ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الثلاثاء، 31 مايو 2011

حبات المطر


حبات المطر

عادات لا أتركها منذ الصغر .. جمع حبات المطر في كفي .. ولعق فنجان قهوة الصباح برأس الأصبع ..
هذا حين كنت طفلة غرّة لا تدرك من جماليات الحياة شيئاً .. حين كنت طفلة تهرب من شبح الانكسارات والهزائم التي رافقت مولدها إلى حضن الأمان في قعر الفنجان ووسائد الراحة على أكف حبات المطر ..
وكانت هذه هي أجمل عاداتها ..
وأحلى أمانيها .
كبرت الطفلة ونضجت وأصبحت امرأة لا يشق لها غبار .. امرأة تشرب القهوة كل صباح دون أن تخشى عين الرقابة .. فالقهوة في عرف الشرق ممنوعة للصغار وعادة غير مستحبة لهم .. لذلك كانت تحاك بحبال سرية بعيداً عن عيون الكبار المتوجسين قلقاً وخوفاً من رشفة القهوة ..
كنت أتسلل كل صباح إلى غرفة الجلوس وأنتظر في حضن أمي ريثما تنتهي من شرب قهوة الصباح مع أبي ثم أسرق الفنجانين وألعق ما تبقى في قعرهما وأتسلل بعدها إلى فراشهما الدافىء لأكمل رحلة النوم بعد شعور بالغ بالأمان .
اليوم وأنا أجمع عاداتي وأحصيها وجدت أنني أعد قهوة الصباح بنفسي .. نعم .. لكنني تركت عادة جمع حبات المطر في كفي ..
بل أكثر من ذلك لطالما تعمدت أن أواجهها بمظلة تقيني منها .. وكأنها شر مستطير يقع على رأسي وليس خيراً وفيراً يغسلني من حزن تراكمت فصوله ذات صيف جائر .
نكتشف أحياناً بعد أن أصبحنا نساءً لا يشق لهن غبار .. بعد أن أصبحنا نساءً تشرب القهوة دون وجل .. وتتلذذ بها على الملأ .. بل وتواعد فناجين القهوة على الشرفة وفي الحديقة وعلى ضوء القمر .. نكتشف عادة جميلة جداً وهي كيف لم يخطر لنا في البال يوماً أن نشرب القهوة مع المطر .. كما لم يخطر في البال يوماً أن أجمل عادة في الدنيا كانت هي جمع حبات المطر .
اليوم فكرت أن أدعو حبات المطر إلى فنجان قهوتي .. اليوم أريد أن أعود لعادتي منذ الصغر أن أجمع حبات المطر في كفي وأن أغتسل بها من حزن قديم عصف بيّ ذات صيف جائر .. أن أغسل وجهي بحبات المطر .. وأن أرشها كاالعطر على ملامحي علها تنتعش وتصحو من سبات طالت إقامتها الجبرية فيه .. وأن أمسح عن عينيِّ غشاوة ألمت بهما لدهر من الزمن وأن أوكد لهما أن ما تريانه الآن صحيحاً وليس هذياناً من وقع المطر ..
وأنك لست طيفاً يتراقص على صفحات الخيال .. ولست وهماً من الأوهام التي أرتديها في نزهات البوح الربيعية كي تمنحني بعض الاستمرارية في هذه الحياة ..
أنا اليوم عدت لعادتي القديمة .. جمع حبات المطر في كفي .. أنا اليوم أواعد حبات المطر .. أنا اليوم أواعد حبات المطر وأدعوها لتلعق معي برأس أصبعها قعر فنجان قهوتي ..

