ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الأربعاء، 10 أغسطس، 2011

ونحن عندما نتمزق !



ونحن عندما نتمزق
دعوني أنا ابنة القدس أحكي الحكاية .. حكاية الطفلة التي كانت تركض بشقاوة الأطفال في حارات القدس وتجوب أبوابها السبعة .. تخرج من باب الحرم إلى ( باب الساهرة ) تذهب إلى مدرستها التي كان اسمها ( مدرسة الفتاة اللاجئة ) .. ثم ترجع ظهراً لتعبر إلى طريق منزلها من ( باب حُطَّة ) .. تضيء شمعة في ( بيت الولي ) هكذا كان يسمى .. وتركض إلى (حارة السعدية ) .. إلى ملعب حارة السعدية تحديداً كي تمارس كل ما تأتى لها من شقاوة وتمتع طفولتها في اللعب على الأرجوحات هناك ثم تعود أدراجها بعد أن يهدها التعب من اللعب إلى منزلها .. تعبر في ساحات الحرم الكبيرة ثم تكمل اللعب والجري والقفز في لواوين الحرم
كما كانت تسمى آنذاك .. وأحياناً كانت تتسلل خفيةً عن عيون الأهل فتعبر من ( باب الإبراء ) لتشاهد مجموعات (الشكناز) يقومون بطقوس غريبة .. يقفون فيها أمام حائط كبير ..يحملون بين أيديهم كتابهم المقدس يقرأون فيه ويبكون ويدقون رؤوسهم بذلك الحائط ..
وكان البعض منهم يعد الموائد الخاصة بتلك الاحتفالات .. موائد ممتلئة بالفاكهة
ـ فاكهة بلادي من برتقال وتفاح وغيره ـ
وكنت أقف كالغريبة بينهم مع أنها بلادي أنا .. وأشاهدهم باستغراب طفلة .. لم أكن أفهم حينها ماذا كان يحدث!
كنت أجوب الحارات القديمة وأبواب القدس السبعة مراراً وتكراراً كأنني كنت أجوبها عن عمري كله ..
وخرجت من تلك البلاد .. خرجت من بلادي بالقوة ..
ولم أرجع يوماً ..
ربما لن أرجع ॥لن أرجع إلى تلك البلاد ..
إلى تلك الحارات ..
إلى تلك الملاعب ..
أولادي كبروا في الخارج .. كبروا في المنافي .. كبروا في الشتات ..
لم يرجعوا يوماً ..
وربما لن يرجعوا إلى تلك البلاد أبداً ..
منذ أربعين عاما ً لم أتنفس هواءً يشبه هواء تلك البلاد .. بلادي ..
منذ أربعين عاما لم أنم ليلة إلا وطعنات الغربة تمزقني !
أحمل حقيبتي وأولادي وأجوب بلاد الله .. بلد تلفظني بعد أخرى ..
وأولاد الشكناز يجوبون حارات القدس العتيقة ويعبرون من أبوابها السبعة !
لم يعد لي وطن ..
لم أعد أمتلك الهوية ..
وهم أولاد الشكناز لهم وطني .. ويحملون هويتي !
واسأل نفسي بمرارة السؤال .. هل يا ترى أولاد الشكناز سيعرفون كيف يجوبون الحارات القديمة كما كنت أجوبها أنا ؟
وهل يعرف هؤلاء كيف يضيئون شمعة في بيوت الأولياء الصالحين كما كنت أفعل أنا ؟
أم تراهم فقط يعرفون كيف يدقون رؤوسهم بالحائط كما يدك أباؤهم الآن أساسات المسجد الأقصى .
أنا لم أحترف الكتابة يوماً .. ولم أحترف البكاء يوماً ..
ولكني وبكل مهارة احترفت التشرد .
لهذا عندما تبكي القدس نحن نتمزق وعندما نحن نتمزق ستبكي القدس .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.