ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الخميس، 26 أبريل، 2012

سراب

سراب

لست نرجسية كما تراني ولا أريدك نهراً خالداً من الحب أعمد فيه نفسي ولا جدول ماءٍ صافٍ يسري في حقول روحي الجرداء فيروي ظمأها بعدما هجرتها مياه الأمطار .
أنت رسمت لي السراب لوحة عشق سريالية .. ألوانها قوس قزح .. أبجديتها شمس ونجوم وقمر .. أنت علمتني كيف أصعد عتباتها وأغازل قمرها  واصطاد نجومها  .. وكيف أغزل عباءة الفرح بخيوط الشمس وألقها في المساء على كتف
البحر .
لغة العشق قبلك كنتُ أجهلها .. ففي صحراء قلبي لا تنبت بذور الغرام .. ألوان الفرح عندنا يتيمة .. ملامحها رمادية ونظراتها غائمة صيفاً وشتاءً .. شمسنا حارقة تصهر الصخر والشجر والحجر ورمشة من جفنها تجفف رحيق البحر .. نجومنا مستلقية على عرش عليائها .. لم تلقِ علينا التحية في يوم ولا يقض مضجعها رسائل الحب و السلام .
أتيتَ كالنسيم ..
كطقوس الفرح ..
 كهلال العيد ..
 كتعويذة سحر ..
 كقراءة مستفيضة  لخطوط البصر في كف ضرير ..
 أتيت فارساً يمتطي صهوة الغمام  .. يصطاد السحاب ..  يسرح بأنامله جدائل الموج الأزرق .. وهمست في قلبي ..هذا القمر الذي يتوج ليل السماء هو فؤادي .. حين يرى قسمات وجهك الضاحكة ينفطر قلبه إلى قلبين .. قلب ينير هذا العالم .. وقلب ينير لي هذه القسمات .. فاضحكي .. حتى يغار المرجان من لؤلؤك وتموت في غيظها الأصداف  .. مثلك لم تخلق أبداً  للعتمة .. مثلك لم تخلق  للأحزان .
رفعت وجهي لأراك .. أرسلت سمعي ليلتقط همسك .. مددت أناملي خلسة لأتحسس نبضك .. لألمسك .. وضعت أذني على صدرك فسمعت دقات قلبك تنبض على عجل !
قلت لك متسائلة : ولمَ العجلة .. أليست هذه الأيام لنا .. أنا لا أفهم لغة الاستعجال ؟
هناك خلف جدران هذا العالم بنيت لي القصيدة .. ركضنا سوياً  في روابيها .. خربشنا على جدرانها .. لهونا في قوافيها .. تسلقنا أعمدة الشعر وأبحرنا حتى آخر علامة استفهام فيها .. هناك خلف جدران هذا العالم كنت ترسمني في كل لحظة .. تأسرني في لحظة .. وتعتقني للحياة في لحظة .. وأنا لم أكن أفهم استعجالك هذا بأنه إنذار منك بالرحيل  .. وأن هذه الصحراء التي تتوسط أضلعي لا تسكنها أزهار الربيع .. لا تنبت فيها عناقيد العنب ولا جدائل الياسمين .. لا ينبت فيها إلا أشجار الصبّار!  
وأنك أيها النسيم المارُّ بقلبي  لم تكن إلا سراباً ..
كنتَ سراباً زاهياً  كألوان الربيع ..
 حلواً كمذاق فاكهة الصيف .. 
عطراً كعبير الفل والعبهر ..
 ندياً كقطرات ندى الخريف ..
 زرعتك على شرفة قلبي أملاً  لكنّي حصدتك  شوكاً  يدمي الفؤاد  ..
وأن القمر " فؤادك "  هناك .. ما زال  يتوج  ليل السماء .. قمر في سابع سماء ..
 بعيد كحبك ..  
مكتمل كقلبك ..
 ساكن كوحدتي ..
وقسمات وجهي الضاحكة هي التي لفها البعد والحزن والنسيان .

