ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الأربعاء، 25 ديسمبر، 2013

للشمس سلام

 للشمس سلام
استدعيت أوراقي والشمس على عجل .. فأنا لا أحبُّ الكتابة برفقة الأضواء الملونة أو الصاخبة .. ولا أحبُّ مرافقة الأضواء المتموجة والمتعرجة حسب حالة الطقس  وخريطة البرد الذي يهجم فجأة دونما سابق إنذار .. فيحتل المكان .. وينتشر في الخلايا .. ويتمدد في المسامات .. ثم يقضم الأفكار بنهم شديد .. ويلقي بالقشور إلى صفحات الجرائد والكتب .
 الشمس كفيلة بكل هذا البرد .. كفيلة بفك رموزه الغامضة .. كفيلة بقراءة سطوره الباهتة .. كفيلة بالبحث في سراديب أحلامه .. في ذاكرته العتيقة .. في بطينه الأيمن أو الأيسر .. في مكامن أسراره ..
الشمس  كفيلة بأن تجد لكل معضلة الحل .
الشمس التي إن رضيت استرخت .. وأرخت دفئها وحنانها على أكتافنا .. فأصبحنا نفوق الأشجار طولاً .. والبحار عرضاً .. والنجوم رفعة وسمواً ..
و إن غضبت مالت عنا واحتجبت .. فبتنا أقزاماً .. لا طول لنا ولا عرض .. لا رفعة ولا سمو .. ولا نكاد نرى بالعين المجردة ..
ومع ذلك فهناك من يستخف بالشمس .. من يتجاهلها .. من يوصد في وجهها بابه .. ويتوحد مع عتمة الليل .. ليشعل شمعة هزيلة يكتب بدموعها الثخينة أحلام الكون ..
ومنهم من يواعد القمر .. يتودد إليه ليكتب عنه رسائل الغرام إلى حبيبته التي ضاعت منه أثناء  حرب البسوس .. ثم يطبع  قبلة خجولة على جبين الورق .. رمزاً لحبٍ عذري لم يتحرر للآن من قبضة القمر ..
ومنهم من يغلق نوافذ عينيه وقلبه .. ويوصد كل الأبواب بوجه الشمس والقمر والسهر .. ويكتب فقط بأعواد من الفحم .. حكاية كل البشر ..
أنا لستُ منهم .. نعم أنا لستُ منهم .. وأعلنت براءتي للشمس وللبشر وللحجر ..
أنا الشمس أمي وأبي وحبيبتي وقبيلتي .. قومي هم الذين تخلوا عن داحس والغبراء منذ قرونٍ خلت .. هبطوا من جزر القمر .. تدفقوا من قلب المحيطات .. خرجوا من قلب الحكايات القديمة .. من قصص ألف ليلة وليلة .. وأتوا يرفعون الزنابق البيضاء .. يرتدون أحلاماً نُسجت بأنامل شهرزاد .. وينتعلون خطوات نجت من بطش شهريار ..
هؤلاء قومي الذين ينتمون إلى الشمس وإلى الفضاء الرحب وإلى الأفق اللازوردي .. الذين يصافحون الشمس بأكف خالية من القفازات .. وينحنون دون أن يرفعوا عن شرايينهم القبعات ..
قومي مثلي حين يكتبون التاريخ يستدعون الشمس لتجفف أنهار الخطيئة من حولهم  وبرك الدموع التي تسبح فيها ضفادع تدّعي القدسية وهي التي يتعوذ منها إبليس ويرجمها بالحجر ..
قومي مثلي يكتبون التاريخ على ضوء الشمس .. لا يعترفون بالشمعة ولا القنديل ولا الفانوس السحري الذي يضيء لهم ما يشاءون  من الحروف .. ويخفي  ما يخفيه من مجازر ارتكبت في وضح النهار وعلى مرمى البصر .
أعتذر يا شمس .. أعتذر عن هؤلاء  الذين حاولوا أن يفقأوا عين الشمس .. وأن يغتالوا أشعتك الحانية بشمعة ذابلة .. أو قنديل هالك .. ونسوا أو تناسوا أنك أم هذا الكون .. وأنَّ من رضيتِ عنه أصبح أكثر رفعة وسمواً .. ومن غضبتِ عليه بات لا يرى بالعين المجردة ..
أعتذر يا شمس ..
وإليك  مني .. ومن قومي ألف سلام .



السبت، 14 ديسمبر، 2013

في غرفة الإنعاش


في غرفة الإنعاش
حضرت فقط كي أقول ما أعرفه في حضرة الموت .. كل شيء كان معداً للموت .. مزفوفاً إليه ..
 وأنا ما أتيت لأرفع الموت عن جبهتك .. ما أتيت لأسرقك من الموت .. بل لأقول لك ..
 مُت بسلام ..
أتيت لأقول ما يقال عادة في حضرة الموت .. كان بطلاً .. شجاعاً .. فارساً .. مغواراً .. كان ابن أمه ووطنه .. كان فتى الوطن الأول .. وابن تلك البلاد .. وكل ما يقال عادة في حضرة الموت من قصائد الوداع ..
قبل أن أرحل بخطوتين  .. وبعد أن تلوت عليه ما بين يديَّ من تعويذات رمادية اللون والبصمة والميعاد .. رفعَ رأسه فجأة .. وألقى إليَّ بالسؤال ..
عقدت الدهشة لساني .. وتبعثرت ملامحي .. وارتجفت العبرات على وجنتيِّ .. لكنّي سارعت بإخفائها حتى لا يتمكن من قراءتها .. وكي لا يلحظ اضطراب ملامحي وتشتتها من جرأة السؤال ..
 كيف تسأل وأنت تضع قدميك في سلّة الموت .. كيف يخرج منك السؤال وأنت تخرج شبراً شبراً من هذه الحياة .. كيف لم تتبعثر حروفك وهي في طريقها إليَّ .. وكيف وصلتني سالمة كأنها زنابق نبتت للتو على الشرفات  .. فتمايلت تيهاً .. واشرأبت أعناقها نحو سابع سماء ..
لم أجبك .. نعم فأنا لا أعرف الإجابة .. أنا ما أتيت إلا لأقول كلمات الوداع .. فلمَ استوقفتني .. لمَ سألتني .. لمَ جعلتني فريسة الحيرة .. وفارسة الكذبة الأولى في الحياة ..
رحلتَ .. أم لم ترحل .. لا فرق بين الحالين .. فالحياة الآن تشبه الموت .. والموت اليوم وجه  آخر من وجوه الحياة .. لا داع كي تنهض من سريرك .. لا تغادر فراش الموت .. خارج هذه الغرفة لا يوجد ما يستحق الحياة .. دع عنك هذه الحياة .. ودع عنك أيضاً هذا السؤال .. ودعني أتلو على مسامعك قصيدة الوداع ..
أنا يا ابن تلك البلاد الغارقة في الفوضى والخراب .. القابضة على جمر القهر والحزن وسلسلة طويلة من خيبات الآمال .. أنا قبل أن آتيك محملة بعبارات جوفاء .. كنتُ على قارعة الطريق .. أحصي خطوات العابرين إلى الحياة .. أرى أقدامهم وهي تُغرس كعشب بريٍّ على أرصفة الطرقات ..  فلا يخرج منها  سالماً إلا ما شاء الله .. ومع ذلك فهناك أقدام تهرول .. وهناك أقدام تركض عبر القارات .. وهناك أقدام الطواويس تتيه غطرسة و كبراً وخيلاء .. وهناك أقدام تزحف .. نعم أقدام تزحف .. قد تصل إلى غرفتك .. غرفة الإنعاش ..  قبل أن تصل إلى هذه الحياة ..
فارقد بسلام ..
 ولنقل عنك فيما بعد .. رحل بصمت وسلام ..
كان باراً وتقياً .. ورعاً وصالحاً ..
 كان أضحية هذا العيد ..
مات قبل أن ينبس ببنت شفة  .. أو يجرؤ على طرح السؤال ..





