ممنوع الإعلانات التجارية

غير مسموح نهائيًا وضع الإعلانات التجارية

الاثنين، 19 ديسمبر 2011

رسائل إلى أمي .. الرسالة السابعة والأخيرة .


رسائل إلى أمي
الرسالة السابعة .. والأخيرة .
رسالة مغمسة بالحزن على فراقك يا غالية ..
ما كان في الحسبان يوماً أن تتوقف رسائلي إليك فجأة لتعلن النهاية وتضع حروف النعي مكان حروف الشوق والحنين .
اعتدت أن أشرب القهوة مع عينيك كل صباح .. وأن أدلق همومي وأوجاعي في كأس نهارك .. وأن تمسحي بكلامك الدافئ آثار الوجع والقهر والحزن .
اليوم بعد أن أضحى فنجانك فارغاً .. ومكانك فارغاً .. وصوتك مهاجراً .. لم يعد بإمكان الحروف أن تنطلق من جوفي .. وما عاد بإمكاني أن أحتضن فنجان القهوة بين يديِّ لأنه أصبح بارداً جداً .. يخلو من دفء أحاديثك وأنفاسك .
كنتُ قوية كما كنتِ تتمنين .. عملتُ بوصيتك أن أكون الشجاعة .. القوية .. الصلبة .. التي لا تنهار .. ولا تنحني أمام قسوة الأيام وجبروتها ..
ولكنك أمي ..
أمي وحبيبتي وقلبي ووطني وكل عالمي فكيف سأبقى تلك القوية الشجاعة البطلة التي تقهر الصعاب وأنا أدفن قلبي وأرحل ؟
ومع ذلك أحاول جاهدة أن أكون بطلة مثلك ..
بطلةٌ كنتِ حتى آخر نفس ..
بطلةٌ كنتِ حتى آخر رمق ..
بطلةٌ كنتِ وسجلتِ أعلى رقم في البطولة عندما أخرتِ الموت دقائق معدودة حتى آتيك من غربتي .. وأقبّلُ يديك الطاهرتين .. وأرش جبهتك المقدسية بماء الزمزم ..
وحتى ألقنك أنا ابنتك التي تخاف عليك من نسمة الهواء الشهادتين ..
حينها خفق قلبك بين يديِّ خفقته الأخيرة لكنه لم يغمض عينيه إلا حين أدرت ظهري ففارق الحياة بصمت .
فارق الحياة بصمت ووقار .. كما عاش كل هذا العمر بصمت ووقار .
تركتُ إليك هناك آخر فنجان قهوة .. تركته جانب أريكتك المفضلة .. تركت معه قطعة من قلبي أبت أن تأتي معي .. وتركت على وجه الفنجان ذكريات عمرها يقارب الخمسين عاماً ..
من لي بذكريات معه بهذا الحجم وبهذا الدفء وبهذا الحب .. من لي غيرك يحمل معي هذه الذكريات ؟
اليوم أنا أحملها وحدي فقط ..
أحتضن بين يدي مسبحتك الطاهرة وألثم صورة لك تنام قرب وسادتي وأغمض عينيِّ لأراك تأتينني في المنام .. نتابع حديثنا .. وضحكاتنا .. ونصنع أحداثاً مختلفة تجمعني بك لبعض الوقت .. لأصحو من أحلامي معك على هدوء قاتل وفراغ مميت ..
ولا من رنين هاتف يقطع هذا الصمت ليقول هل ما زلت نائمة يا ميساء ؟
لا يا أمي أنا صحوت .. صحوت مبكرة هذا الصباح وكل صباح لأن هاتفك لم يعد يوقظني ..
هاتفك سكت إلى الأبد يا أمي .. هاتفك سكت إلى الأبد ..
وهذه هي الرسالة الأخيرة التي لن تقرئيها .. ولن تذرفي دموعك الغالية حين تنتهين من قراءتها .. هذه الرسالة الأخير ستبقى معلقة في الهواء .. قد تحن عليَّ روحك الطاهرة فتقرأها ..
لكن بلا دموع يا أمي ..
هذه المرة بلا دموع ..
إلى رحمة الله يا أمي .. إلى جنة الخلد إن شاء الله.

الأحد، 4 ديسمبر 2011

عذراً سيدتي ومولاتي .

عذراً سيدتي ومولاتي
عذراً أمي .. عذراً سيدتي ومولاتي ..
عذراً يا أمي لأنني في هذا اليوم لا آتيك محملة بباقات الورد .. لم أكتب فيك شعراً ولا نثرأ .. لم أرسل مع الحمام الزاجل إليك زهور قصائدي مغلفة بأريج القوافي ..
عذراً يا مولاتي ..لأنني في هذا اليوم لا أحمل إليك إلا قلبي المسكون فيك .. وألبوم الذكريات ..
نار الوجع بقلبي تهب هبات ٍ هبات .. لا يطفىء نيرانها إلا صورة لك على غلاف قلبي تدعو لي بالمسرات .. لم أجد حولي أحداً يستطيع أن يقرأ معي ألبوم ذكرياتي .. ليس سواك أنت مولاتي من يجيد قراءة همي وتصفح ألبوم عمري على تلك الشرفات ..
الصورة الأولى .. هناك تحت ظلال ليمونتنا العتيقة .. همست بأذني أن أتناول سراً قطعة من الحلوى لأنني سمعت نصيحتك ولم أقتح باب الدار وأنطلق كعادتي أعانق جدران الحارات ..
مذاق الحلوى لا يزال شهدها يسيل مع لعابي ورائحة الليمون لا تزال تتسلل كل ليلة إلى أنفي .. تعانقني وتدعونني أن أقطف ليمونها وأعصره في قلبي فأشفى من الوجع .. من المرض .. من القهر .. من ضربات الزمان ..
الصورة الثانية .. مدرستي وحقيبتي التي كانت تعج بقصص ملونة ودمية جميلة ضفائرها بلون الذهب .. لا تشبهني .. لكنها تشبه تلك الأيام ..
ودفتر صغير أخط عليه الحروف .. ماما .. بابا .. دار .. قدس ..
ما أجملها وما أبعدها الآن من كلمات ..
الصورة الثالثة .. ملعبي .. أركض إليه خلسة حتى لا تضبطني وأنا أتسلل عيناك .. شقية كنت .. تلك كانت شقاوة البنات ..
أحضن أرض ملعبي .. أتعلق بأرجوحة ترفعني إلى السماء وحين أمد يدي لألمسها أجدني أعانق الرمال تحت أقدامي وأتوه في سفراتي نحو السماء والرمل ولسع الخطوات ..
الصورة الرابعة .. ساحات الحرم .. تكاد تخلو إلا مني ومن شقاوتي التي ترافقني كظلي .. لا باب يوصد في وجهي .. أفتح كل الأبواب .. أفتش في معالمه جيداً .. عمَ كنت أبحث .. لا أعلم ؟
كل ما أعلمه أن ساحات الحرم ودرجاته كانت تنتظرني كل صباح ومساء ..
الصورة الأخيرة .. دار جميلة .. جنود مدججون بالأسلحة والظلم .. حقائب سفر على الباب ودموع تسيل بصمت مهيب ونظرات بقيت هناك على الجدران وزفرات من شجرة الليمون وتنهيدة حارة تبكي على أوراق الياسمين وقلب أختبأ هناك في فراش الطفولة رفض أن يغادر ..
قلبي هناك يا أمي ومولاتي وألبوم الذكريات يشهد عليَ ودموعك التي ما جفت في نهار ..
قولي سنعود ..
قولي سنعود وأقلب الصفحة وأزرع الورد في كتاب الأحلام ..
قولي سنعود يا أمي ومولاتي ..