الأربعاء، 18 أبريل، 2012

المتسول

المتسول

داهمني الوقت وأنا أتسوق لبعض الحاجيات .. أوشكت الشمس على المغيب .. لملمت حاجياتي وانطلقت نحو سيارتي التي كنت أصفها في شارع شبه خالٍ من المارة أو السيارات ..
فتحت باب السيارة والنافذة المجاورة لي وألقيت كل ما كان في يدي من أكياس إلى الكرسي الخلفي والتفت للقيادة .
ما أن رفعت ناظري حتى فوجئت به .. رجل مسن يحمل صندوقاً خشبياً فارغاً يرفعه فوق رأسه ويتمتم ببعض الكلمات .. مظهره كان مخيفاً للغاية .. ارتعدت مفاصلي لرؤيته وخيل لي أنه سيهوي بهذا الصندوق على رأسي ويأخذ مني مفتاح السيارة كما كان يتناهى دائماً إلى مسامعي عن حوادث من هذا القبيل فما كان مني إلا أن أغلقت النافذة والأبواب وانطلقت بسرعة الصاروخ من أمامه وأنا انظر إليه بالمرآة وقد أنزل صندوقه الخشبي من فوق رأسه ووضعه جانباً وما زال يتمتم .
لم تهدأ أعصابي حتى تجاوزت أول أشارة مرور وعندها سمعت آذان المغرب فأسرعت كي لا أتأخر عن موعد الصلاة .
صورته لم تغب من بالي .. ماذا كان يريد ؟
هل كان ينوي قتلي أم فقط سرقتي ؟
مظهره الرث الكئيب لا يوحي بذلك .. لكن هذه التحذيرات التي تملأ البلد عن حوادث السرقة والقتل المنتشرة منذ فترة قريبة ما هو مصدرها ؟ لا يمكن أن تكون مجرد إشاعات .
لكنه رجل مسن .. فقير الحال .. لا يقوى على المشي فكيف سيضربني بهذا الصندوق ؟
إذاً لماذا يرفعه عالياً إن لم يكن قصده الإجرام ؟
وصلت بيتي وأنا لم أصل لأي إجابة عن كل تلك الأسئلة والتساؤلات .. رآني الجميع مكدرة تماماً .. سألني زوجي عن السبب فقصصت عليه الحكاية .. هدأ من روعي وقال إن تصرفي صحيح وحوادث السرقة والقتل منتشرة بكثرة هذه الأيام ولا أحد يمكنه أن يضمن نوايا أحد حتى لو كان رجلاً مسناً .
مع هذا ظل ضميري يؤنبني وبقيت الحكاية تلازمني كل الوقت فصرت أجوب ذلك الشارع والشوارع المحيطة به .. أذهب إليهم في ساعات متفرقة وحتى في بعض ساعات المساء .. كنت أرغب برؤيته.. كنت أريد التأكد من أنه مجرد متسول وليس قاتل أو سارق أو مجرم
ولكن عبث .
لقد أصبح هاجسي وبت أفكر فيه كثيراً وأفكر كيف يتركه أولاده لقمة سائغة للتشرد والتسول ؟
ربما ليس لديه أولاد ..لكن أليس له أقارب ؟
ربما ليس له أقارب .. أهل .. جيران .. لكن أليس له دولة ينتمي إليها ؟
أليس هو مواطن منتمي لدولة يرفع علمها ويردد شعارها ( بلادي أولا ) بمناسبة ودون مناسبة ؟ ألا يدلي هذا المتسول بصوته في الانتخابات التشريعية والبلدية ؟
ألا يمسك على طرف الدبكة في عيد الاستقلال ؟ و كل هذا مقابل ماذا .. مقابل صندوق خشبي مهشم ويد ممدودة تدعو (حسنة لله )؟
حاصرتني الأسئلة وتأنيب الضمير وفظاعة ما قمت به تجاه هذا المتسول العجوز .. واستمريت على هذا الحال المضطرب شهور عدة حتى هلَّ علي شهر الخير والبركة شهر رمضان الفضيل فأخذت في ليلة القدر أدعو الله وألح عليه بالدعاء أن ألتقي هذا المتسول الذي أشغل فكري منذ مدة ليست بالبسيطة .. وظهرت لي صورته فشعرت بفظاعة ما عملت وتأنيب الضمير وأخذت أجهش في البكاء حتى اجتمعت عليَّ أسرتي وعرفوا أنها المشكلة ذاتها التي تؤرقني وتأثروا جداً لحالتي وبدأنا جميعاً بالدعاء لهذا المتسول الذي لا أعرفه ودعوت ربي أن أعثر عليه ونمت ليلتي ودموعي لا تفارقني .
بعد يوم أو أكثر لا أذكر بالضبط ذهبت إلى ذلك الشارع في طريقي إلى مكتب البريد .. هناك وجدته يجلس على درجات مكتب البريد يضع صندوقه الخشبي أسفل منه ويتمتم .. كما رأيته أول مرة .
هل فرحت في لقاءه ؟
لا أعلم .. ربما طرت من فرحتي ..
ركضت إليه كأنني عثرت على ضآلتي المنشودة .. ناولته قطعة من النقود .. أخذها وشكرني .. ودعا لي .. كنت أنظر إليه بفرحة كبيرة وقد ارتسمت الابتسامة العريضة على وجهي .. لكن هو لم يعرفني .. لم يذكرني .. أنا فقط من أذكره ولا يفارق خيالي أبداً ..
لم أشأ أن أكلمه بأي شيء أو أستفسر منه عن أي شيء فأنا قد عرفت مكانه .. وسأراه في كل يوم .
عدت في اليوم التالي متفائلة جداً لأخوض معه وأسأله عما أرق فكري ... لكني لم أجده ..
وفي اليوم الذي تلاه واليوم الذي بعده .. ولكني لم أجده .. بعد ذلك اليوم لم ألتقِة أبداً.
سافرت وقطعت من السنوات وهو لا يغيب عن بالي لا هو ولا سؤال واحد فقط من الأسئلة التي كانت تدور في ذهني .. سؤال واحد يقض مضجعي .. أليس هو مواطن منتمي لدولة مسؤولة عنه .. إذاً لماذا لا يملك سوى صندوقه المهشم ويده الممدودة تدعو ( حسنة لله )؟

