ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الاثنين، 23 يوليو، 2012

بوح أخير

بوح أخير
كلمات لن ترى النور لأن النور لا يراها .
سألقيِ بهذه الحروف المتعبة في وجه هذا الزمان .. إن كُتبت إليك خطا إلى هذه الحروف فاقرأها واتلها على مسامعك كما كان بودي طِوال العمر أن أفعل .
رددها بصوتٍ عالٍ .. حرف بحرف .. ونَفس بنَفس .. أريد أن أراها مرتسمة في بؤبؤ عينيك .. أريد أن أراني فيها وأنت تقرأني ..
كم رغبت في هذا .. وكم حلمت برنة الحروف تفرُّ من حنجرتك لتلامس شغاف قلبي معلنة موعد الوصول !
لكن هي الريح كعادتها أقوى من كل القراءات ، عصفت بما كان فلم تُبقِ منه شيئاً .. وأظنها الآن متوارية خلف الباب وستعصف بكل بوحي .. وأنت ما زلت تتوكأ عتبة الأيام وتختبىء خلفها لتعد أنفاسي هل ما زالت منتظمة في غيابك ؟
كفاك عبثاً .. فانا لست هنا .. غادرت مع أول زوبعة ثارت في فنجان قهوتك .. رحلت لأني لا أقبل المناصفة ولا الاسترضاء .. أنا كحد السيف إما أن أكون أو لا أكون .
قلبي يحدثني بأنك عائد .. صدى همساتك لا يزال يرن في جوف قلبي كأنها اللحظة .
هل ستعود ؟
ربما .. أنت وحدك في هذا العالم
من يسبر غور قلبي ويشفي جراحه .. وحدك من يداعب دقات فؤادي الناعسة ويستحلفها لترقص بين ذراعيه رقصة المساء حين يستلقي القمر على شرفة ليلي وتتهامس نجومه خجلة من عيون الظلام ..
ولكن يبقى السؤال .. هل ستعود ؟

الجمعة، 13 يوليو، 2012

رسائل من مجهول

رسائل من مجهول
ضربة في الرمل وأخرى في الهواء .. خطا مهترئة ترحل على رصيف مجهول .. حقيبة ملأى بذكريات مشوهة لن ترى في يومٍ النور ..
أقدام خائفة .. أفكار زائغة وقلب من حديد .. صاحت فيك السماء : كفاك احتراقاً.. أمطار هذا الشتاء لن تخمد منك النيران .. لن تطفئ هذا الحريق .
لا تتسكع قرب الموانئ .. لا تستجدها الوصال .. ما عادت البحار تنجب عرائسَ .. ما عادت تهدي عاشقينها أوطاناً .. ما عاد مصباح علاء الدين ينتفض لرغباتك .. تاه منه علاء الدين .. أسرته أميرة الظلام وماردُه غاب في سبات عميق .. قد لا يفيق منه قبل قرنٍ من الزمان .
كم مضى عليك أيها المجهول وأنت تنقش حروف اسمها على أوراق الورد علَّ عاصفة مجنونة تحمل إليها يوماً وشاحاً من أشعارك ؟
كم مضى عليك وأنت تغزل لها أطواق الياسمين وترسلها إليها كل صباح على أشرعة المراكب ؟
كم مضى عليك وأنت تنسج قوافياً بكماء وتصلي عليها كل ليلة كي تنطق بعد أن أثقل لعق المرار لسانك ؟
ساعة الرمل ليس لها أبواق تدق فتوقظ القلوب النائمة كما تفعل عقارب الوقت .. تلدغ وتختفي في الجدار .. وأنت لا تفتأ تحصر الوقت وسنين عمرك في زجاجة وترسلها رسائل مع إمضاء " المجهول " علها تصلها عبر مياه المحيطات .
مجهول أنت .. مجهول يجرُّ أقداماً مجهولة .. في خطا مجهولة .. على رصيف مجهول .. ينتظر السماء أن تفصح له عن وطن له عنوان !
وشيخ ذليل يكتب إليك وصايا مبهمة تخفيها في كوة الجدار وتقرأ عليها تعويذة الصباح والمساء .
البحر لن يهديك عروساً كي تقرأ لها أوراق الورد ما نظمته لها من أشعار .. المراكب لن تحمل إليك وطناً منسياً في صحراء منفية يبحث له عن اسم وعن ماء الحياة .. السماء لن تمطر وجوها تعيد إليك ذاكرة الأشياء .
ضربة في الرمل وأخرى في الهواء .. لن تحصي أيها المجهول سوى ذرات من الرماد تطير في الهواء .

الأحد، 8 يوليو، 2012

" أرض البرتقال الحزين "

