ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الأحد، 24 يوليو 2011

أرصفة النسيان

أرصفة النسيان
أنت .. وأرصفة النسيان مرة أخرى .. وهذا الملل الأسود يحاصر روحي .. يخنق نسائم الربيع في أيامي ويمحو عناوين اللحظات الجميلة من ذاكرتي ومن البال .
رسائلي لا تسافر إلا إليك .. وروحي لا تنتظر من الغياب غيرك .. ووحدها علامات الاستفهام استعصى عليها الفهم وبقيت تراوح في مكانها تنثر من حولي نفس السؤال ..
في صباحات تكاد تخلو من كل شيء إلا من صوت الصباح وهو يقرع الأبواب .. يعلن ميلاد يوم جديد .. يوم جديد لكنه في غيابك يشبه الأمس .. في ركوده ..
في صمته .. في هدوئه المميت .. في دورانه عبر حلقات الفراغ .
وأنت تتجول كسلحفاة تحتضر على أرصفة النسيان .. لا تدري هل أنت فعلاً منسي أم مقصي عن هذا القلب .. ربما كنت تحاول الفهم .. ربما خطر إليك أن تنثر من حولي نفس السؤال ..
لكنها وحدها علامات الاستفهام هي التي تدور من حولي وتتجرأ وتنثر نفس السؤال ..
حاولت أن أقلب الطاولة على جميع الأرقام .. وأختارك من بين تلك الجموع رقم عمري .. وأرفعك عالياً في وجه جميع علامات الاستفهام .. لكنك كعادتك غائب .. تتجول على أرصفة النسيان ..
وقلبي اليوم يعاني من حالة ملل .. فقد الرغبة لسماع صوتك المتهدج على الضفة الأخرى من القصيد .. يحاول التصنع والتظاهر بخبث مفضوح أن صوتي في تلك اللحظة لم يهب له الحياة ..
اليوم أهديك هذا الملل فهو نتاج عنادك وغيابك .. لن أرسل إليك صوتي ..وسأكتفي أن أراقبك من نافذة الأيام وأنت تقطع أرصفة النسيان جيئة وذهاباً تحلم أن يقفز صوتي إليك عبر مظلة وردية .. أو سحابة ماطرة .. أو هبّة ريح حانية كتلك التي كانت تحملني إليك بلحظات الاشتياق فأمزق من حول عنقك شرنقات البعد .. وأحطم جميع مسافات الغياب ..
لكنّي لن أفعل ..
علامات الاستفهام لم تعد تهمني .. ولتبقى أنت كما أنت .. معلقاً على أشجار النسيان ..
قد تقع يوماً فتهبط في حدائق قلبي بأمان عندها سأعلن لجميع علامات الاستفهام أنك وحدك من يحق له أن ينثر من حولي ذلك السؤال ..
وقد تبقى كما أنت .. أسير أرصفة النسيان .

أيها البدوي المتعب .

أيها البدويُّ المتعَب .
أختفي وراء غلاف مجلة .. أتدثر بصفحات الجريدة .. أرفع صوت المذياع حتى يصل أذن القمر الوسطى كي أتجاهل وجعك أيها القلب .. كي لا أسمع صدى أنينك يبكي كل ليلة ..
أختزن دموع الكون في رأسي حتى لا تفاجئني رغبتها الرعناء في الانهمار حين أرسلها لتلثم بعد
مرِّ الاشتياق بؤبؤ عينيك ..
 أقسو عليك .. نعم .. لكنك تستحق أن أقسو عليك .
 أهديتك مشاعر حالمة .. بيضاء .. أشد نصاعة من بلورات الثلج وهي تندفع لحظة الميلاد من رحم السماء  .. فتحولت بين يديك إلى رمادية اللون .. فاقدة النطق .. تائهة الخطا والأحلام ..
نعم .. تستحق أن أقسو عليك .
قلت لك ذات يوم جميل لا تشرب القهوة من فنجاني .. اشربها من هنا .. من هذه الأحداق  ..
 أجبتني بقسوة لم أعتدها منك .. عيناكِ لم تعودا ترويان ظمئي .. عيناكِ دائمة الهروب .. عيناكِ دائمة الترحال .. وأنا رجل بدويٌّ  .. تعبَت مني بداوتي .. وتعبتُ منها .. تعبتُ أيتها البدوية من كثرة الأسفار والترحال .. أريد أن أتذوق معك طعم الاستقرار .. أريد أن أتذوق طعم الأمان ..
 عيناكِ لم تعودا تمنحاني ذاك الأمان .
وأخذتك الأيام بعيداً ..  كنتَ تتبعها كالزئبق .. تفرُّ من هنا .. تصعد إلى هناك .. وأنا أنتظر عودتك بفارغ الصبر .. معلقة على شرفات الانتظار ريثما تعود فأمحو غيابك سطراً وراء سطر .. وأفتح معك صفحات وردية من اللهفة والشوق والحنين ..
لكنك لا تنفك تسألني عن الأمان ..
وعن الاستقرار ..
أيها البدويُّ المتعَب .. أيها الشرقيُّ الذي لا يكلُّ ولا يملُّ الترحال ..  أنا لا أملك زمام هذا الأمان  ..لا أعرف كيف يكون مذاق الاستقرار .. وما هي نكهته التي لا تنفك تسألني إياها كل صباح وكل مساء ..
 أنا بدوية مثلك ..أنا بدوية مثلك أعلق على هذه الجدائل كل الأحلام .. الغد يشرق من سماء جدائلي .. والليل ينام هنا كعصفور بريٍّ  يغفو بين أنامل هذه الضفائر ..
من هنا يمرُّ الليل والنهار .. الصيف والشتاء .. الربيع والخريف .. وكل الأوقات .. من هنا عبرت وتعبر الأزمنة دون جداول للوقت ومواعيد للطيران ..
 أنا أيها البدويُّ لا أملك ناصية  للاستقرار .. لا أعرف قارعة يسكن على جنباتها ويبيت لياليه هناك .. كفَّ عن العبث بجدائل الغيرة  .. لا تستفزها أكثر فتؤذيك .. ولا تقتل هذه المشاعر الراحلة  معك وإليك  في غياب مفرط وسفر دائم وترحال إثر ترحال .. ترفق أيها البدويُّ المتعَب فأنا متعَبة مثلك ..
الاستقرار أنا لا أعرفه .. لا أعرف كيف يكون شكل حروفه .. ولا أعرف من أي غيمة تمطر قوافيه ..لا أعرف له وزناً أو بحراً .. ولم أرثه مع ما ورثت من دواوين الشعر وأعمدة الخيام ..
 أيها البدويُّ المتعَب لك أن تستلقي في ظلال حبي كل العمر .. ولك أيضاً أن تبقى كما أنت حرَّ التجوال .. لكن لا تطرق باب هذا القلب بعد اليوم فلن تشرب قهوة الصباح  من هذه الأحداق .

هل أنا قاتلة ؟

هل أنا قاتلة ؟
أنا التي أخشى عليك من نسائم العتاب .. قتلتك !
كيف .. لا أعرف ؟
كل ما أعرفه أنني صوبت سهماً تجاه قلبك ..
قلبك المتعب .. قلبك المنهك .. قلبك الممزق .. قلبك المثخن بجراح حبي ..
فاخترقته وأرديته قتيلاً ..
هل أنا قاتلة ؟
هل أنا قصدت قتلك ؟
لو كنت أقصد قتلك كنت عاتبتك أولاً..
أنا التي أخاف عليك من رياح العتاب أن تلفح ملامحك المشتاقة فتبرد نيران الشوق بقلبها وأنا بأمس الحاجة لحرارتها في هذا الجو البارد الكئيب فكيف أنا أقتلك ؟
ومع ذلك قتلتك .
لم أنتبه أن قلبك متعب .. أنك منهك من التعب .. اندفعتُ كالبركان الثائر وأطلقت حممي المتصاعدة والملتهبة عليك .. ثم انسحبت عائدة بعد أن صوبت لك سهماً كبيراً في قلبك ..
قلبك الذي أخاف عليه وأخشى ..
هل أنا قاتلة ؟
لم أستطع النظر في عينيك ساعتها .. لم أحتمل أن أرى نفسي قاتلة فيهما بعد أن كنت الملاك البريء .. بعد أن كنت شعاع الأمل .. طاقة الحب .. ينابيع الشوق .. سلال المحبة والدفء ..
فإذا بيَّ قاتلة .. قاتلة .. قاتلة ..
إن أسعفك العمر والزمن وقلبك المثخن بالجراح ولم تمت ..
أقصد لم تقتل ..
فاغفر لي وسامحني
وتأكد أنني مشتاقة لملامحك المحبة وأنني أخطأت التصويب تجاهها .
ربما كنت أريد قتل الوقت الذي طال في بعدك ..
أنا آسفة .. سامحني ..
لم يكن قصدي أن أقتلك ..
هل أنا قاتلة ؟

الأربعاء، 20 يوليو 2011

أنتَ وجعي .