السبت، 14 أبريل، 2012

مطر ووعود عنترة

مطر .. ووعود عنترة !
"ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي "
أنا وأنتَ يا عنترة مرة أخرى في رياض هذا البيت من الشعر الذي يسكننا ونسكنه كوطن .. ويعيش فينا ونعيشه كحياة .
ما الذي أحضرك يا عنترة في بالي .. وما الذي أحضر معك بيض الهند من ديارها لتقطر من دمي أنا .. مع أن ما يدق نوافذ القلب هو حبات بريئة من المطر الناعم .. فلماذا فرُّ إليك الخيال وإلى بيض الهند ومعلقات كنت قد خبأتها منذ زمن بعيد في أدراج الذكريات ؟
كلماتك لا تزال ترن في أذني " هزمتني العاصفة " قلتها وغبتَ .. وغبنا طويلاً ..
كانت العاصفة قد اجتاحت أفق ذلك المساء فأردته رمادياً ثم غسلته بوابل من زخات المطر حتى ذاب الرماد ثم ظهرت أنتَ وظهرت أنا وبضع قطرات بريئة من المطر تنسكب بهدوء الملائكة على زجاج تلك الليلة .
كيف أصبحت أماسينا باردة .. وحديثنا متكلف .. وأشواقنا تخلو من نكهة " الهيل ".. وحضورنا يشبه حدائق الورد الاصطناعي ..
لا أدري .
كيف أصبحتَ لا تروي كالمطر .. ولا تسرُّ كالفجر.. ولا تمطر كالغيم .. ولا تزهر كالربيع ..
لا أدري .
لكنّي اليوم مع أول دقات لحبات المطر على نافذتي وجدتك تحتلني مرة أخرى .. وتزهر في أعماقي كالربيع .. وعادت أغنيتك الشتوية تدندن في قلبي .. وسمعت مطر تلك الليلة يدق الأبواب من جديد .. وصوتك يرتجف في الخارج " هزمتني العاصفة "
ليتها تهزمك الليلة وتأتي ..
ليتك تأتي ويأتي معك ذلك الماضي البعيد ..
ليتك تحتلني من جديد
لنسمع أغنيات المطر معاً
وننتظر الفجر معاً
ونقطف ورود الربيع معاً
وأعدك بعدها أنني لن أغيب .

