ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الاثنين، 19 ديسمبر، 2011

رسائل إلى أمي .. الرسالة السابعة والأخيرة .


رسائل إلى أمي
الرسالة السابعة .. والأخيرة .
رسالة مغمسة بالحزن على فراقك يا غالية ..
ما كان في الحسبان يوماً أن تتوقف رسائلي إليك فجأة لتعلن النهاية وتضع حروف النعي مكان حروف الشوق والحنين .
اعتدت أن أشرب القهوة مع عينيك كل صباح .. وأن أدلق همومي وأوجاعي في كأس نهارك .. وأن تمسحي بكلامك الدافئ آثار الوجع والقهر والحزن .
اليوم بعد أن أضحى فنجانك فارغاً .. ومكانك فارغاً .. وصوتك مهاجراً .. لم يعد بإمكان الحروف أن تنطلق من جوفي .. وما عاد بإمكاني أن أحتضن فنجان القهوة بين يديِّ لأنه أصبح بارداً جداً .. يخلو من دفء أحاديثك وأنفاسك .
كنتُ قوية كما كنتِ تتمنين .. عملتُ بوصيتك أن أكون الشجاعة .. القوية .. الصلبة .. التي لا تنهار .. ولا تنحني أمام قسوة الأيام وجبروتها ..
ولكنك أمي ..
أمي وحبيبتي وقلبي ووطني وكل عالمي فكيف سأبقى تلك القوية الشجاعة البطلة التي تقهر الصعاب وأنا أدفن قلبي وأرحل ؟
ومع ذلك أحاول جاهدة أن أكون بطلة مثلك ..
بطلةٌ كنتِ حتى آخر نفس ..
بطلةٌ كنتِ حتى آخر رمق ..
بطلةٌ كنتِ وسجلتِ أعلى رقم في البطولة عندما أخرتِ الموت دقائق معدودة حتى آتيك من غربتي .. وأقبّلُ يديك الطاهرتين .. وأرش جبهتك المقدسية بماء الزمزم ..
وحتى ألقنك أنا ابنتك التي تخاف عليك من نسمة الهواء الشهادتين ..
حينها خفق قلبك بين يديِّ خفقته الأخيرة لكنه لم يغمض عينيه إلا حين أدرت ظهري ففارق الحياة بصمت .
فارق الحياة بصمت ووقار .. كما عاش كل هذا العمر بصمت ووقار .
تركتُ إليك هناك آخر فنجان قهوة .. تركته جانب أريكتك المفضلة .. تركت معه قطعة من قلبي أبت أن تأتي معي .. وتركت على وجه الفنجان ذكريات عمرها يقارب الخمسين عاماً ..
من لي بذكريات معه بهذا الحجم وبهذا الدفء وبهذا الحب .. من لي غيرك يحمل معي هذه الذكريات ؟
اليوم أنا أحملها وحدي فقط ..
أحتضن بين يدي مسبحتك الطاهرة وألثم صورة لك تنام قرب وسادتي وأغمض عينيِّ لأراك تأتينني في المنام .. نتابع حديثنا .. وضحكاتنا .. ونصنع أحداثاً مختلفة تجمعني بك لبعض الوقت .. لأصحو من أحلامي معك على هدوء قاتل وفراغ مميت ..
ولا من رنين هاتف يقطع هذا الصمت ليقول هل ما زلت نائمة يا ميساء ؟
لا يا أمي أنا صحوت .. صحوت مبكرة هذا الصباح وكل صباح لأن هاتفك لم يعد يوقظني ..
هاتفك سكت إلى الأبد يا أمي .. هاتفك سكت إلى الأبد ..
وهذه هي الرسالة الأخيرة التي لن تقرئيها .. ولن تذرفي دموعك الغالية حين تنتهين من قراءتها .. هذه الرسالة الأخير ستبقى معلقة في الهواء .. قد تحن عليَّ روحك الطاهرة فتقرأها ..
لكن بلا دموع يا أمي ..
هذه المرة بلا دموع ..
إلى رحمة الله يا أمي .. إلى جنة الخلد إن شاء الله.

الأحد، 4 ديسمبر، 2011

عذراً سيدتي ومولاتي .

