ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الأربعاء، 20 مارس، 2013

همسات نورانية جزء 11

همسات نورانية ..
11
سلام عليك يا أمي
سلام على روحك الطاهرة
*****
تتوالى الأيام وبفوضى عجيبة
تكثر الأعياد أو ربما يهيئ إليَّ ذلك
كلها أيام تفرُّ من روزنامة عمري
لهذه اللحظة أنا لم أتذوق لها طعماً
كنت أدرك جيداً أنك تحليِّن الأيام ..
فتجعلين مذاقها أحلى من السكر
وكنت تجعلين الأيام أيضاً
أكثر ربيعاً  
وأكثر دفئاً
وأكثر حناناً
****
ماذا لو ألقيت اليوم وأنا في غمرة تعبي
برأسي المثقل بالهموم على كتفك
وشكوت إليك مرَّ هذا الزمان ..
ماذا لو أقلقت راحتك كعادتي
من تذمري
وشكواي
وامتعاضي
وعصبيتي
وكل حالات الجنون التي كانت تعتريني
وما أن تلمسها كفاك الطاهرتان
حتى أعود بعمري إلى أرجوحة الطفولة  
أقفز في شوارع هذا العمر بفرح عارم
ولا ألتفت إلى الخلف أبداً
ماذا لو صبرت هذه الدنيا عليك قليلاً  
وأبقتك معنا لبعض الوقت ..
****
ماذا لو أنني في هذا اليوم اليتيم
لا أزال أصحو على صوتك العذب الحنون ..
لا أزال أصحو على صوتك
يوقظني
يتمنى لي نهاراً مشرقاً
يحدثني عن كل الأحبة
ينتزع الضحكة من بين أضلاعي المتيبسة
يروي حدائق قلبي الذابلة
بحديث أسري النغمة
أشتاقه ..
وأفتقده في رحيلك..
ماذا لو بقيت يا أم
لبعض الوقت ؟
*****
من قال بأننا كبرنا
من قال بأننا لم نعد نحتاجك
من قال بأننا لسنا أطفالاً
ولسنا نحلم بحضنٍ دافىء
يلم شعثنا كل مساء
ويمسح غبار الأرق والقلق والهم والحزن
عن جبين تلمسه يداك ..
من قال أننا تعلمنا أن نضحك
من دونك
وأن نجتمع من دونك
وأن نرتب الحروف الباسمة على شفاهنا
من دونك
من قال أن هذه الحياة
حياة
من دونك ؟
*****
فلتتغمدكما رحمة الله الواسعة
أنت وأبي
وألف سلام على روحيكما الطاهرتين
عليكما ألف سلام

الثلاثاء، 12 مارس، 2013

كنتَ حلماً


كنتَ حلماً
أتذكرُ حين خبأتك حلماً بين ضلوعي .. كنتُ في كل صباح أوقظك .. أتناول معك قهوتي .. ونتصفح معاً عناوين الجريدة ..
 كنتُ أحدثك في تفاصيل يومي العديدة .. تفكرُ معي ماذا أقتني من ثياب للسهرة .. وكيف أشكل خصلات شعري بالورود الصغيرة .. وماذا أبقي منها مبعثرة بين كفيك وطيات الجديلة ..
كان الصباح حينها يتكلم لغتنا .. كنتُ أحدثه وأحدثك .. وتحدثني وتحدثه بهمسٍ صامت .. وكنتَ تهزُّ رأسك إعجاباً حين أشدد إليك بعض الحروف .. وتصفقُ حين أضمُ إليك بعض كلماتي .. وحين كنتُ أسكنُّ بعض الحروف في قلبك كنت توسدها ضلوعك .. وتخبئها بين طيات الفؤاد ..
كنتُ أظللك بين رموشي .. لأحميك من كل العواصف الغادرة .. ومن زخات المطر العابثة .. وحتى لا تكشف مخبأك عناقيد الشمس فتغار مني وتحرق بغضبها الوحشي حقولي .. وحتى لا تفتن من فرط كيدها وغيظها لإلهة البحر فتُغرق بأمواج غضبها سفني .. ومراكب عودتي إلى شطآن عينيك .. عند المغيب ..
كنتَ تذوب في فنجان قهوتي وتسري في شراييني .. وحين يلحظون تورد وجنتي وارتعاش الفرح على محياي .. أقول كان هنا في الأمس ..
 كان حلماً ورحل ..
واليوم لا شيء في قلبي .. ولا شيء يغفو بين الجفون ..
وأضحك في سرِّي .. وتضحك معي .. وتتابع ذوبانك في فنجاني وعلى طرف لساني .. وأتابع رسمك على ملامحي وفي عيوني ..
وحين تكبرُ الفرحة .. وتتسع دوائرها في عيوني .. يقولون ..  في داخلك سرٌّ  يا امرأة هبطت علينا من الغيب .. في عينيك شيء ما يشي بوجوده .. لا تنكريه ..
اعترفي أنه لا يزال يظهر في صباحات الياسمين .. يرتدي بعضاً من أحلامك الخجولة .. ينام على وسادتك المخملية .. وتدثرينه بفيوض عبيرك  .. وتمسحين على رأسه قبل النوم بتعاويذك الجميلة ..
وأعاود الفرار منهم .. وتعاود عيناي فيك الهروب .. وأسكبك في فنجان الصباح على عجل .. قبل أن تكسر عجوز الشمس باب الصباح علينا .. وتجدك تذوب في فنجاني وتسري في أوردتي وتتورد وجنتاي بك وتكتسي ملامحي بألوانك ..
 فترسمني من جديد ..
كنتَ حلماً ..
ولا تزال إلى الآن حلمي الوحيد .