أنت وجعي

لم أرسل إليك وروداً في هذا العيد .. قلبي حدثني بأنك مللت تصفح الورود .. مللت الحديث إليها .. مللت الشكوى ..

صمتك كان أكبر من كل التكهنات التي كانت تداعب مخيلتي وأطردها على عجل وأمنّي نفسي أنك بخير وما صمتك هذا إلا هدوء شاعر يتربص نجوم الليل ليأسر أجملها وينسجها لي

عقداً أزين بالعيد فيه نحري ..

طال انتظاري للعقد .. وطال انتظاري إليك .. وحديثك أصبح بعيداً .. أبعد من حدود الوطن حين تلوح مشتاقة من سماء الغربة .

وجعي أنت .. لا وجع بيَّ إلاَّ أنت ..

هل ألملم شتات فكري وأرسله إليك باقات حنين واشتياق .. قد مللت الحديث في صمتك .. وحرمت على نفسي عذب الكلام في الغياب  ..

هل أرسل حروفي إليك لترتديها  شالاً صوفياً  تتدثر به في ليالي الصقيع .. أم أن حمّى الوطن تسري في دمائك فتشعلها لهيباً .. جمراً .. ناراً .. لا تنطفىء ..

هل أرسل قلبي إليك .. قلبي مرفأك .. القِ إليه بأنياب الغربة التي مزقت لياليك ونهشت حلمك ..

أنا في حيرة من صمتك .. أنا في خوف من صمتك ..

وحدي وأصوات الليل تناديني من كل حدب وصوب .. وصدى صمتك يفجر المكان ويقول لي بحروف هدها التعب : أنا تعبت ..

 أنا تعبت ولا من أكفٍّ في هذا العالم ألقي إليها برأسي المثخن بالأرق .. بالقلق .. بالهواجس .. بالخوف .. فتحتضنه .. وتمسح بأناملها الدافئة ما علق به من خوف .. وتذيب بحنانها ما انسكب فيه قهر .. من ظلم .. من غربة .. من تسكع في موانىء الدنيا دون أن يحتضنني شاطىء واحد لا يعلق على جبيني راية غريب . 

وجعي أنت .. متى يذوب صمتك وترسل إليَّ كلمة واحدة ..

 أنا بخير .. فاطمئني ..  

 

الاثنين، 18 يوليو 2011

أشياء لا تموت .

أشياء لا تموت .
الإهداء .. إلى اسمك الذي حفرت حروفه على جدران القلب قبل آخر رحيل .
هناك أشياء تبقى حية في ذاكرتنا .. في قلوبنا .. في ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا ..
هناك أشياء لا يمكنها أن تموت ..
فليسمح لي اسمك الذي كان يظن نفسه إلى عهد قريب أنه يرقد بين الأموات ..
هناك أسماء لا تموت ..
هذا الزمن غريب الأطوار .. على قسوته الظاهرة على محياه يفترش اللين مساحات واسعة من حدائق قلبه ..
ينثر غبار الطلع على ملامحك فيغيبها قسراً .. ويبعثر الزهور التي كنت تحملها إليَّ في كل لقاء وينثرها على مفارق الطرقات ..
ومع ذلك فهو لا يزال للحظة يحتفظ بك داخل غيمة حبلى بالأمطار .. سيهطل مطرها على حقول السنابل هناك في يوم من الأيام .
هذا الزمن غريب الأطوار ..
يغطي الذكريات الجميلة التي زرعناها أنا وأنت على شرفات تلك الأطلال بشال من الحرير الهندي .. وسقف متين من القش ..
ومع أول نسمة ربيعية تلفح سماء القلب .. وتدغدغ جفون اللقاء .. يميط بكفيه القاسيتين شال الحرير عن عينيك ..
فتراني بوضوح ..
وترى معي صور ذلك الزمن الجميل تتراقص كالبجعات السبع على صفحات الماء .. وترى اسمك يتلألأ من جديد .. كنجمة صيفية حالمة .. لا شيء يثنيها عن الضياء ..
ولا قوة تثنيني عن غزل أطواق الشعر الجاهلي المتمترس على أبواب اللغة قبل ألف أبجدية وعام .. ولفها تعويذة حول عنقك وقلبك لتطهرك من براثن الحسد بعد كل غياب ..
أنتَ أنت ..
أنتَ أنت بعد كل غياب ..
وأسمك يتلألأ في الذاكرة ..لا شيء يمحوه ..
لا شيء يجرؤ أن يمحوه ..
ولا شيء يجرؤ على الاقتراب من ناصيته ..
لكنّي مع كل هذه الحفاوة بك وباسمك لن أدعوك الليلة للاحتفال معي بعيد مولد القمر ..
فهناك أشياء لا تموت حقاً ..
لكنها لا تعيش بين الأحياء أيضاً ..
هناك أشياء لا تموت .. ولا تعيش أيضاً .

سيد المكان

سيد المكان
يا سيد المكان ..
وشت عصفورة النافذة بك ..
أخبرتني كم كنت في حالة اشتياق ..
كم ذابت على لسانك حروف اسمي .. وكم تبعتها تنهيدات وزفرات ..
يا سيد المكان ..
أعددت لك قهوتك السمراء .. ومنفضدة السجائر .. وولاعتك المذهبة .. وأشعلت لفاف سجائرك التي تحترق رائحتها في أنفي منذ أول لقاء ..
كم بقي من الوقت ؟
لم تخبرني عصفورة النافذة كم بقي من الوقت .. تركتني والشوق يغلي بقلبي وهربت إليك .. وأنا كالطفلة التي تتعلم النطق .. تتلعثم الحروف على شفتي .. ترتجف آنية الورد في يدي .. أتعثر بخيالي الذي يسبقني إليك ثم أنهض لأرتطم بجدار الظلال ..
كم بقي من الوقت لأعيد ترتيب الحروف على شفتي وأعيد ارتداء ملامح الفرح على وجهي .. وأعيد تثبيت أناملك على خاصرتي ورجع الفيروزيات يحاصر المكان والمدى ؟
وصورتك على الحائط تنظر إليّ ببراءة .. تضحك على حيرتي .. تمدُّ يدها وتنتشلني من أرضي التي لم تعد قادرة على حملي ..
أرغب في الطيران إليك .. مع أن العصفورة وشت بك .. قالت أنك تسابق الريح إليَّ .. ما الذي أخر الريح في الخارج .. وكم بقي من الوقت ؟
امتلأت رئتاي برائحة سجائرك وغفت الفرحة على ملامحي بعد أن أعياها التعب وأنا أركض من نافذة لنافذة أنتظر الريح التي تحملك ..
أظن أن عصفورة النافذة قد وشت أيضاً بيَّ إليك ..
يا سيد المكان كم أحن إليك ؟

السبت، 16 يوليو 2011

لا أكون أنا !