ليل وعسكر

ليل وعسكر
في مدينتي يهبط المساء فجأة .. يحمل بين يديه ستائر العتمة وينشرها على ملامح المدينة عنوة .. يهجع الحمام الزاجل إلى أقفاص النوم باكراً .. وتداس رسائل السلام تحت أقدام العسكر .
وأنا كعصفورة غريبة نبتت على شرفات المنافي أمارس رياضة القفز من نافذة إلى أخرى بعد أن رفع الشتات راياته في وجهي .. وحاصرتني ألسنته بوابل من جحيم السؤال .
أين أنتَ من كل هذه العتمة ؟
أين أنتَ من مساءات مكفهرة تفرض ليلها الغاصب على جبهتي .. وأفواه الشتات تمدُّ إليَّ ألسنتها بازدراء وترسم بيمينها على جبيني لعنة التهجير ؟
أين أنتَ والحمام محاصر على أبواب المنافي .. والسلام مضرج بدمائه وسماؤه مشحونة بالعواصف السوداء تهطل من أحداقها الجراح ؟
لا مقابر لدينا تكفي لدفن الجراح .. لا سنابل خضراء لدينا لنزرعها على أضرحة الشهداء .
أين أنتَ من عواصم الفرح التي أغتيلت في مدينتنا وشيعت جثامينها إلى خبر كان .. وإلى الممنوع من الصرف .. والمجرور إلى بداية النهايات ؟
أين أنتَ من باقات الورد الجوري المغردة وأكاليل الياسمين الصباحية ورسائل المساء التي كانت تحبل بحروف الغزل وتنهيدات الاشتياق ؟
أين أنتَ من مساءات عامرة بالحب ونوافذ يداعب ليلها برق ورعد وزخات مطر سخية وصباحات ندية تداعب بأناملها أهداب اللوز والدحنون والعنبر ؟
أين أنتَ وقد غاب الشتاء عن مدينتنا وغاب عنها الربيع وأتاها صيف حارق من أتون الجحيم فذبلت ياسمينتها على شرفات القلب وماتت أشجار اللوز على صدر أمها .. واحترقت في الإناء جميع حبات الكستناء ؟
وأنا كعصفورة نبتت على شرفات المنافي أنتظر منك رسالة داستها أقدام العسكر في مدينة طال ليلها عرش الصباح وغابت ورودها من أبجدية الشعراء وذُبح ما تبقى من أزهار الاشتياق على أضرحة الشهداء ..
لا سنابل خضراء في مدينتنا .. لا رسائل حب منثورة على قارعة الطرقات وعلى جذوع الأشجار ..
لا زخات مطر حالمة تداعب وجنات الورود ..
لا عصافير برية توشوش لي بفرح وتكتب عني همسات الصباح ..
في مدينتي ليل وعسكر وصباح لا يأتي .