الاثنين، 18 نوفمبر، 2013

رقصة المطر


رقصة المطر

صمت كبير .. صمت آخر يغلف الزمان والمكان وعقارب الوقت المتربصة بنا على باب الدار ..
يغلف الوقت الصمت القلق .. الصمت الخائف .. الصمت المرتجف .. ولا أستطيع أنا وحدي كسر حدة هذا الصمت  فأنا لم أعد أدري هل أنفاسك قادرة على الصعود مرة أخرى إلى نافذتي .. أم أنك أصبحت تنتظر ..
وفقط تنتظر ..
هل وصلك المطر .. هل داعبت وجنتيك حباته وقبّلتك من الجبين والمقل .. هل داعبت أذنيك موسيقاه الساحرة .. وهل انتشى قلبك ورقصت دقاته من الفرح ..
المطر من حولي يرقص رقصته المعهودة على أسطح الجوار .. لكني لم أنتشِ كعادتي لهذه الرقصة  .. وأكاد أكون لا أكترث .. مطر الطفولة يا رفيق أجمل بكثير .. صوته أكثر دفئاً وحناناً .. وهمسه الناعم يداعب نبضات القلب ونبضات الجوار .. وليس يطرق طرقاً مبحوحاً نوافذ الأذنين وزجاج نوافذ الجوار ..
ومع ذلك يمكنني أن أحمل إليك بين كفيِّ بعضاَ من حبات المطر .. وأستطيع أكثر أن ألقيها على وجهك فيرتد نضراً .. مبصراً .. باسماً .. يحمل على وجنتيه كل تباشير الخير والوطن .. لكني يا ابن تلك البلاد الرازحة تحت وابل القهر والعبث .. لا أستطيع أن أحمل إليك وقع حبات المطر الراقصة على ملامحي الثائرة  ونافذتي المضطربة وقلبي الحائر ..
عليك أن تكون هنا حتى نتقاذف معاً حبات المطر  .. وحتى ننصت معاَ لترانيم سيمفونية جديدة تعزفها  الآن حبات المطر على جميع نوافذي ..  وتدعوني لرقصة المساء .. على أنغام ليست كالأنغام ..
 أنغام لم تمرَّ  أقدامها في يومٍ من هنا ..
لو أنك هنا ..
ليتك كنت هنا ..
ليتك كنت هنا وشهدت معي وقع خطوات المطر على طريق الذكريات وهي ترسم ألف علامة استفهام .. أين أنت الآن .. وهل تستطيع أنفاسك أن تصعد ثانية إلى نافذتي لتلتقط عنها حبات المطر .. أم أهبط  إليك بمظلة من الحنين والاشتياق وحبات المطر .. وليتك تكون في استقبالي أنا والمطر ..
ليتك تكون هنا  ..
ليتك تكون هناك ..
ليتك تكون .. وفقط .



الاثنين، 21 أكتوبر، 2013

أوراق امرأة



أوراق امرأة 

اليوم .. أنا امرأة أخرى .. 

اليوم .. سألبي نداء قلبي المتأرجح بين زوابع الانتظار وعواصف النسيان .. 

اليوم .. سأتصالح مع أوراقي .. سأسكب عليها مداد قلبي يغلي كقهوة الصباح حين تفور على شفتيك .. سأروي ظمأ الأوراق .. سأطفىء لهيب اشتياقها وجمر حنينها إليك .. 

سأرسمك على جدران قلبي .. على مدارج السطور سأزرعك على شرفة الحروف .. سأوشح باسمك صباحات كل الفصول . 

كيف راودتني نفسي الحمقاء على نسيانك ؟ 

أية حماقة هذه التي كنت سأسطرها في تاريخ عمري وعمر أوراقي ؟ 

كيف أمزق وردة تنام بين صفحات دفتري .. تغفو على وسادة السطور .. تلتحف حروف المدِّ .. وتتدثر بتنوين الضم وعلامات السكون ؟ 

اليوم أفقت عليك تداعب أنفي بوردة حمراء كتلك التي كنت أنا وأنت نقطف ورودها في لحظات الجنون .. ألقي إليك بأوراقها .. فتلقي إليَّ بقلبك مسطر بأعذب الحروف .. أذوب أنا فيها .. أغيب عنك .. ألملم ما تبعثر من أنفاسي .. 

كنت حمقاء حين كنت أخفي عنك رغبتي بالمزيد .. حين كنت أخفي هالات الحبور التي كانت ترتسم في بؤبؤ عيني لحظة العناق مع الحروف .. 

اليوم أنا نضجت .. المرأة بداخلي نضجت .. الأنثى بداخلي نضجت .. عواصف النسيان رحلت عن فكري .. 

تصالحت مع الحلم ووعدني أن ينتظرك .. 

في المساء .. في الصباح .. في الظهيرة .. قبل الغروب .. بعد الغروب .. في ساعات السحر قبل موعد الشروق .. 

تصالحت مع الحروف .. وعدتها أن أرسلها في كل ساعة إليك .. في كل دقيقة .. في كل ثانية .. 

ستطوقك الحروف بذراعيّها المحبة وتعانقك .. فأنىَّ لك منها الهروب ؟ 

تصالحت مع أوراقي .. وعدتها بأن أرسمك ليس فقط على جدران قلبي وفكري وخيالي .. إنما بين السطور وفوق السطور وتحت السطور .. في الهوامش والزوايا .. بين الجمل .. فوق جميع علامات الاستفهام .. 

أنت اليوم خارج علامات الاستفهام .. أنت اليوم في عقر قلبي وبين ذراعيِّ .. حتى لو زرعتَ خيمتك باب دارها وأطلت المكوث .. 

أنت منذ اللحظة قلبي .. 

ولن تغادر قلبي .. 

لن تغادر أوراقي .. 

لقد استدعيت الحلم .. أنت منذ اللحظة فارس أحلامي .. فاشهدي عليَّ يا حروف .. 

واشهدي يا أوراقي .

السبت، 19 أكتوبر، 2013

أهلا بالعيد .


أهلاً  بالعيد
أنا وأنتَ يا عيد .. أمسياتٌ من عناقيد وعقود ..
أضواءٌ .. شموعٌ .. قناديل ..
بطاقاتُ حب .. ذكرياتٌ مطوية في دفتري العتيق ..
مواقد الشتاء .. أرصفةٌ من البياض .. دمية تناثرت بقايا شعيراتها بين مخالب مشطي العتيق ..
ليالٍ صيفية .. وقمر الجيران خلف نافذتي .. ينتظر معي صباح العيد ..
فستانٌ ورديٌ ينام بجانبي على السرير ..
مذياعٌ .. يهلل .. يكبر .. ينشد ..
أهلاً .. أهلاً  بالعيد ..
وأنا في عجالة من أمري .. قبل أن تفرَّ  أصابع العيد من يدي .. أختطف كعكة بالعجوة .. أضم الدمية إلى صدري .. أقبُّلها .. أمنحها مصروفي في العيد ..
بعد ثوانٍ  قليلة .. أشدُّ ضفيرتها .. أسرقُ منها
 " العيدية " .. وأنطلق مع الريح ..
أقذف ب " العيدية " إلى الهواء..  فيلقي إليَّ  أرجوحات الفرح .. أرجوحات العيد ..
في المساء أعود نادمة .. أضم إليَّ  دميتي من جديد .. أبكي على صدرها .. وأشكو إليها بخل العيد ..
كان بخيلاً  بحضوره .. لم يطل المكوث في الخارج .. مرت ساعاته كالحلم .. كالكذبة .. كالأسطورة  .. لم ينتظر حتى يودعني .. وجدته خلف الباب يلملم أذيال ثوبه .. وينطلق مع الريح ..
مسدت شعر دميتي ووعدتها ألاَّ  أشد ضفيرتها مرة أخرى .. ألاَّ  أسرق منها " العيدية " مرة أخرى .. ألاَّ  أقذف بثروتي إلى الهواء  كي يهديني الفرحة .. والعيد .. والأرجوحة .
في العيد الذي يليه ..
دميتي على الأرض قرب السرير .. دموعها على صدرها .. جدائلها مبعثرة .. بقايا شعيراتها علقت بين مخالب مشطي العتيق ..
وأنا أطير مع الريح .. أواعد الهواء .. أنقده مصروفي فيهديني الفرحة .. والأرجوحة .. والعيد .
ومذياع .. يهلل .. يكبر .. ينشد ..
أهلاً .. أهلا  بالعيد .

طفل في السبعين


طفل في السبعين .
جماله .. لم يفقد من جماله الكثير .. بل ربما أصبح في السبعين أجمل بكثير ..
 العيون جحظت قليلاً .. لكنها مبتسمة طِوال الوقت ..
الشفاه ترهلت قليلاً .. لكنها يفيض منها الشهد ..
 الأنف كَبُر قليلاً  .. لكن بهيبة ووقار وشموخ .. التجاعيد فرشت لها مساحات على الخد والوجه .. لكنها مساحات من ورق الورد .
هدوؤه .. لم يعد يطيق الهدوء .. ولا يعرف إليه سبيلاً .. أصبح كثير الحركة .. بالرغم من أنها تمنُّ عليه أحياناً .. وتقسو أحياناً أخرى .. إلاَّ  أنه يستطيع أن يشاكس هنا وهناك محاولاً جهده أن ينال منها .. أن يستفزها .. أن يغيظها .. ومحاولاً أكثر من هذا وذاك الانضمام وبشراسة الفرسان إلى قائمة الأطفال المشاكسين .
حديثه .. على قلته فيما مضى .. أصبح الآن يكثر من الحديث .. كأنه تحرر من ضريبة اللغة .. وضريبة الحديث  .. فأصبح يتحدث كثيراً .. كثيراً .. دونما حواجز .. دونما خطوط حمراء .. يقفز من فوق السطور .. يتعدى النقاط والفواصل .. ويخدش عن قصد .. أو عن غير قصد علامات الترقيم .. ثم يقف في وسط الكلام ليرسم قُبلة .
أشعاره ..أشعاره في السبعين تضع النقاط على الحروف .. تُكمل ما بدأه طِوال السبعين .. أشعاره التي كانت في الماضي ينقصها توابل الشعر .. وبهارات القصيد .. أصبحت الآن تامة النضج .. نضجت على نار هادئة عمرها سبعون .. ومذاقها عسل مصفى .. وشهد مكرر .. وسكر يخلو من السكرين .
غضبه .. سريع الغضب .. سريع الاشتعال .. سريع النفاذ .. سريع الاحتراق .. ونيرانه سريعة الإخماد .. غضبه باختصار شديد .. زوبعة في فنجان قهوة الصباح .. هبة ريح في صحن الدار .. غيمة عابرة فوق مظلات الصيف .. كمشة من مطر الياسمين .
طفل في السبعين ..  أجمل طفل في الأكوان .. يدرك جيداً ما أنتَ تقول .. ويدرك أكثر ما يودُّ هو أن يقول .. وفي النهاية يحتفظ بكل الحديث في جيبه .. ثم يضع في كفك اليمين .. سكر الكلام .. شهد الكلام .. عسل الكلام .. أطيب الكلام ..
وهذا ما لا يعرفه طفل في الكون ..
 إلا  طفل في السبعين .