لا أكون أنا ...
لا أكون أنا إن لم أدع غيمات بوحي تنهمر عليك كزخات المطر ..
تلاحق طيفك الشارد ..
ظلك الهارب ..
خيالك الذي فرّ من مرآة عمري وسكن موجة عابرة من الضباب .
لا أكون أنا .. إن لم أدع غيمات حبي تفترش سماءك ..
تروي شرايينك .. روحك .. قلبك ..
وتنسدل على كتفيك شمسا ً حانية .. تدفئك .. تذيب صقيعك .. تغسلك من برودك ..
تغسلك من جبروتك ..
تغسلك من عنادك ..
لا أكون أنا .. إن لم أسخر بحور الشعر كي تغرق مناماتك .. وتطاردك قوافي الشعر في حضن مخدعك وتختبىء في وسائد فكرك .. وتشغلك إنَّ وأخواتها فتصادر من قلب مقلتيك حروف أحلامك ..
أنا .. أنا قلبي قد روضته على غيابك .. قد تعود غيابك .. قلبي اليوم لم يعد شاطئك لتراقص نوارس البحر على رماله ..
من قال بأني أمنح قلبي للعابثين أمثالك كي يقلبون صفحاته باستهتار ثم ألهو أنا بأثار خربشاتهم وما علق منها وما لم يعلق في هوامش الفؤاد ؟
أنت لم تعد تملي رغباتك على قلبي وهو لم يعد ينتظر منك شارة البدء بحبك ولا شارة
الانتهاء ..
لا أكون أنا .. إن لم أغرقك في بحر حبي كما غرقت أنا .. وإن لم تثمل من نبيذ حبي كما ثملت أنا وإن لم تصرخ ألف أحبك كما صرخت أنا .. لا أكون أنا ..
لا أكون أنا .

يسألني الياسمين ... ؟

يسألني الياسمين ... ؟
يسألني الياسمين ولا أجد جواباً .
بماذا أجيب الياسمين .. وكيف أردها حيرته .. وأسكنها لهفته .. وأنا لا أملك لسؤاله الجواب ؟
يا ياسمين لا تقسو .. ولا تكثر من السؤال .
أنا التي أنهكتني موانىء الغربة وأنهكتُها من وقع خطايَ .. أنا التي أتعبتني شطآن المنافي وأتعبتها وأنا أبحث عن ظل ياسمينة من بلادي أزرعها على وسائد الليل وشاحاً .. أرتديها كل صباح .. وأبكي على أوراقها عند كل اشتياق .
صادقت البحر هناك علَّ أمواجه تأخذني بعيداً إلى غير سماء .. سماء تلمع نجومها لأجلي .. يضيء قمرها لأجلي ويكتب رسائله على جبيني أنا .. ولا يخطىء أبداً العنوان ..
لكن البحر صار غريباً مثلي .. وأمواجه استكانت ونامت في مخدعها .. ولم تعد الشمس تغريها قبلات الصباح .
صادقت العصافير هناك وسمحت لها بالغناء على سرير الأحلام .. واستهلكتُ عمري وأنا أكتبها عنوانينَ لمذكراتي ..
رسمتها شعراً ..
تغنيت بها نثراً ..
وطبعت على ريشاتها أحلى القبلات .
لكن العصافير يبقى حنينها إلى الهجرة يسري في عروقها .. لا يكّفُها عنه ولا تردها أجمل المعلقات .
وجدتك يا ياسمينة غريبة مثلي .. وحيدة مثلي .. تتكئين على جدار آيل للانحناء .. تلتقطين أنفاسك حسب أبجدية أعرفها جيداً وأعرف كيف أقرأ منها العنوان ..
تغطين الريشة في محبرة قلبك .. وتكتبين شعراً يشبهني ويشبه أشعاري التي سافرت معي قبل ألف شتات ..
وأنا التي أتعبتني كتابة الشعر والنثر..
وبُح صوت البوح في أعماقي ..
هل لي أن أتكىء على قلبك قليلاً .. هل لي أن أغرف منه ما ضنت به أمواج البحر وعصافير الشتات ؟
كانت الأيام قبلك غريبة .. واليوم أنا لا حاجة لي بتلك الأيام .. اسقني من محبرة قلبك أنا ما عاد يرويني الماء .
يسألني الياسمين فلا أجد جواباً ..
يا ياسمين لا تكثر السؤال ..
أنت اليوم قلبي ..
وصمت بوحي ..
ومحبرة الأشعار ..
كل الأشعار قبلك كانت خيوط عنكبوت على أوراق هذا الزمان ..
أنت وحدك أبجدية ..
أبجدية لم يكتبها من قبل إنسان .. ولم يقرأها غير قلبي .. فلا تكثر الدلال يا ياسمين .. ولا تكثر السؤال .
أنت أبجديتي الجديدة .. وأنت رأس الصفحة .. وأنت العنوان ..
فلا تكثر السؤال يا ياسمين .. لا تكثر السؤال .

الأربعاء، 13 يوليو 2011

لوحة .

لوحة
تَعشقُ الألوان الزاهية أنتَ .. وتَعشقُ جمع الصور ..
وأنا منذ الصغر أهوى رسم الوجوه ..
الوجوه الناطقة ..
لا يهم إن كانت وجوه ضاحكة .. وجوه باكية .. وجوه باسمة .. وجوه مستبشرة .. وجوه مقهورة ..
المهم أنها وجوه ناطقة .
حتى وجهك الملائكي لم ينجُ من ريشتي ..
لم يسلم من خطوط الرسم المتعرجة حول جفنيه .. وتدفق الألوان على حدائق وجنتيه ..
فقد كانت هوايتي منذ الصغر .. رسم ملامح وجهك ومحادثتها .. وانتظارها بين الفينة والأخرى حتى تظهر لي هاشة باشة من محراب الصور .
كنت أمرُّ على ياسمين وجنتيك في كل مرحلة من مراحل عمري ..
أرشه بالندى ..
وأقتلع ما تجرأ من أشواك بريّة حاولت مدَّ جسورٍ لها من المحبة حول حدائق عينيك .. وقبل أن أغادر أترك بصمة خفية بأنامل ريشتي بين حاجبيك ..
ثم أودع الصورة في محراب الصور .
اليوم بعد أن أطفأت شموع الميلاد وأصبح عمري دهراً من الزمان عدت لأرسم لك بين عينيك همسة بألوان الطيف التي تحب .. ولأضع لك على وجنتيك لمسة ندية بريشتي التي تقطر منها أزهى الألوان ..
أخرجت الصورة من محرابها .. نظرت إليها ملياً كمن يفتش عن عمر تاه منه وسط زحف السنين .. حدقت في الألوان .. ثم دغدغتها بفرحة اللقاء ..
ضحكت الصورة ..
نهضت من محرابها ..
ورفعت إلى عينيَّ عيناها .. ومرّت كلمح بالبصر بأناملها المرتجفة على خدي وطبعت قبلة اشتياق ..
ثم تمتمت متمنية لي أطيب عام ..
نطقت الصورة ..
سمعت صوتها هامساً في يوم عيدي ..
وتواطأت مع همساتها دقات قلبي وتمايلت لها كغصن الريحان ..
لا تهزي قلبي ..
جاءني صوتها محذراً ...
أخشى أن تتساقط رطب قلبي منك وتقع في علبة الألوان ..
إنها رطب قلبي ..
إنها عصية على الألوان ..
هي لك ..
عتقتها دهراً بأكمله .. خبأتها عن عين الشمس القائظة .. وعن ضوء القمر الساهر .. وعن عواصف أيلول الرمادية .. وعن غدر نيسان ..
هي لك ..
ارسميها كما تشائين ..
وإن سألوك عنها ..
قولي لهم وردة جورية نبتت على شرفات العمر..
قولي لهم ياسمينة هاجرت معي من تلك البلاد ..
قولي لهم إنها فراشة عمري .. تحرسني من نظرات الحاسدين .. وغيرة النساء ..
قولي لهم ما تشائين ..
لكنها نبضات قلبي وهبتها لك .. لأنها لك .. خلقت لك .. رقصت لك .. ضحكت لك .. مالت وتمايلت لك .. وما ثارت في يوم إلا لك ..
ما دقت في يوم إلا حين مرت عليها أناملك ذات صباح وداعبتها بريشة زاهية الألوان ..
هي لك مهما كان اسمها ..
فهي صورة في لوحة عمرك تنتظرك في قلبي منذ ألف صباح .