الخميس، 26 مايو 2011

صباح الياسمين

صباح الياسمين

لن ألقي بمفردات اللغة جزافاً ॥ ولن أسجل تواريخاً وهمية لا قيمة لها ولا معنى ॥ ولن أقول أيضاً من هنا فليكتب التاريخ أول حروفه ومن هنا فلتُسطر جميع العناوين ॥
سأدع اللحظة تكتب نفسها بنفسها ..
تكتب نفسها بياسمينها وصباحها الذي أمطر يوماً بالياسمين .
كان يوماً من أقصرأيام العمر .. يزحف ليله البارد على نهاره المشمس فيقضم منه كل ما هو عذب وجميل ومشرق ودافىء .. كان يوماً وجلاً .. مترقباً .. زاحفاً يحمل عبء الأيام على كتفيه ويجر سنين العمرعلى عضلات قلبه ..
كان يوماً مهملاً .. مغفلاً من حسابات البشر .. معلقاً على جدائل النسيان .. مطروحاً من جميع ثمار الحياة وفاكهة الصيف المنتظر ..
تناولته بيد ترتجف من البرد وقلب مات قلبه منذ دهر .. كان هناك ينتظر على رف من رفوف مسجاة طالتها عنوة براثن الهجر في مفكرة هذا الزمان .. وألقيت إليه دون أن ألتفت إلى ملامحه إن كانت تراني وأنا ألقي إليها بعضاً من الكلمات الباردة .. تمتمات شاردة من ذيل ليلي الذي يغمره صقيع الوحدة والضجر وتكسو أشجاره ثلوج الارتياب من كل ما هو مشع وبراق .
لم أكن أدري أن الياسمين له أوراق كباقي الزهر .. لم أكن أدري أن الياسمين له أوراق خضراء يستريح على أكفها ويستظل بظلالها .. لم أكن أصلاً أهوى جمع أوراق الياسمين في دفاتر مذكراتي أو نقش اسمي عليها قبل أن أرسلها إليك في رسائلي مخفورة بعبارات الشوق التي لا تنطفىء ..
كل ما كان يهمني من الياسمين أن أجمع عبيره بين كفيِّ حين آتيك للقاء ..
كل ما كان يهمني هو أن تشم عبير الياسمين تنبعث نسائمه من ضفيرة قلبي حين كانت تهجع مستكينة بين نبضات قلبك في لحظات المساء ..
كل ما كان يعنيني هو أن تكتبني ياسمينة لا تذبل في مفرداتك ..
كل ما كان يهمني هو أن أتسلق شرفات قلبك بنرجسية لا تذبل قبل أن تصل إليك أعناق ورودهن الفواحة وأذبل أنا من فرط الانتظار وغيرة النساء التي كانت تأكلني
قطعة فقطعة حتى تحولت لسطر ذائب في ورقة إصفرَّ لونها ولم يعد بانتظارها إلا أيلول عاصف يلقي بها إلى حدائق النسيان .
كيف جادت بك السماء ذات صباح وأمطرت على حدائق قلبي ياسميناً حقيقياً لا يذبل ..
كيف نبتت أوراق الياسمين في قلبي من جديد ..
كيف غابت كل التواريخ الكاذبة من مخيلتي ..
وكيف أصبحت صورتك باهتة جداً أمام ياسمين السماء ؟
كل هذا لا يهم ..
ما يهم الآن أنني لم أعد أغتسل بالياسمين حين أحضر لللقاء .. ياسمين السماء نبتت أغصانه داخل حدائق الروح وأصبحت تزهر أوراقه في كل صباح ..
في كل صباح أصافح ياسمينة جديدة لا تذبل ..
في كل صباح أعانق أوراق الياسمين وأكتب عليها تاريخاً لا يرحل عن ذاكرة الشرفات .. في كل صباح أواعد ياسمينة لا يذبل عبيرها حين تشرق عليه شمس الورود الأخرى بل يذوب عطرها على شرفات قلبي التي لم يعد لديها ما يهم سوى انتظار هذا الصباح .
كل ما يهم الآن هو انتظار صباح الياسمين .

الاثنين، 23 مايو 2011

الوعد يا أبتي






والوعد يا أبتي


وعدني أبي حين كنت في الثامنة من عمري بأنه سيشتري لي فستانا ًبعشرة دنانير عندما نرجع للقدس ،وكنت كل يوم اسأله هل سنرجع ؟ فيقول لي : أينعم سنرجع يا ميساء ..وأعود وأسأله والفستان ؟ فيجيبني :سأشتري لك الفستان ..وأحلم كل ليلة بالعودة وأحلم بالفستان ، ترى ماذا سيكون لونه ؟ أحمر ، أم أصفر ، أم وردي ؟।أنا أحب اللون الوردي ، أعشق اللون الوردي ، إذا أريده فستانا ًورديا ً بحزام طويل أعقصه إلى الخلف كالصبايا وأريده فضفاضا له أكثر من طبقة ؛حين أركض يطير معي ويرفرف من حولي كالأميرات ।وصرت أتخيل نفسي كل ليلة الأميرة التي تطير بفستانها الوردي لتجوب حارات القدس وأزقتها كما تعودت أن تفعل منذ سنين وهنا انتابتني الحيرة فمن أي باب للقدس سأدلف ؟هل سأدلف إلى قدسي من باب الساهرة ؟أم من باب الأسباط ؟ إن دلفت من باب الساهرة فهذا يعني شراء أصابع البسكويت المالح اللذيذ الذي اشتقت له ،وإن دلفت من باب الأسباط فهذا يؤكد حتمية شراء أصابع الاسكيمو بالليمون أو (الكازوز )وهنا سال لعابي لمجرد تخيلها ، وحلمت أيضا ب(حارة السعدية ) حيث كنت أبتاع ( رأس العبد )بسكويت بالشوكلاته أيضا ًلذيذة وأشتهيها للآن ..وبقيت في صراعي مع أحلامي حتى كبرت وبدأت أحلامي تتلاشى شيئا ً فشيئا ً، وبدأت أنسى أبواب القدس وتغيب عن بالي ملامحها وأخذتني الأيام ।وعندما عدت قبل عام قلت لأبي مداعبة آما زلت تريد شراء الفستان لي ؟ فقال لي : أينعم إذا رجعنا ، فقلت ولكن العشرة دنانير لا تكفي لشراء فستان دمية وليس امرأة مثلي ؟ فأجابني وهو يقهقه من الضحك : الوعد وعد يا ميساء وغمرته بقبلاتي وحملت حقيبتي ॥ سافرت من جديد .



