الاثنين، 7 أكتوبر، 2013

همسة في أذن أبي .


همسة في أذن أبي
إلى روح أبي الطاهرة .. همسة في أذنك يا أبي .. لو جاءت بعد الرحيل .. لكني متأكدة أنها ستصل ..
ما نسيت .. ولا يمكن أن أنسى .. ومن قال أنني تمرُّ عني ثانية لا أذكرك فيها بالخير .. أو أتذكرك ..
كل يوم أنتَ معي .. حين أصبح وحين أمسي .. قبل أن أنام .. وحالما أفيق من نومي .. صورتك أمامي .. وبقلبي وفكري وخيالي ..
أسأل نفسي كثيراً هل وفيتك حقك ؟
بالطبع لا .. مقصرة كنت معك .. ولن أسوق على ذلك الحجج .. أتذكر كيف كنتَ دائماً إلى جانبي .. لم يمنعك تعب أو يثنك إرهاق من العمل .. أن تكون دائماً إلى جانبي وإلى جانب أسرتي الصغيرة ..
وأتذكر كيف لقبتك طفلتي دينا ب " وليّ العهد " .. كانت دائما ترددها على مسامعنا  " سيدو وليّ العهد " لأنك كنت دائماً معنا .. ولطالما سهرت على راحتنا وأنت متعب .. ولطالما أتعبناك وأزعجناك وحملناك فوق طاقتك .. ومع ذلك كنت سعيداً جداً .. وكانت فرحتك لا تكتمل إلا حين ترانا نجتمع .. ونتحولق من حولك .. ولم أكن أسأل نفسي ساعتها .. هل كانت شقاوتنا تزعجك ؟
لم يكن يخطر ببالي أننا قد نكون نزعجك .. بل كنت أتخيل أننا سرُّ سعادتك .. حتى لو أتعبناك أو أرهقناك أو أزعجنا نومك أو أخذنا من وقت راحتك الكثير .. لم نكن ننتبه إلى أوقات راحتك .. كنا نقتحم حياتك كل ثانية .. وكنت في كل ثانية على أتم الاستعداد لاستقبالنا واستقبال شقاوتنا وإزعاجنا ..
بكيتَ أنتَ .. بكيتَ ولأول مرة أراك تبكي في حياتك .. حين حملت حقيبتي وأسرتي وسافرت .. ولم أفهم سرُّ بكاءك في حينها .. وقبل رحيلك بشهر أخبرتني والدتي رحمة الله عليها أنك بكيتَ مرة أخرى  .. لأنني كنتُ بعيدة عنك .. كنت ُفي غربة .. وكنتُ وحيدة .. قلت لها بالحرف الواحد " قلبي على ميساء لأنها في الغربة لوحدها " ..
وأيضاً لم أفهم ..
رحلتَ دون أن أقبل جبينك الطاهر ..
دون أن ألثم يديك العامرتين بالحب والدفء والحنان ..
 ولم أفهم ..
والآن فهمت .. وندمت .. حيث لا يجدي فهم أو ندم ..
إلى رحمة الله يا أبي العزيز .. إلى رحمة الله يا والدتي العزيزة ..
 ربنا يجعل مثواكما الجنة .

الأربعاء، 2 أكتوبر، 2013

ليس على هذه الأرض ما يستحق الحياة


ليس على هذه الأرض ما يستحق الحياة  
مع الاعتذار لشاعر الحياة  " محمود درويش " ..  فليس على هذه الأرض الآن ما يستحق الحياة .
لقد فُجعنا بموتك .. هذا كان في حينه .. حين كان الموت أشرس ما نخافه في هذه الحياة ..
 لقد مِتَّ ونلت شرف الموت في أكثر الأوقات بركة .. حين كان للموت مسمى واحد هو الموت .. ووجه واحد هو وجه الموت .. أما اليوم فالموت لم يعد مخيفاً إلى هذا الحد .. بل ربما تسلل إلى فئة الأمنيات ..
فصار الموت عند البعض أمنية .. وربما يصبح في المستقبل القريب حلماً .. كحلم العودة .. ربما وأكثر ..
" لا تذكر الموتى فقد ماتوا فرادى أو عواصم "
 نعم يا محمود فالموت صار له أكثر من وجه فلم نعد نموت فرادى أو أفراداً  بل أصبحنا نموت جماعات .. ربما ما يتبقى بعد الموت منا قد يملأ وعاء أدمي واحد .. هذا إن بقيَّ من الجماعة ما يملأ  قبر فرد واحد ..
وأصبحنا نموت عواصم .. هل شاهدت العواصم وهي تموت .. ألم أقل لك أنك نلت شرف الموت في أكثر الأوقات بركة ..  حين كان يموت الفرد وهذا أمر الله .. لكن العواصم تبقى خالدة مخلدة إلى أبد الآبدين .. أما اليوم فالعواصم تموت .. وقد لا يبقى منها ما يملأ  قبراً واحداً ..
اليوم الموت يمشي في الأسواق .. وعلى أسطح البنايات .. وفي صفوف الأطفال .. وعلى بوابات الحدائق .. ولا يستهجنه أحد .. أو يستنكر تجوله البريء في حدائق الطفولة أو ملاعب الصبا ..
الموت اليوم يحمل جواز سفر .. يتنقل فيه بحرية تامة .. دون أن توقفه دورية تفتيش واحدة .. بينما الأفراد  اليوم لا يملكون أية هوية أو ورقة مدوناً عليهم الاسم .. أو تاريخ الميلاد .. فيعيشون مجهولي الهوية .. ويموتون أرقاماً قد يصعب عدّها وحصرها ..
حين كان الموت يهبط من أعالي السماء كانت تبكي الأرض وتقف على حافة القبر تنتحب وتدعو له بالرحمة والمغفرة  .. أما اليوم فالموت لم يعد زائراً ثقيلاً  .. بل مقيماً على موائد الجميع دون استثناء .. لا أحد يبكي الموت لأن الدموع شبهة يخشاها الجميع .. والنحيب قنابل موقوتة قد تنفجر في ما تبقى فينا من إنسانية .. آخذة في الموت على المدى القريب ..
حين كنا  " نفتح علبة السردين تقصفها المدافع " ..
كنا نرفع أيادينا إلى السماء .. وتلهج ألسنتنا بالدعاء .. الدعاء على من قصف علبة قوتنا ومعيشتنا .. أما اليوم فنحن لا نجرؤ على الدعاء لأن من يقصف رغيف الخبز قد يكون أنا أو أنت أو هو أحد أصابع هذه اليد التي كانت تمسك على الزناد وتوجه دويَّ صرختها إلى هناك حيث كان عدونا يربض على أرضنا الطاهرة ..
 أما اليوم فعدونا كالموت يتجول داخل أرواحنا .. يقطف ما يشاء من أزهار عمرنا  .. ولا تجرؤ دمعة واحدة أن تسيل على الخد لأن الدمعة غدت شبهة .. والموت غدا رفيقاً يسير في رياض الأطفال .. يمسك يد هذا الصغير أو ذاك ويقوده معصوب العينين  إلى مقبرة ليس لها سقف أو جدران ..
والحنين بعثرته الأيام .. فلم يعد هناك من الرفاق من نتقاسم معه الحنين وكأس الشاي .. فخريطة الرفاق طويلة وعريضة لا مكان فيها لاسم يقول أنا من هنا أو من هناك .. فكلها مشاريع موت مؤجلة تسير بنفس الاتجاه ..
لذلك يا محمود نم قرير العين .. فليس على هذه الأرض الآن ما يستحق الحياة .