نداءات في جوف الليل.



.نداءات في جوف الليل

أطبق الليل فكيه على ضلوعي .. وجثم كابوس الكآبة على أنفاسي .. ومزق أنين صمتي الشارد أذني الآفاق ..
أين أنت .. طالت غيبتك وطالت غربتي ..
بت أقضم أظافر الأيام من قهري .. من ندمي .. من قلقي .. من خوفي .. من شكي ..
أين أنت الآن ؟
يأخذني الحنين كل ليلة إلى تلك الأزقة فأجوبها بحثاً عن وقع خطاك .. عن بقايا عطرك المهجورة على تلك الأطلال .. عن تنهيداتك
.. زفراتك .. أناتك ..
هل ما زالت معلقة بسماء ذلك المكان ؟
أين أنت الآن ؟
تعبت من عد الجراح وحدي ..
تعبت من مصافحة وجوه الغرباء ..
تعبت من الأحاديث التائهة .. وترتيب الكلمات على السطور .. وتنميق حروف الهجاء !
أين أنت الآن .. اجبني ..
أين أنت الآن ؟
في أية صحراء تمضي .. في أية رمضاء..
أطلالنا باتت أشباحا ً .. ودموعنا تحتضر .. وأجسادنا أبرد من هذا المدى .. والروح مزقتها مخالب الأيام ..
الصمت في شراييني اختنق .. ولهيب زفراتي جمرها أدمى الفؤاد .
أين أنت الآن ؟
تعبت من البحث عنك .. وتعبت من طول الانتظار .. تعبت من ارتداءك بأحلامي كل ليلة والغوص في سراب حبك حتى النخاع ..
تعبت من لملمة سجائرك عن وسادتي وجمع أقصوصات أشعارك والخربشات .. تعبت من وعودك العائمة في بحر النسيان .. تعبت من ندمي .. من إنكاري لك .. من جلد ذاتي بآلاف السياط ..
تعبت من مناجاة صورتك كل صباح ومساء.
أين أنت الآن .. تعبت ..
أين أنت الآن ؟

بورك هذا الصباح .



.بورك هذا الصباح
بورك هذا الصباح الذي حملك إليّ .. بوركت ساعاته التي صافحتَ فيها قلبي على عجل .. بوركت دقائق الوقت التي ترجلت عن ظهر خيلها لتتعانق منا النظرات بعد طول غياب ..
يا أنت ..
يا ظلي الذي لا يشبهني ..
يا ظلي الذي لا يتبعني ..
أما تعبت من ملاحقة خيوط الشمس واستجدائها كي تذيب ملامح القهر التي ارتسمت على محياك .. وتمنحك ملامح البلاد البعيدة ..
ملامح البلاد الباردة ..
ملامح البلاد التي تغرق في ليل هادىء لا ينتظر فجره كليلنا على أعواد المشانق ..
يا أنت ..
يا ظل وطن مقهور ..
كيف ستمحو خيوط الشمس ملامح القهر من محياك ؟
كيف ستذيب خيوط الشمس ما سكبته عذراء من ملامحها في لحظة صفاء لها مع نجوم السماء .. رسمت بأناملها على وجهك جبين وضاء .. أنف شامخ .. وثغر يضيء بثقاب الفرح قناديل الظلام ..
يا أنت ..
يا ظلي الذي لا يشبهني ..
يا ظلي الذي لا يتبعني ..
أما تعبت أن تكون حقيبة موت مفتوحة .. ترحل نحو الموت دون استئذان .. تساوم الموت ..
تقايضه على وطن .. على قبر في وطن ..
على نعش في وطن ..
يا أنت ..
ياحقيبة مفتوحة على الموت ..
ترحل نحو العدم .. نحو التيه .. نحو القهر ..
نحو الموت دون اسئتذان ..
يا أنت ..
يا ظلي الذي لا يشبهني ..
يا ظلي الذي لا يتبعني ..
بورك هذا الصباح الذي حملك لقلبي .. فتعانقت نظراتنا بعيدا ً عن ملامح القهر وحقائب الموت .. بورك هذا الصباح الذي جمعنا ..

الليل .

الليل
تراءى لي الليل بسحره ..
تاقت أذني إلى حديث السهر ..
رسمت على ورقة بيضاء صورة قديمة لك .. وعندما هبط الليل داهمها الحنين كما داهمني .. فأتت إلي تحمل بين يديها قلبا ً وتقول لي .. هنا كانت الحكاية ..
كنت صغيرة جدا ً لا أرى من الليل سوى عتمته .. أنتظر لحظة الشروق بفارغ الصبر كما ينتظرها الصغار عادة ..
لكن ذات ليلة لا تغيب عن البال ظهر لي طيفك ..
كان رقيقا .. حالما ً .. سعيدا ً .. مستبشرا ً ..
عندها فقط رأيت الليل ..
عندها فقط ذقت سحر الليل وسحرحديث الليل ..
فأصبحت أقلب الأيام على عجل .. أطوي شروقها بلا رحمة .. وأعلن عن استقبال الليل في وضح النهار ..
معذورة أنا فلليل دفء بلا خيوط شمس تحرقه .. لليل رطوبة بلا قطرات ماء تبلله ..
لليل سحر ..
ولحديث الليل سحر ..
ولك انت في الليل سحر لا يعلوه سحر ..
تاقت نفسي لليل وحديث الليل وسحر الليل فأتيت إليك ..
وجدتك تغط بسبات عميق .. فأدركت أن على شهرزاد الخلود إلى النوم ...

الغائب الذي لا يغيب .


أيها الغائب الذي لا يغيب

ذات حلم .. ذات مساء .. قلت لي ..أكتبيني في أشعارك .. أرسميني قمرا ً .. نجماً .. شمساً.. وردة .. أكليل غار .. طوق ياسمين .. قصيدة ..
اكتبيني قصيدة ..
أنت شاعرة .. وأنا حرف معتل بحبك .. اجمعيني حروف حب في قصائدك ..
احترت واحتارت حروفي التي لم تعرف الحب يوماً ولم تكتبه في أبجديتها ..
كيف يكون شكل هذا الحب وما هو لونه ؟
هل هو اللون الأبيض الناصع البياض الذي يسطع بياضه في العين فترى كل شيء أبيض زاه ٍناصع البياض .. أم هو اللون الوردي .. لون الورد ..
وانت الذي تحب الورد وتعشق الورد ورائحة الورد وأشواك الورد .. لماذا لا يكون حبك باللون الوردي ؟
وذات حلم وذات مساء وأنا أرسم حيرتي في حبك .. وكيف أتعلم أن أحبك .. كيف أتسلق السلم الموسيقي إلى حبك .. نوتة .. نوتة ..
تناهى إلى مسمعي أنك تعشق اللون الأحمر ..
لقد صعبت عليّ المسألة .. ماذا أرسم لك باللون الأحمر .. وكيف يكون الأحمر هو لون الدم ولون الحب في ذات الآن ؟
حبك حيرني ..
وكيف أحبك .. حيرني أكثر ..
وكيف لا أحبك يقتلني ..
وكيف أنساك وأعود إلى الفراغ .. هو من سابع المستحيلات ؟
أنت تتنقل بين الألوان بسرعة البرق .. بلمح البصر .. قوس قزح لا يستطيع أن يضاهيك .. وفرشاتي المسكينة ذابت أوصالها وتقطعت خيوطها .. وقلبي تعب من سباق الزمن ..
وفوضى الألوان مسحت كل البياض المتبقي في قلبي وأنت غائب .. غائب في لون ما أنا لا أعرفه .. لم أعرفه بعد .. ربما لن أعرفه أبداً ..
أنا و فرشاة قلبي وكل الألوان ننتظر مجيئك ..
وأنت غارق .. ربما في لون العدم ..
كيف أرسم لون العدم ..