على صدر أمي

على صدر أمي
تضيقُ بنا الحياة ذرعاً .. تصعب علينا ..
تقسو علينا ..
لا يوجد صدر حنون نبكي عليه ..
لا يوجد كتف بار نستند إليه في الشدائد ..
لا يوجد من يكفكف الدمعة .. من يهدهد الآهة ..
لا يوجد سواك يا حرف فهل تستوعب أنت كل هذا ؟
هل تستطيع أن تكون حضن الأم في لحظات الغياب ؟
هل تستطيع أن تكون صدر الأب وكتف الأخ وأُذن الأخت ؟
هل تستطيع يا حرف أن تكفكف الدمعة ؟
في يوم ما فوجئت بأن الصدر الحنين الذي أبكي عليه كل يوم وأبثه همومي وأوجاعي .. التي قد تبدو
للبعض صغيرة أو تافهة لكنها لي كانت موجعة ..
كان صدر أمي هو ملجئي وملاذي .
كنت أبوح لها .. أفضفض لها .. أشتكي لها .. أثور عليها .. أبكي أمامها .. أصرخ في وجهها ..أضحك معها وأضحكها .. أُسرّي عنها وتسرّي عني .. تخفف عني كل وجعي ..
فأعود طفلة صغيرة ليس لها همٌ في الدنيا سوى أن تسرح شعر دميتها .
قالوا لي قبل أعوام " أمك مريضة بالقلب " عليكِ أن تخففي من شكواك إليها .. حاولي أن تعتمدي على نفسك .. وأن تتظاهري أمامها بأن كل شيء على ما يرام ..
لا تتذمري من العمل .. من الأولاد .. من زحمة السير .. من قسوة الأصدقاء .. من جشع الجيران .. من ومن ومن ..
وقعُ الخبر عليّ كان كالسكين التي غرزت حوافها في قلبي .. أدركت بأن عليّ أن أكبر ألف عام .. أن أطلق سراح تلك الطفلة الصغيرة التي بداخلي وإلى الأبد .
وأن أصبح امرأة ناضجة .. مسؤولة .. تتحمل جميع
مشاق الحياة وحدها .
وبدأت مشواري الجديد ..
تعلمت أن أكتم عن أمي كل شيء .. أن أخفي عن أمي كل شيء .. أن أتظاهر باللاشيء ..
ومنذ ذلك اليوم لم أشعر بطعم السعادة
في يوم ..
قبل فترة بسيطة من الزمن تفاجئت أن أمي لا تزال تملك قدرات فائقة على تذويب همومنا وأوجاعنا
وأنها لم تهرم كما خيل إلينا .. بل نحن من هرم وذبل من الشيخوخة المبكرة .
رميت عن ظهري ثقل المسؤولية واندفعت إلى حضنها أبكي وأشكي .. أتذمر وألوم .. أعاتب وأحاسب ..
وهي تسمعني بكل صدر رحب .
لم تندهش .. بل رفعت عن ظهري عبء كبير تحملته وحدي سنوات وسنوات .
أمي تبقى هي أمي ..
لا شيء في هذه الدنيا أوسع من حضنها .. ولا أدفأ منه .
مهما بلغ بيّ العلم والمعرفة أجدها أكثر مني علماً ودراية ..
خبرة وثقافة .. أفًقاً متسعاً .. عقلية متزنة وشلالاً من الحنان المتدفق الذي لا ينضب .
لكن بقي شيء واحد ينغص عليّ سعادتي وينتقص منها هو
أن حنانها لم يعد يصلني إلا عبر الهاتف ..
ليتني قدرّت هذه النعمة قبل سنوات .
أمي ..
أدعو لك بطول العمر والصحة وراحة البال
وأدعو لأبي بطول العمر والصحة وراحة البال
وأن يجمعنا الله عما قريب .. آمين .
*************