 " أرض البرتقال الحزين " 
هذه رسالة مني إليك ..
 إليك أيها الشهيد الرمز غسان كنفاني .. إليك أيها المناضل .. الميت الحيُّ في قلوبنا وإلى الأبد ..
 أعلم أن هذه الرسالة جاءت متأخرة جداً .. لكنها الحقائق وحدها لا تموت بل أكثر من ذلك فهي دائماً تظهر على السطح من جديد ..لامعة .. براقة .. متوهجة .. يسطع نورها وتنبعث منها رائحة زكية .. رائحة دم الشهداء .. رائحة دم العظماء ..
لعلني أكون صريحة جداً حين أقول أنني لم أعرفك يا غسان من قبل .. أقصد  لم أعرفك من خلال الغوص في بحر حروفك .. كنت أسمع عنك دائماً وأقرؤك .. لكنها كانت قراءة عابرة .. غير مستفيضة وربما على عجل .. إلى أن كان يوم وقعت فيه حروفك بين يدي ..
(رجال في الشمس ) كانت هي أول قراءة لي .. أول قراءة جديدة وجدية لأعمالك غسان كنفاني ..
غرقت في الحزن والدموع وأنا أقرأ رواية ( رجال في الشمس ) .. شعرت بشعور غريب بعد أن إنتهيت من قرائتها .. شعرت بأنني أحترق وأذوب في الشمس .. وأن ما بقي مني هو من يكتب إليك الآن  ..
اليوم بين يدي ( أرض البرتقال الحزين ) .. أردت أن أتعرف إلى أرض البرتقال الحزين التي سكنت قلب غسان وسكن قلبها  .. أردت أن أتذوق طعم هذا البرتقال الحزين من بيارات حروفك  .. أردت أن أقطفه من كرومك أنت  ..
لم أتخيل في حياتي كلها كاتباً يمكنه أن يبكيني إلى  حد الإجهاش ما أن قرأت له صفحة أو صفحتين كما فعلت أنت !
ماذا تفعل بنا  حروفك يا غسان كنفاني؟
كيف كانت تعيش بيننا هذه الأسطورة دون أن ندري أو ننتبه ؟
 أشعر بحقد كبير بداخلي على هذا الشيء الغريب الذي يتربص بنا .. يندس بيننا .. ثم يخطف أرواحنا قبل أن نتذوق طعم البرتقال الحزين وقبل أن نشتم ياسمين فلسطين ..
 إنه الموت ..
كم حرمنا الموت منك ومن شلالات إبداعك.. إبداعاتك التي لاتشبهها إبداعات .. كنت مدرسة مختلفة في الأدب .. كنت مدرسة فريدة بيننا بينما كنا نحن نرتع في مستنقعات الأمية والجهل .. الأمية بعروبة  الحروف.. بقدسيتها .. بوطنيتها .. بعزها ودلالها .. والجهل بجميع الحقائق ..
كنت مدرسة تنبض شرايينها من قلب الأم فلسطين .. كأن حبل الصرة بينك وبينها لم ينقطع .. أكاد أقسم أن حروفك كانت تخرج من رحمها .. من رئتيها ..  من فؤادها الممزق المكلوم  ..
أنت يا غسان .. يا أستاذي ومعلمي ..  كنت قلب فلسطين  .. من خلالك .. من خلال الزحف على نبضات قلبك .. عشت أنا في غزة مع أنني لم أعرفها في يوم  ..
 تنقلت وتجولت معك في حيفا وعكا  والكرمل مع أنني لم أزرهم في حياتي قط ..
أنا المقدسية المولد والنشأة عرفت القدس مسقط رأسي من خارطة قلبك .. سمعت لهجتها المحكية تخترق الحروف وتخرج آهات مطرزة على شال الاغتراب الذي نلتحفه هنا في بلاد ربما وصلتها عيناك ذات يوم وتركت لنا فيها رئتيك العامرة بعشق الأرض .. أرض البرتقال الحزين .. نستنشق منها رحيق برتقالها وهواء بياراتها ..
من رئتيك أنت أيها الميت .. أيها الميت الشهيد ..

فكيف سمح للموت أن يخطفك ويخنق الرئة التي نتنفس منها نسائم الوطن حين تعصف بنا رياح الذكرى الخانقة وتكتم على أنفاسنا في أولى ساعات الليل الثقيل ؟
كيف سمح للموت بهذا ؟
هواء فلسطين الذي كان معتمراً في رئتيك .. كان يغلي مع دوي كل انفجار ثم ينفجر أمامنا مخلفاً لنا تلك القصص التي كان أبطالها من لحمنا ومن دمنا ومن أوراق الليمون والزعتر التي نثرت على بلاط الشهداء .. ودم الشهداء .. الدم الذي سفك هناك بلا رحمة فجرت منه الأنهار ونبتت على ضفافها أزهار الدحنون التي كنت تعشقها وتودع عشقها في تلك المساحة الصغيرة من الفؤاد المخصصة لعشق الدحنون ..
هناك  في أرض البرتقال الحزين حملتك التلال فوق جبينها علماً شامخاً وقف في وجه الرياح العاتية .. الرياح المعادية .. وأعلنك لتلك الرياح ..
 هنا ولد غسان .. ابن فلسطين الطاهرة .. هنا ولدت حروفه الطاهرة ..هنا خرجت من رحم الأم فلسطين لكن حبل الصرة لم ينقطع ..
هنا حمل غسان روحه وحروفه على كفه وانطلق يمسح دمعك يا فلسطين الإبنة وفلسطين الأم وفلسطين العذراء التي ما زالت تنتظر حروف غسان كي تزف إليها .
 وبقي يحملك أرض البرتقال الحزين .. وبقيت الروح تحرس الحروف وتضيء إليها القناديل كي تبقى مشتعلة في قلوبنا وفكرنا .. بقيت تحرس الآهات التي تخرج من رحم فلسطين .. بقيت تتصالح مع القدر وتوصيه خيراً بتلك العذراء التي لم تزل مخضبة بالحناء والدماء تنتظر أن تزف في يوم إلى تاج الحروف .
 لكنه القدر .. لا يهادن .. لا يتصالح .. لا يقبل بالوصايا ..
ذهب القلم .. ترجل الفارس الذي كتب فلسطين بسطور من نور بعد أن كانت متشحة في الأسود ..
مات هذا القلم ..
 قتل هذا القلم ..
ونحن في كل يوم نشرب من بعده فجيعة الموت وحسرة البعد وألم الفراق وخسارة قلم كان معداً لرسم معالم الانتصار .. معداً للزفاف على أرض البرتقال الحزين .