ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الأربعاء، 30 مايو، 2012

اللعبة

اللعبة
مهلاً أيها البحر .. أرجوك لا تغضب .. لا تزال اللعبة في بدايتها .. كيف تلقي بيَّ وبك إلى شواطئ العدم .. لا نزال أنا وأنتَ في أول جولة لنا فكيف ترمي بالقرطاس والقلم إلى لفائف الجمر ونحن لم نحتسِ قهوة الفراق بعد .. ولم تجافِنا النظرات المحمومة .. ولم تتجاهلنا القبل ؟
انتظر يا بحر فالمسافة طويلة جداً .. واللعبة على جمر القلب تتقد .. وأنا وأنتَ أتينا هنا بملء الرغبة .. وكتبنا على عين الشمس بجرأة الغجر .. فلا يزال الوقت مبكراً على الرحيل .. ولا يزال الوقت مبكراً على كل هذا الهدير ..
 انتظرني يا بحر فأنا لا أزال أدير دفة اللعبة نحو أصابع يدك .. وبعدها سيحترق قلبك ومن ثم عينيك .. وتذوب على حرارة الجمر تلك النظرات التي ثَملتُ منها حتى أوصلتني القبر .. وما جاءني منك الفرج وما نلت غير الصبر على أبواب الغدر ..
 انتظر يا بحر .. انتظر يا بحر ..
من تعرف من النساء أنتَ يا بحر ؟
كليوباترا ..
 شجر الدر ..
 بلقيس ملهمة الرسل ..
أم أفروديت إلهة الحب والجمال والسحر .. ؟
من تعرف أنتَ من النساء يا بحر .. وماذا تعرف عن كيدهن إذا بلغ السيل الزبى .. وقامت إليك أفروديت وألقت إليك بسلال من الحب ونازعتها في حبك جدائل بلقيس فكتبت في وصيتها الأخيرة أنك أنتَ لها رغم أنف أفروديت وما أرسلته وترسله إليك مع الحمام الزاجل من حميم القبل .
قلّ لي يا بحر هل التقيت كليوباترا في جاهها وعزِّها وتاجها وصولجانها .. هل رأيت كيف يركع السادة أمامها .. وكيف هي تغرق في هوى آخر .. بعيداً عن هوى القصور والنجوم .. وبعيداً عن كل هدير .. وبعيداً عن كل صخب يشبه صخب أمواجك المتلاطمة حين يثور في داخلك بركان الغضب ..
كليوباترا ماتت في مقبرة صمتها .. لكنها ماتت بعزٍّ .. لم تُهزم على أسوار الحب كباقي النساء الهزيلات حين يلقيهن الحب على أسوار العدم  .. ماتت بعد أن رسمت موتها بأشهى الصور .. كليوباترا لم تستجدِ حبك على أبواب أفروديت .. ولم تسترق السمع إلى همسكما المفضوح تحت نوافذ الليل .. وعلى أبواب القمر ..
 أنتَ يا بحر خائن ومفضوح وهديرك يُسمع من الجوزاء هذا إن جاز منها السمع .. ومع ذلك فكليوباترا فضلت أن تُطوى في مقبرة الصمت على أن ينعشها رحيق حبك ورذاذه العبق .
ماذا تعرف أنتَ عن كيد النساء ؟
 لا شيء لأنك لا زلت لعبة تتأرجح بين يديِّ العذراء والجوزاء وتدور بين ألسنة الأفعى والعقرب ..
 وشجر الدر تنظر إليك بازدراء فاضح ..
وكليوباترا تقول دعوه في النار يحترق ..
وأفروديت التي أغرتك بكلامها المعسول في الصباح والمساء وتحت أقبية السهر ..  تدور حول هذا الكون مئة مرة .. تنتقي من يعجبها .. وما يعجبها .. وفي المساء تشير بأصبعها إلى من علق في الغربال ..
ماذا تعرف عن كيد النساء أنتَ يا بحر .. ماذا تملك من كيد النساء أنتَ يا بحر ؟
 أنتَ لا تملك إلا هذا الهدير والصخب وعنقاً بارداً طويلاً أصرت شجر الدر أن تهديك إياه لكن بعد أن تقّطعه.