كيف أرسم ذلك المساء .. قبل أن تظهر ذات حلم .. ذات مساء .. وتقول لي أرجوك أرسميني حرف حب في قصيدة ..
وأنا التي أضحت حياتي سلسلة قصائد لا تنتهي حتى تصل إليك وتحط رحالها
في قلبك ..
قل لي في أي لون أنت غائب علني أستطيع رسمك أيها الغائب في لون العدم
أيها الغائب الذي لا يغيب .
.

كفي ثقيلة .

كفي ثقيلة .

كفي ثقيلة .. كفي أثقل من أن أرفعها اليوم في وجهك للوداع !
كفي التي كانت تركض إليك قبل أن تستوي الشمس في كبد السماء لتنزع عن عينيك كوابيس الليل .. وتفرش صباحاتك بالياسمين المكلل بالندى .. وتسقيك من كفيها أكواب الأمل وكؤوس الحياة .
كفي التي كانت تحتضن ألمك كما تحضن الأم فلذة الكبد .. فتمرُّ بأناملها الغضة على وجعه القاسي علّه يشفى .. وتداعب وجنتيه الباكيتين علّها تضحك ..
كفي التي كانت تنام بين ظلال جفنيك .. تلملم دمعك حين يفرُّ من مقلتيك لحظة قهر .. وتمسح الآهة قبل أن تبني لها أعشاشاً على أغصان قلبك ..
كفي التي كانت تثبت النهار بين حاجبيك .. وتدغدغ بأناملها المرتجفة خاصرة البسمة علّها تكون عنواناً لك .. منارة لك .. أفقاً لك .. ولا تغادر .
كفي التي كنت تمطرها بقبل الاشتياق عند كل صباح .. تكتب على باطنها برموش عينيك أعذب الأشعار .. وترسم أبجديتك التائهة على ظاهرها .. ورموزاً وحدك تعرفها .. تشرح لنا ما بقيَّ من المشوار ..
كفي أثقل من أن أرفعها في وجهك للوداع .
لم أقلب فنجان قهوتي هذا الصباح .. ولم أقرأ الطالع لأعرف إن كانت الأيام تخفي لي خنجراً مسموماً بين الأوراق ..
تناولت قهوتي على عجل .. وقلبت اليوم على عجل .. وكنتَ أنتَ تستوقفني عند كل محطة وتلقي إليَّ بخبر .. وأنا أرفع القلم بوجهك وأقلب الصفحة..
لكن السّم وصل إلى كفي ..
كفي ثقيلة ..
أثقل من أن أرفعها في وجهك اليوم للوداع . .

لا أتوب !


لا أتوب !

أنا لا أتوب يا أيلول ..
لا أتوب ..
يخدعني الربيع ..
في كل مرة يخدعني الربيع .. ولا أتوب ..
أفرًّ منك يا أيلول بعد أن تعصف بيَّ رياحك المجنونة .. تبعثرني فلا أجد جزءاً مني يلتصق بأخيه ..
حطام تتركني يا أيلول وترحل .. وأنا أغفر لك كل عام رياحك المجنونة وعواصفك التي لا تهدأ حتى تسحب روحي من جذورها وتكتب على جبينها كنتِ مني ولا تزالين .
كنتُ منك .. كنتَ مني .. هذا لم يعد يجدي يا أيلول ..
الربيع ساحر يا أيلول ..
الربيع خادع يا أيلول..
والشتاء بارد .. قارص البرودة .. شمسه غائبة كل الوقت .. ورياحه عصفت بكل من حولي فلم تبقِ لي أحداً ..
ماذا لو هادنت الربيع مرة أخيرة ؟
الربيع كان يتبختر أمامي .. يقدم لي عروضاً سخياً .. شمس حانية تنام على كتفي .. وعصافير ملونة ترقص في صباحاتي .. وفراشات بألوان الطيف ترف في سماء أحلامي .. لا تجرؤ أن توقظني .. لكنها فقط تدغدغ بشقاوتها العذبة نوافذ أحلامي .. وماء عذب أشربه من ينابيع قلبه .. وورود تنحني لي في كل الأوقات ..
وأنا سندريلا يا أيلول أعشق جمع الورود لأمير المساء ..
وأنا شهرزاد يا أيلول أجيد سرد الحكايات على شهريار ..
وأنا شجر الدّر يا أيلول أهوى جمع القلوب لتقديم الطاعة والولاء ..
وأنا بلقيس إن كنت تذكرها يا أيلول كم جاءها من الرسل وكما خاطبها الأنبياء ..
وأنا الخنساء يا أيلول أعشق الشعر المنساب على قلبي كمياه الغدران ..
كيف أرد الربيع إن جاءني عاشقاً .. وألقى على قلبي رسائل السلام ؟
كيف أرده وقلبي أوجعه الظمأ .. وأفزعه ليلك البارد العاصف المصفر الأوراق ؟
خدعني الربيع يا أيلول ورحل دون سابق إنذار .
وأنا لا أتوب يا أيلول أهادن الربيع بعد كل غياب .
أنا لا أتوب يا أيلول .. لا أتوب .
.

الاثنين، 4 يوليو 2011

رسائل إلى أمي .


رسائل إلى أمي
الرسالة الأولىسلام من الله عليك يا أغلى من في الوجود ..
اليوم أشعر بحاجة كبيرة لتبادل حديث الصباح معك .. الأحداث تسير من حولنا بسرعة كبيرة لن تنتظر حتى أعود مع الطيور المهاجرة كي نتجاذب أطراف الحديث على فنجان قهوة الصباح أو على مائدة الإفطار .
لا أعلم لماذا خطر ببالي أحداث الحرب الأخيرة عام ... ربما لأنها كانت آخر الحروب التي شهدناها سوياً قبل سفري ..
تذكرت تجمهركم حول التلفاز وحالة القلق والترقب التي كانت تعتريكم وأنا كنت دائماً أقول إليك اهدئي يا أمي ولا تحلمي بالنصر الأكيد .. لا أشم رائحة النصر قادمة إلينا وأنت تقولين لي دعي عنك هذا التشاؤم .
وبعد أن وضعت الحرب أوزارها ولم ننتصر أتيت لزيارتي يومها صباحاً وجلسنا نحتسي قهوة الصباح قلت لي والحسرة تغمرك معك حق يا ميساء يبدو أن النصر بعيد .. بعيد .. وشردت بعينيك بعيداً عني .. ربما أخذتك الذاكرة إلى سلسلة الحروب التي عاصرتيها في حياتك وكانت جميعها انكسارات وهزائم أدت بنا إلى ما وصلنا إليه ..
شعرت بأنني قسوت عليك حين كنت لا أبثك الأمل والتفاؤل اللازمين ॥ لكنني كنت في حينها أخاف عليك من فرط حالة التفاؤل والأمل التي كانت تعتريك ..وأنا يا أمي كما عهدتني لا أنساق بسرعة وراء أحد ..ولا أحكم على أحد مهما كان مهماً وشجاعاً حتى أرى بأم عيني نتائج أفعاله ..
قد أكون أنا متطرفة في هذا الموضوع وقد أكون أنانية بعض الشيء لأنني دائماً أضع القدس نصب عينيَّ بحيث لا أرى أن هناك أي نصر دون عودة القدس السليبة ..
طالما القدس لم تعد يا أمي فهذا يعني أننا لم ننتصر ..
اعذريني يا أمي فالقدس تعني لي الكثير وحبها في قلبي كحبي إليك بالضبط يزداد كل يوم ويفجره الشوق والحنين وطول المسافات ..
القدس تتآكل كل يوم عن يوم وأنا أصبحت اليوم بحالة من اليأس لم أصلها في يوم .. أشعر أن العمر يركض وملاعب الطفولة لن تنتظرني وباحات الحرم هرمت وشاخت وظهرت التجاعيد على وجنتيها البراقة وأخشى ما أخشاه أنها ما عادت تعرفني ..
صعب يا أمي أن تشعري أنك بهذه الحياة نكرة ..وحدك فقط تعرفين من تكونين ومن أي بلاد طاهرة أتيت والله وحده يعلم متى تعودين وإن كان أصلاً بعد كل هذا العذاب يوجد مخطط للعودة .. أشبعونا وعوداً كاذبة وتنازلات فُضحت وفضَحت معها الكثيرين وأمل العودة أصبح كخيط دخان ..
أمي كتبت إليك اليوم ليس لأبثك حزناً أو قهراً لا سمح الله بل لأقول إليك أنني هذه المرة وضعت الأمل والثقة بجيل الشباب وأن الأمل عاد ينام في مخيلتي ويصحو معي في الصباحات الجميلة ويشرب معي قهوة الصباح وأحدثه عنك وعن الأمل بالعودة لتلك الديار .