الثلاثاء، 17 مايو 2011

جرار العسل

جرار العسل


لو كانت ليلى تدري ..
لو كانت ليلاي تدري أن قيس بن الملوح بالباب .. يشكل من حبات الياسمين قصائده وعند غروب الشمس يلقهاعلى قلوب العذارى فترتد إليه مخفورة بالحسان ..
هل كانت ليلاي ترسلني وقيس بالباب لأملأ لها الجرار بالماء ؟!
قالت لي ونظرات الحيرة تسكن مقلتيها .. ورود القبيلة عطشى .. والأزهار تراود نفسها الخضراء على الذبول .. لا ماء في القبيلة يروي عطشنا .. وعين الماء تبكي في الجوار .. ترجونا أن نملأ الجرار ونسقي عطش القبيلة ..
فهلا لبيت النداء ؟
ليلى وما أدراك ما ليلى فلحظ سهامها ترمي قلوب فرسان القبيلة وهي معتكفة في خيمتها تلملم أوراق الورد على وسادة الليل .. تصنع حلماً غريباً ..
ترسم على صفحات الحلم فارساً مغواراً .. يحمل سيفاً من العصور القديمة .. يتسلق النجوم .. يقطع الصحراء .. يمزق الضباع ..
ويعود إليها ذات مساء يحمل بين يديه قلب الوطن السليب .
في كل ليلة تنام ليلى على وسادة الحلم وتنام معها أوراق الورد الحالمة وسيف الفارس الذي لا يسكن غمده .. وأنات الوطن الجريح تذرع بقوة شوارع المنام .
جرار الماء تستغيث وعين الماء سلسبيلاً وسبيلاً .. تسألني أن أمرَّ بتلك الديار ..أن أملأ الجرار .. وأن ألقي السلام .. وأن أحيي فارس الفرسان قيس بن الملوح .. قرب تلك الغدران .
قيس مات قبل ألف دهر .. هكذا قالوا لي فكيف ألقي السلام على من مات وشبعت عقارب الموت من أشلائه وجسده .. وحدها قصائده لم تمت .. تآكلت حوافها .. لكن قلبها بقي حيّاً ينبض بالحياة .. يستلقي على حائط القبر .. ينتظر يداً حنونة تضع عليه إكليل سلام ..
قلت سلام قيس بن الملوح .. سلام عليك وعلى شعرك وعلى ليلاك وعلى القبيلة ..
نفض قيس عباءة الموت عن جسده ورد قلبه عليَّ السلام .. ونهض من موته يحمل إليَّ بين يديه أعذب الأشعار.. يا قيس أنا جئت أملأ الجرار بالماء ولم يكن قصدي الشهد الذي ينداح من هذه الأشعار ..
لو تدرين يا ليلى .. لقد ملأت جرار الماء بالعسل فهل تفهم ورود القبيلة لغة الشهد أم أبقى حيث أنا أسيرة الشعر .. أسيرة الشهد المنداح .. أسيرة قيس بن الملوح أمير الشعراء .. وللقبيلة رب يحميها .. وما أكثرها عيون الماء .

الاثنين، 16 مايو 2011

يا زهرة المدائن يا قدس .

