ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الثلاثاء، 26 فبراير 2013

أيام عَ البال

أيام عَ البال
عندما كنا صغاراً  كنا لا نخلد إلى النوم حتى نحلم بالغد .. كنا في كل ليلة ننتظر طيف الغد ليمرَّ  بسماء أحلامنا فنمدُّ أيادينا الصغيرة في محاولات عابثة منا لقطف نجوم الغد .. ولكن حينما يبزغ فجر الصباح وبعد أن نفتح أعيننا ونميط عن أجسادنا الصغيرة  لحاف الحلم نكتشف أننا كنا فقط نحلم ..
 وأننا لم نصل الغد ولم نقطف نجومه بعد  فينتابنا الحزن .. ومع ذلك في المساء وفي كل مساء نعاود الحلم .. ذات الحلم .. الحلم بأن نكبر .. بأن نقطف نجوم الغد .
كنتُ كل ليلة أحلم بأن أكبر .. أحلم بأن أصبح شابة جميلة وناجحة .. كنت أغرق في تفاصيل ذلك الحلم .. كيف سأكبر .. كيف سأبدو حين أكبر .. وماذا سأكون أنا حين أكبر ؟
ويكبر الحلم وأغرق في تفاصيله .. وأتوه في طرقاته وتشعباته  فيصبح حلمي مهترئاً من كبر حجم التغييرات والتعديلات التي أجريها عليه  في كل ثانية فأضطر عندها للملمة  الحلم في حجري وأعادة  هيكلته من جديد .
اليوم كبرتُ .. كبرت جداً .. كبرت خارج إطار الحلم أو الأحلام التي كنت أعدها كل ليلة في منامي .. لم يكن نفس الحلم .. لكّني كبرت .. ولم أعد أحلم بالغد بل أصبحت أحلم بالماضي ..
الماضي الذي انتهيتُ منه .. الماضي الذي حُفرت طرقاته وشوارعه  في قلبي وعقلي ولم يعد لي الحق في إعادة رسمه  أو هيكلته كما كنت أفعل بذلك الحلم .. لذلك في كل ليلة أصبحتُ أنادي على الحلم قبل النوم وأرسم له دمعة عالقة في ظل الجفون قبل أن تغرق هي الأخرى  في سبات مميت ..
دمعة .. دمعتان .. دموع .. لا يهم .. فالماضي كان كبيراً وجميلاً وغنياً يستحق أنهاراً من الدموع .. وليس دمعة معلقة بين الأهداب في ظل الجفون ..
ويبقى سؤالاً حائراً بلا إجابة يجول في خاطري .. يقض مضجعي ويؤرق منامي لماذا .. لماذا لم أعش ذلك الماضي .. لماذا لم ألتفت إليه في حينها  ؟
لماذا غرقت في حلم الغد وتفاصيل الغد طالما أن الغد قادم لا محالة ؟
لماذا أغفلت يومي .. نهاري .. ليلي ؟
 لماذا لم أستقبل في يوم إشراقة الشمس في موعدها ولم أنتظر القمر على شرفة العمر ولم أسهر ليلة واحدة أناجي نجوم  المساء ؟
 لماذا أفلتت من بين يديِّ أول قصة حب .. لماذا أغلقت نوافذي في وجه الحبيب .. وأغلقت أذني في وجه قصائد الغزل وأشعار الحب الصادق .. الحقيقي .. الشفاف ؟
لماذا قسوت على نفسي وتجبرت وتحكمت بها وتمردت على قوانين الطبيعة والعشق ؟
لمَ  لم أمضِ يوماً واحداً  في قراءة  قصيدة من الغزل العذري ؟
لمَ لم أمضِ يوما في ملاطفة الورود التي كانت تتسلق بجرأة وشراسة شرفة نافذتي ؟
على ماذا كنت أنغلق في حينها وأنزوي وأنعزل طالما  أن الغد آتٍ لا محالة وطالما أن اليوم تسرب من بين يديِّ  إلى غير رجعة ؟
هل أعود اليوم وبعد كل هذا العمر لارتداء " المريول  الأخضر "  وربط الضفائر بالأشرطة البيضاء ؟
هل أعود لانتظار صديقاتي حتى ننطلق زرافات زرافات نحو المدرسة فنطوي الأرض بأقدامنا طياً .. ونرسل ضحكاتنا تملأ الفضاء دون أن نكترث لوجود أحد على هذه الأرض غيرنا ؟
كنا في كل يوم يجمعنا حديث مختلف .. مشاريع مختلفة .. رؤى مختلفة .. نهارات مختلفة وأمسيات مختلفة ومع هذا لم نعش تلك الأيام من أجل أن نخربش في كل ليلة حلم الغد .. الغد الذي هو آت لا محالة ..
اليوم والليل غير الليل والنجوم غير النجوم والنهارات غير النهارات والصديقات ذهبن كل في طريق .. لم يعد أمامي سوى كلمات أغنيتنا التي كنا نرددها سوياً  في باحة المدرسة .. "أي دمعة حزن لا لا لا "..
نعم كنا ندخر الدموع للغد .. الغد الحلم .. الحلم الذي غرقنا في نقش تفاصيله .. فأتى غد آخر .. لم نره في حلمنا ليلة واحدة .. لم نره في ليلة قط ..
 وأي دمعة حزن لا لا لا ..