لكما أشتاق

لكما أشتاق
كم أشتاق لعينيك الزرقاوين وهما تحتضنان أيام عمري .. تشعان فيها الدفء والأمل مع برودة هذه الأيام وقسوة كل البشر ؟
كم اشتاق لتلك اللمسات الحنونة التي كانت تداعب خصلات شعري وأنت تسّرحينها لي عندما كنت طفلة صغيرة فتُسّرح معها هموم عمري كله وأوجاعه ؟
كم أشتاق إلى صوتِك الهادئ عندما كان يردد اسمي وأنتِ لا تنفكين تطلبين مني الكفَّ عن شقاوتي المعهودة .. وأنا لا أبالي لهذا الصوت الذي ما زال يرن في أذني حتى هذا اليوم ..
أنني أعشق هذا الاسم .. اسمي .. لأنك أول قلب ناداني به .. ولا أطرب لسماعه إلا من قلبك ؟
كم أشتاق إلى جلسات المساء عندما كنت تضميننا حولك تبثين فينا الفرح والأمل وتزرعين الحب والكبرياء ؟
وأبي الدافئ الشامخ كشموخ جبال بلادي .. كم أشتاق إليه .. وكم أشتاق أنفاسه الزكية العبقة كعبق الفل والياسمين في رياض بلادي ؟
كم أشتاق إلى يده التي كانت تحتضن رأسي الصغيرة وتتمتم عليها آيات من القران الكريم حتى يمن الله عزَّ وجلَّ عليَّ بالشفاء من وجع ألم بيَّ ذات يوم ؟
كم أخجل من دموعكما التي تهاوت بغزارة المطر في شهر كانون وأنا أحمل حقيبة السفر وأنتما ترجواني ألا أغيب وأشعر حيالكم بالعجز عن إيقاف ذلك الرحيل ؟
لم يكن لي حلم في يوم أكبر من أن أكون أنا أمي .
كم قدست فيك هذه الأمومة .. وكم أكبرتها وأجللتها .
ولو جاز لي لكانت صلاتي لأجلك .. وطقوس عبادتي أؤديها في محراب عينيك الدافئتين .
أراك في أعماق أعماق ذاتي ذلك الملاك الطاهر الذي يحرس عمري ويحتضن العالم بأسره كي أعيش فيه بسلام وأمان .
كم أشتاق إليكما وأنا أرى سنوات العمر تفرُّ من أمام عينيِّ دون أن أفعل لكما شيئاً .. سوى الدعاء لكما بطول العمر كي ترياني وتحضناني كما لو أنني لا زلت تلك الصغيرة المشاكسة التي لا يوقف مشاكستها سوى الحضن والتقبيل .
أدعو الله وأبتهل إليه أن يحفظكما من كل مكروه
وأن تسامحاني عن كل تقصير ..
وإنني لكما أشتاق .. إنني لكما أشتاق .

إليك أمي


إليك أمي
حين تجف الكلمات في حنجرتي .. تمطرني عيناك بغيمات من الحنان والود .. تعطرني بشذى الياسمين والورد .. تمسح بأكفها الطاهرة جبهة قلبي .. وتمرُّ على رأسي .. وعلى ضفيرتيِّ وخصلات شعري .
كنت عندما تضيق هذه الدنيا الرحبة بموطىء قدمي .. أناديك " ماما " .. تركضين إليَّ .. تمتصين كل عذاباتي .. تستنشقين كل وجعي .. تذيبين كل ألمي .. تبددين كل آهاتي .. ثم تبتسمين .. وترسمين لي شمس الغد على دفتر الألوان وداخل أبيات الشعر .
وتمضين .. تغزلين لنا الأيام من شهد قلبك .. تضيئين لنا حلكة السنين بدعواتك وصبرك ..
تنتشرين مع خيوط الفجر تجمعين نسائم الصباح وتُهدينا .. ترقبين خطانا وأنفاسنا .. توجفين .. ترجفين .. ولا تشعريننا .. وعندما يحل المساء تكونين أدفأ حضن يحتويننا .
إليك أمي .. وأنا ما زلت طفلة لا تعرف لغة الكلام .. دعيني أقبل كفيك الطاهرتين .. دعيني أختبىء في بؤبؤ عينيك .. أسكن فيهما .. أغفو عمري كله ..
فلا توقظيني .

عيد الأم .

عيد الأم
بعد أيام قليلة يهل علينا " عيد الأم " يا لهذه المناسبة المؤثرة في نفوسنا جميعا .. صغيرنا وكبيرنا .. " ست الحبايب يا حبيبه " .. من منا لا يتأثر حين يسمعها وتذرف عيناه شوقاً وحنيناً ويتمنى لو يسابق الريح فيرتمي في حضن أمه .. يلثم رأسها ويديها ..
ويطلب ودها ورضاها ..
أنا وغيري نعد العدة ليوم الأم .. ننتقي الورود .. ونحمل الهدايا .. ونعقد حلقات الرقص والطرب في تلك الأمسية الدافئة .
أتذكر الآن بعد أربعين عاماً ولن أقول أكثر أو أقل .. إنما ما يقارب الأربعين عاماً وأمي ذاب قلبها وهي تنصح وترشد .. تأمر وتنهي .. وأنا لست هنا " أديها الأذن الطرشة " على رأي المثل المصري .. تقول لي يمين فأقول لها شمال .. أخالفها في كل صغيرة وكبيرة .. ولا أبالي لاستنكارها أو حتى رفضها .. لا أنظر في عينيها وهي توجه لي اللوم أو العتاب حتى لا أتأثر فأضعف .
أضيع وأغيب في هذه الدنيا حتى و إن كنت حاضرة .
تشتكي و تبكي و تتذمر و أنا أرى و لا أرى .. سيان .. المهم أنني لا أحرك ساكناً .
لم أذكر يوماً أننا اتفقنا على رأي واحد أو نفذت لها رغبة من رغباتها في تحسين مسار حياتي أو أخذ مشورتها في أمر لمجرد فقط أنني أطلب مشورتها ..
و هل تألمَت يوما فوجدتني أمسح هذا الألم ؟
أو سهرتُ ليلة واحدة قرب سريرها كما سهرت أربعين ليلة في أربعين ليلة حتى كبرت بما يكفي لأدير لها ظهري و أمشي وأكون دائماً وأبداً الحاضر الغائب .. مقعدي حاضر ووجودي كله غائب .. منعدم .. مهاجر .. لا يعود .
وبعد هذا العمر أصبح ما في داخلي يؤرقني .. الشعور بالندم .. الشعور بالشوق .. الشعور بالحنين .. الشعور بالاحتياج إلى ذالك الحضن الدافئ مع برودة هذه الحياة .
شوق يدفعني بقوة عارمة ॥ إعصار من الحنين والحب والاحتياج يحركني بقوة نحو ذلك البيت الصغير ـ بيتي ـ إلى ذلك الحضن الكبير


ـ حضن أمي ـ
لا شيء سيوقفني ..لا شيء سيثنيني .
أذناي مطرقتان للسمع .. وقلبي وفكري وعقلي ووجداني كله خاضع .. مطيع .
أنا الآن ذاهبة بسرعة البرق لأنتقي الورود وأحمل الهدايا وأعقد حلقات الرقص والطرب .. فأنا للأسف لم أتعلم سواها طيلة الأربعين عاما .
كل عام وأمي وجميع الأمهات بألف خير.