يا زهرة المدائن
يا قدس
***
يا زهرة المدائن .. يا قدس .. يا أسطورة عشق ٍ أبدية .. يا حكاية حب ٍشامخة شموخ السماء في أعين المبتهلين إلى الله .. متدفقة كجدول ماء حفر أخاديده في كفيّ فقير يقرأ فيهما طالع العمر المتسلل برفق من بين خيوطهما فينسج قدرا ً مجبولا ً بالكرامة وعرق الأوفياء .
***
شاهدتك في عينيّ طفلة تتصفح بلهفة وشغف أوراق المدى .. تتلو ما أبرق في جبينه من أشعار تصاعدت مع نسائم الحرية نحو الأفق البعيد تنشد غيمة تهطل من نافذة الشتاء مطرا ً وسنابل قمح ورسائل أحباب .
***
حملتك في قلبي ..غصن زيتون ..علما ً.. اسما ً.. عنوانا ً لي حينما صادروا مني عنواني .. هويتي .. ملامح وجهي ورسموني في جبين الأيام نكرة مقصودة ورسموك في خارطة التاريخ علامة إستفهام .
***
نثرتك على صدري .. طفولة منسية على عتبات العمر حين عبثت أياد ٍ غريبة في خارطة التاريخ وزرعت لها وتدا ً ماكرا ً فطر قلبك الطاهر نصفين .. نصف تعلق بذيل ثوبك .. يركض معك في روابيك .. يصعد المآذن ويكبر للصلاة .. ونصف تبعثر خلف الأبواب .. يسجد دون موعد صلاة .. يطوف حول قلبك .. يرجم إبليس بسنوات الضياع ويقبض بفكيه على جمرة
المفتاح .
***
رسمتك في مخيلتي صورا ً لقدس عظيمة على مرّ الأزمان .. توالى عليها الأعداء .. تناحر الجميع في ساحاتها .. فغرقت مآذنها وكنائسها بالدعاء .. وسال دم الشهداء من جنباتها فروى ثراها قبل أن ترتقي أرواحهم تعانق النجوم في رحلة الفداء .
***
يا زهرة المدائن .. كوني قدسنا .. كوني تاريخنا المعطر بأريج البرتقال .. كوني علما ً يرفرف على جبين السماء .. تاجا ًً تتزين به عواصم الدنيا .. كوني قاموسا ً لأبجدية حرة لا تمحى .. منارة ً لخطى ثابتة لا تضل .. وساما ً على صدر تاريخ لا ينسى .. كوني قدسنا .
***
افتحي ذراعيك لإستقبال المجد القادم إليك واحتفي به حفاوة الفاتحين .. لا تغمضي عينيك بعد اليوم .. لن تكوني إلا زهرة المدائن .. لن تكوني إلا القدس على مرّ الأعوام والعصور .
***
فليلملم أعداؤك حقائبهم وليرحلوا عن أرض الطهارة والقداسة .. عن أرضك .. وارجميهم بلا شفقة بحجارة حقدهم وأوصدي في وجوههم كل الأبواب .. زهرة المدائن لن تكون إلا القدس .. لن تكون إلا عاصمة لكل العوالم .
يا زهرة المدائن .. يا قدس ..


كم أنت بعيد يا أقصى ؟!

كم أنت بعيد يا أقصى ؟!


أربعون عاما ً وأنا أراك أمامي ، أربعون عاما ً وأنا أسمع صوت المآذن يرن بأذني ، أربعون عاما ً وأنا أرى جموع المصلين تنحني وتركع، تسجد وتسبح।
كان يخيل لي أني إن رفعت هامتي قليلا ً ستراني ، كان يخيل لي أنه إن ارتفع صدى همسي قليلا ً ستسمعني ، كان يخيل لي إن مددت طرف إبهامي سألمسك ، كان يخيل لي انك تبحث عني في كل الوجوه وتنتظرني مع إطلالة كل صباح .
اليوم فقط أدركت كم أنت بعيد يا أقصى ، وكم أنا أبعدت ، اليوم فقط علمت بأنني لو رفعت هامتي إلى حدود السماء لن تراني ، وإن مزق صوتي أذن الفضاء لن تسمعني ، وإن مددت إبهامي وكل أصابع يدي لن ألمسك ، اليوم فقط أدركت أني كنت أرى الوهم وأسمع الوهم وألمس الوهم وانتظر الوهم وأن جدارا ً أكبر مني ومن أحلامي ومن أوهامي يفصلنا.
اليوم فقط استوعبت أن جزءا ً مني محتل ، جزءا ً مني يرزح تحت نير الاحتلال ، اليوم أدركت أن العودة بعيدة ..بعيدة جدا ًوأنك اليوم أبعد من كل يوم.
اليوم غادرني الأمل بالعودة إليك ، اليوم فقط شعرت بغربتي الحقيقية ، اليوم تذكرت صورتك في أخر لقاء وأيقنت أنها كانت لعبة الطفولة وضاعت مع الأيام ، اليوم أدركت واقتنعت بأني كبرت ولن يجديني الركض في جنباتك واللعب داخل أسوارك ولن يجديني الانتظار على سلالمك حتى يفرغ الأحبة من صلاة الجمعة لاصطحابي في نزهة صيفية في ربوعك ، ولن ينفع أن أجلس أنا وأترابي نعد رؤوس المصلين حتى نعرف كم يبلغ عددهم ونحن لم نكن نجيد العد سوى على أصابع اليد .
لم يعد ينفع الانتظار يا أقصى ولم يعد يجدي ،ذهب الذين لم تكن الدنيا تشبع من حديثهم،ذهبوا بصمتهم طواهم الصمت ، طواهم الموت ، ولم يعد يجدي الانتظار يا أقصى ، لم يعد يجدي ، سامحني يا أقصى أنا وعدت بالعودة لكن هم لم ينتظروا، أنا وعدتهم لكن هم لم ينتظروا ، سامحني يا أقصى أنت اليوم أبعد من كل يوم ، أنت بعيد يا أقصى، كم أنت بعيد يا أقصى .