اعشق البحر

اعشق البحر
البحر يناديك ..
فنجان القهوة المرة يناديك ..
ذلك المركب المتهادي على الشاطىء الأيمن من قلبي يناديك ..
كان وعداً مني .. لم أخلفه .. ولن أخلفه ..
أنا والبحر وفنجان قهوتي المرة نناديك .
كنتَ تخشى البحر .. أذكر جيداً كم كنت تخشاه .. سألتك يوماً حين كنا أطفالاً نلعب على أبواب الغد .. لماذا ترتدي عينيِّ البحر طالما أنك تخشاه إلى هذا الحد ؟
كأنني كنت ألفتُ نظرك للمرة الأولى أنك تمتلك زرقة البحر في عينيك ولكنني لم أفصح لك في حينها أنك كنت تخفي في عينيك الزرقاوين بعضاً من غموضه ..
أنتَ تخاف البحر .. تخاف تمرده .. تخاف ثورته .. تخاف هيجانه .. وأنا أخاف عينيك الزرقاوين وما يختبىء وراءهما من سحب داكنة من الحزن الصامت رغم جلجلة الضحكات التي تنثرها على أرصفة اللقاء ..
ذات مساء أتيتني ترتجف من البرد .. من الحزن .. من السخط .. وكنت أرتشف قهوتي المرة .. كان فنجاني الذي قدمته لك .. " بعض القهوة قد تشفيك ".. نظرتَ إليَّ في خجل .. ثم قلت متذرعاً بحجج واهية .. أكره مذاق القهوة .. لا أفهم لغة القهوة وغمزات الفناجين .. لا أقرأ ما تبقى في قعر الفنجان من مراسيل .. ولا أفهم ما تلوح به من شارات .. وما تغمزه لي بطرف العين .
ضحكت في سرّي وأيقنت أنك تحتاج من الوقت الكثير كي تبحث في أسرار القهوة والبحر والموج والسحب وأنا ..
وأنا أحتاج الكثير لتفسير هذا الغموض الذي يشتعل في عينيك ولا أفهمه ..
لم يكن أمامي خيار حتى أبحر في عالمك وتبحر في عالمي سوى أن نجتمع أنا وأنت والبحر على فنجان قهوتي المرة ..
ولأول مرة منذ عقود أرى الغموض في عينيك ينجلي وتشرق شمس طفولية تضحك بخجل العذارى .. لأول مرة أرى النور ينبعث من ملامح وجهك .. بعد أن كادت تختفي آخر سطوره خلف سحابات الحزن والقهر والسخط ..
هو البحر من يملك سرُّ العشق .. اعشق البحر .. هو البحر وحده من استطاع أن يبتلع غموض عينيك .. هي أمواج البحر وحدها من استطاعت أن تدغدغ نبضات قلبك .. هي عروس البحر وحدها من استطاعت أن تدعوك لجولة في عرض البحر ..
وهي رشفة من القهوة .. مجرد رشفة .. سترى بعدها كم هو جميل عالمي .. وكم أصبح بوجودك أجمل ..
أهلا بك في عالمي ..
أنا والبحر وفنجان قهوتي المرة وأنت .

غصة اسمها أنت .

غصة اسمها أنت .
كان بالانتظار هو وفنجان القهوة وكأس من الماء المثلج ..
وكان لا بد من انتظار الوقت الذي يمشي على مهلٍ في تلك اللحظات .. ومع أن دقات القلب كانت في حالة شديدة من التسارع .. ألا أن الوقت كان أكثر من بطيء .. والقهوة كانت حارة جداً ويكاد مذاقها يخلو من السكر .. كمذاق أيامي معك لم يعد يميزها إلا المرارة .
صورتك وقفت أمامي .. تجمدت في ذاكرتي .. لا الأمس نهض فيها .. ولا اليوم يسعى إليها .
ما سرُّ هذا الجمود .. ولماذا انتصبنا كتمثالين في شارع الحياة الصاخب ؟
ألم يكن باستطاعتك تجاوز تلك اللحظة وإضافة القليل من السكر إلى ذلك الحديث اليتيم ؟
وأنا للأسف ما كان باستطاعتي تجرع كل ذلك العلقم ..
اليوم أنا غريبة على بابك ..
وأنتَ توغل في العناد ..
فمن الملام .. لست أدري ؟
أشعر أنك تقف كغصة في الحلق .. لا عادت الكلمات ترسمك .. ولا عادت الحروف تستطيع أن تكتبك .. وكل ما فعلته أنتَ أنك محوت ذلك الماضي السعيد بجرة قلم ..
ربما لم يكن قصدك ذلك .. ولكنك فعلت ..
فما عدتَ أنتَ الماضي ولا الحاضر ولا المستقبل ..
أنتَ فقط متحجر في حلقي .. لا أستطيع أن ألفظك .. ولا أستطيع أن أبتلعك .. فإلى متى سيبقى الوقت متحجراً بيننا .. وإلى متى سيبقى الماضي معلقاً والحاضر مغلقاً ..
إلى متى ستبقى جسراً مفتوحاً للغياب بلا رجعة ..
إلى متى سيبقى هناك غصة في الحلق وفي القلب اسمها أنتَ ؟

الثلاثاء، 10 أبريل، 2012

لستِ وحدك .. مهداة إلى شقيقتي د. ميسون البشيتي . .