الأربعاء، 23 نوفمبر 2011

وردك لن يذبل يا طلعت .

وردُك لن يذبل يا طلعت .

وردٌ له الميساء " "
( إلى ميساء البشيتي )
شعر : طلعت سقيرق
ذاك الصباحُ قصيدةٌ غراءْ
هي في عيون الوقتِ أغنيةُ
العطاءْ
ميساء في ورد النشيدِ
وبالهِ
تمضي إلى زهر الربيعِ
فينهضُ الوعدُ المحمل بالندى
يزدانُ بالشعر الجليل ويرتدي
أفقَ الصفاءْ
وردٌ لهُ الميساءْ
***
هيَ في زمان الخير بحرٌ
زاخرٌ
هي في الصباح الحلو
أروعُ بسمةٍ
جمعتْ منَ الشمسِ الصفاءْ
جمعتْ من البحر العطاءْ
وتألقتْ بدرَ النقاءْ
هيَ غرّةُ الخلـُقِ الجميلِ
وقامةُ الزمن النبيلِ
وزهرة الأمل الأصيلْ
يزهو الزمان بأنها
عطرُ الصفاءْ
وردٌ لهُ الميساءْ
***
قومي إلى باب الندى
قومي إلى هذا المدى
ردي الصباح إلى الصباحْ
ردي السماح إلى السماحْ
وامشي إلى بحر الضياءِ
قصيدةً لا تنحني
كفاك من شجر النهارْ
كفاك للزمن الجميلِ بطهرهِ
أحلى انهمارْ
قومي إلى باب الندى
ردي الصفاء إلى الصفاءْ
هذا المدى
وردٌ لهُ الميساءْ
16/8/2009

وأجهش بالبكاء ..
ويجهش معي قلبي ..
كم حصد الموت من أحبة لنا ..
بالأمس أبي
وبعد الأمس أنت
وعلى ضفاف الموت تركنا الكثير
قدمنا للموت جميع القرابين ..
ولم يكتفِ الموت ..
الموت لم يكتفِ .. ولا يزال كأسه ثملاً مترنحاً يبحث عن المزيد ..
كؤوس الشعر يا طلعت تنعيك ..
كؤوس الشعر يا طلعت تبكيك ..
كؤوس الشعر يا طلعت ترثيك ..
تقول : كان هنا لغاية الأمس ..
كان هنا .
هذا الذي كان هنا في الأمس
كان ينسج كل دقيقة قصيدة ..
وكان يقف على شباكك يا حيفا طويلاً
وينادي :_
يا حيفا .. يا حيفا ..
أنا قادم إليك فانتظريني ..
وحيفا تنتظر ..
وشباك حيفا ينتظر ..
وأسوار حيفا تنتظر ..
والقصيدة على شفة الكأس تنتظر ..
والشاعر أخذ هدنة طويلة من الحياة ..
ومن كأس الشعر ..
ومن عيون القصيدة ..
ومن الانتظار ..
كان الموت في انتظاره عند عقب الباب ..
فأصبحت حيفا ثكلى ..
وأصبحت القصيدة يتيمة ..
وأصبحت الحروف حبلى بالدموع ..
القصيدة تبكيك يا طلعت ..
القصيدة المدورة تبكيك يا طلعت ..
وحروف القص القصير ..
ورسائل في مهب العمر تنتحب على حافة العمر ..
من يكفكف الدمع يا هدى ؟
من يسكت نافورة الدموع التي انفجرت قبل عقود ؟
ردي علينا يا هدى ..
من يسكت كل هذه الدموع ؟
حيفا تبكيك يا طلعت ..
وقصيدة تراود نفسها في تلك الليلة الظلماء
خنقتها أصابع القدر ..
ماتت في حنجرة الشاعر قبل أن تنتشر
مع أشعة الشمس ..
القصيدة تلك تبكيك يا طلعت ..
القصائدة التي خبأتها عن عين الشمس
والتي غازلت فيها خلسة عيون القمر
والقصائد التي سافرت مع الحمام الزاجل وركعت عند ركبتي حيفا
والقصائد التي كانت تدور بين أصابعك كمسبحة
فتستقر في فؤاد الأم المكلوم ..
كل القصائد تبكيك يا طلعت المسافر جسداً
نحو ذلك المنزل البعيد ..
كل القصائد تبكيك يا طلعت ..
ودموعنا تبكيك يا طلعت ..
لم يجف دمعها بعد الفراق .. أصبحت هي تلك النافورة
التي اشتعل لهيبها قبل عدة قرون ..
يا طلعت .. يا طلعت ..
من يملأ لنا كؤوس الشوق والحنين ..
من يملأ لنا كؤوس الوعود الخضراء ..
ويروي سنابل الأمل ..
ويشكل عناقيد الحلم بالياسمين ..
من يملأ لنا كؤوس الصبر
بعد هذا الفراق الطويل ..
من يا طلعت ..
وكؤوس الشعر تنعيك وتبكيك وترثيك ؟
وهذه حيفا تمدُّ جدائلها إليك ولا من مجيب ..
وأسوارها تصرخ وتنادي ..
من يحررها ؟
وطلعت ليس هنا ..
طلعت طواه المغيب .
وهذه باقات الورد تصطف عن الشمال وعن اليمين ..
وطلعت الذي سكب الورد حروفاً في قصائده ..
ذبل الورد في حضن أمه ..
وما ذبل منك ورد القصيد ..
لا يزال شريان حبك ينبض في قلب تلك الوردة ..
ولا يزال الورد في قصائدك يعيش ..
ولو غيبتك الأيام ..
ما غيبت منك إلا الجسد ..
فطلعت الروح باق في قلب القصيد ...
وهذا الورد .. ورد طلعت أبى أن يغيب .
وردك لن يذبل يا طلعت.