الأربعاء، 20 فبراير 2013

رسالة لم تكتمل


رسالة لم تكتمل

وأنا حين يحاصرني الضجر .. حين أجد كل ما حولي لا ينطق إلا بالضجر .. ماذا أفعل سوى أن أفرَّ إليك .. وحدك من يقاتل هذا الضجر بضراوة أخيل طروادة .. وحدك من يحيل كل هذا الضجر إلى حدائق غناء من السعادة والبهجة والفرح .
حاصرني الضجر .. وحاصرك الهمُّ والقلق .. حاولت أن أكون الخنساء إليك .. أبكي غيابك حتى أنتحر  .. ولكن ماذا يجدِي القصيد انتحاري .. وماذا يجديه من قوافٍ ذابلة على أبوابه  تنتحب ..
كم مرة فررّتُ إليك في صباي .. وكم مرة رميت عالمي خلف ظهري وحملت إليك خلسة جرار الشهد في قلبي .. وما التفت إليهم خلفي .. وما انتظرت قومي أن يرضوا .. وأن يخبو الشرر في عيون يملؤها الغضب ..
كم مرة انتظرتك على سفح ذلك الجبل كي نغوي الغيمات العذراء فتقع في غرامنا وتهبنا كل ما يسري في أوردتها من حبات المطر .. نغتسل فيها .. ونشرب منها حتى الثمالة .. ثم نلقي بما تبقى منها إلى الوديان والنهر ..
لم تتركني عيناك يوماً على نافذة الصباح أنتظر .. ولم يُقبِل عليَّ نهار لم تفتح له بيمينك أبواب النصر.. ولا كان يهبُّ علينا ليلٌ وأنتَ هنا .. ولا يطيب لنا مساء لا تشعله أناملك على موائد الشمع ..
كيف غيبوك وغيبوني .. وكيف حاصروك وحاصروني .. وكيف أصبح الضجر سيد الوقت وهربت القوافي من بين يدي ويديك .. وكيف استأسد القصيد فرفض كل باقات الزهر .. وكيف غض القمر الطرف وسمح لليلٍ عابرٍ أن يهجم على مخدعينا .. ويسرق حلمك وحلمي .. ويذبح طيفك على مرمى البصر .. ويبقيني وحيدة أتقلب على وسائد الضجر .. لا أنتظر أحداً ..  أو أنتظر ما لا يُنتظر ..
هذه رسالتي إليك بعدما ذبحوا  كل الرسائل الهاربة مني إليك .. إنهم يذبحون الرسائل .. إنهم يذبحون رسائلنا .. فيسيل حبرها على الطرقات .. لا تصلك .. ولا يصلني منك إلا رائحة الحبر .. إن نجت رسالتي هذه من براثنهم .. ووصلك حبرها يبكي ما فعلته فيه أقوام الغجر .. فكفكف دمعها الذي أغرق الورق .. وقبّلها حتى تهدأ ثورتها .. ولملم بقايا حبرها .. وأكمل فيها انتظاري إليك .. وانتظارك لي .. رُغم أنف جحافل الضجر .