عذراً سيدتي ومولاتي
عذراً أمي .. عذراً سيدتي ومولاتي ..
عذراً يا أمي لأنني في هذا اليوم لا آتيك محملة بباقات الورد .. لم أكتب فيك شعراً ولا نثرأ .. لم أرسل مع الحمام الزاجل إليك زهور قصائدي مغلفة بأريج القوافي ..
عذراً يا مولاتي ..لأنني في هذا اليوم لا أحمل إليك إلا قلبي المسكون فيك .. وألبوم الذكريات ..
نار الوجع بقلبي تهب هبات ٍ هبات .. لا يطفىء نيرانها إلا صورة لك على غلاف قلبي تدعو لي بالمسرات .. لم أجد حولي أحداً يستطيع أن يقرأ معي ألبوم ذكرياتي .. ليس سواك أنت مولاتي من يجيد قراءة همي وتصفح ألبوم عمري على تلك الشرفات ..
الصورة الأولى .. هناك تحت ظلال ليمونتنا العتيقة .. همست بأذني أن أتناول سراً قطعة من الحلوى لأنني سمعت نصيحتك ولم أقتح باب الدار وأنطلق كعادتي أعانق جدران الحارات ..
مذاق الحلوى لا يزال شهدها يسيل مع لعابي ورائحة الليمون لا تزال تتسلل كل ليلة إلى أنفي .. تعانقني وتدعونني أن أقطف ليمونها وأعصره في قلبي فأشفى من الوجع .. من المرض .. من القهر .. من ضربات الزمان ..
الصورة الثانية .. مدرستي وحقيبتي التي كانت تعج بقصص ملونة ودمية جميلة ضفائرها بلون الذهب .. لا تشبهني .. لكنها تشبه تلك الأيام ..
ودفتر صغير أخط عليه الحروف .. ماما .. بابا .. دار .. قدس ..
ما أجملها وما أبعدها الآن من كلمات ..
الصورة الثالثة .. ملعبي .. أركض إليه خلسة حتى لا تضبطني وأنا أتسلل عيناك .. شقية كنت .. تلك كانت شقاوة البنات ..
أحضن أرض ملعبي .. أتعلق بأرجوحة ترفعني إلى السماء وحين أمد يدي لألمسها أجدني أعانق الرمال تحت أقدامي وأتوه في سفراتي نحو السماء والرمل ولسع الخطوات ..
الصورة الرابعة .. ساحات الحرم .. تكاد تخلو إلا مني ومن شقاوتي التي ترافقني كظلي .. لا باب يوصد في وجهي .. أفتح كل الأبواب .. أفتش في معالمه جيداً .. عمَ كنت أبحث .. لا أعلم ؟
كل ما أعلمه أن ساحات الحرم ودرجاته كانت تنتظرني كل صباح ومساء ..
الصورة الأخيرة .. دار جميلة .. جنود مدججون بالأسلحة والظلم .. حقائب سفر على الباب ودموع تسيل بصمت مهيب ونظرات بقيت هناك على الجدران وزفرات من شجرة الليمون وتنهيدة حارة تبكي على أوراق الياسمين وقلب أختبأ هناك في فراش الطفولة رفض أن يغادر ..
قلبي هناك يا أمي ومولاتي وألبوم الذكريات يشهد عليَ ودموعك التي ما جفت في نهار ..
قولي سنعود ..
قولي سنعود وأقلب الصفحة وأزرع الورد في كتاب الأحلام ..
قولي سنعود يا أمي ومولاتي ..