___________________________________________


بمناسبة مرور أربعين يوماً على وفاة عميد نور الأدب الشاعر والقاص والناقد والصحفي الفلسطيني المقيم في سوريا الأستاذ طلعت سقيرق .. إلى جنات الخلد يا شاعر حيفا.



الأربعاء، 16 نوفمبر 2011

الصامت إلى حين !

الصامت إلى حين !
مهداة إليك ..
إلى الصامت إلى حين !
مني أنا تلك التلميذة التي تعلمت منك وعلى يديك كيف تفكك الحروف وكيف تعيد تركيبها وتشكيلها ووضع النقاط عليها ورسم الدهشة في تلك العيون .
تلك الطفلة التي طالما انتظرتك على أرجوحة الأيام في باب بيتك .. لم تستقبلها أنت بوجهك المضيء بل استقبلتها العواصف العاتية المحملة بالمطر الغزير .. عصفت بها رياح الظنون ..
تقاذفتها أمواج القلق والهمِّ ..
لكنها لم تغادر بيتك .. وبقيت تنظم إليك قصيدة لم تكتمل بعد .. ابتدأتها هناك .. على عتبة بيتك .
عصفورة كانت ..
حزينة كانت ..
وأنتَ كنتَ لا تهوى العصافير الحزينة في حينها .. أو ربما هُيئ لها ذلك .. ربما كنتَ ترسل إليها شارات ودلالات لتبحث هي عن مساحات الفرح في داخلها ..
لكنها لم تجد ..
ربما هي لم تبحث جيداً عن بيارق الفرح ..
وربما عزَّ الفرح في ذلك الحين ..
ومع ذلك كانت كل هجراتها خلفك ..
نحو الشمال ونحو الجنوب .. وحتى نحو عالمك المجهول ..
لم تكلَّ من الطيران ..
ولم تملَّ من الانتظار..
ولم تعصف بروحها نسائم النسيان ..
وأنت تغرق في صمتٍ لا يستطيع أن يقرأه أحد ولا يفكك حروفه أحد .
كانت بعد كل هجرة تعود أدراجها إلى عتبة بيتك .. تقف طويلاً في ذلك الباب .. تقبلّه بعينيها .. وتكتب بتلك الحروف اسمك على غبار الزمان الذي غطى صدر الباب وغطى معه ذلك الزمان الذي أغلقته خلفك كما أغلقت عليك الباب .. وتحاول أن تستشف بحدس عصفورة حزينة أنهكها الطيران .. ماذا يمكن أن يكون وراء هذا الباب ؟
وتقنع نفسها ..
ليس إلا أبخرة الصمت وراء الباب ..
ليس إلا أبخرة الصمت وراء الباب .. وخلف النافذة وتحت عقب الباب ..
وترحل وفي العين دمعة كسيرة وفي القلب بعض من وفاء ينتفض من الحنين والشوق وألم الفراق .
ليس بعد أيها الصامت إلى حين ..
لم تنتهِ الحكاية هنا ..
فالصمت حين يبزغ فجره يشرق الكون بأسره .. وكنتَ أنت ذاك الفجر لذلك الليل الطويل .. مسحتَ دمعة عن الخدِّ وربتَّ بدفء قلبك المعهود على كتفٍ هدّته جبروت الأيام ..
يدك الحانية تلك التي نظمت قصائد الشوق والحنين هي ذاتها يدك التي طبطبت على كتفي بعد كل هذه السنين لتقول لي :_ لم أنساكِ .. لا .. ولن يكون ..
يدكَ التي بثت الأمل في روحي وردت الآمان إلى تقاسيم وجهي المشردة .. وبعثت بعض الفرح إلى تلك الرئة التي خنقتها أصابع الحزن ..
هي يدك أنتَ أيها الصامت إلى حين ..
أما الآن .. إن شئت أن ترحل فارحل .. ولكن تأكد أن قلبي يدعوك للبقاء .. وأنني تعبت من الانتظار على عتبة بيتك .. وأن الصمت يأخذني إليك كل الوقت .. قد بدأت أتعلم أول حروفه كما تعلمت أن أفكك حروف اللغة بين يديك ..
وقد يكون الصمت هو ما سيجمعني بك إلى ذلك الحين .. أيها الصامت إلى حين انتظرني في محراب صمتك .. انتظرني أيها الصامت إلى حين .

الأحد، 13 نوفمبر 2011

مات أبي .

مات أبي
مات أبي ..
مات من كان يعدني بالعودة ..
مات أبي ومات معه الحلم الوردي والفستان الوردي والخطوات الوردية على جسر العودة .
مات أبي .. مات أبي قبل أن يضع نقطة النهاية لسطور الاغتراب .. قبل أن يصبح الاغتراب صفحة مطوية في دفتر مذكراته .. مات والاغتراب هو كل ما تبقى في ذاكرته .. وكل ما ورثته عنه أنا .
مات أبي .. مات بعيداً عن أفياء تلك الياسمينة التي كان كل ضحى يجلس في أفيائها .. يسبح لله ويسجد ويبتهل في الدعاء ويعنون لنا أوراق المستقبل ثم يضع لنا أقدامنا الصغيرة على تلك الطريق .. قبل أن تبعثرها وتبعثرنا معها الأيام .
مات أبي قبل أن يتجه كعادته كل يوم إلى رحاب المسجد الأقصى يقبّله بين عينيه .. ثم يمطره بالصلوات والابتهالات والتسابيح .. ويفتح ذاكرة السنين لأحبة ودعوا الحياة ورحلوا من هناك .. رحلوا من رحابه الطاهرة .
مات أبي ولم يعلمني في هذه الحياة سوى التقرب إلى الله والإصرار على العودة .. ولم أعرف في حياتي غيرهما .. لكن بعد أن مات أبي عرفت غيرهما .. عرفت الموت .
عرفت أن يستقبلني سرير أبي فارغاً منه .. وأشياؤه تنتظر كما هي .. تبكي لمساته الأخيرة .. وتلك الساعة القديمة التي كان يضبط عقاربها طوال الوقت كي يبقى على اتصال مع الزمن .. ومسبحته التي بقيت مستلقية في الجوار من وسادته دون أن تلمسها أصابعه الطاهرة .. دون أن يلتقطها الصغار ويعبثون في حباتها بشقاوة الأطفال ثم يعيدونها إلى كفة يده وهو يبادلهم الابتسامات .. ودمى الصغيرة ابنة الجيران التي كانت كل صباح تطرق الباب وتركض إلى سريره وتضع دميتها إلى جوار رأسه على ذات الوسادة ..
عادت ..
لتجد الوسادة فارغة ..
والسرير فارغ ..
والحياة فارغة .. فارغة جداً ..
عندها فقط عرفتُ ما يسمى بالموت .
***
بمناسبة مرور أربعين يوم على وفاة أبي رحمه الله وجعل مثواه الجنة .