فلسطيني أنا

فلسطيني أنا


فلسطيني أنا .. فلسطيني المولد والنشأة ، يسري في عروقي بحر يافا وحيفا ، وتزهر في قلبي بيارات الكرمل وأريحا ، وعلى جبهتي تعلو مآذن الأقصى وتصدح أجراس الكنائس وتحيا ،
من عينيّ تنطلق شرارة الحب والثورة وعلى أكفي تنام أضرحة الشهداء وقدمي مغروسة في الأرض منذ ألاف السنين لم تهزَ ولن تمحى .
صامدٌ أنا كنخلة يكاد شموخها يلامس أقبية السماء ، صامدٌ أنا وعلى صخرة قلبي تتكسر مجاديف الريح وتهوي ، تستأذنني في هبوبها من شرقها لغربها ، حين تزمجر هادرة وحين تصفو .
اقتطعوا من قلبي اليافع حلمه وألقوه في فم جائع ، استرضوا الغربان السود من حضني أنا وتركوا كلّ هذا الفضاء الشاسع ، لكني لم أيأس ولم أستسلم إنما ضممت إلى صدري ما تبقى مني مجروحا ً ممزقا ً صامدا ً وظللت ُعليه بأشجار العزّ الوارفة وداعبت شعيرات أنفه بأكاليل الياسمين والغار الباسق.
لا تبك يا طفلي .. لا تبك .. مهما حاولوا تغيير لون وجهك الوردي ، مهما حاولوا تجفيف قطرات الندى من مسامات جبينك الندي ، مهما حاولوا تمزيق حلمك وتشتيته على مرّ الأيام والسنين ، مهما حاولوا يا حبيبي فأيديهم الطويلة قصيرة جدا ً أمام سورك العظيم ، وفحيحهم مهما عربد وعلا مواء قطة على باب العرين .
قم إليهم الآن ، انفض عنك عباءة القهر ، اخلع عنك ثوب الظلم ، مزقه بأنيابك وألقه في وجوههم علهم يبصرون ، لا تدعهم ينبشون جرحك الغائر بمديهم ألف مرة ، ولا تدع أظافرهم (السليلة ) تحك لك وجع السنين ، لا تنادي عليهم ، لا تلفظ أسماءهم فقد سقطوا كأوراق الخريف .
قم يا حبيبي وأخرج إليهم ، أفزعهم في أحلامهم ، أيقظهم من سباتهم ، قم يا حبيبي فأنت الفلسطيني منذ الأزل وإلى الأبد ستبقى وتبقى لك فلسطين .

القدس عروس عروبتكم

القدس عروس عروبتكم

القدس عروس عروبتكم تعبت من كلماتكم يا معشر الشعراء ، تغيب في أفق سرمدي لا ينجلي له صباح وأنتم تغرقون في بحور الشعر
وتنسجون قوافي للكلمات ، حروفكم لم تعد مقروءة ، حروفكم باتت مبهمة لمدينة تصادر فيها لغة الضاد.
تنادون بالتحرير وأسراب الحمائم تصل إليها مذبوحة من الأعناق .
تتغنون بأشجار الليمون والبرتقال وأصابع الطغاة غيرت تضاريس الدار .
تعتصمون خلف مسميات وشعارات وأصابع الطغاة تمحو كل أثر للحضارات .
لم تعد قوافي الشعر تسند أركانها المتصدعة
ولن تستطع أبيات الشعر أن تأوي إليها من بالخيام.
لن تعزف ألحانكم الندية أذان الجمع ولن تصدح بها أجراس الكنائس بالآحاد ، ولن تخرج زفراتكم المتحشرجة في الصدور من سكن بها واستوطن من الغرباء ، كلماتكم العذبة لن تغسل الذل والمرار ، ونداءاتكم لم تستطع اختراق حاجز الصمت الذي تحرسه الغربان.
فتشوا في كلماتكم التائهة عن حروف تستطيع التحليق في افقها
المجهول ،ابحثوا في سماءكم عن منارات تضيء ليلها الطويل،
ابحثوا في عروبتكم عن قلب وفي ما زال يرى القدس تلك الخميلة
من خمائل الجنة حيث تغرد فيها البلابل الحرة،ويعلوا فيها صوت المآذن دون أن تكمم فيها الأفواه ،وتقام فيها الصلاة دون أن تحرسها
قوافل الطغاة ،فالقدس عروس عروبتكم تعبت من كلماتكم يا معشر الشعراء.

