابٍ  يحمل عنوان " المذبوح " .. يغريني ؟

الورقة الرابعة
لم أعتد على قراءة صعبة إلى هذا الحد .. ولا أريد أن أمتحن أبجديتي فأرهقها صعوداً ونزولاً في مفردات كنتوءات الصخر .. أوكالنقش في الحجر..
" لم أستطع ابتلاع الغربة " .. قالها بصريح العبارة .. " لم أستطع هضم الغربة ".. ومن قال يا هذا "المذبوح " أنني أتقنت في يوم .. أو أنني سأتقن يوماً  ما " ابتلاع الغربة " .. أو " هضم الغربة "  ولكني لا أرتدي على وجهي ملامحَ من تراجيديا العصور الوسطى  .. لا أصبغ شعرات رأسي بأقلام الفحم .. لا أتوضأ بالغيم .. ولا أصعد إلى السماء بسلالم من العتب ..  فلمَ كل هذا النحيب وأنتَ برفقة حسناء آتية إليك من زمن الأحلام الوردية .. تحمل بين يديها زهرة برية من تلك العصور الغابرة .. وكوباً من القهوة المحلاة بالحليب وقطع السكر  .. التي أصبحت أنتَ أحد ندّامها ومدمنيها ..
ومع ذلك .. مع كل هذه الصلابة في الحروف .. والوحدة التي تنبعث رائحتها العتيقة من الهوامش .. من الزوايا .. من بين السطور .. ومع أنني كلما فتحت هذا الكتاب شعرت بريح كآبة تهب في وجهي كأنها قادمة من بوابات الجحيم  .. وتقول لي أغلقيه على مصراعيه .. أقفليه عن بكرة أبيه ..
 لكني كأيلولية صعبة المراس .. يصعب التحكم في مزاجها المتقلب .. وفي مرادها الصعب .. وفي هواياتها منذ ألف عام وهي تسلق الصعاب كلعبة السيرك تماماً .. ولو كانت تلك اللعبة على حافة الهاوية ..
 لم أصغِ لحديث أذني .. ولم أُعرِّ اهتماماً لأوامر العقل بأن أغلق هذا الكتاب وأعيده إلى مكانه بالرف .. بل أصرّيتُ على البدء في القراءة .. وعلى مهل .. لكن بعد قراءة بسيطة وسريعة ومتقلبة لعدد من الصفحات .. أخشى أن أقولها ..  أنني بدأت أترك بين السطور شيئاً مني .. شيئاً من نفسي .. فأين أنت يا أيلول لتدركني ؟

الورقة الخامسة

صحوت بعد قراءة بسيطة لعدد من الصفحات على نفسي تحدثني .. نعم إنه على حق .. ولكن كيف .. وهذا العالم الجميل يمدُّ إليه ذراعيه ليحتضنه وهو كالحجر أو أشد قسوة .. يسدل ستائر الظلام .. ويبكي كلَّ ليلة .. على فراش الوحدة .. ثم يقبّلُ في الصباح الباكر كوباً من قهوته المحلاة بالسكر ليمحو ما علق في جوفه من ظلام الأمس ..
لمَ كل هذا العذاب أيها " المذبوح " .. ولم تجرَّني خلفك معصوبة الإدراك .. مكتملة الولاء والانتماء .. وأنا التي لم أكن أنتمي إلاَّ إلى أيلول .. ولم أواعد إنسياً في يوم أو أحد من قبائل الجان .. فكيف يستميلني كتاب مهجور على أبعد رف .. ويجعلني أغرس له بين جدائلي ياسمينة قطفتها من ممرات الطفولة .. وأخبئ  له بين كفيِّ أعواد المريمية والزعتر ؟
أنا ماذا أريد من كتاب أشبه بالصخر ..ولماذا أصبَحت الورود تفرش طريقي إليه بساطاً من السحر .. ولماذا أصبحتُ أرقص على قدم واحدة كإحدى أميرات البجع  فيراني نوراً وضياءً وقمراً ينبلج بين الليل والليل .. ولماذا أصبحت أتسلل إليه كل ليلة خلسة عن عينيِّ أيلول التي تغطس في إغفاءة صغيرة على إحدى بوابات الكتب .. لأضيء إليه ليلاً كان يبكي طويلاً .. خلف المحيطات .. خلف القارات البعيدة .. خلف السحب .. وأقول له بملء الفم .. قهوتك في الصباح الباكر عندي ؟ 