الثلاثاء، 29 مايو، 2012

شرق جهنم

شرق جهنم

"  هنا أو هناك أو شرق المتوسط مرة أخرى  "    عنوان ليس لي .. أو ربما كان لي ..
ربما كان  أنا أو أنت .. ربما كان  " عبد الرحمن منيف "  كاتب هذه الرواية  .. مؤلف هذه الرواية .. ربما كان يقصدك في الحرف الواحد .. ربما كان يقصدني أنا .. ربما كان يقصد كلينا .. ربما  لم يقصد أحداً فينا ..
هذا العالم مليء بأشباهي وأشباهك وأشباهه .
هنا أو هناك أو في أية رقعة من هذا الوطن العربي أنت فلسطيني .. وهذه في حد ذاتها ليست صفة إنما قد تعتبر جريمة .. وجريمة لا تغتفر .. هناك خلف المحيط إن جاز لنا القول    " المتهم بريء حتى تثبت إدانته ".. هذا عن المتهم لكن عن الفلسطيني فالوضع مختلف تماماً فالفلسطيني متهم ومتهم ومتهم حتى ولو لم تثبت إدانته ..
الهروب خلف المحيط خطأ فادح .. الهروب إلى حضن الوطن والاحتماء فيه ممنوع لأنك فلسطيني .. التفيؤ في ظلال الليمونة عوضاً عن التفيؤ في ظلال الزيزفون ممنوع أيضأ .. وأن تحمل  ليمونتك العتيقة ذات الرائحة الزكية على ظهرك وترحل بها فذلك ممنوع أيضاً وأن ترسل في إثر عبقها وتستدعي رائحتها الليمونية في أحلامك فهذا ممنوع ايضاً ..
 أن تبقى فلسطينياً ممنوع ..
 أن تصبح غير فلسطيني ممنوع .. أن تحيى فلسطينياً ابن فلسطين ممنوع .. أن تحيى فلسطينياً ابن ألف شتات وشتات ممنوع ..
أن تموت ممنوع ..
 لن تموت قبل أن تسقط ورقتك الأخيرة !
أما أن تسقط أنت .. وتشبع أنت سقوطاً .. وأن تدوسك الأقدام القذرة .. وأن تركلك كل الأقدام الصغيرة والكبيرة .. السوداء منها والبيضاء .. ذات الجدائل وغير ذات الجدائل .. المثقفة منها  والأميّة الثقافة .. وأكثر .. وأكثر من هذا السقوط وورقتك الأخيرة لم تسقط بعد !
أين ستسقط ورقتك ؟
أين ستسقط ورقتك  وترتاح من الرحيل عبر المحيط ..  خلف المحيط .. خلف المتوسط ..
وسط المتوسط .. شرق المتوسط ؟
أين ستسقط ورقتك  ..
في القدس ..
 في حيفا ..
في يافا ..
هناك في تلك القرية الصغيرة التي غابت ملامحها .. ومسح الشيطان جميع معالم أنوثتها
ورسم بأظافره السوداء قرنيه على بابها .. وأوصدها في وجهك ألف عام ..
أين ستسقط ورقتك إذا ؟
ربما داخل المحيط .. في جوف حوت .. في جوف سمكة قرش .. أم دولفين جائع ..
وأيضاً .. لا أضمن لك ذلك .. فأنت فلسطيني ورقم هويتك أصفار ليس لها عدداً .. ليست لها قيمة لا على ذات اليمين ولا على ذات اليسار .. ولا حتى .. لو صافحت كل الوجوه الحقيرة .. ستبقى صفراً متأرجحاً في الهواء ..
 فما ضير أن تكون هنا أو هناك او شرق جهنم مرة اخرى طالما أنك
لا تزال فلسطينياً .