الخميس، 12 مايو 2011

دفاتر الأيام .

دفاتر الأيام

على رسلك أيتها الأيام فأنا جديدة العهد بك .. عمري لا يتجاوز بضعة عقود من الزمن .. وأنتِ أثقلت كاهلي وألقيتِ على كتفي عباءة جميع الفصول .. أصبَحت غيوم الخريف تظلل سماء فكري وأمطار الشتاء تهطل بغزارة من قلب أحداقي ورياح الربيع تعصف بآمالي وأحلامي وقيظ الصيف يشعل فتيل قهري وسخطي .
وأنا أقف مكتوفة الأيدي أرفع مظلة بالية في وجه الفصول الباردة .. في وجه الفصول الجامدة .. في وجه جميع الفصول التي ثبتت أقدامها فوق رأسي ..
لا أرض خضراء أغرس فيها بتلات خطاي .. لا بحر هادىء ينعش أجنة آمالي التي تحتضر بين يديِّ الآن .. ولا أفق واسع تسافر إليه طيور أحلامي .. فأين أذهب أنا وهذه المظلة التي تهددني كل لحظة في الانتحار .
الحياة جميلة .. هكذا قالوا لي .. هكذا كتبوا أو كذبوا عليَّ في أول صفحة التقيتها من صفحات أو صفعات دفاتر الأيام ..
استمتعت في قراءة الكذبة فقلبت على عجل بقية الصفحات .. أخذَت ألوانها تبهتُ أمام ناظريَّ .. فاعترتني دهشة الطفل حين يفقد بريق الألوان .. أين ذهبت ألوان الطيف التي كنت أطاردها كفراشات حالمة في سماءات المنام ؟
ورضخت لواقع الألوان ..
فالحياة جميلة أيضاً بأبهت الألوان ..
وعدت للقراءة تحت وطأة الاستسلام ..
بدأت تغيب عن نوافذ الشم عطور الياسمين وأريج البرتقال وعبق الزعتر .. كيف أستشعر الوطن بقلبي إن غابت عني روائحه ..
ترى هل مات الوطن ؟
الوطن يرقد بسلام أو باستسلام .. والروائح بعثرتها ريح غاضبة عصفت بخيام الشتات .. الوطن موجود لم يمت .. لكن روائحه هي التي ماتت على شطآن المنافي !
أنهكتها طول المسافة بين قلب الوطن وفكره .. فذبلت أكاليل الياسمين على رأس العروس وهي تنتظر عرساً لا يحين وعريساً لا يأتي .. نُسيَّ معلقاً .. مهمشاً على لائحة الانتظار أو الانكسار ..
وعدت للقراءة مجبرة فقد أصبحتُ في منتصف الطريق وعليَّ أن أكمل هذا المشوار ..
الحياة جميلة هكذا قالوا لي .. هكذا كذبوا عليَّ في بداية المشوار ..
أصبَحت الصفحات تقلب عنوة عني .. تخدرت أناملي .. تاه بصري .. تشتت فكري ..
أين ألوانك أيتها الحياة كي تسعفني ؟
لا أبيض الثلج هنا ولا أسود الموت هنا .. لا لون المطر ولا لون الشجر ولا لون الورد هنا ..
أين روائحك يا وطن تجذبني .. فقدت الجاذبية على أرض الأخوة .. فقدت الجاذبية على أرض الأحبة .. ألف علامة استفهام تدور طواحينها في رأسي .. وصفحات مبهمة .. وأخرى ذابت سطورها وطليت عناوينها .. وصفحات حاولت بما أملك من حب ومداد شحيح أن ألون بياضها فبقيت رمادية تقتل جميع الألوان ..
كيف أكمل قراءة دفتر أيامي ؟
لقد فقدت اللغة .. أين أجد لغة أبائي وأجدادي ؟
أين أجد لغة القدس العتيقة تغريني بكوب من العسل ينداح على شرفات المرار ؟
أين أجد أغنية أمي العتيقة وهي تهدهد لي سرير الطفولة على مشارف الكهولة وخرائط الانتهاء ..
كل من حولي أغراب ..
ينطقون لغة جديدة .. لغة غريبة .. لا أعرف رموزها .. لم تكن موجودة في تلك الصفحات ؟
والفصول تبدلت من حولي .. ما عادت أمطار الشتاء تغسلني وتمحو ضباب ناظريَّ .. ولا عادت رياح الربيع تنقل إليِّ إلا الأوبئة والأمراض .. ما عاد الخريف خريفاً متموجاً .. صاخباً .. يعدني بمواعيد من مطر وأمسيات حب خلف نوافذ الليل ..
ولا عاد الصيف يستقبل إلا المطرودين من الشتات ..
فأين أذهب ومظلتي تسبقني للموت .. لقد ملت من انتظاره على الأبواب
أين أذهب يا دفاتر الأيام ..
أين هي تتمة الصفحات يا دفاتر الأيام ؟