أوراق أيلولية الجزء الرابع


أوراق أيلولية 4
الورقة السادسة عشر
دبَّت الروح فيه فجأة .. انتفض في مكانه ..ونفض عنه كل ما كان يكسوه من غبرة الموت .. وقال اسقني من ماء الحياة .. فقدمت له كوباً صغيراً كان هو كل ما بين يديَّ ساعتها .. شربه دفعة واحدة .. ربما لم يروِ ظمأه .. ربما كان يحتاج المزيد .. لكنه لم يطلب .. بل اعتدل في جلسته .. ثم قام إلى علبة سجائره الملقاة بإهمال على طاولة تراكمت عليها الكتب والأوراق التي سال عليها بعض الحبر ..
سحب نفساً عميقاً من سيجارته وكأنه يسحب هذه الحياة من جذورها .. أنا لا زلت مشدوهة البصر .. تعتريني كل علامات الدهشة .. كيف استيقظ من نومته التي كنت أظنها النهائية وقفز كأسد يتوعد فريسة .. وها هو يبدأ الحديث عن نفسه .. ولا يتوقف .. وأنا أنظر إليه بدهشة واستغراب ..
كل ما يقوله مهماً جداً .. وأكاد أسمعه لأول مرة  .. ربما أكون سمعته من قبل .. لكنه يخرج منه بحلّة مختلفة .. حلّة جديدة .. أنيقة .. غاية في الترتيب والثقة .. لم يتكلم عن الموت .. عن الحزن .. عن الكآبة .. بل أخذ يتكلم في الميتافيزيقيا ..
نعم أحببت أن أسمع .. كم مضى عليَّ وأنا أعاني من تلوث سمعي .. فأنا آتية من بلاد ومن أقوام يعانون مثلي من التلوث السمعي .. وكنا نظن أننا لن نشفى منه .. ولكني الآن بدأت أتحسن .. وبدأت أذناي بالتقاط الحروف الجيدة للسمع .. الحروف المحسِنة للسمع .. ربما بدأت كقطرات صغيرة ترش بعناية فائقة قرب طبلة الأذن  .. لكنها أثبتت أنها ذات كفاءة عالية لمعالجتي من التلوث السمعي ..
ولامني .. وأكثر من لومي .. ولكن في بضعة حروف .. لماذا تأخرتِ .. لماذا لم تسألي عني من قبل ؟
صدمني السؤال كما صدمني كل شيء قبله .. ولم أجد إجابة واحدة أرسمها على شفتيَّ حين نظر إليَّ يريد إجابة ممن قطعت كل تلك المسافات لتزرع وردة .. فهل هذا يكفي .. وهل هذه إجابة تقنع هذا " المذبوح "  بعد أن عاد إلى الحياة .. وعادت إليه الحياة .. أنني ما أتيت إلا لأزرع وردة .. فكان هو النبع الذي أسقيت منه الوردة .. واسقيت روحي التي كانت على حافة الظمأ .. ولكنها لم تكن تدري .

الورقة السابعة عشر
ربما لم تكن قد دبَّت الروح فيه من جديد .. وربما كانت الحياة تعطيه فرصة صغيرة ليُخرج ما في أعماقه من لآلىء ودرر وينثرها على السطح .. قبل أن يغفو من جديد .. ويذهب في نوم يطول أو يقصر حسب مشيئة القدر ..
وأنا أصبحت لقمة سائغة في فم القلق .. يلوكني القلق على مهله .. يعتصرني بين أسنانه .. ثم يبقيني في فمه .. لا يبتلعني فأستريح .. ولا يخرجني فأفرُّ إلى حيث أقرأ أي شارة أو علامة أو دلالة تقول لي قد عادت به الحياة أو أوشكت ..
أنا التي ولدت ثورة في قومي .. كيف استحلت إلى زهرة بين يديه .. في الصباح أكون بيضاء بلون الإشراق .. وحين تستوي الشمس في كبد السماء أصبح بلون الورد .. وعند المساء أغدو بلون الشعاع فأضيء إليه كل مساحات العتمة .. ليكتب على أوراقي سفر حياته قبل ألف نكسة ونكبة وشتات ..
كيف تضطرب السماء فجأة .. وكيف يكسوها الحزن ..  وكيف تسكن إلى حزن نبيل .. بينما تقفز الأرض دون أن يعتري قفزها ما يعيق .. ما أشد نبلك أيتها السماء وما أفظع جرأتك أيتها الأرض .. قد كان هنا .. على الأرض بين يديك .. ولكن السماء تألمت عليه أكثر منك .. ولبست عليه ثوب الحزن .. وأنت كأن شيئاً لم يكن .. أليس هذا "المذبوح " أحد أبناؤك البررة فلمَ تقسين عليه .. أليس هو من أضاع عمره وهو يرسمك على جدران الغرباء .. ويضع إصبعه على نقطة صغيرة جداً .. لا ترى بالعين المجردة .. ويصرخ في وجوههم .. هذه بلادي .. وبروحي أفديها .. فكيف تتنكرين له بعد كل هذا .. وتستمرين في جريك الدؤوب خلف ظلك المشبوه الحياة .. ولا تقفين برهة صمت تتفقدين فيها من غاب من أبنائك .. ومن حضر ..
يمرُّ الوقت .. ويلوكني القلق .. وتستمر الأرض بالقفز .. والحياة بالغدر .. والسماء في حزنها النبيل .. ويستمر "المذبوح "  بين الحياة والألم .. إلى أن يشاء القدر ..

 الورقة الثامنة عشر

وحيدة ..عدتُ وحيدة .. كما بدأت أول مرة طرق أبواب المجهول فيها لأتعلم منه كيف تكون الحياة .. هذه المرة المجهول علمني كيف يكون الموت !
وبقيت على حافة الانتظار .. مترددة .. متأرجحة بين أن أمضي إلى الأمام .. حيث هو ساكن .. صامت .. لا ينبس ببنت شفة .. أم أمضي إلى هناك حيث قومي ودياري وأصدقاء الطفولة وملاعب كنتُ هجرتها لأجلك أيها " المذبوح "  وما عاد الآن من شيء يجدي .
كنتُ في رحلة طويلة وشاقة .. لا أدري إن كنتُ عدتُ منها .. أم للآن لم أعدِ .. كلُّ ما أشعر به هو أنني عدتُ غريبة .. غريبة .. غريبة ..عن الأهل والقوم والديار والحبِّ .. وإنني عدتُ طفلة تتعلم من جديد كيف نحو هذه الحياة تخطو .. خطوة إلى الأمام .. خطوة إلى الوراء .. خطوة إلى الأمام .. عشرة إلى الوراء ..  
إلى حيث كنتُ .. ولم يبقَ أحد .
لا أدري إن كانت دموعي الآن تسعفني .. إن كانت في شدتي تنفعني .. ربما دموعي للآن لم تفهم ما حلَّ بيَّ من الوجع ..
هيَّ أيام من عمري مرّت عليَّ كالدهر ..أيام ركضت بيَّ بلا وعي ..وتركتني غريبة على حافة الوجع .. أُجلد كل ثانية بسياط الانتظار بلا أمل .. ومع ذلك لا أستطيع ألا أنتظر ..
ماذا أخبر الأهل والأصحاب وبقية القوم .. كل ما حدث .. حدث في ساعة من الزمن .. في غفلة من الزمن .. كنتُ في رحلة خارج هذا الزمان  .. وخارج هذا المكان .. وعدتُ بخفي حنين كعادتي .. وبجرار من الألم ..
الموت .. الموت .. الموت .. لفرط ما تحدثت أيها " المذبوح " عن الموت .. ظننتك أصبحت هو .. مَلَكُ الموت ! ..
 ومع ذلك .. مع كلِّ كآبتك التي كانت تفترش لها مساحات واسعة من أرض السماء .. أنتظرك الآن .. بكل جبروت الانتظار .. بكل عناده وإصراره .. عُد من موتك .. عُد من كآبتك .. فمكانك فارغ .. فارغ .. فارغ .. وبانتظارك .. مكانك فارغ ولن يملؤه أحد ..  والحياة على غدرها وخيانتها أفضل بكثير من الموت .. والبطولة الحقة هيَّ أن تَهزم الموت .. وليس أن تنمق كلمات الوداع .. دع الموت في عقر داره .. لا تستنهضه من نومه .. أبقه في فراشه .. أبقه في غفلته .. وتعال أنتَ .. تعال أنتَ فقط واترك الموت ..  دع عنك الموت .. دع عنك الموت ..
عد أنا بانتظارك ..
 عُد إلى ديارك أيها المذبوح .. عُد إلى ديارك ..