الأربعاء، 23 مايو، 2012

على حافة الوطن

على حافة الوطن
على حافة الوطن .. قبور لعظماء ورموز تحت الثرى .. أعلام منكسرة وجرح أعمق من حفرة الانهدام .
على حافة الوطن .. أوتار عزفت نشاز العالم بأسره وغربان بثياب الحمائم ترقص حول أهازيج الفرح وطبول تدق لنفير كان الآن موعده ..
 وأجل لغير أجل .
على حافة الوطن .. وجوه تشبه وجوه أخوتي .. ما عدت أميزها ولا أستطيع قراءة ملامحها .. لكنّي أميز نعيق البوم في خطاباتها .
على حافة الوطن .. صور تحترق وصور تُخترق وأيادٍ ممدودة للسلام وجباه مرفوعة للاستسلام  .. وآيات من الذكر الكريم تتلى بسخاء على أرواح الشهداء .
على حافة الوطن ماضٍ يئن تحت وطأة الجراح .. لم يعد الزيتون يعصر بلسماً  عليه ولم تعد أسراب الحمام تحمل إلا أغصان الخراب .
على حافة الوطن .. مدينتي تُبنى من جديد .. بمعالم لا أعرفها وملامح لا أقرؤها ووجه لا يشبه وجه أمي .. وتعاويذ تتلى من عرافة النحس تنبىء أن كل شيء سيموت .
على حافة الوطن .. وجوه إلى الحائط .. أيا دٍ مصلوبة للوراء .. خرائط جديدة في كتب الجغرافيا .. طرق لا تصل شوارعها إلا إلى الجدار ..
 لكن هناك حقيقة واحدة فقط وهي أن القدس لي ..
 لو باعوها ألف مرة ..
 لو بيعت ألف مرة .


الاثنين، 21 مايو، 2012

في ذكراك


في ذكراك .
في ذكرى مولدك الجديد بين أضلعي ..
في ذكرى ذلك اليوم الذي التقت فيه عيناك عينيِّ صدفة .. دون سابق ميعاد .. خلف أوراق تلك الوردة الحمراء التي كانت تسكن آنية الورد في قلبي.. غمزت بطرف العين .. فتثاءب الأفق نعساً .. وألقى بكل ما كان يحمله في حجره من غيمات بيضاء على صفحات الطريق .. فتشكلت من بلوراتها الماسية ألف شارة استفهام .
في ذكرى تلك اللحظة العابرة من تاريخ الزهور حين تجرأتَ ونقشتَ حروف اسمي على أوراق الزهر فاحمرت وجنتيَّ خجلاً وذاب صوتي حنيناً وتمزقت أوردة الانتظار عند باب المساء .
كم قلت لي كلاماً ناعماً .. كم همست لي وغردت كعصفور بريٍّ هبط من أعشاش السراب ..
وكم أرسلت عينيك نظرات حالمة رسمت إليَّ الغد مشاتلَ من الياسمين وأقداحاً من العسل المذاب .. ثم قلت : اغرفي من شهدي .. واغرقي في يمي .. وذوبي في أوردتي .. واسري في دمي .. وتدفقي مع نبضي .. وكوني مسامات روحي وخلايا تفكيري .
وكنتُ ..
 وكنتَ معي تُمطر في حجري قصائد الشوق وتبللني بندى القصيد فأتفتح على ذراعيك وردة من ورود الفجر وفي المساء أغفو بين أحداقك .. فأنام ليلي الطويل .
في ذكرى مولدك الجديد أضيء إليك شمعة بين السطور .. وأهمس إليك بكل ما لم تستطع شهرزاد في ألف ليلة وليلة أن تقول .. سأهمس إليك في لغات الأرض أجمعها .. وإن كنت تجهلها فستهديك إليها هذه النجوم ..
كنتَ ولا زلت مولدي أنا .. وعيدي أنا .. وفرحي أنا .. وكل أشواقي وحنيني .. وفي ذكراك يطيب لي أن تكون أنتَ .. وأنتَ فقط .. شمعتي ووردتي وتاج عمري وسنيني .