الأربعاء، 11 مايو 2011

موعدك الحائر .

موعدك الحائر

غريبة أنا في حدائق حروفي ..
أتجول في حدائق الصباح وشمس الغربة تحرق أنفاسي .. كل الورود التي نبتت في غيابك ليست لها رائحة الورود .. كأنها خلقت بلا قلب ينبض ولا رئة تتنفس أكسجين الصباح .. كل ما بقيَّ لها من طقوس تمارسها نحو هذه الحياة هو أن تشرئب أعناقها نحوي .. تحاول أن تطال بأناملها الغضة جدران روحي .. لكنَّ الروح هناك .. تشرئب متوثبة لموعدك الحائر .. تشرئب متوثبة إليك .
لم يعد يستهويني قطف الورود ولا إهداؤها إليك ملفوفة بأشرطة من الحرير الأحمر أو الليلكي .. لم يعد يستهويني قطف أوراقها وكتابة بعض الحروف الثائرة على سطور ياسمينها ..
أصبحت أهوى رسم اسمي وإلقائه على صفحات وجهك وملامح طيفك فقط .
فنجان قهوتك ينتظر موعدك الحائر .. وناياً فتية تسللت من سحابة صيف عابر تعزف لك ألحاناً شجية ولدت أجنتها على ضفاف الزمن العتيق .. فكبرت وتسكعت ذات صبا وردي الخطوات في أزقة مرَّ منها طيفك على عجل ..
وغاب في دهاليز تلك االأزمنة ..
لم تبقَ نافذة تطل على الربيع إلا وأنهكت عتباتها من كثرة التجوال .. جيئة وذهاباً أزرع خطوات خضراء على شرفات الحياة ..
أرسلت زوارق قلبي تجاه يمك .. علها تحملك إليَّ .. علها تحمل خبراً منك .. خبراً عنك .. خبراً إليَّ ..
لكن القوارب جميعها عادت بخفيِّ حنين ..
كأن صفحات اليم خلَت من وجودك ..
كأنك لا تنتظر موعدي وقهوتي ورسائلي المطوية بقلب الغمام ولا تنتظر الحمائم التي تحمل السنابل مني إليك ..
كأن نوافذ عمرك ما زالت مغلقة وعيناك لا تسترق النظر إليَّ من خلف ستائر الاشتياق ..
كأنك تستطيع قراءة الأبجدية وحدك دون أن أرسم لك ظلالها بالكحل وأضع لك علامات الشدة أوالسكون على جفون بعض الحروف الناعسة ..
فما بالك لا تأتي ؟
ما بالها حدائق حروفي خالية من وقع خطواتك وعبير أنفاسك ورائحة الصيف المعتق في رسائلك للغروب ..
ما باله هذا السكون الصاخب يستفز قلبي كل ثانية بأنك على موعدك ..
ستأتيني في موعدك ..
ربما عكس عقارب الوقت .. ربما خلف سحابة صيف .. أو تحت مظلة الشمس ..أوعلى ذيل القمر..
وربما داخل أجنة هذه الورود .. أوعلى خدود ذلك الياسمين
لكنك ستأتي ..
ستأتيني ..
ويأتيني موعدك الحائر .

السبت، 7 مايو 2011

لست أنت !

لست أنت !