الورقة التاسعة عشر
أيلول انتهت رحلته على الأرض .. انتهت زيارته إليَّ .. وإقامته في دياري .. عليه أن يعود إلى مكانه بين النجوم .. أيلول سيرحل .. ولا بد أن يأخذني معه ويعيدني إلى قومي .. إلى دياري .. ليتني ما غادرتهم .. ولا كنت رهن شارتك يا أيلول  للبدء في رحلة مجنونة كهذه .
ماذا جنيت أنا .. لا أدري .. الآن صعب عليَّ أن أحصي الخسائر .. لكني أصبحت مقتنعة بأنني ما كان عليَّ طرق أبواب المجهول .. فأنا لست بحاجة إلى مزيد من الكآبة يبثها الآخر في أيامي فيتعكرُّ صفوها .. وتتلبد سماؤها بالغيوم الحزينة التي لا تمطر لينقشع الضباب .. بل تبقى رمادية كل الوقت ..
قلبي المسكين حزين لهذا الرحيل .. يريد أن يبقى بانتظار " المذبوح " .. لا يريد أن يبقيه وحيداً .. لا يريد أن يبقيه فريسة للحزن والوحدة والكآبة .. لكن " المذبوح " وصل إلى مرحلة متقدمة من الحزن .. كلماتي وورودي لن تستطيع أن تكون لها البلسم الشافي ..
مدَّ يده إليَّ .. لا تغادري .. قالها بالحرف الواحد .. تحملي كل تناقضاتي .. تحملي شرودي المستمر .. تحملي كآبتي التي لا تنتهي .. تحملي حزني .. ولم يقل تحملي غموضي وأسراري وعالمي الخاص الذي أخفيه عنك .. لم يقل أنني وجدت عالماً كبيراً مليئاً بالغموض والتناقضات .. كثير من التساؤلات طرحت أرضاً لأنها لم تجد لها أي تفسير وكثير من الأسئلة تدور في فلك مكوكي ثم تعود إليَّ فارغة من كل شيء وفي النهاية يرسل إليَّ أكبر علامة استفهام بالكون ويرجوني البقاء ..
أيها " المذبوح " أنا غادرت دياري وقومي لأزرع وردة في صباحك .. وهذه سلة من الورد سأنثرها بين يديك .. اختر ما تشاء منها للصباح وللمساء ولعتمة الليل وتذكرني أيها " المذبوح " حين تشتم كل وردة  ..ولكن لا تحاول أبداً امتلاك الورود .. لأنها ستذبل بين يديك وستموت ..
الوداع أيها " المذبوح " .. الوداع يا كتاب استعصى عليه فهمه واستعصى عليَّ أن أبقى بقربه ..  وكان عليَّ العودة من حيث أتيت .. قلبي قد يحتاج القليل من حبات المطر لتغسله من وعثاء رحلة شاقة كهذه .. ثم سيعود لينبض من جديد .. كأن شيئاً لم يكن .
  

الأحد، 29 سبتمبر، 2013

أوراق أيلولية الجزء الثالث


أوراق أيلولية 3
الورقة الثانية عشر
أشغل نفسي بصغار الأشياء .. أخرج إلى الحديقة في ساعات الاحتراق .. أرش الماء على نباتات ليست ظمأى ظنّاً مني أني أحييها .. أحادث طيوراً غريبة تحط على سور الحديقة .. ألقي إليها ببعض الحَب فتنثره في طريقها وتمضي .. ولا أحزن على مُضِيّها .. ولا آسف على ذلك .. أحاول قبض الهواء بين كفيَّ بحركات بهلوانية .. يفرُّ الهواء وتبقى كفايَّ فارغة إلا من أثار غريبة .. أثار تصفح كتاب غريب .. تلاحقني آثاره إلى الحديقة .. إلى السور المجاور .. إلى كمشة الهواء .. إلى رئتيِّ .. إلى حجرة نومي .. تختبئ تحت وسادتي وتبعثر أحلامي كما بعثرت الطيور الغريبة ما ألقيته إليها من حَبٍّ .. فهل أنت يا كتابي طير من هذه الطيور الغريبة التي تنقرُّ بمنقارها كل شيء ثم تمضي دون أن تترك خلفها أثراً ..
أذرع الطرقات جيئة وذهاباً مع أنك لست هنا .. ولن ألتقيك في هكذا طرقات .. ومع ذلك أذرعها بلا وعيٍّ مني كأنني على موعدك معي .. قد تأخرت قليلاً .. قد لا تأتي .. وأنتَ لا تدري بيِّ .. أو بموعدي .. وربما كنتَ تدري بكل هذا كما حدثني إحساسي بك وحدثني قلبي .. وأنك تنظرُّ إليَّ من خلف نظارتك العتيقة التي تقف كالسدِّ بيني وبينك .. ومع ذلك لم أطلب منك أن تتخلى عنها في وجودي ..  ولم أتعمد أن أخفيها عنك حين أتيح لي ذلك .. لم تكن مشكلتي مع الرؤية .. أو في الرؤية .. لأنني كنت أظن أن الأرواح هي التي تتلاقى .. وأن الأرواح هي جنود مجندة .. وأن القلوب هي التي تتحدث .. والمشاعر هي التي تشاهد وتتابع وترى .. وكما ترى كل شيء ذهب سُدى .. بعثرته الريح .. ريح أيلول التي لم تهبّ من أرضها أصلاً .. وأصبحت أهرب إلى صغار الأمور خوفاً من أعلق صورتك على أحد جدران قلبي وأعلنك للملأ بأنك أصبحت منذ اللحظة قصة حبي ..

الورقة الثالثة عشر  
" اليوم عاد .. كأن شيئاً لم يكن "  هبّت ريح صغيرة .. فُتح الكتاب .. صفحة جديدة .. عليها دمعة وزفرة وبعض من عصبية جارفة .. ركضتُ إليه .. مسحتُ الدمعة .. وبددت الزفرة .. وحاولت أن أهدئ من روع تلك العصبية ..
لا ذنب له .. نعم أدركت ذلك من عصبيته .. ربما كان الحق على أيلول فهو دائم الغيرة والشك وافتعال المشاكل .. ربما كان أيلول هو من أغلق الكتاب ..لا أستبعد على أيلول أفعال كهذه فرياحه دائماً تنثر كل أوراقي .. وتبعثر كل أحلامي إن كانت تؤرقه أو تقض له مضجعاً ..
من أين ستبدأ .. سألته بدلال وخبث خريفي بامتياز ..
من العنوان .. من " المذبوح " .. ممن ذبحني من الوريد إلى الوريد .. ممن دس سكينه في بطانة روحي فأرداها ممزقة الفؤاد  .. ممن عبث في تلابيب عمري فأصبحت فصلاً واحداً  .. خريف دائم .. لا ربيع له ولا صيف .. لا شتاء يدغدغ برموشه أبواب الحياة .. إنما خريف إثر خريف ..
 ولكن .. وغمزني بطرف عينه كأنه يوصاُ إليَّ رسالة ما .. كان هذا أجمل خريف .. وضحك باقتضاب .. وتابع .. كانت علامات الحزن تتبع كل جملة ..
 كاد أن يتوقف قلبي عن النبض لشدة الحزن المتراكم على الصفحات ..لأول مرة أحتار هل أعود أدراجي وأقفل الكتاب وأنسى كل ما حصل وأعتبر أن كل ما كان كان مجرد حلم وذهب لحال سبيله ..
أم أبقى بجوار قبرٍ من الأحزان .. لا يكفُّ عن النحيب .. ولا يرى شيئاً في الوجود جميلاً ..
أتيت لأزرع زهرة من الفل على إحدى التلال المنسية هناك خلف المحيطات ..  فإذ بيِّ أزرعها على قبر متحرك من الأحزان ..

الورقة الرابعة عشر
وبكى .. بكى بكاءً مرّاً مريراً .. بكى الأهل والأحباب .. بكى الرفاق والخلان .. بكى الأماكن التي عشقها في طفولته وصباه .. بكى كل من تخلى عنه وتنكر له بعد أن غادرت قدميه قسراً أرض الديار ..  بكى نفسه كيف عاش غريباً .. وكيف سيموت وحيداً في رقعة منفية حيث تتجمد عند حدودها شرايين القلب ..
عاش غريباً .. يتنقل بين المنافي .. يشرب الحسرة  كل صباح على مقهى غريب .. في منفى لا يعرف عنه شيئاً .. سوى أنه بديلاً للوطن .. ومن منفى إلى منفى .. مضى العمر غريباً .. وحيداً .. منفياً .. مذبوحاً ..
 لم يفلت منفى واحد من قبضة يده .. ولم يكن في حقيبته سوى حلم واحد هو الوطن .. جبال الوطن .. سهوله .. أشجار البرتقال .. وحقول الميرمية  والزعتر ..
من خُلقَ يتنفس أريج البرتقال .. وعبق الياسمين .. ويفتح عينية كل صباح على حقول الميرمية  والزعتر لا يستطيع أن يقتنع أن أزهار التوليب تحمل رائحة الوطن كزهر الياسمين الذي بقيَّ منتظراً عودته في صحن تلك الدار .
على حافة الموت كل شيء يبدو مختلفاً .. تقفز إلى الذاكرة صور قديمة .. عزيزة على القلب .. يتمنى المرء لو يمدّ إليها أنامله من جديد فيداعب عمره الذي سكن فيها .. ليوقظه .. ليؤنسه في لحظاته الأخيرة ..
أيهما أشد مرارة .. الموت .. أم ما قبل الموت ؟
سؤال سألته كثيراً .. وأسأله الآن  وأنا أرى وأشاهد وأتابع كيف يتجرع هذا المذبوح لحظاته الأخيرة .. كيف يستقبل الموت بصدره العاري إلا من أحلامه .. بشجاعة الشجعان .. وبسالة الفرسان .. وبحقيبة ممتلئة بكلمات الوداع .. لكنه كان يريد فقط .. كان يحلم فقط بسؤال يأتيه من بعيد .. سؤال ليس من الحقيبة أو من الحلم أو من الذاكرة .. سؤال يأتيه من أهل الأرض يقول فيه ..  كيف الحال ؟