الجمعة، 18 مايو، 2012

ليلى .. هل تذكرين ؟

ليلى .. هل تذكرين ؟
مضى العمر ليلى ووهن العظم مني .. وحبك  ليلى مختمرٌ في فؤادي أعتقه وأرشفه وكلما أوشكت أنفاسي على هلاكها أستنشقه فيسري في خلاياي دماً رقراقاً صافياً  يجدد أنفاسي ويرتق  ثقوب الشرايين .
هي سكرات الموت ليلى وأعلمها علم اليقين .. في قلبي صورتك تتأرجح طول السنين .. دهراً أراها أمامي .. لكنها اليوم تضحك جلية واضحة كأنها اللحظة يا ليلى .. كأنها اللحظة .
هل تذكرين ليلى ركضنا في تلك الحارات حين كنا أطفالاً نجري ونسابق الريح ؟
 كنت أسبقك أحياناً وحين كنت تسبقينني أثور وأشد منك الضفيرة فتنهمر دموعك بغزارة المطر عندها أشفق عليك وألوم نفسي وأقبل منك اليد والجبين .
كبرنا ليلى وحفرت اسمك على شجرة التين وكلما تأخرتِ عن اللقاء كنت أقفُ  تحت نافذتك جوار شجرة اللوز المنغرسة جذورها في جوف الأرض والمتسلقة فروعها حتى أقدام سريرك وألقي إليك  بثمارها الغضة فتوقظك على عجل وأسمع رنة ضحكتك من خلف النافذة وأمّني نفسي في اللقاء  .
آه ليلى ثم آه ..
هل تذكرين كتب الحكايات ؟
 تلك التي كنا نتبادلها دوماً .. كنت أضع لك خطاً تحت الكلمات والسطور وكنت تكتبين لي في الهوامش والزوايا .. وحين عثرت عليها الخالة على حين غرة صعقت وصاحت بعلو صوتها : حرام .. حرام ..
ثم أخذتها ومزقتها وحرقتها وقرأت عليها  بعض التعاويذ ودعت لنا  في الشفاء .
كبرنا ليلى وليتنا لم نكبر .. ولم تركض فينا السنين .. ليتنا بقينا نتفيأ ظلال اللوز والتين .. ليتنا بقينا نتسابق ونجري ونشد الضفيرة ونقبل الجبين .
اليوم ليلى وليس معي في سكرات الموت سوى صورتك المتأرجحة بين يقظتي ونومي وحبٌ عمره دهرٌ بأكمله أعتقه وأرشفه فيمسي زادي ودوائي في هذه اللحظات .. لحظات الاحتضار.
آه ليلى هل تعودين شجرة التين فتحفرين اسمي هناك وتهزين بجذع شجرة اللوز وترمينني ؟
 فهذه هي آخر ما أتمنى .. وآخر ما تمنحينني .