الجمعة، 8 مارس، 2013

الحقيبة الحمراء




الحقــيبة الحمـــــــــــــــــراء
كباقي الأطفال كان ينتظر بفارغ الصبر أن تُفتح أبواب المدارس في صباح الغد .. وأن يُعلن عن عودة الدراسة من جديد .. وأن يطير كملاك بلا أجنحة يعانق أسوار مدرسته .. يهبط من سماءها .. ويقفز فوق ترابها كما اعتاد كل صباح بعد كل اشتياق ..
مذ  بدأت العطلة الصيفية وهو في اشتياق دائم إلى مدرسته .. إلى صفه .. إلى الباحة حيث كان يجتمع هو وأصدقائه وجميع ورفاق الدراسة  كي يلعبون .. ويأكلون .. ويتسامرون .. ويضحكون ..  قد يتشاجرون .. لكنهم في النهاية يتصافون ويتصالحون .
منذ  بدأت العطلة الصيفية وهو يحلم بأول يوم تبتدئ فيه  الدراسة .. هذا العام سيكون عاماً جديداً جداً ..  سيحمل على كتفيه حقيبة حمراء بدل تلك الحقيبة الخضراء الباليه .. لطالما كانت نفسه تشتهي وتطلب هذه الحقيبة  .. إنها الحقيبة الحمراء  التي كانت تسرح وتمرح وتتجول كل ليلة في أروقة خياله .. حقيبة حمراء كتلك التي كان يغيظه بها رفيقه في الصف المجاور كلما رآه يحمل حقيبته الخضراء البالية على كتفيه يكاد يتساقط منها كل شيء بما فيهم كتبه ولوزامه المدرسية  .. أما  الآن فلا ..  لن يسخر منه أحد .. ولن يغيظه أحد  .. فها قد أحضرت الحقيبة الجديدة ذات اللون الأحمر ..
وليس هذا فحسب بل أيضاً  أحضر إليه الزيَّ المدرسي الجديد ..لا زيٌّ قديمٌ بعد اليوم ..  فقد أصرَّ على والديه  أنه لن  يرتدي  الزيَّ القديم  لأكثر من عامين متتاليين .. وناضل كثيراً لأجل أن تتحقق أحلامه هذه ..  وفي النهاية كان له ما يريد  .. الزي المدرسي الجديد والحقيبة الجديدة ذات اللون الأحمر .
نعم هو متشوق وجداً لأول يوم دراسي في مدرسته الحبيبة ..  لن يقصَ من طول شعره في أول يوم كما يتوجب عليه دائماً .. يريد أن يُري معلمته الغالية على قلبه  والتي اشتاق إليها بجنون كم هو جميل شعره حين يكون طويلاً ومنسدلاً على أكتافه .. وأكثر من ذلك حين يعكصه إلى الخلف كضفائر الفتيات الجميلات .. ها هو قد أصبح شاباً وسيماً في السابعة من عمره .. يعكص  شعره الطويل إلى الخلف .. ويضع أيضاً في معصمه سواراً بلاستيكياً جميلاً ..  لونه أحمر أيضاً .. يليق بالحقيبة الحمراء ..
كل يوم كان يحلم ..  كل ليله كان يحلم .. كان يحلم وينتظر .. ويحلم وينتظر أن يتحقق الحلم ..
 ذات ليلة غاضبة .. زمجرت فيها السماء.. وعربدت فيها الغيوم السوداء  .. وأمطرت حمماً سوداء .. سحابة سوداء من تلك تسللت إلى وسادة الطفل وهو يحلم .. فسرقت الحلم .. خطفت الحلم .. دمرت الحلم ..
 قُصف الحلم  وهو في فراش الطفولة .. قُصف الحلم ودُمرَّ بالكامل مع ما  تم قصفه وتدميره وتخريبه على أيدي جحافل الصهاينة الغزاة ..
 دُمرَّ كل شيء .. ولم يبقَ من الحلم شيئاً  سوى أشلاء حقيبة حمراء كانت تنام على وسادة الغد.. وأشلاء يدٍ صغيرة لطفل كان حلمه في  السابعة من العمر.. ومعصمٍ مبتور بوحشية التتار كان معلقاً  في ذيله  سوار بلاستيكي أحمر اللون .. ربما كان لحلم ينتظر بفارغ الشوق أول يوم في المدرسة .