الورقة الخامسة عشر

انقطعت الأخبار .. أخشى أنه لم يعد هنالك أخبار .. أخشى أنه لن يردني بعد الآن أي خبر .. حالة غريبة أمرُّ فيها .. أنا خارج الزمان وخارج المكان وخارج الفصول وخارج الخريف وخارج أيلول .. أنا فقط شاهدة على الموت .. من أعلنني شاهدة على الموت وأنا ما قدمت إلا لأزرع الحب في تلك التلال ؟!
أهو السراب .. لم أعرف السراب يوماً .. أجد خيوطاً تلمع على أرض قاحلة حين تتوسط الشمس كبد السماء .. ولكن هذا لا يعنيني أبداً  .. فلم أكن يوماً ممن يلحقون السراب .. أو يجرون خلفه .. أو ممن يحاولون القبض عليه بين كفيهم .. وعضِّه بالأنياب ..
أنا لا أسير إلاَّ بخطى ثابتة .. واضحة .. مفهومة .. تنحدر من أبجدية راسخة جذورها تحت سابع أرض .. تعانق سنابلها السماء في سمو رسالتها فتكاد تلامس الشُهبَ .. أنا أتبع قلبي .. مرسالي هو قلبي .. قلبي حدثني بل أمرني أن أتجه نحو تلك التلال .. لم أعصِ لقلبي أمراً في يوم .. ولا أذكر أنني كنت من جحافل المتمردين .. أنا دائماً رهن شارته وطوع بنانه .. يعذبني أحياناً بل كثيراً كثيراً .. لكنني لم أحطم  قلباً وجَّه لي في يوم ما نداء استغاثة .. لم أكسر خاطر وردة .. لم أجرح مشاعر ياسمينة .. فكيف لا ألبي نداء قلبي وهو الذي فُطر على المحبة والدفء والحنان ..
حملت بين يديَّ مجموعة أزهار منها الأبيض ومنها الوردي ومنها الأزرق وعادة لا أحمل أزهاراً  بلون الدم فأنا أذهب لأنشر السلام والأمن والحب والحنان .. ألوان الطيف أرسمها على محيا من يقابلني وأبقى في جواره إلى أن تتدخل الحياة وتأمرني بالخروج فأخرج .. وعادة أترك قطعة من قلبي هناك ..
اليوم أنا أقف متسمرة في مكاني .. والأزهار بين يديَّ ترتجف .. لم يقطف منها زهرة .. والكلمات تتحشرج في الحلق .. يريد أن يقول كثيراً ولكن اللغة لا تسعفه فهي تستلقي على سرير الإنعاش .. وأنا بين وجوم وذهول .. جلست القرفصاء .. أنتظر أمر السماء . 

أوراق أيلولية الجزء الثاني


الورقة السابعة
لم يطل انتظاري له .. فُتحت صفحة جديدة .. ينبعث منها بعض النور .. النور الذي يمكنني من قراءة السطور بشكل واضح .. قال لي بالحرف الواحد إقرأيني أيتها الفارسة فأنا منذ عصور أنتظر فارسة تأتيني على جناحيِّ الخريف لتقلبَ بين أناملها سنينَ من عمري كانت  قد بدأت تسري على وجهها ملامح الصدأ ..
كان هادئاً .. بارداً .. وديعاً .. كحَمل وليد ينتظر والدته على باب السوق لتبتاع  له " غزل البنات " .. أو قطعاً  ملونة من حبات السكر ..
إقرأيني أيتها الفارسة .. قالها بصوت واضح ومسموع .. ولم أدخرُّ جهداً أنا .. فأخذت الورقة والقلم .. وبدأت برسم تقاطيع وجهه .. كنتُ أتأملها جيداً أثناء الرسم .. لم تكن تقاطيعَ تحمل البراءة كما راهنتُ عليها في داخلي عند البدء .. لكنها بالتأكيد لم تكن تحمل كلَّ تلك القسوة .. إذا فمن أين جاء بكل هذه الصلابة  إن كانت تقاطيع وجهه بريئة تماماً من تلك  اللعنة ..
لكنه يشبه أيلول أحياناً يزمجر دونما سبب .. أو ربما لسبب لا أدريه .. ثم يقلب الصفحة .. لماذا أيها " المذبوح ".. دعني أبقى قليلاً .. دع قلبي يستريح هنيهة فلقد أتعبني طول المشوار .. والنهاية .. لا أعلم أين هيَّ .. امنحني بعض الهدوء في ساحات عينيك المتسعة .. دعني أقيم بعض الوقت .. أقلب صفحات قلبك .. هل مرت أنثى قبلي من هنا أم أنني " السندريلا" الأولى التي تفكر جدياً بخلع حذاءها كتذكار .. وكبصمة جلية أنني يا نساء العالم أنا الوحيدة التي مررت بقلبه وكنت هنا .. ومن السابق لأوانه أن أقول أني عصفت به .. فلا يزال المشوار طويلاً .. طويلاً .. لكن ابتسامة منه دنت .. فأحالت السماء إلى أنجماً وشهباً ..
الورقة الثامنة
حتى في الكتب لا بد من صفعات توجهها أكفُّ الحياة لوجهي .. لماذا لا أدري .. ربما لأنها رأتني أقفز ككنغر بريِّ في حقول الزعتر .. ربما خشيت من دمار في حقول الزعتر .. دمار تقوده قدم كنغر بريِّ يتعلم القفز في حقول الزعتر ..
جلستُ وحدي .. عدت للجلوس وحدي .. الكتاب مغلق حتى إشعار آخر .. لكن ليس لذنب اقترفته .. بل هي الحياة تغار من كل امرأة تُثبت أنها قد تكون حياة أخرى .. لو في ظل كتاب ..
فكرت كثيراً كيف أعيد فتح الكتاب .. أيلول بعيد عني .. وحتى أيلول لا يمكن الاستعانة به في مثل هذه الأوقات .. في الأزمات أتصدر أنا وحدي لها .. فهو كتابي .. وهي قصتي .. وهي حياتي .. وأنا اعتدت على تلقي الصفعات كلما غارت مني هذه الحياة ورأت فيِّ أنثى تهدد فيها أسطح الوجود .. وتهدد فيها ومنها أزمنة البقاء ..
غارت مني الحياة .. باختصار شديد هذا ما حصل بالضبط .. وجدت الحياة فيه فارساً يرتدي خوذة  العصور الغابرة .. وجدت فيه فارساً وهبها إياه التاريخ فكيف يفرُّ من بين يديها .. وإن كانت تنكلُّ به .. وتُذيقه العذاب أصنافاً وألواناً .. ألا إنه عزَّ عليها أن تفقده .. ولمن .. لأنثى ظهرت فجأة وأخذت تسحب من تحت أقدامها البساط ؟
هي الحياة .. وغيَرة الحياة .. وحِقد الحياة .. ولكن هل تنتصر عليَّ الحياة ؟

 الورقة التاسعة
لا قدرة لي على مجابهة الحياة .. كنت أريدها رحلة شيقة في ظل خريفٍ كنتُ أظنّه لي .. ما كنتُ أريدها حرباً شعواء مع هذه الحياة .. ليس استسلاماً مني .. أو تقهقراً إلى جاهلية سلفت .. لكنه خوف وخشية على هذا الكتاب .. هو لم يستأمني على حياته .. لم يودعها بين يديَّ أمانة ..  لكني أنا دائماً من أنَصّبُ نفسي المسؤولة عن كل نفسٍ في هذه الحياة ..
الحياة تغارُ مني .. الحياة تكيلُ لي .. الحياة أقوى مني .. الحياة شرسة وأنيابها غليظة جداً .. ولكن بصدق كل هذا لم يهمني لو حركَّ هو ساكناً .. هو لم يحركّ أي ساكن ولم ينبسَّ ببنت شفة .. فكيف أخوض حرباً ضروساً كهذه وأنا لم أتلقى منه وعداً بلقاء .. كيف أقف نداً لند لهذه الحياة وهو لم ينظر في عينيِّ مرة واحدة .. ولم يقرأ إصراري على البقاء .. هو لم يفهم تعنتي ورغبتي بقراءته .. ولم يدرك أنني قادمة في رحلة سريعة .. عبر طيات كتاب .. ولكني لم أتخيل أنها سريعة إلى هذا الحد .. وإن سلالي ستعود فارغة من العنب .. وكل ما أضفته إلى حياتي خصماً جديداً .. هو هذه الحياة .
خصيمتي هذه الحياة .. لم يتسع الوقت لأخبره بهذا .. لأحذره من أنَّ الحياة قد تنقض علينا فجأة فتمزق بأنياب الغيرة كل ما غزلناه .. لكنه أُغلق فجأة .. طُويت صفحاته في وجهي .. ولم يبقَ ظاهراً إلا العنوان  " المذبوح " .. فهل أصبحنا برمشة عين اثنين ؟
إنها مشيئة القدر أن ننتهي قبل أن أبدأ .. قبل أن أقول كلمتي في حضورك .. وقبل أن أسمعها تسري في أوصالي فتدب في أوصال روحي الحياة ..
 كم تخيلتها بألوان الفرح .. بألوان الطيف .. بألوان السعادة .. كم تخيلت نظراتي إليك ساعتها .. وكيف سترقص طرباً حين تداعبها كلمة خرجت من صدرك لأول مرة .. كم رسمتها في دفتري .. وكم نبت منها غصون وفروع ..  فكيف سأجتث كل أحلامي .. وأعود من حيث أتيت فارغة الأحلام واليدين ..
 ولكن مع خصم جديد هو هذه الحياة .