الرسالة الثانية
صباح الخير يا أمي .. مع أن هذا الصباح جميل جداً ومشرق ويضحك بملء الفيه لكنني لست مشرقة مثله بالرغم من أنه يغمزني بطرف عينه ويرسل إليَّ قبلات حارة من الإشراقات والضياء لكن قلبي اليوم مقفل عن كل إشراق وضياء ..
اليوم فقط تمنيت لو أن الغد كتاب مفتوح أقرأ فيه كل حرف ..لا أريد أن أعترض عليه ..لكنني أريد أن أعرفه ...أريد أن يهدأ قلبي ..تعبت من الركض في حقول التفكير على غير هدى ودون جدوى ..
فقط أريد أن أعرف بقية هذا المشوار إلى أين ؟
لا أعلم لماذا أشعر أن كل هذا العالم يلتف كأخطبوط حول عنقي .. تكون الأمور في البداية .. في كل بداية متسعة جداً ثم تأخذ بالضيق والالتواء حتى تصبح خانقة جداً وأنا كما تعرفينني يا أمي أكره الأجواء الخانقة وأكره كل من يقيد أنفاسي وكل من يحاول أن يرسم لي خارطة جديدة للشقاء .
أعلم علم اليقين أن الله معي ..ولا يهمني الآخرين مهما اجتمعوا وقرروا .. لكنني أحياناً أضعف وأحس كأي إنسانة على وجه الأرض أن الإنسان مهمته الأولى في هذه الحياة هي بث الحب والعطف والتسامح ولكن هذا الانسان أين هو ؟

هذا الانسان أصبح غارقاً في همه ولا يرفع رأسه عن هذا الإطار .. يعني باختصار يا أمي هذه الدنيا لا يوجد فيها أحد همه على همي أو قلبه على قلبي وفي ظل هذه الالتواءات والتعرجات وكل هذا الضيق لا أرى أحداً .. لذلك أنا يا أمي من هذه اللحظة أضع قدمي على حافة مشوار جديد .. لا أعلم شكل هذا المشوار ولا أعلم متى يبدأ .. لكن كل ما أعلمه أنني حرمت على نفسي أن تفكر بالغد أو أن تستقبله على موائد أحلامها .. فليأت الغد بأي شكل يريده لكن أنا لن أحلم به ولن أنتظره ..
مللت من انتظار الغد الذي أريد وهو لا يريد ..
قبلاتي لك يا أمي ولا تقلقي ..بعد أن أكتب لك سأكون بألف خير ولا تنسي أنك أنتِ وحدك وطني وبعدك لا وطن لنا.

الرسالة الثالثة
مساء الخير يا أمي ..
جاءني صوتك بالأمس قلقاً .. فزعاً .. حزيناً .. ممطراً بالحنين والاشتياق ..
أنا لم أتعمد إخفاء شيئ عنك لكنني أقدر فزعك هذا وقلقك وخوفك .. حتى هذه الرسائل التي أكتبها إليك الآن أخاف عليك من قرائتها ولولا شعوري بالحاجة الماسة لهذه الكتابة وهذه الرسائل ما كنت كتبت .
أنا يا أمُ أقضي ساعات النهار تتقاذفني نشرات الأخبار من كل صوب .. بين مدٍّ وجزر ..وأخذ ورد .. لأستقبل ليلي فتستأسد عليَّ كوابيس الليل .. تنهش أحلامي .. تقلق راحتي .. تفزع ليلتي وتقتل صباحي الذي ينبثق من تلك الليلة .
أراك في المنام وأرى معك أبي .. أراكما بصورة أخرى .. وأنا بينكما في حيرة واضطراب وصراع .. لا أعلم من أين تأتيني هذه المنامات التي تقلقني وتفزعني وتفرش لها مساحات من الحيرة والاضطراب على موائد صباحاتي فأغدو كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً ..
أحلم وأنقض الحلم ..
لأنني لا أجد ما أفعله ..
ليس بيدي أي شيء أفعله ..
فالحلم بعد أن أصبح يتراقص أمام عيني ويغريني بمتعة الاستقرار أخذ يبتعد عني شيئاً فشئياً حتى أصبح كالضباب .. كالسراب .. كالوطن .. ومع كل نشرة أخبار صباحية يفرط عقد جديد من عقود أحلامي ..
في المساء يأتيني الليل .. بآخر الليل الهزيع .. ليميط اللثام عن وجهه ويعرض لي منامات مفزعة .. كوابيس لا تنتهي .. وفي الصباح يأتيني صوتك محملاً بالقهر والشوق والقلق والحنين ويسافر إليك صوتي محملاً بنفس الكذبة ..
لا أعلم إن كنت تصدقين كذبي عليك .. أم أنك مثلي تغزلين هذا الصدق ثم تنقضينه في المساء ليأتيني صوتك يحمل نفس العذاب الأول ويسافر إليك صوتي يحمل نفس الكذبة .
نشرات الأخبار على التلفاز تتوالى على مسمعي .. تنبىء بثورة هنا أو عاصفة هناك وأنا على حافة الصباح أشرب القهوة بلا سكر .. أرتجف من ارتفاع ضغط الدم .. وأكتب حلماً جديداً بعنوان هل أصنع ثورة ؟
ثم أختصر المسافات .. أنهي قهوتي على عجل وأطوي حلمي تحت الوسادة وأركض إليك أصنع لك كذبة صغيرة أحتال فيها على نفسي وعليك وعلى كل من حولي وأتجنب النظر إلى تلك الحقيبة المعدة أقدامها للرحيل منذ عام النكبة ..

الرسالة الرابعة
مساء الخير يا أمي ..
أعذريني ، لم أحادثك منذ أيام .. أخشى أن يفضح صوتي حزني وقهري وسخطي .. أدراي الحزن كما أداري الدموع لأننا على ما يبدو أصبحنا نخاف أن يقرأ أحد الحزن الذي ارتسم على وجوهنا هذه الأيام .
هناك أموراً لا يمكن أن تترجمها الكلمات .. لم تستطع الكلمات أن ترقى إلى مستوى أن تقرأ هكذا نوع من الحزن وتهضمه وترسمه على أوراق بيضاء ليقرأه الآخر فيهز رأسه .. قد يتمتم ببعض الكلمات .. وقد لا يقول شيئاً .. فما يقرأه عادي جداً بالنسبة إليه لأنه ببساطة شديدة هنالك الكثير من المشاعر خلقت لتُحس فقط لكنها لا تقال أبداً ..وإن حدث وقيلت فإنها تبرد وتصبح خاوية وقد تفقد الكثير من معناها وجوهرها لذلك الصمت هنا يكون سيد الموقف لكن الدموع كعادتها خائنة تنزلق وفي أصعب الأوقات .
أشعر بنفسي كلما أردت أن أقبض على شيء يتسرب من بين يدي .. كلما فتحت نافذة لأستنشق بعض الأكسجين يدخل إلى رئتي هواء ملوث يفسد ليس فقط صباحي بل كل نهاري ..
لا أعلم كيف تنقلب الأمور بهذه السرعة الغريبة ؟
لم تعد العصافير تغني على سرير النائمين .. لم تعد توقظني زقزقات العصافير .. ربما كانت هي أيضاً حزينة والهواء الذي يدخل إلى رئتيها حزين ومكسور الخاطر أيضاً ..
ربما توالي الأخبار المزعجة والمناظر المؤلمة جعلها تهجع في أعشاشها بعيداً عن بني البشر وعن طمعهم وحبهم لإفساد كل ما هو جميل وشاعري وينبض بالحب والحياة .. ربما خافت أن تصبح صيداً سهلاً لأطماعهم فيذبحون بريق الأمل في عينيها ويصادرون الفرحة هذا إن لم يقتلوها على عتبات الصباح .
حتى البحر يا أم حزين .. لم يعد ينتظر أحداً ..
والمطر يهطل على استحياء ..
الأشجار تنتفض بشدة .. ربما تحاول طرد هذا الهواء الملوث قبل أن يتمكن منها .. ربما هي محاولات يائسة منها قبل أن تستسلم له ليمزق أوراقها ويفتك بأغصانها وقد يشعلها حطباً لنزواته المجنونة ..
من يقف بوجه الهواء يا أمي ؟
أغلقت نوافذي يا أم ..
قبل أن تقوليها أغلقت النوافذ ..
طالما أن العصافير نائمة حتى إشعار آخر .. والبحر غائب خلف الحزن حتى إشعار آخر .. والهواء هائج مائج ملوث بالحقد والطمع حتى إشعار آخر .. سأبقي النوافذ مغلقة عليّ وعلى قلبي وعلى أحلام المساء .. سأبقي نوافذي مغلقة حتى إشعار آخر ..