الثلاثاء، 19 فبراير 2013

ضَيّعتُ الأماكن
كطفلة صغيرة أعدو .. أسابق الريح لأصافح
تلك الطرقات .. أقبّلُ منها الجبين وأعانق فيها
نسمات الأماكن .
دغدغتُ قلبي  بفرح عارم ووعدته بأمسية صيفية من أمسيات تموز الحالمة .. داعبت وجنات الورود في طريقي إلى درب الياسمين وهمست في أذنها أنني عدتُ لأصطحبها في مشوار .
تصالحتُ مع الوقت وضممتُ إليَّ عقارب الساعات وألغيت من خارطتي كل الإتجهات .. نحوك فقط تتجه كل الخطى .. وحولك فقط تدور عقارب الوقت .. ومن خطوط  كفيك تقرأ كل العناوين .
لكن ... هل تهرم الطرقات ؟
هل تذبل الأماكن ؟
فلماذا أشتم رائحة الشيخوخة تفوح من عبير الملامح  وشذى الأماكن ؟
وجوه أعرفها جيداً صافحتها عمراً بأكمله .. لم تعد تذكرني .. أماكن عايشتها دهراً .. حفرت خطاي  فيها مسارب ومسالك .. لم تعد تذكرني .. أناس ومدائن حاضرة غائبة استلقينا فيها تحت مظلة المطر وكَستنا فيها غيوم  الثلوج والبرد ..
لم تعد تذكرني .
أتراني حملت غربتي معي ..  أم تراها معالم الغربة أرخت ظلالها على الطرقات والملامح ؟
تلفتّ  حولي فلم أجد  سوى سحابة جامدة تظللني ونجيمات متعبة تحوم في سماء رمادية لم تحبل بغيمة ممطرة منذ دهور .. وأشجار مجهولة تفتح
ذراعيها للهواء المرِّ وتستجدي دموع السماء الشحيحة .
ليس سواك أيها القمر المتربع على عرش السماء من يشهد قدومي اللحظة ومن شهد معي ذلك المساء .
أتيتُ أبحث عن ورود لي  نثرتها هنا في هذه الرياض ..
أتيتُ أبحث عن ذكريات لي غلفتها بنسائم الربيع ودعوت لها  بطول البقاء .. أتيتُ أفتش في هذه الأماكن عن بقايا مني ..عن بقاياي .
يا قمري المتربع على عرش السماء هل تسافر الطرقات .. هل تهاجر الأماكن ؟
 أين وجهتها يا قمر علني ألحق ظلها فأصلها ولو بعد ألف عام .. أخشى يا قمري أنني في غربتي قد ضيّعتُها .. ضيّعتُ مني الأماكن .

الاثنين، 11 فبراير 2013

البنفسج حزين

البنفسج حزين
حين يحزن البنفسج ..
 تضلُّ البلابل أنشودة الفرح ..
 وتتشتت  العصافير في الدروب  ..
تبكي الورود على شرفات النهار..
 تنزاح جدائل الشمس عن كتفي المحبوب .. وتضطرب أمواج البحر في حيرتها .. هل تأتيك في الصباح أم عند المغيب ؟
تشرد الضحكات عن مباسم  الطفولة  .. وتأفل عن ظلال الياسمين .. وتهبط أسراب الحمائم إلى الأرض .. إلى مخدع البنفسج الحزين .. وتدق بمناقيرها الناعمة أوراق البنفسج .. فلا يستجيب .. تنحدر من عينيه دمعتان بلون الألم تبلل ريش الحمائم .. وبتلات الزهر الحزين  .. فتنتفض الحمائم جزعة وتلثم بحرارة عيون البنفسج الحزين .
ما بك أيها البنفسج الحزين ..
 وكيف تسللت إلى قلبك كل غيمات الحزن هذه .. ونحن من حولك عصبة .. لم تخترقنا في يوم حبة مطر .. وما بعثرتنا أبداً هبة ريح .. كيف استأسد الحزن عليك .. وأين كنا حين غزتك أمواجه قبل طلوع الفجر بقليل .
لا تحزن يا بنفسج ..
 الحزن لا يليق بك .. الحزن لا يليق بأوراق البنفسج الباسمة كرغيف الأمل .. ولا يليق بعينيه الضاحكة ملء الفجر .. ولا بجدائله المستلقية بغنج العذارى على أكتاف الصباح .. لا يليق بالبنفسج إلا أغاريد الفرح .. وأزهار الضحكات تعبث بجفنيه وشفتيه وأذنيه .. وتداعبهم بأعواد الياسمين ..
خذ أجنحتنا يا بنفسج وحلق في الأفق البعيد ..
 اغسل حزنك بقطرات الندى .. وانفض عنك ريش الذبول ..
 وتفّتح كما تتفّتح الضحكة على ملامح الطفولة .. وارفع ساقيك للريح ..
 وردد معي البنفسج لم يعد حزيناً بعد اليوم ..
البنفسج لم يعد أبداً حزين .


الأحد، 10 فبراير 2013

أسئلة مشروعة .