الخميس، 10 نوفمبر 2011

التوتر

التوتر
طبعاً أشعر ببعض التعب لأنني لم أخرج من أجواء المرض التي ربما كان سببها الرئيسي هو التوتر .. أعاني بهذه الفترة من ضغط كبير على الأعصاب
بسبب الصدامات غير المرئية مع البشر ..
أتفاجأ كل يوم أن الدنيا ليست بخير وأن المصالح غلبت ليس على حياتنا فقط بل على مشاعرنا وأن اللف والدوران تُعرف اليوم بالدبلوماسية .. وأن الشجاعة ربما أصبح لها توصيف آخر غير محبب بل قد يحاربها البعض _ طبعا أنا مع الشجاعة ولست مع التهور في استعمال الحق تحت ستار الشجاعة _ ..
أعتبر أن المداهنة والرياء هما العدو الحقيقي ليس لي فقط بل لكل المجتمعات ولكل الأمم .. وهما من أوضع الصفات التي عرفتها البشرية .
ما زلت أفكر كالمتنبي " الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم "
ربما كان هناك بعض التشابه لو بنسبة ضئيلة بيني وبين هذا الفارس الشجاع _ المتنبي _ وهو أن القلم يعرفني .. وأنا لا أخون القلم الذي هو كالسيف وكما يرتوي السيف من الدماء يرتوي القلم من قول الحق .
لو فكرنا ماذا نجني من التملق والرياء واللف والدوران ومجاملة الآخر على حساب مشاعرنا ؟
لا نجني شيء ..
هي الخسارة الأكيدة .. لأنها الضبابية التي تفرض لها جداراً حول الأشياء النبيلة والسامية وهذا الجدار يأخذ بالعلو والارتفاع والاتساع حتى يكاد يطمس كل شيء ولذلك يختلط الحابل بالنابل وتظهر مفردات منها
" لم يكن قصدي " ..
" الخطأ غير المقصود " ..
لماذا نضع أنفسنا في هذه الخانة .. وما الذي سيعود علينا بالفائدة .. طالما الشمس تشرق من الشرق وتغرب من الغرب فأي حقيقة غير هذه إلى زوال مهما حاولنا لفها بغربال ؟
يؤسفني أنني في هذا العمر اصطدم هذه الصدامات كما قلت غير المرئية .. لا أعلم كيف سأقوم بتربية أبنائي على الخير والفضيلة وكلمة الحق والدبلوماسية أصبحت عنواناً لكل شيء .
أنا مع قول الحق وعدم المداهنة والرياء وعدم اللف والدوران والشجاعة وعدم المواربة ..
قل للأعمى أعمى بعينه ..
انظروا إلى حالنا أين أصبحنا في سبيل أن لا نجرح أحداً لأننا لا نجرؤ أن نواجهه ونقول له أعمى ونجتمع من خلفه ونطعنه في كل شيء ..
قسوة .. والخاسر الوحيد فيها نحن ..
أصحاب القلم لا يخونون القلم والمداد وإلا فلنترك
القلم كما تركنا السيف ولنعلق شعارنا اللف والدوران وعدم المواجهة والطعن من الخلف .
وسلام عليك أيها المتنبي العظيم ..
أما أنا فالقلم يعرفني وأعرف جيداً طريقي إليه .


اختناق

اختناق
لم يعد يهمني أن كان عنوان هذا النص هو فعلاً عنواني ..
لم يعد يهمني شكل الحروف وهي تتساقط من لوحة الحروف هل تشكل إليك كلمة .. جملة .. فقرة .. لا شيء .
لم أعد أنظر امامي إلى وقع الحروف عليك هل هي جادة .. حزينة .. باكية .. متشجنة .. مضطربة .. مرهقة ؟
أغلقت كل النوافذ من حولي ظناً مني أن هواء الغرفة يكفيني وأنني لست بحاجة إلى جرعات أكسجين إضافية .. وأن رئتي لم تعد تحتمل
هبات جديدة من الهواء المتقلب والممزوج بالشوائب ..
لكن على ما يبدو أن حروفي لها وجهة نظر أخرى وأنها بحاجة إلى جرعات إضافية من الأكسجين أو أنها في طريقها إلى الاختناق .. فماذا اختار رئتي أم حروفي ؟