على صدر أمي

على صدر أمي
تضيقُ بنا الحياة ذرعاً .. تصعب علينا ..
تقسو علينا ..
لا يوجد صدر حنون نبكي عليه ..
لا يوجد كتف بار نستند إليه في الشدائد ..
لا يوجد من يكفكف الدمعة .. من يهدهد الآهة ..
لا يوجد سواك يا حرف فهل تستوعب أنت كل هذا ؟
هل تستطيع أن تكون حضن الأم في لحظات الغياب ؟
هل تستطيع أن تكون صدر الأب وكتف الأخ وأُذن الأخت ؟
هل تستطيع يا حرف أن تكفكف الدمعة ؟
في يوم ما فوجئت بأن الصدر الحنين الذي أبكي عليه كل يوم وأبثه همومي وأوجاعي .. التي قد تبدو
للبعض صغيرة أو تافهة لكنها لي كانت موجعة ..
كان صدر أمي هو ملجئي وملاذي .
كنت أبوح لها .. أفضفض لها .. أشتكي لها .. أثور عليها .. أبكي أمامها .. أصرخ في وجهها ..أضحك معها وأضحكها .. أُسرّي عنها وتسرّي عني .. تخفف عني كل وجعي ..
فأعود طفلة صغيرة ليس لها همٌ في الدنيا سوى أن تسرح شعر دميتها .
قالوا لي قبل أعوام " أمك مريضة بالقلب " عليكِ أن تخففي من شكواك إليها .. حاولي أن تعتمدي على نفسك .. وأن تتظاهري أمامها بأن كل شيء على ما يرام ..
لا تتذمري من العمل .. من الأولاد .. من زحمة السير .. من قسوة الأصدقاء .. من جشع الجيران .. من ومن ومن ..
وقعُ الخبر عليّ كان كالسكين التي غرزت حوافها في قلبي .. أدركت بأن عليّ أن أكبر ألف عام .. أن أطلق سراح تلك الطفلة الصغيرة التي بداخلي وإلى الأبد .
وأن أصبح امرأة ناضجة .. مسؤولة .. تتحمل جميع
مشاق الحياة وحدها .
وبدأت مشواري الجديد ..
تعلمت أن أكتم عن أمي كل شيء .. أن أخفي عن أمي كل شيء .. أن أتظاهر باللاشيء ..
ومنذ ذلك اليوم لم أشعر بطعم السعادة
في يوم ..
قبل فترة بسيطة من الزمن تفاجئت أن أمي لا تزال تملك قدرات فائقة على تذويب همومنا وأوجاعنا
وأنها لم تهرم كما خيل إلينا .. بل نحن من هرم وذبل من الشيخوخة المبكرة .
رميت عن ظهري ثقل المسؤولية واندفعت إلى حضنها أبكي وأشكي .. أتذمر وألوم .. أعاتب وأحاسب ..
وهي تسمعني بكل صدر رحب .
لم تندهش .. بل رفعت عن ظهري عبء كبير تحملته وحدي سنوات وسنوات .
أمي تبقى هي أمي ..
لا شيء في هذه الدنيا أوسع من حضنها .. ولا أدفأ منه .
مهما بلغ بيّ العلم والمعرفة أجدها أكثر مني علماً ودراية ..
خبرة وثقافة .. أفًقاً متسعاً .. عقلية متزنة وشلالاً من الحنان المتدفق الذي لا ينضب .
لكن بقي شيء واحد ينغص عليّ سعادتي وينتقص منها هو
أن حنانها لم يعد يصلني إلا عبر الهاتف ..
ليتني قدرّت هذه النعمة قبل سنوات .
أمي ..
أدعو لك بطول العمر والصحة وراحة البال
وأدعو لأبي بطول العمر والصحة وراحة البال
وأن يجمعنا الله عما قريب .. آمين .
*************

لكما أشتاق

لكما أشتاق
كم أشتاق لعينيك الزرقاوين وهما تحتضنان أيام عمري .. تشعان فيها الدفء والأمل مع برودة هذه الأيام وقسوة كل البشر ؟
كم اشتاق لتلك اللمسات الحنونة التي كانت تداعب خصلات شعري وأنت تسّرحينها لي عندما كنت طفلة صغيرة فتُسّرح معها هموم عمري كله وأوجاعه ؟
كم أشتاق إلى صوتِك الهادئ عندما كان يردد اسمي وأنتِ لا تنفكين تطلبين مني الكفَّ عن شقاوتي المعهودة .. وأنا لا أبالي لهذا الصوت الذي ما زال يرن في أذني حتى هذا اليوم ..
أنني أعشق هذا الاسم .. اسمي .. لأنك أول قلب ناداني به .. ولا أطرب لسماعه إلا من قلبك ؟
كم أشتاق إلى جلسات المساء عندما كنت تضميننا حولك تبثين فينا الفرح والأمل وتزرعين الحب والكبرياء ؟
وأبي الدافئ الشامخ كشموخ جبال بلادي .. كم أشتاق إليه .. وكم أشتاق أنفاسه الزكية العبقة كعبق الفل والياسمين في رياض بلادي ؟
كم أشتاق إلى يده التي كانت تحتضن رأسي الصغيرة وتتمتم عليها آيات من القران الكريم حتى يمن الله عزَّ وجلَّ عليَّ بالشفاء من وجع ألم بيَّ ذات يوم ؟
كم أخجل من دموعكما التي تهاوت بغزارة المطر في شهر كانون وأنا أحمل حقيبة السفر وأنتما ترجواني ألا أغيب وأشعر حيالكم بالعجز عن إيقاف ذلك الرحيل ؟
لم يكن لي حلم في يوم أكبر من أن أكون أنا أمي .
كم قدست فيك هذه الأمومة .. وكم أكبرتها وأجللتها .
ولو جاز لي لكانت صلاتي لأجلك .. وطقوس عبادتي أؤديها في محراب عينيك الدافئتين .
أراك في أعماق أعماق ذاتي ذلك الملاك الطاهر الذي يحرس عمري ويحتضن العالم بأسره كي أعيش فيه بسلام وأمان .
كم أشتاق إليكما وأنا أرى سنوات العمر تفرُّ من أمام عينيِّ دون أن أفعل لكما شيئاً .. سوى الدعاء لكما بطول العمر كي ترياني وتحضناني كما لو أنني لا زلت تلك الصغيرة المشاكسة التي لا يوقف مشاكستها سوى الحضن والتقبيل .
أدعو الله وأبتهل إليه أن يحفظكما من كل مكروه
وأن تسامحاني عن كل تقصير ..
وإنني لكما أشتاق .. إنني لكما أشتاق .