الخميس، 7 مارس، 2013

سلسلة جاهلية

جاهلية 1
فتحتُ أبوابَ الجاهلية على مصراعيها .. وصافحت أبا جهل وأبا لهب ..عانقت حمالة الحطب ... وجواري الردة .. وفتيان النرد ورسمت لهم ابتسامة ممطوطة من المحيط إلى الخليج الملتهب .
أودعت في أعماقي كماً من الأسرار .. وطرحت على ذاتي الحائرة بعضاً  من الأسئلة التي لا تحتمل الأجوبة .
من أين جاءوا وأنا التي رممت أسماءهم المتآكلة في قائمة الممنوع من الصرف .. من خطّهم عناوين بارزة في دفاتري .. وصفهم فوق السطر ؟
انتشر الرجال للصلاة والحديث عن صلة الرحم وإغاثة الملهوف وابن السبيل ... وما أن فرغوا من خطبة الجمعة حتى تجمهروا في ذلك الركن القصيِّ .. واختلفت لغة الكلام ..
 أجمع الحضور .. كل الحضور .. على حرمان الإناث من الميراث .
كدتُ أجنُّ وأصرخ في وجوههم : رفقاً بالقوارير يا معشر الرجال .. رفقاً بالقوارير .. وانتابتني رغبة جامحة في أن أستل سيفي الساكن في غمده وأُعمله في تلك الرقاب .. إلى أن التقيت النساء ..
أية نساء هذه ..  أية نساء ؟
أية قوارير هذه ..  أية قوارير ؟
على رسلكِ يا شجر الدرِّ ..  على رسلك ورفقاً  رفقاً في الآباء .. عندها فقط شعرتُ  بحاجة ماسة للاحتفاظ بأكبر عدد من ( القباقيب) ورغبة عارمة في تهشيم أعناق هذه القوارير .. قوارير هذا الزمان  .
قادوني إلى قبورهم  .. قصور من الرخام  .. تعتليها (ثريات) تهبط من السماء تضيء الجدران .. وما وراء الجدران .. لكنها لم تضئ لهم عقولهم وقلوبهم السوداء .
هبت إليَّ حسناء في عمر الورود .. وسألتني بخبث العذارى : ألستُ ساحرة الجمال ؟
ضحكت في سري وقلت : نعم أنت الحسناء الهاربة من العصور الجميلة .. كيف ظهرت في هذا الزمان المعيب ؟
آه يا حسنائي كم هو خوفي عليك  كبير أن تلتهمك عشوائيتهم وغوغائيتهم وعقول يرتدونها  كالطبول الجوفاء .
كنتُ أحسبهم سطور مطفأة في دواوين الأيام .. من سلّط الضوء عليهم .. من أخرجهم من قعر الجحيم ليصطفوا حولي في جولة حرة  للعتاب .. باب العتاب أغلقته أنا  منذ زمن بعيد .. منذ سمحت للذاكرة أن تدفنهم في علب النسيان ولكني اليوم فتحتُ أبواب الجاهلية على مصراعيها وصافحتُ رغماً عني أبا جهل وحمالة الحطب وعانقتُ أزمنة وأفئدة من ورق .