الثلاثاء، 15 مايو، 2012

هل كان الربيع ؟


هل كان الربيع ؟
كل عام وأنتَ في ربيع دائم ..
ذاكرتي مُحيت .. هناك من تسلل إلى غرف الذاكرة ومسح منها الكثير فلم أعد أذكر أكان وقتها الربيع ؟
كل ما أذكره أنك سافرت بيّ إلى جولة خاطفة في عرض البحر .. تحت قباء تلك السماء وبين أمواج البحر .. أحطت خاصرتي بأنامل من شوق ورقصنا رقصة العشق أمام عظمة البحر ..
كنتُ أنا وأنتَ والبحر ..
غنيتُك .. وغنيتَني .. وشبكنا أهازيج الفرح ..
ثم كتبنا على صفحات الهواء أوائل الحروف من اسمينا .. وحفرنا تاريخ مولدنا .. ونقشنا أغنية اللقاء .. وكان ذلك كله ذات ربيع فائت .
اليوم في هذا الربيع الذي حل على غفلة من عمري وصلتني منك معايدة .. تذكرتُ على الفور أنه أوان الربيع .. وأوانك .. وأوان تلك القصة التي تركناها مرتسمة على صفحات الهواء ..
إنه تاريخ مولدنا ..
إنه عيدنا وعلينا أن نتبادل التهاني ..
آه .. لو أعلم فقط من مسح غرف الذاكرة !
جاءني صوتك على الهاتف يعج بالحياة " مشتاق إليك عزيزتي .. مشتاق إليك جداً "
وأجبتك "وأنا أيضاً مشتاقة إليك جداً "..
نعتك بالقاسي فالتزمت الصمت .. لا أعلم هل كان صمت القبول أم صمت الرفض ؟
وبعد أن استأذنني صوتك في الغياب تأكدتُ أنني بعد ألف ربيع لا أزال سندريلا قلبك فلماذا مزقتني الغيرة ساعتها ؟!
لماذا قلبت الطاولة على كل الربيع وشطبت اسمه من فصول حياتي .. ولماذا عدت لعادتي القديمة في لعب الشطرنج .. آكل كل ما تقع عليه عيني .. ثم أزهو بانتصاراتي .. وأشرب نخب حبك الذي سقط طريحاً .. مضرجاً في دمه .. وأكتب في مفكرة الأيام أنك منسيٌّ وبمهارة ..
ولماذا هززت كتف المساء بعنف وحذرته أن يأتيني بصورك في الأحلام .. ولماذا مارست جميع طقوس الاستبداد ضد طيفك .. وأنت يأكلك الاشتياق ويعتصرك الحنين إلى ذلك الربيع وإلى جولة جديدة في عرض البحر نتناوب أنا وأنتَ فيها أهزوجة الغناء أغنيك " وتعطلت لغة الكلام وخاطبت عيني في لغة الهوى عيناك " وترد أنتَ " يا جارة الواد طربت وعادني ما يشبه الأحلام من ذكراك "
ها قد عاد الربيع هل أفتح لاستقباله ذراعاتي؟
إنه مشتاق .. وجداً .. ويود الغناء تحت شباكي .. يريد أن يكتبني كما اعتاد سطوراً في الهواء .. فما بالها غرف الذاكرة مُحيت فلم اعد أذكر هل كان الربيع وقتها فعلاً ..
هل عاد الربيع الآن ؟

الاثنين، 14 مايو، 2012

الوطن كما يجب أن يكون



الوطن ..
كما يجب أن يكون .
لست هارباً من المدينة الفاضلة ولم أكن في يوم أحد روادها .. لم تنبذني مدينتي في يوم فأنا لا أزال أخلد في أطهر بقعة  فيها .. ولا تزال شمسها الأرجوانية تعانق جبيني حين تستيقظ متثائبة على شرفة نافذتي كل صباح وتهمس في أذني مودعة قبل أن تغفو في حضن البحر  كل مساء ..
قمر مسائها لا يزال رفيقي .. لا يزال يؤنس وحدتي ..لا يزال يداعب أجفاني الساهرة حتى ساعة متأخرة من الليل .. وحين آذن له في الرحيل يغادرني على رؤوس أصابعه كي لا يوقظ  حلماً مستتراً في ثياب الليل .
بحرها  قطعة من قلبي .. في آخر زياراتي له .. قبلني على عجل ثم  مضى  في سفرة طويلة واعداً بعودة قريبة .. أشتاق له جداً.. لا يزال هو الآخر قيد  سفرته .. وأنا لا أزال قيد انتظاره .
ورود مدينتي  المتسلقة بكبرياء وعنفوان سيقان قلبي .. هي موضع سرّي .. أبوح لها بقصص عشقي .. فتحمر وجنتيها .. وتحني الرأس خجلاً وتذوب استحياءً  ثم تشيح بوجهها قليلاً عني ..  لا تزال تتسلق سيقان قلبي وتنبت أوراقها الخضراء في عشوائية على مسامات جلدي .
لست في حالة اغتراب مع شمسها ..  لست في حالة اغتراب مع قمرها .. مع سمائها .. مع هوائها .. أنا في حالة تصالح .. بل في حالة عشق مع كل ذرة تراب فيها .. مع كل حبة رمل .. مع كل حصاة .. مع كل نسمة فيها .. مع كل غيمة .. مع كل قطرة ندى .
لكنني في حالة اغتراب مع ذاتي .. في حالة اختلاف مع نفسي .. في حالة صراع مع عقلي   ..
أنا وعقلي لم نعد نتصالح  !