  الورقة العاشرة
فقدت الأمل في البقاء و كان عليَّ أن أُعدَّ نفسي للرحيل .. وكيف أرحل وقد بقيَّ جزء مني هنا .. بين طيات هذا الكتاب .. لا أعلم لماذا أتيت .. ولكني أتيت وانتهى هنا الأمر .. وأردت المكوث بين أضلع هذا
 " المذبوح  "  ولكن الحياة لم ترد ..  فكيف أمضي وقلبي لا يزال قلبه هنا .. ورمشه معلق على نسمة قد تمرُّ على غفلة من القدر فتفتح لي صفحة جديدة .. وأعيد تثبيت عيوني مرة أخرى على أول السطر ..
لا يزال قلبي يخفق .. ونبضاته تتسارع .. ولا يزال الحلم في روحي يحدثني بأن هناك شيئاً ما بالأفق ..  ولكني لا أراه .. أحسه ربما  .. صوت من خلف المحيطات .. يقول إبقي هذا المساء .. وكل مساء .. لا تدعي الليل ينال مني .. لا تدعي الوحدة تلتهمني كلقمة سائغة من مائدة العشاء ..
ولكن اللغة .. اللغة لا تسعفني .. لغتك أيها " المذبوح "  قدت من الصخر .. وأنا لغتي مياسة .. حنونة .. صارخة البهجة .. تلائم جميع طقوس الفرح .. فكيف ستُعانق لغة من الصخر لغة تتراقص تيهاً وفرحاً على أبواب الحلم ؟
هل كان يتوجبُّ عليَّ الحذر .. هل كان عليَّ أن أقف في بابه طويلاً وأمعن في النظر .. وألاَّ أرتب حروفه وهي تسير تجاهي كما أشاء وأهوى .. بل أتركها تمشي في دلالها .. كما هي تشاء .. دون شارات مني .. دون دلالات أو إمارات .. فالتكهن هنا لم يُجدِ .. وذكائي المفرط ُ لم يفدِّ .. فكيف أطوي صفحة .. وأنهي رحلة .. كانت ستكون شهراً من العسل ؟

الورقة الحادية عشر
كيف تضعنا الحياة فجأة على حافة الاختيار .. كنتُ دائماً أرى أن أيلول هو الوحيد القادر على أن يكون ظلِّي .. أختلف معه .. ويختلف معي .. لكننا لا نفترق .. ويبقى ظلِّي الذي يلازمني طِوال الوقت ..
" المذبوح "  كان سرّاً استعصى على الفهم .. استعصى عليَّ فك رموزه .. كان أقوى من عاصفة هوجاء .. أكثر حماسة من نشيد بلادي .. وكان أرق من معزوفة صيفية حالمة غادرت أبواب الصبا تبحث عن العشق في ديار الجوار .. " المذبوح " كان قصة كاملة متكاملة تبدأ من قطف أوراق الوردة  .. وتنتهي بتكليلي بتاج من الندى .. فكيف أغلق قصة عشق جادت بها السماء وبخلت فيها الأرض ..
كيف أدع الحياة تضع براثنها على كل ما أحبُّ .. وأنسحب أجرُّ أذيال الخيبة والفشل ..
 وقلبي هذا المسكين الذي بدأ يبني قصوراً في الهواء .. وقلاعاً على الرمل .. كيف أقنعه .. وأنا لكتاب .. لعدد من الصفحات .. لم أستطع أن أقنع ..
ومع ذلك أيها " المذبوح " تأكد أنك كنت أيلول آخر .. قد أحتاج فصولاً  من العمر .. حتى أستسلم لفكرة أن أعيدك إلى مكانك بين الكتب في آخر رف ..
 قد نلت مني أيها " المذبوح " وأصبحتُ على رمشك أنام  .. وعلى رمشك أصحو ..
فهل هذا يكفي ؟



السبت، 21 سبتمبر، 2013

أوراق أيلولية الجزء الأول


أوراق أيلولية


الورقة الأولى

يدغدغني الخريف .. يدقُ بأنامله الخريفية أبواب قلبي كي تفتح له .. يتوسلها بزخة مطر حانية .. بهبة ريح ناعمة تلاطف منه الوجنات ..  فهو يعلم جيداً أنَّ من يأتِ بعد الصيف وأبوابه المشرعة لاستقبال الغياب .. يبقَ منتظراً كثيراً في الباب .. فالعصافير تركن إلى الهدوء .. إلى السكينة .. وأيلول يقتحم بفوضى الحضور كل هذا الهدوء ليطلب إذناً بالعبور إلى صحن الدار ..
أنا متواطئة مع الخريف .. أنا متواطئة مع كل خريف يدق الباب .. أو يتسلل من الشباك .. لذلك بعد أن قطعت أشواطاً طويلة مع الخريف في كرٍّ وفرٍّ  قررت أنَّ ما كان يجري في كل خريف بيني وبين أيلول من صولاتٍ وجولاتٍ .. لن يعود ليسري على خريف هذه الأيام ..
كنتُ في كل خريف مضى أغلق الباب .. لكني أترك نافذة لأيلول .. يعبرُ منها خلسة عن أعين الأحباب .. فيضيء لي شمعة جديدة في كل عام .. ولا أنكر أن شموع أيلول لا تذوب .. بل تبقى متقدة دون انطفاء ..
في كل خريف أكون على موعد مع شمعة جديدة من شموع أيلول .. لا أسأله متى .. وكيف .. ومن أين أتى بشمعته هذه .. فأنا لا أكثر مع أيلول السؤال ..
 أنا أعدُّ له مائدة كبيرة من الاشتياق .. وأذيب له قطعاً من الحديث في فنجان قهوة الصباح .. وعند العصر أقطف له ما تبقى من عناقيد تدلت بغنج من دالية الجوار .. أما في المساء فأيلول يحبُّ أن أكتبه لوحة من الشعر أو النثر .. سيان .. يحبُّ أن أرسمه بين السطور .. وألونه في كل عنوان .. أيلول كان وسيبقى حديث الشعراء ..
يستوقفني أيلول في كثير من الأحيان .. يسألني .. بل يباغتني بالسؤال .. وحين يلحُّ بالسؤال كثيراً أدرك أنه قد لاكته أنياب الغيرة .. وانتابته أعاصير الشك .. وأنَّ زوبعة في صحن داري ستهبُّ عما قريب .. وبذكاء عصفورة أيلولية اعتادت على غيرة أيلولها .. أعدُّ  له حلوى العيد التي يشتهي ويطلبها في كل عام .. فينسى معها زوابع الغيرة والشك .. ويعود إلى مرابع الطفولة وملاعب الصغار .. ويكتبني كما أكتبه في دفتر الأشعار ..
أيلول خفيف الظل .. لكنه دائم العتب والعتاب .. قليل .. كثير الشك أحياناً .. ويلح عليَّ دائماً أن أبقيه بالجوار .. لكن ما أن أرفع يدي ملوحة له بالرحيل .. يحمل أوراقه بكل ما نثرته عليها  من أشعار .. ويلملم بصمات قلبي بين كفيه .. ويصعد إلى السماء .. ليأخذ دور نجمة تضيء لي كل مساء .


الورقة الثانية
كعادتي حين أنوي الفرار من قومي والبدء برحلة جديدة  نحو المجهول .. لقد فُطرت على الترحال .. وأيلول هو موعد الترحال في كل عام .. أنطلق من كوة صغيرة فتحتها في إحدى الجدران الخلفية للحياة .. أفرُّ منها كل عام مع أيلول .. نبتعد قليلاً عن القوم والديار .. أغيب في رحلة قد تطول وقد تقصر ولكنها رحلة قصيرة بكل الحالات .. دائماً أعود بخفيِّ حنين فالرحلات القصيرة ليست للمكوث .. إنما هيَّ عملية تفتيش سريعة في رئتي الهواء .. وتنقيب في ذرات الأكسجين .. هل ترَكتُ خلفي أحداً مقصياً .. منسياً .. منفياً .. مهجوراً على أبواب النسيان ؟
لا بد أن يكون هناك خلف تلك السحب البعيدة القريبة تلة مهجورة نسيها الزمان .. أو ثلة من الحجارة تكاد تصدأ من الهجران .. أيلول يصرُّ في كل عام أن نذهب إلى هناك .. إلى حيث التلة والثلة وكل معالم الهجر والنسيان .. يصرُّ على أن نمطر قليلاً من الحب في تلك الأرجاء .. أيلول الخريفي المزاج أحياناً يتقمص دور الربيع فيهدي في الخريف أزهاراً .. لا تعيش طويلاً .. لكنها تمنح الدفء والحنان لبعض الوقت .. وتترك بصمة جلية للعيان أننا كنا هنا قبل عام .. أو أعوام .. ونعود إلى الديار .. فيتركني أيلول على أبواب الخريف .. ويرحل هو إلى مكانه بين النجوم في سابع سماء ..
هذه المرة أنا مترددة .. خائفة بعض الشيء .. حائرة قليلاً .. لا أريد ترك قومي .. لا أريد ترك الديار .. شيء ما يمسك بتلابيب ثوبي .. يدعوني للبقاء .. هيَّ تلة مهجورة تشكو برودة الصدأ والنسيان .. وأيلول مثلي متأرجح بين إقدام وإحجام .. وأنا على أبواب الخريف لا أستطيع أن أعدهم  أنَّ في جعبتي غيمة صغيرة لا تزال تمطر قليلاً من الحب على جبال من الجليد .. فهل يذوب الجليد بقطرات من الدفء والحنان ؟
تعبت .. وتعب أيلول معي .. وتعب الفرار مني .. والخريف مكشراً عن أنيابه كي لا أتأخر بالعودة فيحين فصل الشتاء .. وغيمة صغيرة جداً تغمزني بطرف عينها .. وتلقي إليَّ بمظلة الهروب .. وقلبي حائر .. متردد .. خائف ..
هل يذيب الجليد بضع قطرات دافئة من الماء ؟ 