إليك أمي


إليك أمي
حين تجف الكلمات في حنجرتي .. تمطرني عيناك بغيمات من الحنان والود .. تعطرني بشذى الياسمين والورد .. تمسح بأكفها الطاهرة جبهة قلبي .. وتمرُّ على رأسي .. وعلى ضفيرتيِّ وخصلات شعري .
كنت عندما تضيق هذه الدنيا الرحبة بموطىء قدمي .. أناديك " ماما " .. تركضين إليَّ .. تمتصين كل عذاباتي .. تستنشقين كل وجعي .. تذيبين كل ألمي .. تبددين كل آهاتي .. ثم تبتسمين .. وترسمين لي شمس الغد على دفتر الألوان وداخل أبيات الشعر .
وتمضين .. تغزلين لنا الأيام من شهد قلبك .. تضيئين لنا حلكة السنين بدعواتك وصبرك ..
تنتشرين مع خيوط الفجر تجمعين نسائم الصباح وتُهدينا .. ترقبين خطانا وأنفاسنا .. توجفين .. ترجفين .. ولا تشعريننا .. وعندما يحل المساء تكونين أدفأ حضن يحتويننا .
إليك أمي .. وأنا ما زلت طفلة لا تعرف لغة الكلام .. دعيني أقبل كفيك الطاهرتين .. دعيني أختبىء في بؤبؤ عينيك .. أسكن فيهما .. أغفو عمري كله ..
فلا توقظيني .

عيد الأم .

عيد الأم
بعد أيام قليلة يهل علينا " عيد الأم " يا لهذه المناسبة المؤثرة في نفوسنا جميعا .. صغيرنا وكبيرنا .. " ست الحبايب يا حبيبه " .. من منا لا يتأثر حين يسمعها وتذرف عيناه شوقاً وحنيناً ويتمنى لو يسابق الريح فيرتمي في حضن أمه .. يلثم رأسها ويديها ..
ويطلب ودها ورضاها ..
أنا وغيري نعد العدة ليوم الأم .. ننتقي الورود .. ونحمل الهدايا .. ونعقد حلقات الرقص والطرب في تلك الأمسية الدافئة .
أتذكر الآن بعد أربعين عاماً ولن أقول أكثر أو أقل .. إنما ما يقارب الأربعين عاماً وأمي ذاب قلبها وهي تنصح وترشد .. تأمر وتنهي .. وأنا لست هنا " أديها الأذن الطرشة " على رأي المثل المصري .. تقول لي يمين فأقول لها شمال .. أخالفها في كل صغيرة وكبيرة .. ولا أبالي لاستنكارها أو حتى رفضها .. لا أنظر في عينيها وهي توجه لي اللوم أو العتاب حتى لا أتأثر فأضعف .
أضيع وأغيب في هذه الدنيا حتى و إن كنت حاضرة .
تشتكي و تبكي و تتذمر و أنا أرى و لا أرى .. سيان .. المهم أنني لا أحرك ساكناً .
لم أذكر يوماً أننا اتفقنا على رأي واحد أو نفذت لها رغبة من رغباتها في تحسين مسار حياتي أو أخذ مشورتها في أمر لمجرد فقط أنني أطلب مشورتها ..
و هل تألمَت يوما فوجدتني أمسح هذا الألم ؟
أو سهرتُ ليلة واحدة قرب سريرها كما سهرت أربعين ليلة في أربعين ليلة حتى كبرت بما يكفي لأدير لها ظهري و أمشي وأكون دائماً وأبداً الحاضر الغائب .. مقعدي حاضر ووجودي كله غائب .. منعدم .. مهاجر .. لا يعود .
وبعد هذا العمر أصبح ما في داخلي يؤرقني .. الشعور بالندم .. الشعور بالشوق .. الشعور بالحنين .. الشعور بالاحتياج إلى ذالك الحضن الدافئ مع برودة هذه الحياة .
شوق يدفعني بقوة عارمة ॥ إعصار من الحنين والحب والاحتياج يحركني بقوة نحو ذلك البيت الصغير ـ بيتي ـ إلى ذلك الحضن الكبير


ـ حضن أمي ـ
لا شيء سيوقفني ..لا شيء سيثنيني .
أذناي مطرقتان للسمع .. وقلبي وفكري وعقلي ووجداني كله خاضع .. مطيع .
أنا الآن ذاهبة بسرعة البرق لأنتقي الورود وأحمل الهدايا وأعقد حلقات الرقص والطرب .. فأنا للأسف لم أتعلم سواها طيلة الأربعين عاما .
كل عام وأمي وجميع الأمهات بألف خير.