*******
يحدثني عقلي ملقياً إليَّ بأفكاره : هذه الشمس الأرجوانية .. شمسها التي تعانق جبينك كل صباح باتت تسخر منك .. نظراتها الودودة إليك أصبحت ممتلئة بالسخرية .. ضحكاتها الطفوليةعلى شرفة نافذتك هي استهزاء بك ..
وإلا  فلماذا تُغرقنا  عتمتها في وضح النهار ؟
وهذا القمر .. قمرها  الذي كان ملاذاً  للعاشقين  كيف أصبح  ملاذاً  للمقهورين .. ملجأً  لخائبي الرجاء ؟
انظر إليه  كيف يختبىء داخل غيمة سوداء .. يخشى أن  يُفتضح أمره عند فخامة السلطان .. ويقطع رأسه سيف أخيه الجلاد ..
هذا البحر .. بحرها المسافر .. لقد هجر مراكب الصيد والصيادين .. لمن يترك مراكبه .. لمن يترك صياديه .. لمن يترك أسماكه وحيتانه ؟ أيسافر البحر .. أيسافر بحر الوطن لتلاطم أمواجه  شطانَ غريبة ..  لمن يترك شطآنه .. ألكي تلاطمها أمواج الفراغ والعدم ! ؟
وهذه الورود .. ورودها المتسلقة سيقان قلبك .. ألا تجدها منكسرة .. ذابلة .. حزينة .. ألا تقرأ لغة الحزن في عينيها .. هل رأيت وروداً حزينة سوى ورود هذا الوطن ؟
أصبحنا مضغة في فم هذا الوطن .. يبلعنا وقت يشاء وكيف يشاء .. ويلفظنا إلى أرصفة الضياع وقت يشاء وكيف يشاء ..

********

أنظرُ في المرآة  فترتعد فصائلي .. أهذا أنا  ..  أهذا  أنا ؟
لماذا يلبسني الهم كثوبٍ  بالٍ .. لماذا يرفض أن يخلعني .. ولماذا يرسم تجاعيده على ملامحي ؟ أنظرُ في عيون أطفال هذا الوطن أراها أصبحت  بلون القهر .. ابتسامتهم تقطر  قهراً وأنيناً ..
لماذا ضاقت أحلامنا فأطبق سقفها على رؤوسنا فلم نعد نرى لنا حلماً  سوى رغيفٍ صغيرٍ من الخبز الجاف تبلله بعضٌ من قطرات الماء ..
لماذا كلما أحضن حجارة الوطن أبتغي تقبيلها تصفعني بكف من حديد ..
لماذا تصفعني يا وطن ؟

*******

حاولت رسم لوحة لهذا الوطن .. غابت  الألوان من لوحتي .. داهمها اللون الأسود .. حاولت رسم صفصافة جدي .. غابت صورتها من مخيلتي .. حاولت رسم بيتي .. أخوتي .. أهلي .. أقاربي  .. غابت صورهم .. ظهرت أمامي فقط .. صورة خيمة كبيرة بحجم الوطن .
الوطن كما أشتهيه أنا .. كما أحب أن أرسمه .. حضن دافىء أخلد إليه كل مساء .. صفصافة شامخة أستظل بظلها .. ثدي سخيّ  يرضعني الحب والآمان .. أنامل صبر تمسح عذاباتي وقهري .
الوطن كما هو الآن  .. لا أستطيع أبداً رسمه .. ولا أستطيع تخيله .. زنازين وجلاد وسيف على رقبتي وخنجر في الظهر .. الصبر أصبح تعويذة تحتل حروفها أبجديتي والخوف لوحة تحتل ذاكرتي .. وعلى مرمى البصر صحراء من الألف إلى الياء ..
فكيف أرسم الوطن ؟

*******
ويجيبه قلبي .. قلبي المفعم بحب هذا الوطن  .. المنغرس سنبلة في حديقة الوطن .. المرفرف يمامة حب في فضاءات الوطن ..
كيف نرسم الوطن ؟
نرسم الوطن بأيادٍ صغيرة تتعانق بملحمة من الحب والوفاء .. تحتضن حجراً .. تزرعه أرضاً لها .. تغرس أقدامها في باطنه فتنبت جذوراً لها .. ترفع أناملها  علماً ترفرف رايته في السماء .. تغرد حناجرها بالحب .. الحب ..
الحب هو أبجديتها من الألف إلى الياء .. عندها فقط نكون قد رسمنا الوطن ..
الوطن كما يجب أن يكون .



