ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الأحد، 27 مارس 2011

سفر

سفر

لم تمض ِ ساعات على إقلاع الطائرة حتى كان كل شيء يخضع للتغيير .. ديكور المنزل .. الستائر .. أغطية الأسرة .. مناشف اليد .. آنية الورد .. فناجين القهوة .. حتى هذا الورق الذي أكتب لك على صفحاته البيضاء .. شمل التغيير لونه .. عدد أسطره .. هوامشه .. زواياه .. والحبرالذي ينسكب مترنحا ً على السطور غيرت .. كثافته .. لونه .. دواته .. لم أكن أنتظر لو لبرهة صغيرة من الوقت .. على الأقل كي أسأل نفسي لمَ كل هذا التغيير ؟ كنت أخشى الجواب .. أخشى مواجهة الحقيقة الكامنة في ذاتي .. كنت أخشى مواجهة نفسي .. لم أنظر إلى المرآة طِوال عملية التغيير .. كنت أخشى صفعة قوية أتلقاها من تلك المرآة حين تخبرني بأنني أهرب وأهرب وأهرب .. ولكن إلى لا مكان . شعرت ببعض الراحة لهذا التغيير .. لكن معالم وجهي في ساعتها لم تكن تنبىء بذلك .. معالم وجهي لم تكن تشير إلى أي مظهر من مظاهر السعادة ..لا تشي بأي معلم من معالم الحرية .. الحرية .. الحرية التي كنت أتوق إليها .. وأظن أنني وصلتها أخيرا ً .. إنه يكتم أنفاسي .. يخنقني .. يفتش في ذرات الأكسجين قبل أن تحاول العبور إلى ممرات رئتي الضيقة .. إنه يسلبني حريتي .. يسلبني حريتي .. لكن هل هذا التغيير هو حريتي ؟ لا .. لا إنه ليس حريتي .. إذا لمَ لا أواجهه بالحقيقة ؟ لمَ لا أطلب الحرية التي أتوق إليها وأتمناها .. لم َ لا أطالبه بالإفراج عن حريتي .. إن كانت ليّ حرية مأسورة بين يديه ؟ ليّ حرية مأسورة بين يديه .. نعم ليّ حرية مأسورة بين يديه .. لكنني في كل مرة أحاول فيها أن أطلب هذه الحرية .. يأخذني ببعض اللين والهوادة .. و يقنعني بشتى الوسائل أنني أتمتع بحرّيتي كاملة .. كنت في بعض الأحيان أثور .. أغضب .. وكان هو يحتوي كل هذا الغضب بكلامه المعسول وصدره الرحب .. كنت أحاول أن أحتال عليه .. أحاول معه سياسة جديدة هي سياسة اللف والدوران حول الموضوع .. الموضوع ذاته .. لكنه لم يكن يفهم ما أرمي إليه .. فأفقد أعصابي .. ألقي بكل شيء إلى عرض الحائط .. إلى عرض هذه الحياة .. فيضمني إلى قلبه كي أهدأ .. أظهر له الهدوء الذي يبغيه وأعض على وجعي .. أرسم ابتسامة كبيرة ليحتويها بين ذراعيه كما احتوى سنين عمري التي مضت وكأنها لوحة فنية جميلة أشرف هو على سكب كل لون فيها .. سافر هو اليوم .. سافر هو وبقيت أنا وحدي .. وحدي مع الحرية المزعومة .. الحرية التي كنت أنشدها في يوم .. أخذت أرددها في داخلي .. لا بد أن أمارس حريتي .. يجب أن أشعر بها .. أخذت أنظر إلى كل شيء حولي بعين التغيير .. ديكور المنزل لا يعجبه .. لون الستائر لا يعجبه .. حتى الورق الذي أكتب له على صفحاته البيضاء رسائل الإشتياق والحنين لا يعجبه .. إلى متى سأبقى دمية يحركها كيفما يشاء .. إلى متى أرسم ضحكة مجلجلة وأنا أموت غيظا ً وقهرا ً ؟ لكن ماذا بعد كل هذا التغيير ؟ أشعر بالأرق في ساعات الصباح الأولى .. رغم جميع مظاهر الحرية التي تتلأ لأ من حولي ؟ أشعر بأرق .. أشعر بأرق شديد .. شاهدت التلفاز .. بحثت عن مواضيع جادة جدا ً كما كان يفعل هو .. جلست على أريكته .. تسمرت أمام الشاشة .. وأخذت أتابع جميع نشرات الأخبار .. هل هذا أنا ؟ لا أعلم إن كنت أنا أم أنه قد ألغى وجودي مثلما ألغى ليّ سابقا ً حريتي .. أبحث عن أنا .. أين أنا ؟ أعاود الحديث مع نفسي .. أحاول أن أمنح نفسي بعض الشجاعة وألقي على كتفيه بسلال اللوم والعتاب .. أحاوره كما كنت أحلم في يوم بمحاورة معه .. محاورة شفافة .. صريحة .. جريئة .. كم كانت سعادتي ستكون أكبر لو أنك في يوم فقط حاورتني دون أن تحاول فرض رأيك عليّ .. كم كانت سعادتي ستكون أكبر لو كنت تضع طلباتي البسيطة نصب عينيك وتنفذها لي بدلا ً من محاولة إقناعي بتفاهتها أو عدم جدواها .. كم كانت سعادتي ستكون أكبر لو أنك في يوم فكرت أن ترفع سماعة الهاتف لتقول لي كيف حالك .. فقط .. كيف حالك أنت ؟ لدي الكثير لأقوله لك .. لكن صدقني .. أنا أجبن من أن أجرح مشاعرك أو أصدمك بحقيقة أنني عشت معك عمري كله أتوق أن أقول لك كلمة واحدة .. أنت ظلمتني .. كم ظلمتني .. ومع ذلك أنا متأكدة من أنني سأكون أول شخص يقف على باب المطار ليستقبلك ويهلل لقدومك .. لأنني ببساطة شديدة فقدت أنا .. ولا أعلم إن كانت الرغبة بداخلي ما زالت موجودة كي ابحث عن أنا بين أوراقك المطوية بعناية ورتابة منذ ألف سنة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.