أسئلة مشروعة .
تجتاحني ثورة عارمة من الأسئلة .. أسئلة مشروعة جداً .. لكنها لا تحظى بأية إجابة .. لا أعلم لماذا تضن عليها الإجابات .. ولماذا لا تشفي غليلها .. وتبرد نار حيرتها بأي جواب عن أي سؤال من أسئلتي المشروعة التي تغزو فكري بعد كل كتابة إليك .
حين أكتب إليك .. أفترش بساطاً من السعادة أمام عينيِّ .. أتناول القلم بيد ترتجف .. أغمّسه في مداد المحبة .. ثم أكتب إليك ..
أنتقل من سطر إلى آخر بفرح عارم .. أترك إليك بين السطور بسمة صغيرة هي بعض من ظلال وجهي .. وأدندن إليك أغنية عتيقة سمعتها  في فترة الميلاد .. قبل الميلاد أم بعده  لست أدري .. ولا يهم أن أدري .. طالما أننا لم نلتقِ في بساتين الحياة إلا على هذا الورق ..
 أصلُ النهاية .. يرتجف القلم في يدي .. لا يريد أن ينتهي من الكتابة إليك .. لا يريد أن يفرغ منك .. فتنسكب من عينيه دمعة ساخنة على الورق .. علّك تمدُّ إليها أناملك .. وتمسحها بمنديل من الزهر ..
وأتبعها بضحكة مخنوقة حتى لا أترك أثراً لكآبة عابرة أن تحتل محياك ..
ثم أضع نقطة النهاية وأنا أبتسم ابتسامة طفولية أنني تركت بعضاً من روحي منثوراً على الورق ..
وأجلس أعدُّ الثواني بانتظار الرد ..
يأتيني الرد سريعاً .. أسرع من البرق .. وألتقطه كما يلتقط الجائع رغيف الخبز الساخن .. يشتمه أولاً كثيراً .. ثم يقبّله بحرارة .. ويبدأ بالتهامه ودون أن يفرغ من طور البلع ..
أكحل عينيِّ بالسطور .. أقفز قفزة سريعة من أول سطر إلى آخر سطر لأقيس بذكاء قطة برية كم هي المسافة التي قطعتها في شرايينك منذ بداية الرحلة .. وكم هي بالضبط مساحتي في حجرات القلب .. وأشعر بنوع من الرضى أنني ملكة متوجة الآن على عرش قلبك .. فأبداً في القراءة على مهل .
أضحك تارة .. وأحزن أخرى .. وأبتسم مرات عديدة لتلك السطور .. وأضع بغمز العين علامة تعجب .. وأكثر من ألف علامة استفهام .. وأصفق بين الحين والآخر أن الدنيا أخيراً ابتسمت في وجهي .. وجمعتني بمن يزرع حدائق عمري بألوان الفرح  ..
وآخذ دون تفكير بالرد .. وأبدأ بالسرد .. وأنتقل بين السطور دون تعب أو كلل .. وأنتظر .. وأكتب إليك .. وأنتظر .. وأكتب وأنتظر .. إلى أن تغزوني بعض الأسئلة المشروعة جداً والتي لم تجد لها لغاية اللحظة أية إجابات ..
 أنا لماذا أكتب إليك .. وأنتَ لماذا تكتب إليَّ .. وأنا لماذا أمتنع الآن عن الكتابة إليك .. وأنتَ لماذا تمتنع الآن عن الكتابة إليَّ .. ولا من إجابة شافية تلوح بالأفق .. مع أن أسئلتي مشروعة جداً .. وهي تنتظر الإجابة فقط  .

الأربعاء، 6 فبراير 2013

كهلُ أنا .. فاخلعيني .





كهلٌ أنا .. فاخلعيني

كهلٌ أنا في السبعين ..

لم أع الفرحة يوماً

مذ توالت النكبات على رأسي

وأنا أسكنك وأنت تسكنيني

ينفض الجميع من حولي

إلا أنت تقبعين في سنيني

والآن .. أنا ذاهب للقبر وحدي

لن أرقد في حضنك أبداً

ولا .. لا  ..  لن تكفنيني

سأخلع عني خيمتي

سأخلعك .. فاخلعيني ..

 كهلٌ أنا في الخمسين ..

أرفع رأسي إلى السماء

أستسقي الغيمة علها تروي ظمأي

ماء الأرض لم يعد يرويني

خمسون عاماً وأنا أشرب

من دمع عيني

الماء مالح في حلقي

تكاد لملوحته تجف شراييني

 لم يعد البقاء يجدي

داخل خيمة مزقتها السنين

سأخلع عني خيمتي

سأخلعك .. فاخلعيني
 
كهلُ أنا في العشرين  ..