الورقة السادسة

انتكاسة سريعة .. ككل الانتكاسات التي تصفعنا على حين غيرة حينما نحاول أن نقبّلَ عنوة وجه هذه الحياة .. أُغلق الكتاب في وجهي .. ربما عن سهوٍ منه أو مني .. وربما عن قصد منه ..  لكنه أُغلق في وجهي .. ولن أقول أُغلق إغلاقاً محكماً حتى لا أكون واحدة من الذين شاركوا في ذبحه على مرِّ العصور ومختلف الأزمنة .. لكني أقول ربما كانت ردة فعل عابرة .. عنيفة بعض الشيء على سؤال بريء .. ليس بريئاً خالصاً من الخبث .. الخبث الذي يقفز فجأة في منقار عصفورة أيلولية تحاول طرق باب من الأبواب لأنها تظن أن الحلم الوردي  مختبئ عنها داخله .. لم يكن سؤالاً شريراً بمعنى الشرِّ المستطير .. ولم يكن يحمل أي علامة أو دلالة من دلالات الشرِّ  .. لكنه استنبط ذلك بفراسته النادرة التي لم أعهدها يوماً بين بني البشر ..
وطبعاً كان عليَّ أن أعيد المحاولة مرة أخرى فأنا عصفورة جبلت على الكرِّ والفرِّ  .. ولا تركن إلى الهدوء والسكينة إلاَّ داخل ذلك الحلم الوردي .. داخل ذلك الباب .. فهل تواصل عصفورة أيلول الدق بمنقار من الخبث .. أم أنها ستجد لها حيلة أخرى تفتح من خلالها صفحة أخرى جديدة للقراءة .. دون أن تتسلل منها قُبّلة في غير وقتها .. فتمطر السماء حِمماً بركانية ..  وتأكل نيران الغضب جميع لحظات الانتظار والصبر  ؟



الخميس، 12 سبتمبر 2013

ماذا ينقصني؟!

