ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الخميس، 26 مايو، 2011

صباح الياسمين

صباح الياسمين

لن ألقي بمفردات اللغة جزافاً ॥ ولن أسجل تواريخاً وهمية لا قيمة لها ولا معنى ॥ ولن أقول أيضاً من هنا فليكتب التاريخ أول حروفه ومن هنا فلتُسطر جميع العناوين ॥
سأدع اللحظة تكتب نفسها بنفسها ..
تكتب نفسها بياسمينها وصباحها الذي أمطر يوماً بالياسمين .
كان يوماً من أقصرأيام العمر .. يزحف ليله البارد على نهاره المشمس فيقضم منه كل ما هو عذب وجميل ومشرق ودافىء .. كان يوماً وجلاً .. مترقباً .. زاحفاً يحمل عبء الأيام على كتفيه ويجر سنين العمرعلى عضلات قلبه ..
كان يوماً مهملاً .. مغفلاً من حسابات البشر .. معلقاً على جدائل النسيان .. مطروحاً من جميع ثمار الحياة وفاكهة الصيف المنتظر ..
تناولته بيد ترتجف من البرد وقلب مات قلبه منذ دهر .. كان هناك ينتظر على رف من رفوف مسجاة طالتها عنوة براثن الهجر في مفكرة هذا الزمان .. وألقيت إليه دون أن ألتفت إلى ملامحه إن كانت تراني وأنا ألقي إليها بعضاً من الكلمات الباردة .. تمتمات شاردة من ذيل ليلي الذي يغمره صقيع الوحدة والضجر وتكسو أشجاره ثلوج الارتياب من كل ما هو مشع وبراق .
لم أكن أدري أن الياسمين له أوراق كباقي الزهر .. لم أكن أدري أن الياسمين له أوراق خضراء يستريح على أكفها ويستظل بظلالها .. لم أكن أصلاً أهوى جمع أوراق الياسمين في دفاتر مذكراتي أو نقش اسمي عليها قبل أن أرسلها إليك في رسائلي مخفورة بعبارات الشوق التي لا تنطفىء ..
كل ما كان يهمني من الياسمين أن أجمع عبيره بين كفيِّ حين آتيك للقاء ..
كل ما كان يهمني هو أن تشم عبير الياسمين تنبعث نسائمه من ضفيرة قلبي حين كانت تهجع مستكينة بين نبضات قلبك في لحظات المساء ..
كل ما كان يعنيني هو أن تكتبني ياسمينة لا تذبل في مفرداتك ..
كل ما كان يهمني هو أن أتسلق شرفات قلبك بنرجسية لا تذبل قبل أن تصل إليك أعناق ورودهن الفواحة وأذبل أنا من فرط الانتظار وغيرة النساء التي كانت تأكلني
قطعة فقطعة حتى تحولت لسطر ذائب في ورقة إصفرَّ لونها ولم يعد بانتظارها إلا أيلول عاصف يلقي بها إلى حدائق النسيان .
كيف جادت بك السماء ذات صباح وأمطرت على حدائق قلبي ياسميناً حقيقياً لا يذبل ..
كيف نبتت أوراق الياسمين في قلبي من جديد ..
كيف غابت كل التواريخ الكاذبة من مخيلتي ..
وكيف أصبحت صورتك باهتة جداً أمام ياسمين السماء ؟
كل هذا لا يهم ..
ما يهم الآن أنني لم أعد أغتسل بالياسمين حين أحضر لللقاء .. ياسمين السماء نبتت أغصانه داخل حدائق الروح وأصبحت تزهر أوراقه في كل صباح ..
في كل صباح أصافح ياسمينة جديدة لا تذبل ..
في كل صباح أعانق أوراق الياسمين وأكتب عليها تاريخاً لا يرحل عن ذاكرة الشرفات .. في كل صباح أواعد ياسمينة لا يذبل عبيرها حين تشرق عليه شمس الورود الأخرى بل يذوب عطرها على شرفات قلبي التي لم يعد لديها ما يهم سوى انتظار هذا الصباح .
كل ما يهم الآن هو انتظار صباح الياسمين .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.