أورثني أبي بندقية

ونهراً من الدماء المسفوحة

ورقعة من الأرض

ويضع شجيرات من الزيتون

وترك لي وصية

اذهب فقاتل حتى تموت

لم أرَ من عالمي

سوى جدر عالية

وأغلال سجين

وذات تؤرقني .. تقض مضجعي

تطالبني بعودة اللاجئين

سأخلع عني خيمتي

وسأمضي شهيداً يروي الأرض بدمه

ويرفع اسمك عالياً  يا فلسطين

سأخلع عني خيمتي

سأخلعك ... فاخلعيني


الاثنين، 4 فبراير 2013

ورق

ورق
هات الورق يا سيدي .. أعطني كل الورق كي أملأه لك .. كي أجيبك على أسئلتك الحائرة .. أنا اليوم أملك كل الإجابات لكل الأسئلة التي كانت تدور في مخيلتك والتي لم تكن  تجرؤ على أن تدور .
قد لا تذكر الورق .. ولا تذكر الأسئلة .. وربما لم تعد تذكر الموضوع .. مضى زمن طويل على ذلك الورق الذي ينتظرني في تلك الزاوية وينتظر مني الإجابة بينما  كنت أنا غارقة أؤدي مسرحية هزلية على مسرح الحياة أبطالها  أنتَ وأنا .. هو وهي .. ومجموعة ممن يرتدون النفاق وجوهاً لهم .. ويقيمون بيننا أحبة لنا ..
هكذا كان دورهم ودورنا على مسرح هذه الحياة ..
اليوم تبدلت الأدوار وأنتَ لم تعد تطيق التمثيل أكثر مما مضى .. وأنا مللت كل هذه الأدوار التي وهبتني إياها هذه الطبيعة  ..
 مللت أن أكون أنا المثال الأجمل والأنقى والأطهر  .. مللت أن أكون أنا القدوة الحسنة ومنبع الطيبة وشلالات الخير والحب الذي لا ينضب .. ومللت أن أكون أنا أيضاً الضحية ..
 مللت أن أكون الرقم الصعب كما كنت تسميني .. مللت أن أكون أصلاً  رقماً  في أية مسرحية وعلى أي مسرح حتى لو كان مسرح هذه الحياة .
ماذا تنتظر مني أن أقول إليك ؟
هل أعلن عن مسابقة جديدة وعلى الملأ تحمل عنواناً من تلك العناوين التي كنت تنثرها في الهواء كلما لاحت في الأفق حسناء .. هل تريد هذا العنوان .. من الذي سيفوز بقلب الشقراء ذات الأشرطة الحمراء ؟
كل الأمور اليوم تقاس ب الفوز .. الربح .. الكسب .. الجوائز .. الصور .. الألوان .. الاحتيال .. الكذب .. النفاق ..
الرقم الصعب الذي كنت تتحدث عنه فيما سبق ولىَّ إلى غير رجعة على مسرح لا يفهم أصلاً  لغة الأرقام .. مع أنه يقصد الربح في كل اتجاه .
وأنتَ .. أنتَ لم تعد تفهم شيئاً .. تتخبط في كل خطوة تخطوها  .. وتغرق في شبر من الماء .. وتغوص حتى أذنيك في ضحالات قميئة كي تنشد العدالة والرقي والحضارة  فيها ..
 أين أنت من العدالة والرقي والحضارة وأنتَ أصبحت مجرد رقم  في سلسلة من سيربح قلب السندريلا ؟
" من سيربح ... "  أصبحت عنوان هذا المسرح الذي أصبح أجوفاً ولا يحتوي في داخله إلا على الفراغ ..
وأنت لا داعٍ كي تستل سيفك كل لحظة .. الحرب انتهت .. وما تراه أنتَ اليوم ليست حرباً .. بل هي مهزلة بكل المقاييس .. مهزلة أصبحت أنتَ جزءاً لا يتجزأ منها ..
هل ما زلت تريدني أن أملأ  لك الورق ؟
أنا هذا المسرح لم يعد يعجبني .. لكن قبل أن أغادرخشبته اسمح لي أن أستل سيفك وأطيح به جميع هذه الأقنعة .. كل هذه الوجوه التي لا تضحك إلا على نفسها .. أنا كشفت كذبها منذ زمن .. لكنّي كنت أرجىء تعبئة هذا الورق ..
 كنت أخشى عليك من هذا الورق ..
اليوم .. بعد أن أصبحت أنتَ مجرد رقم .. ورقم هزيل في هذه المسرحية .. فتفضل ..
 هذا هو الورق ..
 وهذا هو سيفك ..
رحل عنترة .. وامرؤ  القيس .. وكل من كان هو الرقم الصعب في زمن الحب .. فلا داعٍ لأن تستل سيفاً بعد اليوم ..
 يكفيك فقط قراءة هذا الورق .