الأربعاء، 9 مايو، 2012

الروح الهائمة


الروح الهائمة

دعيني أفكك رموزك .. أحللها .. أغوص في أعماق نفسك .. أستلقي على شواطئها ..
 دعيني أرى ملامح الزمن على وجنتيك وجفنيك وخصلات شعرك ..
 دعيني أهيم على وجهي في صحراء قلبك .. أتوه فيها فلا يعرفني احد .. ولا يصل إليَّ أحد .. دعيني أنسى من أنا .. أغيب في عالمك .. فأفقد ذاكرتي .. وأفقد عذاباتي .. وأفقد كلَّ عمر لم نعشه سوى .
دعيني أجد عمراً يجمعنا .. وقلباً يؤنسنا .. وحباً يدفئنا .. وشوقاً يلسعنا .. وتيهاً ما بعده تيه لا يُرجعنا .
دعيني أهيم في فضاء حبك .. تتقاذفني السحب .. ترفعني سحابة .. وأهبط من أخرى .. قد أضناني ذلك الأنين الخافت المنبعث من صدى روحك الطاهرة  .. أركض نحوه بسرعة الضوء .. فيذهب عني بلمح البصر !

الأربعاء، 2 مايو، 2012

اللاشيء !

اللاشيء
اللاشيء مرة أخرى ..
أنا لم أدعو اللاشيء إلى موائدي .. لم أوجه إليه أية دعوة صباحية كانت أم مسائية .. هو من طرق الباب ثم جلس دون استئذان إلى مائدة ذلك الصباح ..
 أنا لم أحدثه ..
هو يقول أن قلبي حدثه .. وأن عينيَّ أسرَّت إليه .. وأن ابتسامتي التي أجهل زمان ومكان ولادتها أغدقت عليه الفرح والأمل والحياة .. وأنه كان كل ليلة يرسم ضحكاتي على وسادة عمره .. وكان يذيب صوتي في فنجان قهوته ..
 لذا أنا لم أشعر معه بأية غربة .. لم أشعر أني غريبة عنه .. أو هو عني غريب ..
صوتي كان يخرج من أعماقه  ويحدثني بكل ما أشتهي ..
أنا كلي كنت أخرج من أعماقه ..
كنتُ أراني كل الوقت في داخله .. كان يخيل إليَّ أنني أخرج منه مع كل زفير .. ثم أعود إليه مجدداً مع أول عملية شهيق ..
كنت متغلغلة في أعماقه حد الامتزاج .. حتى بات من الصعب جداً أن أعرف أهذا أنا .. أم هو اللاشيء ؟
اليوم يجلس اللاشيء قبالتي .. لكنه غريب عني ..
هل تغير اللاشيء ..
أم أنه أنا لم أعد أنا .. أنا لست أنا ؟
 لم أعد أراني أنتشر على وسادة عمره  وأذوب في فنجان قهوته .. ولم أعد أتأرجح كغيمة حبلى بالمطر في أثير شهيقه وزفيره ..
لكنه يجلس على موائد قلبي ..
 لماذا ؟
 هنا يبقى يراوح مكانه  السؤال ..
لماذا يجلس اللاشيء على موائد قلبي ويحدثني بعينيه ويقدم إليَّ قهوته ويصرُّ على أنه يشربها فقط  من عينيِّ ..
 لماذا يجلس اللاشيء قبالتي طالما الأفق أمامه ممتداً .. واسعاً .. جلياً .. ومزدهراً ..
لماذا يبحر في فنجان قهوتي وهو يعرف كيف يبحر في الأفق القريب وكيف يواعد الشمس من خلفي  وكيف يمد كفيّه لمصافحة القمر بحرارة وكيف يهمس لعصفورة الجوار أنه يعشق تغريدها على شرفات الفجر وما بعد الفجر ..
فلماذا يجلس اللاشيء على مائدتي ..
ولماذا ينتظر مني أن أقول له أنني لا أزال متغلغلة فيه .. ولا يمكنني من أنفاسه أن أنسحب ؟