الخميس، 3 نوفمبر 2011

خلف تلال الحزن

خلف تلال الحزن
من خلف تلال الحزن آتيك .. أحمل إليك بعضاً من أحزاني .. وأنا التي كنت بالأمس فرحك .. وكانت أكاليل الفرح تاجي وعنواني ..
لماذا كلما أشق طريقاً إلى قلبك يأتيني الواقع ملثماً من خلف تلال الحزن .. يصفع قلبي .. يقذف به إلى دهاليز الصفر فأجد نفسي على الضفة الأخرى من الأفق ويدك تلوح لي بمرارة وهمسك يتمزق على باب أذني ..
أبقي هنا ..
أبقي بقربي ..
لا تبتعدي ..
هي أعاصير الحزن أقوى من نسائم الأفراح .
يا أنت .. يا كل فرحي .. يا كل أملي .. يا كل حياتي .. لماذا تعصف بنا تيارات الحزن فتبدد خيوط الفرح التي أمضيت عمراً أنسجها لك أزهاراً من الفلِّ .. وحين أهم بإلقائها على شرفة قلبك تعصف بها وبيّ تيارات الحزن .. تحملني بعيداًعنك..
بعيداً عن قلبك ..
بعيداً عن عينيك ..
وتتبعثر مني كل ورودي وباقات الفلّ ..
لأجلك أنت ركبت موج البحر الهادر .. تسلقت السحب الهوجاء وخبأت لك في كفيِّ بعضاً من حبات المطر وبعضاً من خيوط الشمس ..
وتأرجحت مع الريح على حبال الشوق علني أصل قلبك بسلام .
وأنت يا عمري .. صامد كما أنت ..
تعاند الريح والموج والسحب ..
لكنها اليوم غيوم الحزن هي التي سبقتني إليك .. احتلت بيتي قي قلبك .. جثمت على أنفاسي في صدرك .. وسكنت نظرات الحب التي كنت ترسلها لي .. فأضحت نظراتك حزينة .. منكسرة .. باكية وهي التي كانت عصافيرالفرح تعشش بها وتفرخ بين أهدابها ..
لماذا تصفعنا الحياة .. لماذا تدمينا الحياة .. لماذا تحيطنا بتلال من الحزن الذي لا ينتهي .. لماذا تقطع من الوريد جميع شرايين الفرح ؟
أنت يا عمري .. يا فرحي .. يا أملي .. يا حبي .. أخبرني أنت .. إلى متى سنبقى نلهث خلف خيوط الفرح .. نصطاد فراشاته من خلف تلال الحزن المتربص بنا .. الجاثم على قلوب عصافير الفرح
متى ترحل عنا تلال الحزن وتغرد من جديد عصافير الفرح .

الخميس، 6 أكتوبر 2011

عاتبني أيها القمر !


عاتبني أيها القمر

من خلف تلك التلال ترسل إليَّ كل ليلة ألف تحية وألف سلام .. لا تكلُّ أنت ولا تملُّ .. ولا يتسرب إلى نفسك اليأس من فرط الانتظار .
وأنا من خلف نافذتي أرقبك .. وأرقب حرقتك في دلال .. إلى أن أصبح نورك يملأ المكان .. ويملأ قلبي .. ففتحت لك نافذة العمر .. وبت في انتظارك كل مساء
أذكر في ليلة طال فيها غيابك عن نافذتي .. حين حجبتك تلك الغيمة الكبيرة عني .. انتابتني حينها موجات من الشوق والحنين والهلع .. وما أن ظهرت لي حتى هرعت إليك لأبثك شوقي وحنيني ..
لكنك أخذت تعاتبني .. وتعاتبني .. وتعاتبني .. وتغرق في العتاب .. إلى أن أنسيتني شوقي إليك ولهفتي عليك .. فتركتك مع عتابك .. وأغلقت نافذتي على ما تبقى من شوقي ولهفتي عليك .. وآويت إلى فراشي يفترسني الحزن والقهر .. وإذ بك تقتحم نافذتي وتخترق أحلامي وتطبع قبلاتك على وجنتي .. وتهمس لي لتداري دهشتي التي ارتسمت بجميع ألوان الطيف على وجهي : الحب يا أميرتي لا يقبع خلف النوافذ ..
وصدّقت ..
صدقتك !
وأذكر أيضاً عندما كنت تحاسبني كطفلة صغيرة وتسألني بعنف لا زلت أخافه للحظة : لماذا ترسل الشمس خيوطها نحوك .. لماذا تتسلل إلى مخدعك .. لماذا تتجمهر النجوم على نافذتك ..
أتغازلك ؟
فأجيبك ببراءة الطفلة التي كنت تُؤنب وتُعاتب : ما ذنبي أنا ؟
هي لا تجرؤ إلا في غيابك .. تعال من غيابك .. اقطع خيوط الشمس .. بعثر هذه النجوم .. إنها لا تهمني ..
أنت فقط من يهمني .
أنت وحدك من تهمني .
وأسمع عندها دويُّ ضحكتك يجلجل في المكان ويرتعد من فصائله بلبل الجيران .
والآن .. حين مرضت .. أصبحت تعودني .. تخفف عني وطأة الألم .. تبثني روح الأمل .. تمدني بعناقيد الصبر.. تدعو لي بأدعية الشفاء .
لكنّي مللت أحاديث السقم .. وأمنيات الشفاء .. أشتاق لتلك الأحاديث .. أشتاق لأحاديث الهوى .. اشتاق لأحاديث العتاب ..
أريدك أن تعاتبني الآن ..
نعم أنا أتوق أن تعاتبني الآن ..
عاتبني الآن ..
عاتبني أيها القمر !

الأربعاء، 5 أكتوبر 2011

لم ترني

لم ترني
لا لستُ من أرسل إليك باقات الورود والرياحين
ولا من كتب إليك سيدي رسائل الحنين
فتش في دفاترك جيداً
عمن هي تجيد غزل أطواق الياسمين .
***
أنا يا سيدي أقف على هامش حياتك
مركونة منذ سنين
فما راودتني الحيلة يوما
وما اشغفني فيك فكر مجنون
ربما خامرني الشك يوماً
وراودتني فيك الظنون
بأنك يا سيدي لست من كوكبة العاشقين
وأنك لا تملك بين الضلوع فؤاداً
يعشق ..
يتأوه ..
ويمزقه الأنين !
***
ترجل يا سيدي من برجك العاجي
وانظر في الأفق ملياً علك تراني
علك تلمح طيف امرأة ..
ذاب عمرها كقطعة من السكر
في قعر الفنجان ..
وذبل قلبها ..
بين جحيم صمتك
ونعيم النسيان !