ماذا ينقصني؟!
في سباقٍ مع القدر، أركض من زاوية لأخرى، أرتب حروفي وأرواقي، أعيد النظر بتاريخ ومكان ولادتي؛ قبل أن تهاجمني أصابع الريح العاتية فتبعثر آخر ملامحي، أقف على حافة الفوضى وخراب الديار لأفجر السؤال: هل ينقصني شيء؟!
قبل عقودٍ من الزمان كنتُ أعرف أن "إسرائيل" هي عدوي وعدوكم وعدو كل هذا العالم، كنتُ لا أرى إلا دبابات الجيش الإسرائيلي تقف على باب منزلي، وفي الشارع، وعلى باب المدرسة، وحول باحات المسجد الأقصى وأدراجه.
 كنتُ لا أعرفُ جيشًا غيره، لا أسمع دعاءً يخرج من الصدر بحرقة ومرارة إلا وكان منصبًا عليه، بدأتُ أعرفُ في حينها أن بلادي وقعت في براثن المحتل، وأن علينا أن ندفع ثمن هذا الاحتلال؛ فكانت أولى خطوات الشتات، والمنفى هو العنوان.
كنتُ في سن صغيرة وقتها، لا أعلم أي شيء عما يحدث خارج وطني فلسطين أو داخله، فقط علمتُ   فيما بعد أنه أصبح يوجد في بلادي فلسطين (الغرباء) وهم "اليهود"!!!
 أهلي، أهل فلسطين، شعبي، أبناء وطني الجميع يحبهم، أما "اليهود" فالجميع يكرههم، هذا كان حين كنتُ طفلة غرة في السابعة من عمري.
لم تمضِ فترة بسيطة ربما لم تتجاوز العدة شهور حتى علمتُ ورأيتُ بأم عيني أن أهل فلسطين، أهلي، شعبي، يوجد من يكرههم أيضًا، كاليهود تمامًا. وكذلك يوجد هناك جيش آخر غير الجيش الإسرائيلي، ودبابات أخرى غير تلك التي تخص "اليهود"، ويوجد خوف، وحقد، وقلق، ودعاء مكتوم، لكن هذه المرة ليس على "اليهود"!
مضت سنة، سنتان، ربما أكثر أو أقل، بدأت أرى وبأم عيني أنَ الكراهية لشعبي الفلسطينيِّ أخذت تتسع دائرتها من جهة، وتخف من جهة أخرى تجاه ذلك المحتل المتمرس في قلب وطني فلسطين! أصبحتُ أرى جيوشًا غير تلك الإسرائيلية، دبابات ومدافع وطائرات حربية غير تلك التي بحوزة عدونا الأوحد إسرائيل وربما كانت تفوقه عدة وعتادًا!
وكانت تتسع رقعة الدعاء لكن ليس على اليهود، ربما كانت علينا! لم أكن أدري، ربما كنت أدري ولا أفهم بالضبط كل هذا ماذا يعني؟!
كنتُ أتابع نشرات المساء، أستمع كل يوم إلى نشرة الأخبار ذاتها، ذات الأخبار تتكرر كل يوم كأنها لم تمرُّ عنها أشعة الشمس أو تلفحها نسمة الهواء، تعيد النشرة وتكرر: أنَّ عدونا الأوحد هو إسرائيل.
 إذا لماذا أخاف أن أغادر باب شقتي طالما أن عدونا الأوحد إسرائيل، وإسرائيل ليست هنا؟! لم أكن أفهم، أو ربما كنتُ أفهم ولكن لا أجرؤ على البوح.
كبرتُ، في كل يوم كنتُ فيه أَكبرُ كانت تطاردني اللعنة  _ أني فلسطيني_  مع أن نشرات الأخبار كانت تصرُّ على نفس القول: عدونا الأوحد إسرائيل! فلا عجب أن أكبر وسط المتناقضات، وأن أعرف شيئًا وأرى خلافه، وأحس شيئًا وأخفيه في صدري، وتصبح خطواتي معدومة، وأنفاسي معدودة، وأمانيِّ وأحلامي متقزمة، أما نشرات الأخبار فهي كما هي لا تراها الشمس ولا تمرُّ عنها نسمة الهواء.
كبرتُ أكثر، اللعنة ما زالت تطاردني، الجيوش غير الإسرائيلية بازدياد، الحروب كثرت وتفاقمت، وأنا لا أجرؤ أن أغادر جلدي حتى لا أجلد!  ونشرات الأخبار تصيح بملء اليقين: عدونا الأوحد هو إسرائيل، وفلسطين على طريق التحرير والنصر الأكيد.
اليوم أنا في الخمسين من عمري، عدد النكبات التي عشتها بعدد شعرات رأسي ، بلادي تآكل ياسمينها، زيتونها تدوسه أقدام "اليهود"، حجارتها أصبحت تعرض في متاحف العالم وتباع بالمزادات، وترابها رحل إلى بيوت المستعربين والمستعمرين الغزاة.
 على الضفاف الأخرى  جيوشًا لا حصر لها، أعتدةً لا نهاية لها، ولعبة الموت بألف لون ولون، على كل الموائد وبأبخس الأثمان، والفلسطيني لعنة تُطارد إلى أبد الآبدين، أما نشرة الأخبار فهي كما هي منذ  ألف عام: إسرائيل هي عدونا الأوحد.
خُلقت في هذه الحياة  قبل خمسين عام، كنتُ أعرف ساعتها أن لي وطن واحد وعدو واحد، أما اليوم فأنا لا وطن لي، ولي ألف عدو يتربص بأنفاسي، ولائحة من الدعاء المعلن والمكتوم  تطولني من رأسي حتى أخمص قدمي، وأنا لا أفهم شيئًا، صِدقًا لا أفهم شيئًا، لكن من باب الاحتياط أنا لا أغادر باب شقتي!
 فهل ينقصني شي؟!