حاولت .. وحاولت .. وحاولت ..
وباءت بالفشل جميع محاولاتي .
حاولت تثبيت صورتك في الإطار ففشلت ..
صورتك التي تاهت ذات زمان وذابت في غياهيب الدجى .. رحلت وراء أسوار العدم .. أغواها الفراغ الممتد على شرفات الآخرين فرحلت خلفه ..
كنت كلما شربت قهوة الفراق أنظر في قعر الفنجان .. أبحث عن خطواتك الشاردة أين وصلت بها مسارات التيه ؟
فأجدك تتكىء على شرفات الحزن .. تقطف أوراقه وتبللها بالماء علها تصبح رطبة عليك .. علها تصبح حنونة عليك .. علها تكون أكثر دفئاً مني وحناناً .
ومضى زمن طويل وأنت تبلل أوراق الحزن الجافة حتى لا تتكسر في حلقك وتتبعثر في جوف هروبك .
كنت أذهب إليك هناك ..أراقبك وأنت ترسم وجوهاً مستبشرة على صفحات الماء .. كنت أظنها قوالب بشرية .. حاولت كثيراً الإمساك بها فكانت فارغة من الأعماق ..
لم أدرِ ما السرُّ وراء رسم هكذا فقاعات ؟!
ومع ذلك بقيت هناك .. معك .. ولم أغادر ..
كنت أتتبع ضحكاتك الخجولة حين تهبط في قلوب العذارى هناك وأراك كيف تشيح بوجهك بعيداً عنهن حين ترمقك منهن نظرات الإعجاب ..
كنت أعرف تماماً أنك تركض كل ليلة لرسم وجوه جديدة أملاً في ألا تذوب حين تظهرعليها شمس الصباح .. تجعلها نجوم ليلك .. تحكي إليها قصتك اليتيمة وكيف هزَمتك أسوار عكا وأنت بجيوشك التي تباهي بها الأمم لم تستطع أن تغير حرفاً في أبجديتها ..
الهزيمة مرّة ..
الهزيمة أمرّ من العلقم ..
ولكنك أصبحت من المتذوقين لهذا المرار .. ولهذا النوع من الهزائم ..
كما أنني أصبحت من رواد ذلك المزار ..
المزارالذي كنت أزورك فيه كل صباح .. أقابل طيفك خلسة عنك وأحاول لملمة ما تبقى من تلك الوجوه المستبشرة قبل أن تذوب بين يديِّ .. وتطويها صحائف النسيان .
اليوم أتتني صورتك على استحياء .. تجرُّ خطواتها الثقيلة على نبضات قلبي المجروحة .. تحاول بجرأتها المعتادة وعنادها الأجوف أن تغير حرفاً في أبجديتي وقبل أن تمد لسانها لتلعق مرارة الهزيمة .. حاولت تثبيتها في ذات الإطار ..
فباءت بالفشل محاولاتي ..
أنت لست أنت !

الأحد، 1 مايو 2011

رسائل غضب

 
رسائل غضب !


 وأنا حين أغضب ..
وأنا حين أغضب لست أنا !
هل شاهدت السماء يوماً حين تتجهم وترسل وعيدها ..
يشتد غيمها ويعبس وجهها ..
قد تبكي وقد تنحبس دموعها ..
لكنك بلا شك ستحترق بنيران غضبها ووعيدها ؟
هل رأيت البحر يوماً وهو يزأر ويزمجر ويملأ الكون صخباً وضجيجاً ..
يجر مراكبَ إلى الهاوية ويلقي بأخرى إلى شطآن الخراب ..
قد يبتسم لك وقد يخفي ابتسامته ..
لكنك بلا شك ستتلقفك أمواجه إلى قمة السخط ثم تلقيك ؟
هل شاهدت الريح وهي تزغرد معلنة انتصاراً شرساً على ورود الشرفات ..
وأعشاش العصافير المعلقة على حبال الحياة .. ومواعيد الغرام التي تبعثرت خطاها على أرصفة الطرقات ..
قد تداعب وجنتيك هذه الريح المجنونة وقد تتجاهلك ..
لكنك بلا شك ستفقد أرضاً كانت تقف عليها أقدامك منذ الولادة ؟
أنا لست كالسماء حين أغضب ..
لست كالبحر حين أغضب ..
لست كالريح حين أغضب ..
لا تستفز غضبي .. لأنك لن تجد عندها غيمة صافية تأويك
ولا موجة بحر تعانق ظلال خيبتك
ولا هبة ريح تمحو أثار جراحاً سأرسمها أنا .. ولن تندمل ..
ولن تنطفىء نيرانها ..
ولن تمسح لك دموعاً ..
ولن تصفح عن قسوتك أبداً ..
فحذارِ من سخطي ومن غصبي ..
لأنني لست أنا حين أغضب ..
حين أغضب لست أنا !