لستِ وحدك
إلى شقيقتي ميسون
هذا الصباح لن أدعوك إلى فنجان قهوة حافي القدمين .. بل سيكون برفقته وجبة دسمة من الذكريات .. سنقتسمها كما الشوكلاتة .. ونتناولها محلاة بالعسل والسكر المذاب .. ونقلب الفنجان لنرى خربشات القهوة على سطح الفنجان .. وسنروي عنه كلاماً  كذباً .. ونضحك على رؤية الفنجان .. وما تركه لنا في القعر وعلى السفح وما فاض منه فأغرق صحن الفنجان .
أفقت في هذا اليوم النيساني الجميل .. يوم مولدك يا غاليتي .. ونسائم الذكرى تلف المكان .. تعطر قلبي وتسري في أوردتي .. تدغدغني وتوشوشني أن أفتح لها نوافذ الصباح .. وألا أنفرد في استقبالها وحدي .. وأن أدعوك كما كل نيسان لمشاركتي هذا الاستقبال .
كنا نتقاسم السرير في الصغر واليوم أصبحنا نتقاسم هموم الحياة والأوجاع .. ربما مضى عقد من الزمن لم أقبِّل وجنتيك في يوم عيدك وكانت تهنئتي تصلك مشفرة عبر أسلاك الهاتف .. لكنّي لم أكن  لأنسَى عيد ميلادك في يوم من الأيام .. وكيف كنا نحتفي فيه كأنه عيد قومي يخص الأمة العربية بأكملها .
أتذكر جيداً حين كنا في تلك المدرسة معاً وكانت أجواء الامتحانات مخيمة على سماء ذلك الوقت .. قلت لي برجاء حار : لا تخلدي إلى النوم وواصلي معي السهر حتى أنتهي من دراسة الامتحان .. وأنا التي كنت أقدس النوم المبكر هززت رأسي بالموافقة على استحياء .. وبقيت أنتظر معك .. وبعد الانتهاء قلت لي : ما هو امتحانك في الغد ؟
فقلت على الفور:  فن ..
 قلتِ : وهل أعددت دفتر الرسم ؟
قلت : نعم ولكني غير راضية عن التلوين ..
فقمتِ وفتحتِ دفتر الرسم صفحة إثر صفحة وأعدتِ تلوين جميع الرسومات بالألوان الزيتية خاصتك فأصبحت الرسومات مذهلة وكنتُ في غاية الاندهاش كيف تحول دفتر الرسم إلى دفتر ينطق بالجمال ! وتأكدت ساعتها أن سهرتي معك لم تذهب هباء.
يخطر ببالي جداً مشاورينا إلى المدرسة .. وفيما بعد إلى الجامعة .. وكيف كنا نجتمع بعد كل سفرة .. وبعد كل زيارة .. لنجلس ونقصُّ على بعضنا كل ما حدث معنا بالتفصيل والتمثيل وكان صوت ضحكاتنا يجلجل ذلك المنزل الصغير فتهتز أرجاؤه فرحاً وطرباً ونشوة .. حتى تفزع إلينا ماما رحمها الله وتحثنا على خفض أصواتنا فنجذبها إلى تبادل الحديث معنا ثم تنضم إلينا شقيقتنا الصغرى خولة .. وتطول بنا السهرة في ذلك المساء .. ونحن لا نأبه للوقت الذي ذهب .. ولا إلى الوقت القادم .. فنحن معاً وهذا كل ما كان يهم .
اليوم بعد طول المسافات .. والتي لا تبعدنا أبداً .. أقول لك .. حتى وإن رحلت ماما فلستِ وحدك ..
 أنا وخولة معك .. وطبعاً الجميع معنا ..
لكني أؤكد لكِ أن ذكرياتنا معا مستمرة نحن الشقيقات الثلاثة .. وسنبقى نجتمع لتبادل الأحاديث .. وسيجلجل المنزل بالضحكات .. ويعمر بفناجين القهوة الطافحة بالحب .. وستغرد أحاديث الصباح والمساء ..
ماما باقية معنا .. وستبقى معنا ..
لكن الحزن يجب أن يرحل .. ومن هذا اليوم يجب أن تغلقي نوافذ الحزن .. وتشرعي قلبك للشمس ولهواء نيسان .. ولا تنسي أنك زهرة نيسان فأنت لا يليق بك الحزن أبداً .. لا يليق بك إلا الفرح .. وتأكدي أنه لو لم نعد نملك إلا تلك الذكريات فهي تكفينا لبسط مساحة من الفرح لا نهاية لها .
انظري إلى مرآتك يا غاليتي ستجدين أنك لا تزالين الأجمل والأنقى والأكثر صفاء والأكثر مرحاً والأشد حيوية .. لا تغلقي الباب بوجه نيسان بل أحسني استقباله وأعدي شموع العيد فعيدك لا يزال عيداً قومياً نحتفي فيه كل عام .. وانتظرينا .. لن تبعدنا المسافات .. ولكِ مني آلاف القبلات يا شقيقتي ورفيقة دربي الجميل .

