ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الخميس، 31 مارس، 2011

أوراق تنعى أصحابها .

أوراق تنعي أصحابها .

سأسافر عبر الزمن .. ليس لأن المسافة الزمنية بعيدة جداً .. لكن لأنها على الأقل ليست بين يديِّ الآن . إلتقينا في زمن الحرب .. كانت الحرب لا زال يشتعل أُوارها .. وكان من الصعب علينا في تلك اللحظة أن نكتب لأنفسنا ولأصدقائنا ولأحبتنا ولمنتطرينا عهوداً نضمن لهم ولنا فيها الحياة .. فنحن في زمن الحرب وزمن الموت . أذكرهم جيداً .. أذكر وجوههم جيداً .. كان وسيماً جداً .. غامضاً جداً .. أنكر اسمه في البداية وشرح لي الأسباب .. في حينها لم أفهم .. كان سريع الخطى .. يضحك بصوت عالٍ كأنه يريد أن يفرض جلجلة ضحكاته على أذني الحياة .. في يوم لمحت الدموع تنساب من عينيه وهو الذي ينكر الدموع .. ويستهجن الدموع .. قال لي .. فقدت ثلاثة من أصدقائي هذا اليوم .. ماتوا .. هكذا وبكل بساطة ماتوا .. لم يبقَ لي إلا أنتِ .. لا تتركيني .. لا تموتي .. اقهري المرض .. إبقي على قيد الحياة .. لأجلي إبقي على قيد الحياة .. كان من الصعب أن نكتب لنا ولغيرنا عهوداً تضمن لنا ولهم الحياة في زمن الحرب وزمن الموت . كان يقفز هنا وهناك طرباً وحياة .. يرمي الضحكات بلا أدنى حساب .. كان يقول لي كلاماً عذباً .. سألته مرة .. من أين تأتي بهذا الكلام العذب ونحن في زمن الحرب وزمن الموت ؟ قال لي أنتِ امرأة خُلقت للكلام العذب .. ثم اختفى كلامه العذب .. واختفت كلماته الثائرة ومحاضراته التي كان دوماً يلقيها علينا عن الحضارة والمدنية والتقدم .. وأخذ بالإنكسار شيئاً فشيئاً حتى أصبح كالوردة الذابلة لا يجذب أحداً ولا ينجذب إلى أحد .. لا ألومه .. فنحن لم نكن نكتب لنا ولغيرنا عهوداً تضمن لهم ولنا الحياة في زمن الحرب وزمن الموت . كان محباً .. كان ودوداً جداً .. لكنه كان يرتدي الكثير من الوجوه على وجهه .. كنت أحياناً أعرفه وأميز وجهه الجديد .. وأحياناً لا .. حتى يخبرني هو بطريقة ما أنه هو .. كان ملاحقاً ومطارداً ولا يستطيع أن يظهر بوجهه الحقيقي دائماً .. كنت أتعب من هذا الإرباك وهذه الفوضى .. لكنني كنت أتقبله .. لأننا لم نكن نستطيع أن نكتب لنا ولغيرنا عهوداً تضمن لنا ولهم الحياة في زمن الحرب وزمن الموت . هل انتهت الحرب ؟ لا أعلم .. ربما انتهت على سطح الكوكب .. لكن في قلوبنا لا زلنا نفزع في كل ثانية .. لا زال صوت القهر يئن في دواخلنا .. لا زال الإنكسار يحتلنا .. لا زلت .. لا أرى ابتسامة أحد منهم .. لا أسمع رنين هاتف أحد منهم .. لا أتلقى رسالة من أحد منهم .. لكن بين الفينة والأخرى تصلني ورقة يتيمة من أحدهم .. ورقة ينعي فيها نفسه .. ورقة تبكي فيها الحروف .. ورقة تحتضر فيها قصائد الحب وهي تعلن عن نفسها قاهرة بحضورها جميع أشباح الموت .. ورقة تذيلها عبارات الأمل المنكسرة .. عبارات الحياة المجروحة .. عبارات الحياة المذبوحة .. فنحن ما كان من الممكن أبداً أن نتعهد للحروف أن تبقى حيّة .. منتعشة .. في زمن الحرب وزمن الموت .. انتهت الحرب على السطح .. وبقيت على الرفوف أوراق تنعي أصحابها .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.