الرسالة الخامسة
صباح الخير يا أمي .. الخير الذي أرجوه لك .. الذي أتمناه لك .. الذي أحلم أن يعم عليك وعلينا جميعاً ونغرق في خيره الوفير ..
ولكن متى .. لا أعلم ؟
لم أكتب إليك منذ مدة طويلة .. ليس لأنني لا سمح الله أغفلت ذلك فأنت في قلبي وعقلي ووجداني حتى أنك أقرب إليَّ من حواسي الخمس .. ولكن لأنني أعلم تمام العلم أنك تميزين نبرة صوتي حين تكون متهدجة من الأرق .. وملامح وجهي حين تكون مبعثرة من التعب .. وأنا لا أريد أن أزيد من قلقك .. لا أريد أن أدخلك في عاصفة هوجاء من الأسئلة التي لا أملك عليها أية إجابة ..
ومع ذلك فأنا بخير يا أمي .
الغبار تملأ الأفق .. تتطاير بشراسة من حولي .. كأنها تصرُّ على محو خطواتنا المنثورة منذ دهر بعيد على أرصفة الشتات .. كأنها تحاول طمس ملامحنا المتعبة حتى لا يقرأ العالم سر هذا الهلاك الذي نذوب في شرنقته ولا نتحرر من خيوطه العنكبوتية التي تلتف حول رقابنا منذ تلك النكبة وما تلاها من نكبات أغفل التاريخ تسجيلها لتواطؤ منه معها ربما !
وربما نحن فعلاً أصبحنا على هامش هذا الزمان وحكاياتنا ما عادت من الأهمية لتسطر في كتب ودواين هذا الوقت .. ولا كي يتم تداولها في الصحف الرئيسة ونشرات الأخبار ..
لم أكن أحب أن نصبح نكرة يا أمي ..
لم أكن أحب أن نصبح غير مرئيين من العالم وصوتنا لم يعد يكترث أحد للملمة أصدائه المبعثرة من على أسطح الجوار ..
لم تعد ملامحنا السمراء .. ورائحة الياسمين التي تنام في ثيابنا .. وعبق الزعتر الذي يفوح من أنفاسنا ..
ما عادت تهم أحداً ..
وتلك التربة السمراء التي بقيت هناك تبكي أحبابها وفلذات أكبادها .. تبكي سواعدنا التي اشتاقت أن تداعب مهجة فؤادها .. تبكي قلوبنا التي كانت ترويها بدمع العين .. تبكي خطانا التي كانت تدغدغ الأرض تحت أقدامها فتتراقص الآمال في عيون الأطفال ويرسمون أحلاماً وردية في ليالي الشتاء ويقطفون عناقيد العنب قبل أوانه وينامون في حواكير المشمش حتى تتساقط على وجوههم من ثقل حبات الندى ..
أين نحن يا أمي من كل هذا ؟
أين نحن والذكريات تكبر في كل يوم فتبتلع جزءاً من الفؤاد .. وهذه الرياح الماكرة ما لها ولنا ؟
لماذا تحاول محو خطانا ووقع أقدامنا على أرصفة الشتات ..
لماذا تحاول محو سطور كتبناها بدمع العين وعرق الجسد ..
لماذا تحاول محو ملامح غزت وجنتيها التجاعيد وهي لا تزال تحمل حقائب العودة متجذرة على أرصفة الانتظار .. وقلب جاحد هناك يرفع بغطرسة المحتل في وجوهنا لا بحجم الكون ؟
لا لعودة السواعد الفتية لتلك التربة السمراء ..
لا لعودتي إلى ذلك الحضن كي أقطف ياسمين الصباح بشقاوة الأطفال وأصنع من حباته عقداً جميلاً أهديه لمدرسة الألعاب التي أحبها وأشتاقها لغاية اللحظة ..
أين نحن يا أم من كل هذا .. وملامحي التي أدمنت البكاء .. وصوتي الذي يرتجف من حفيف الشجر .. وحلم بدأ يغيب من سمائي أمضيت عمراً أعدَّ له أجمل الألوان .. فجاءت هذه الرياح الغاضبة تريد بعثرة كل ألواني ..
تريد محو أحلامي ..
ماذا أفعل يا أم بهذه الرياح التي تنثر الغبار في سماء أحلامي ؟
دعواتك يا أمي بمطر وفير .. بمطر غزيز .. يغسل حقد هذه الرياح .. ويضيء الشمس من جديد في فضاء حياتي .


رسائل إلى أمي
الرسالة السادسةصباح الخير يا أمي .. لم أكتب لك منذ زمن .. تجمدت الحروف في روحي وأبت أن تغادر باب شفتيِّ .. ليس لأن كلماتي لا تهبط في قلبك كما تهبط الطائرات الفارة من الحروب الخاسرة إلى مطار آمن .. لا .. ولكني كنت أشفق على هذا القلب كم أزج به إلى متاهات وحارات ضيقة وليالٍ أسوأ ما فيها أن ليلها يأكل جلَّ نهاراتها ..
ومع ذلك صباح الخير يا أمي .
هل أعددت لنا ركوة القهوة كما كنا نفعل في تلك الصباحات الجميلة لأهرع إليك قبل أن يستأذن الصباح في الانتشار على مساحات السماء ..
أركض إليك كطفلة فرحت بدميتها الجديدة لأقول لك هنئيني يا أم فطفلتي اليوم نطقت أول حرف .. طفلتي اليوم برز في فمها أول سن .. طفلتي اليوم خطت أولى خطواتها .. طفلتي اليوم وضعت مشبكاً وردياً في خصلات شعرها .. طفلتي اليوم ترقص أمام المرآة .. طفلتي اليوم تسمع محمود درويش ..
وطفلتي اليوم كبرت يا أمي ..
وأنا لا زلت طفلة .
هرمت يا أم .. في غضون أيام هرمت يا أم ..
أشعر أنني كبرت عشرين عاماً .. لم أعد طفلة مع أن الدمية تنام في حضني كل ليلة .. ولم أعد أمزق لها جدائلها كما كنت أفعل بالسابق ..
أنا كبرت يا أم ولذلك أخفيت عنك أخباري .. لكنك تبقين أمي النور الذي يضيء لي حياتي .. الأمل الذي أتنفسه كل يوم .. الحلم الذي أحلمه كل ليلة .. الحضن الذي لا أشعر بالآمان إلا حين أهبط فيه فارة من أفكار تهاجمني كل ثانية .. تقض مضجعي ..
هل كبرت فعلاً يا أم .. هل ودعت الطفولة .. وهذه الدمية ماذا أفعل بها .. وهل ستعد حقائبها هي الأخرى وتذهب للدراسة ؟
ومع ذلك أعدّي لنا القهوة يا أم فطفلتي اليوم كبرت .. أنا وهي كبرنا .. ولم يعد هناك من طفلة إلا دميتي .. أعدّي لنا القهوة يا أم أنا وطفلتي الكبيرة سنشربها معك ذات صباح حين ينتشر الصباح دون استئذان على مساحات السماء ويمطر وروداً تزين بها طفلتي خصلات شعرها وأزين بها بقية عمري .