الاثنين، 9 سبتمبر 2013

ودخلت في الخمسين


ودخلت في الخمسين ...
شئت أم أبيت دخلت في الخمسين .. أحببت الخمسين أم لم أحببها .. رغبت فيها أم لم أرغب .. انتظرتها أم لم انتظر .. كل هذا لا يهم .. المهم أنني دخلت في الخمسين ووسط حالة من الذهول .. أنا في الخمسين كتلة من الذهول تمشي على قدمين .. تتلفت بذعر نحو الشمال ونحو اليمين .
لم أحبَّ الخمسين كما أحببت عقود عمري كلها .. هيَّ من أجبرتني على ذلك .. ففي كل عام .. في مثل هذا اليوم الجميل .. يوم مولدي .. أحدّثُ نفسي بحديث العيد .. وأقول لها وأعيد وأزيد .. قبل ألف دهر وُلدت في مثل هذا اليوم العتيد .. وكان جميلاً .. جميلاً .. أجمل بكثير من صباح العيد .
أما اليوم فحين عادتني ذاكرتي .. حرفت بيَّ عن مسارها .. لم تقف عند الألف دهر ساعة مولدي .. بل رمتني إلى السنوات العجاف .. فتحت لي كوة بالجدار تطل على داحس والغبراء .. وقالت لي وهي تشدُّني من طرف أذني الشمال .. هنا ولدت يا ميساء .. بين هؤلاء الأقوام .. الذين كانوا يتنازعون على فرس شقية .. مارست شقاوتها بفطرة البراءة .. فاشتعلت عبس وذبيان بذات الفطرة وذات البراءة ..
 حتى لا تنسي نفسك أكثر .. وتظنين كعادتك أنك هبطت علينا على ذيل نجمة .. أو على جناحي سحابة خريفية .. أو ولدتك حبات المطر على غصن شجرة الميلاد ..
استغربت منها .. ومن ردة فعلها العنيفة .. ومن تعنيفها لي في يوم عظيم كيوم مولدي .. وصرخت في وجهها .. داحس والغبراء انتهت بعد الأربعين .. والفرس ولت هاربة بعد أن أودت بابن الورد .. وابن شداد .. وآخرين .. وقومي اليوم لا يتنازعون على فرس ولت هاربة  .. قومي اليوم يتنازعون على الهواء .. كيف يشيدون من حوله قلاعاً وحصون .. وكيف يبنون أسواراً في وجه الهواء ويسحبون منه الأكسجين .
تنكرت لذاكرتي وتنكرت لي .. ودبَّ بيننا الخصام .
لعن الله الوحدة ومن أيقظها .. ذاكرتي كانت تؤنسني في وحدتي .. لكنها أصبحت عنيفة .. ولا تحمل إليَّ إلا صوراً للخراب وتماثيلَ الدمار .. وحين أقول لها أنا ظمأى تعرض إليَّ  أنهاراً تجري من الدماء .. دماء أطفال .. دماء نساء .. دماء شيوخ .. ودماء الأرض التي أنجبتنا .. وأرضعتنا .. وسهرت علينا دون أن يغمض لها جفن .. أو يتثائب منها رمش ..
كيف لا أكره ذاكرتي .. ولا أتنكر لها .. وهي أصبحت كقومي .. ذاكرة وحشية .. لا تتكلم إلا في العنف .. وعن العنف .. وكيف تصبح عنيفاً منذ لحظة الميلاد ..
الوحدة قاتلة .. لم تعد أكف أمي الطاهرة معي  لتطبطب على ظهري بحنان وتقول لي مبارك عليك دخولك الخمسين .. ولم تعد يدُ أبي الدافئة معي لتمسح على رأسي فتُسقط عنه كل الهموم .. وتعدني بالعودة إلى ملاعب الطفولة .. وفقأ أعين المحتلين ..
ما عاد في ذاكرتي من يحلم بالعودة .. ويرسمها في أفقه .. ويتذكر معي خارطة تلك الطريق .. وما عادت قهوة الصباح تأتيني أبخرتها من بين يديك الطاهرة يا أمي فأحتج عليها كعادتي حين أسوق عليك الدلال  وأقول .. " سكرها كثير "  .
اليوم لم يبقَ لي إلا هذه الذاكرة العنيفة التي لا تحمل إلا صور الحرائق وهي تلتهم الشجر والبشر والطير والحجر ..  لم تعد تهديني ياسمينة منك .. تحمل رائحة قلبك .. ربما لم يبقَ في حدائق قلبك ياسمينة واحدة لم تقصف أو تعرى أو تحرق أو تقطع أوصالها أو تقذف بالصواريخ .. لذلك تأتيني اليوم .. في يوم مولدي .. فارغاً من الياسمين ..  ممتلئاً  بالهم والحزن ووجع السنين ..
الوحدة قاتلة لعن الله من جعلني فريسة لها في هذا اليوم العظيم ..
يا قلبُ .. يا كلَّ الوطن .. يا كلَّ الياسمين وحبات المطر .. يا فاكهة الحروف وعناقيد الكلمات وحديث السمر .. إن بقيَّ في قلبك ياسمينة واحدة نجت من جشع التتار .. وسلمت من براثن الجاهلية .. فغنِ لها كي تكبر بسلام .. وصلِّ بكل جوارحك كي يحفظ الله طريقها إليَّ .. فما أقسى أن أدخل الخمسين  مع ذاكرة لا يفوح منها أريجك وعبق الياسمين .. ما أقسى أن أدخل الخمسين ولا تكون أنتَ في انتظاري .. وقلب أمي .. ويد أبي .. وذاكرة تفوح من حاراتها السبع طهارة الياسمين  .