الاثنين، 2 أبريل، 2012

نبوءات كاذبة

نبوءات كاذبة
كذبت نبوءتي حين ظننت أن الملائكة قد تكون من البشر .. وأننا في زمن المعجزات .. وأن العشق يسمو فوق أطماعنا .. وأن أحلامنا لها قدسية لا تُخدش .. وأنك طائر من طيور أحلامي وجناحيك هما فقط من ورق .
كذبت نبوءتي حين تخيلتُ أن الشهد المنساب من فيك هو البلسم الشافي للأوجاع .. وأن يديك الدافئتين أصبحتا لي سكنٌ .. وعينيك الحالمتين أضحتا وطن .. وأن قلبك خميلة من خمائل الجنة .
كذبت نبوءتي حين قلتُ أن شهرزاد ظلمت شهريار.. وأن شهريار لم يكن جلاداً ..
ولم يكن عربيداً ..
ولم يكن سفاحاً ..
ولم يكن يروي ظمأه من دماء البراءة ..
بل كان عاشقاً .. متيماً .. قديساً .. يهوى جمع قلوب العذارى كما يجمع فراشات الربيع بين كفيه .. وكما يجمع أوراق الورد المجففة في آنية الزهر ..
وما كان يجمعهن إلا ليبارك أولى خطواتهن عند أبواب المذبح .
كذبت نبوءتي حين ظننت أن الشمس الحارقة في كبد السماء لا تزال تُغرم في مواعدتي عند أبواب صباح .. وذلك القمر الساذج يغافل عين الليل الناعسة ليكتب إليَّ قصائده على صفحات المساء .. وأن العصافير لا تخلد للنوم مبكرةً كي تستريح من تغريدها على نوافذي بل كي تراني في أحلامها .. وأن قطرات الندى الحالمة تصحو قبل حراس الشمس لترسل إليَّ أعذب القبلات .
كذبت نبوءتي حين ظننتُ أنني أقرأ عينيك كما أقرأ فنجان قهوتي .. وأن هذا الخجل الذي يسكنهما هو علامة من علامات العشق .. وهذه الرجفة على الشفتين .. وارتعاش القلب بين الضلوع .. والآهة التي تحتضر .. كلها دلالات عرفها قلبي من قبل .. كلها دلالات وعلامات ما يعرف بالعشق ..
كلها كذبت عليَّ .. جميعها مارست طقوس الكذب على قلبي .. وكذبت أنا على قلبي .. وكذبت على نفسي حين قرأت على صفحات وجهك أنك قد تحمل إليَّ في قلبك بعضاً من مواويل العشق ..
فكنت أنت كذبة ..
وكانت نبوءاتي معك وعنك كاذبة .