الورقة الثالثة
ربما أصبحت عنيدة كأيلول .. وربما فُقته في العناد .. لم يكن من داعٍ لطرق أبواب الصعاب كما اعتدت كلَّ خريف .. ولم يكن من داعٍ كي أستسلم لرغبات أيلول في الجري والقفز بين المدِّ والجزرِ .. فماذا يضيرني لو استقبلت شهر مولدي وأنا متكئة على مقعد الياسمين .. أحتسِ قهوته .. برفقة الوقت ..
أعددت العدة للرحلة .. لم تثنني طول المسافات .. ووعورة الطريق .. وكثرة الحفر .. رحلتي كانت جلدية الملمس .. بارزة الحروف .. ذهبية اللون .. رحلتي كانت بين دفتّي كتاب .. كتاب من العسجد .. وقع بين يديَّ بالصدفة البحتة .. شدني إليه العنوان
" المذبوح "  ..
 لا أعلم لماذا وجدت نفسي تركض إليه .. حاولت أن ألقي في طريق خطواتي الهاربة مني إليه بعض الحجارة .. علها تتعثر منذ البداية .. فتعود لرشدها .. وتعود أدراجها إلى معاقل الخريف .. وتكفُّ عن مشوارها المستحيل في دروب  الوحدة .. لكن عبثاً حاولت .. وعبثاً أحاول .. فأيلول يشدني من يدي ويلحُّ عليَّ في مشوار من العمر .. يهمس في أذني رجاءً  يتلوه رجاء .. لم يبقَ من أيلول الكثير فتعالي معي ..
كتابٌ قدَّ من الحجارة .. أو أشدُّ قسوة .. أصلب من الصخر .. لكنه أحياناً كزبد البحر يرغي كثيراً وبسهولة  .. فيغريني بمزيد من القفز .. وأنا التي كنت أحبُّ قراءة القصص الحالمة .. أعشق قصص أميرة الأحلام .. وفراشة الصباح .. وندى الفصول .. ماذا في كتابٍ  يحمل عنوان " المذبوح " .. يغريني ؟

الورقة الرابعة
لم أعتد على قراءة صعبة إلى هذا الحد .. ولا أريد أن أمتحن أبجديتي فأرهقها صعوداً ونزولاً في مفردات كنتوءات الصخر .. أوكالنقش في الحجر..
" لم أستطع ابتلاع الغربة " .. قالها بصريح العبارة .. " لم أستطع هضم الغربة ".. ومن قال يا هذا "المذبوح " أنني أتقنت في يوم .. أو أنني سأتقن يوماً  ما " ابتلاع الغربة " .. أو " هضم الغربة "  ولكني لا أرتدي على وجهي ملامحَ من تراجيديا العصور الوسطى  .. لا أصبغ شعرات رأسي بأقلام الفحم .. لا أتوضأ بالغيم .. ولا أصعد إلى السماء بسلالم من العتب ..  فلمَ كل هذا النحيب وأنتَ برفقة حسناء آتية إليك من زمن الأحلام الوردية .. تحمل بين يديها زهرة برية من تلك العصور الغابرة .. وكوباً من القهوة المحلاة بالحليب وقطع السكر  .. التي أصبحت أنتَ أحد ندّامها ومدمنيها ..
ومع ذلك .. مع كل هذه الصلابة في الحروف .. والوحدة التي تنبعث رائحتها العتيقة من الهوامش .. من الزوايا .. من بين السطور .. ومع أنني كلما فتحت هذا الكتاب شعرت بريح كآبة تهب في وجهي كأنها قادمة من بوابات الجحيم  .. وتقول لي أغلقيه على مصراعيه .. أقفليه عن بكرة أبيه ..
 لكني كأيلولية صعبة المراس .. يصعب التحكم في مزاجها المتقلب .. وفي مرادها الصعب .. وفي هواياتها منذ ألف عام وهي تسلق الصعاب كلعبة السيرك تماماً .. ولو كانت تلك اللعبة على حافة الهاوية ..
 لم أصغِ لحديث أذني .. ولم أُعرِّ اهتماماً لأوامر العقل بأن أغلق هذا الكتاب وأعيده إلى مكانه بالرف .. بل أصرّيتُ على البدء في القراءة .. وعلى مهل .. لكن بعد قراءة بسيطة وسريعة ومتقلبة لعدد من الصفحات .. أخشى أن أقولها ..  أنني بدأت أترك بين السطور شيئاً مني .. شيئاً من نفسي .. فأين أنت يا أيلول لتدركني ؟

الورقة الخامسة

صحوت بعد قراءة بسيطة لعدد من الصفحات على نفسي تحدثني .. نعم إنه على حق .. ولكن كيف .. وهذا العالم الجميل يمدُّ إليه ذراعيه ليحتضنه وهو كالحجر أو أشد قسوة .. يسدل ستائر الظلام .. ويبكي كلَّ ليلة .. على فراش الوحدة .. ثم يقبّلُ في الصباح الباكر كوباً من قهوته المحلاة بالسكر ليمحو ما علق في جوفه من ظلام الأمس ..
لمَ كل هذا العذاب أيها " المذبوح " .. ولم تجرَّني خلفك معصوبة الإدراك .. مكتملة الولاء والانتماء .. وأنا التي لم أكن أنتمي إلاَّ إلى أيلول .. ولم أواعد إنسياً في يوم أو أحد من قبائل الجان .. فكيف يستميلني كتاب مهجور على أبعد رف .. ويجعلني أغرس له بين جدائلي ياسمينة قطفتها من ممرات الطفولة .. وأخبئ  له بين كفيِّ أعواد المريمية والزعتر ؟
أنا ماذا أريد من كتاب أشبه بالصخر ..ولماذا أصبَحت الورود تفرش طريقي إليه بساطاً من السحر .. ولماذا أصبحتُ أرقص على قدم واحدة كإحدى أميرات البجع  فيراني نوراً وضياءً وقمراً ينبلج بين الليل والليل .. ولماذا أصبحت أتسلل إليه كل ليلة خلسة عن عينيِّ أيلول التي تغطس في إغفاءة صغيرة على إحدى بوابات الكتب .. لأضيء إليه ليلاً كان يبكي طويلاً .. خلف المحيطات .. خلف القارات البعيدة .. خلف السحب .. وأقول له بملء الفم .. قهوتك في الصباح الباكر عندي ؟ 

الورقة السادسة

انتكاسة سريعة .. ككل الانتكاسات التي تصفعنا على حين غيرة حينما نحاول أن نقبّلَ عنوة وجه هذه الحياة .. أُغلق الكتاب في وجهي .. ربما عن سهوٍ منه أو مني .. وربما عن قصد منه ..  لكنه أُغلق في وجهي .. ولن أقول أُغلق إغلاقاً محكماً حتى لا أكون واحدة من الذين شاركوا في ذبحه على مرِّ العصور ومختلف الأزمنة .. لكني أقول ربما كانت ردة فعل عابرة .. عنيفة بعض الشيء على سؤال بريء .. ليس بريئاً خالصاً من الخبث .. الخبث الذي يقفز فجأة في منقار عصفورة أيلولية تحاول طرق باب من الأبواب لأنها تظن أن الحلم الوردي  مختبئ عنها داخله .. لم يكن سؤالاً شريراً بمعنى الشرِّ المستطير .. ولم يكن يحمل أي علامة أو دلالة من دلالات الشرِّ  .. لكنه استنبط ذلك بفراسته النادرة التي لم أعهدها يوماً بين بني البشر ..
وطبعاً كان عليَّ أن أعيد المحاولة مرة أخرى فأنا عصفورة جبلت على الكرِّ والفرِّ  .. ولا تركن إلى الهدوء والسكينة إلاَّ داخل ذلك الحلم الوردي .. داخل ذلك الباب .. فهل تواصل عصفورة أيلول الدق بمنقار من الخبث .. أم أنها ستجد لها حيلة أخرى تفتح من خلالها صفحة أخرى جديدة للقراءة .. دون أن تتسلل منها قُبّلة في غير وقتها .. فتمطر السماء حِمماً بركانية ..  وتأكل نيران الغضب جميع لحظات الانتظار والصبر  ؟