حلم

حلم
أنت حلم ..
حلم عذب .. حلم يحتضر .. حلم يذوب ويتلاشى كرغوة القهوة حين أرتشفها من فنجان الصباح ..
لكنني .. لا أستطيع ألا أحلمك !
لا أستطيع استقبال ليلي إن لم تكن أنت طيفا ًملائكيا ًيجوب أرجاء الحلم ..
لا أستطيع مداعبة شفتيّ النهار دون أتلو على مسامعها حلمي بك في ليلة الأمس .. وأرجوها أن تقرأ لي فنجاني وتفسر لي هذا الحلم .
أنت حلم هارب .. في كل لحظة تفرُّ من قلبي .. كم أوصدت عليك نوافذ قلبي .. كم أغلقت عليك الأبواب .. كم كتبتك في حروفي ولونتك في فرشاة الألوان ..
وأخشى .. أخشى أن أكتبك يوما ً في وصيتي ..
يا هذا الحلم الصعب ..يا هذا الحلم المؤرق ..
يا هذا الحلم العذب ..
لا تنته ..
لا تمت الآن ..
موعد موتي لم يحن ..
ولمن أحيا بعدك وأنت عالمي الذي أرسمه كل صباح .. أقضي معه معظم النهار .. أختلف معه .. أخربش على ملامحه .. أقص له أجنحته ..
وفي آخر الليل أجري معه مصالحة .. أعقد معه هدنة .. هدنة صغيرة .. أتوسله فيها ألا يفرَّ مني في المنام .. أتوسله أن يستقبلني في الصباح وأن يشرب من فنجاني وأنا يكفيني أن أشرب من عينيه .. يكفيني أن أنظر في عينيه ..
أن أسكن في عينيه .. أن أموت وأشبع موتا ً في عينيه ..أن أدفن وتتلى على روحي الفاتحة هناك في عينيه وليغلق عليَّ جفنيه ورموشه .. وليخنقني بحبه ولن أستغيث في يوم .. لن أستغيث ..
ولكن لا تفرَّ مني في المنام .. أرجوك .. لا تفرَّ مني في المنام . .

السبت، 2 يوليو 2011

أوراق امرأة

أوراق امرأة
اليوم .. أنا امرأة أخرى ..
اليوم .. سألبي نداء قلبي المتأرجح بين زوابع الانتظار وعواصف النسيان ..
اليوم .. سأتصالح مع أوراقي .. سأسكب عليها مداد قلبي يغلي كقهوة الصباح حين تفورعلى شفتيك .. سأروي ظمأ الأوراق .. سأطفىء لهيب اشتياقها وجمر حنينها إليك ..
سأرسمك على جدران قلبي .. على مدارج السطور سأزرعك على شرفة الحروف .. سأوشح باسمك صباحات كل الفصول .
كيف راودتني نفسي الحمقاء على نسيانك ؟
أية حماقة هذه التي كنت سأسطرها في تاريخ عمري وعمر أوراقي ؟
كيف أمزق وردة تنام بين صفحات دفتري .. تغفو على وسادة السطور .. تلتحف حروف المدّ .. وتتدثر بتنوين الضم وعلامات السكون ؟
اليوم أفقت عليك تداعب أنفي بوردة حمراء كتلك التي كنت أنا وأنت نقطف ورودها في لحظات الجنون .. ألقي إليك بأوراقها .. فتلقي إليّ بقلبك مسطر بعذب الحروف .. أذوب أنا فيها .. أغيب عنك .. ألملم ما تبعثر من أنفاسي ..
كنت حمقاء حين كنت أخفي عنك رغبتي بالمزيد .. حين كنت أخفي هالات الحبور التي كانت ترتسم في بؤبؤ عيني لحظة العناق مع الحروف ..
اليوم أنا نضجت .. المرأة بداخلي نضجت .. الأنثى بداخلي نضجت .. عواصف النسيان رحلت عن فكري ..
تصالحت مع الحلم ووعدني أن ينتظرك ..
في المساء .. في الصباح .. في الظهيرة .. قبل الغروب .. بعد الغروب .. في ساعات السحر قبل موعد الشروق ..
تصالحت مع الحروف .. وعدتها أن أرسلها في كل ساعة إليك .. في كل دقيقة .. في كل ثانية ..
ستطوقك الحروف بذراعيّها المحبة وتعانقك .. فأنى لك منها الهروب ؟
تصالحت مع أوراقي .. وعدتها بأن أرسمك ليس فقط على جدران قلبي وفكري وخيالي .. إنما بين السطور وفوق السطور وتحت السطور .. في الهوامش والزوايا .. بين الجمل .. فوق جميع علامات الاستفهام ..
أنت اليوم خارج علامات الاستفهام .. أنت اليوم في عقر قلبي وبين ذراعيّ .. حتى لو زرعتَ خيمتك باب دارها وأطلت المكوث ..
أنت منذ اللحظة قلبي ..
ولن تغادر قلبي .. لن تغادر أوراقي ..
لقد استدعيت الحلم .. أنت منذ اللحظة فارس أحلامي .. فاشهدي عليّ يا حروف .. واشهدي يا أوراقي . .

خطوة .


خطوة

مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة .. وأنا يفصلني عنك كم ألف ميل ؟
كم ألف خطوة أحتاج كي أقترب منك أكثر فأكثر .. كي أتوحد فيك .. كي أكون أنت .. وتكون أنا ؟
يا من خُلقتَ لي .. وخُلقتُ لك .. يا من خُلقتَ لأجلي وأنا ما خُلقتُ إلا لأجلك  .. كم تُهتُ من قبلك .. وكم تعثرت .. وما ظننت في يوم أنك هنا في باب القلب تقف ؟
أمتطي رحلة التيه في شرق الأرض .. وأعتلي صهوة الغياب في غربها  .. أبحث عن طيفك المزهو في وجوه  مصفرة .. أتأمل ابتسامتك الساحرة عبر وجوه كالحة !
أعلمُ أنني على موعدٍ معك .. منذ ولدت .. منذ خُلقت .. منذ عانقت أنفاسي هذه الحياة  .. وأنا على موعدٍ معك .. وأنتظرك .
أبحث عنك تارة .. ويحتلني اليأس مرات ومرات  .. أتعثر في خطواتي ..
أسترسل في حماقاتي ..
وأبررُّ لنفسي .. " كل شيء في سبيلك يهون " .
أبتعد وأقترب وألتف على هذا الكون بكل ما أمتلك من مهارات أنثى .. ولا أجني سوى خيبات الأمل .. وعندما يقتلني اليأس أمنِّي نفسي بأنك كنت تستحق هذه المغامرة ..
وأن جميع انكساراتي .. وجميع انهزاماتي في البحث عنك هي انتصارات .. وأنني سأتوجها بك .. بالعثور عليك .
وتمرُّ أعوامٌ .. بأيامها .. بلياليها .. بفصولها .. بحزنها .. بفرحها ..
وأنا لا زلت أنتظرك ..
أبحث عنك ..
أغامر .. أتعثر .. ألوم نفسي .. أؤنبها ..
ثم أمنيها بك ..
وأنت هنا ببابي ..
ولكن يفصلني عنك ألف .. ألف خطوة .
أنا خطوت أول خطوة في انتظارك ..
منذ ولدت في هذه الحياة وأنا أخطو الخطوة الأولى .. وهذه أثار أقدامي على رصيف الحياة تشهد بذلك .. وخيالات العمر الماضي تشهد بذلك .. واليوم أنا مصرة على أنني سأخطو الخطوة الأولى نحو رصيف قلبك ولو كلفني الأمر أن أستعير عمراً آخر أقضيه في البحث عنك .. فمشوار الألف ميل يبدأ بخطوة .