الاثنين، 3 أكتوبر 2011

أقسم

أقسمُ

أقسمُ
وهل يجوز لي القسمُ ؟

لن أكتبك بعد اليوم نثرا ً
لن أتلوك شعرا ً
لن أغرسك وردة جافة
في طيات الدفتر
قد جف حبري
وتاهت نسائمي
وذبلت بين أصابعي
ريشة القلم

أقسمُ
وهل يجوز لي القسمُ ؟

لن ألقاك
وفي اليد مبضدع تلمٌ
وعلى أناملي
تنبت حدائق الفل والزنبق
وتغرد أقحوانة حزينة
تنسابُ
من بين شفتيها
لآلىء الدمع
وموشحات الألم

أقسمُ
وهل يجوز لي القسمُ ؟

لن أدور حول جرحك
كفراشة يتيمة تتوضأ بدمك
فجرحك الغائر لن يبرأ
وغيمات نيسان
لن تروي منك الظمأ
ما كان قد كان ...
ما عادت تلك الليالي
تسكننا
ولا تضاء بساتين القمر
بلا جدائل الشمس
واحتراق قلب النجم

أقسمُ
وهل يجوز لي القسمُ ؟

لن تهون عليّ في يوم
وما هانت
ذكريات الأمس
تحت عناقيد العنب
وفي ظل ياسمينة الدار
هناك
كنت أخبئ لك
بعضاً من الأسرار
ونسيج وردة
حِكتُ أوراقها الذابلة
في كفي
وزرعتها في عتمة الليل
على شرفة الحلم

أقسمُ
وهل يجوز لي القسمُ ؟



الخميس، 29 سبتمبر 2011

دينا .. عروس تشرين .

دينا .. عروس تشرين
دينا
يا عيون ماما
أيتها السعادة المنتشرة مع خيوط الفجر ..
كم كنت أعشق الصباح لأنه كان ينبثق من بين عينيك ..
كنت أنتظره بفارغ الصبر حتى آتيك إلى سريرك وأداعبك من خصلات شعرك المنثورة على الوسادة بفوضى جميلة .. وأدندن بأذنك تلك الكلمات التي تحبين سماعها والتي لا يمكن أن تستيقظي دون سماعها .. وحين أجد أن الابتسامة بدأت ترتسم بخفة على شفتيك أدرك أنني في الطريق السليم وأنه لم يبق أمامي الكثير حتى تنزعي الغطاء عن وجهك وتفتحي عينيك للصباح وللنهار بأسره .
أحيانا كنت أمعن في دلالك وأعيد وأزيد على مسامعك تلك الجمل والعبارات التي تحبين سماعها والتي ألفتها لأجلك خصيصاً .. ربما لم يكن لها أي مكان في اللغة العربية أو في لوائح الأبجدية لكنها كانت مفهومة جداً لك .. وكنا نتواصل بها بشكل عفوي جميل ..
كم أتوق إلى تلك اللحظات وإلى مداعبة وجنتيك كل صباح .. وكم أفتقد ابتسامتك الغاضبة بعض الشيء حين تودين الحصول على ساعة أخرى من النوم الإضافي لأنك لم تنامي ليلتها من أجل إتمام مشروعك الدراسي .
كم أشتاق لتلك الجولات المكوكية التي كنت أقضيها بين غرفتي وغرفتك طوال الليل حتى أتأكد أنك لحظة غفوت لم تشدي الغطاء إلى وجهك .. وأزيحه برفق عن جبهتك ووجنتيك وأنفك .. وأحياناً أهدد بصوت عالٍ
" دينا انتبهي كي لا يخنقك الغطاء "
وأنت تقولين : " لم أنم بعد يا ماما .. كفي عن الحركة من حولي والعبث بدائرة الأحلام " .
أحياناً كنت أهرع في الصباح وأعدُّ لك قهوتك .. أريد أن يكون صباحك جميلاً ومميزاً .. وكم أسعد حين يأتيني صوتك عبر الهاتف في منتصف النهار
" ماما هذا اليوم كان جميلاً عليّ .. ادعي لي يا ماما أن يبقى جميلاً " .
أنا يا حبيبتي لا زلت أدعو الله أن يحمييك في غربتك ويوفقك في دراستك ويردك إلينا بالسلامة وأنت مكللة بالنجاح والسعادة وأقول لك يا دينا هذا أول عيد ميلاد لعروس تشرين لا أقبل وجنتيها عن كثب ولا أضمها لصدري كما اعتدت طوال السنوات الفائتة ومع ذلك فكل قبلات العالم أرسلها إليك يا عمري
وكله في سبيل مستقبلك الدراسي يهون ويصغر .
كل عام وأنت بألف خير يا عيون ماما .
كل عام وأنت بألف خير يا عروس تشرين
وعروس عمري كله .

الثلاثاء، 27 سبتمبر 2011

ولي في بيروت ألف أيلول !




*** بعد مرور أكثر من عشرين عام
على مغادرتي بيروت
داهمني الحنين وحملتني
الأشواق إلى تلك الأيام
حاولت العبور فلم أستطع
فأرسلت كلماتي إليها علّها تعبر ***
*****************


ولي في بيروت
ألف أيلول

أتذكرينني بيروت
ولي فيك ألف أيلول
من الحزن
فؤاده قد انفطر
صبية تجوب شوارعك
هائمة ..

حالمة ..
تعبث على أصابعها
بعض ألاعيب القدر
ولها على شاطئك

ركن ..
وفنجان قهوة ..
وفيروزيات..
تهطل مع حبات المطر
رفاق هنا ..

وضحكات هناك ..
وليل عنقودي
ومدافع العيد
وأمسيات أجلت السهر
مزقّوك بيروت
ومزّقوني
وما مزّقوا بقلبي
تلك الصور
من بيروت إلى عمان
مهاجرة ..

مغادرة ..
معلقة على لائحة السفر
بيروت لا لا تنكريني
فأنا لي فيك أيلول
قد ولد
قبل أن تطأك
أقدام البشر



الثلاثاء، 20 سبتمبر 2011

وماذا بعد التيه ؟

وماذا بعد التيه ؟
وماذا بعد التيه ولم يبقَ مني ومنك إلا الظلال ؟
كل هذه الشطآن تستعد لملاقاتي .. ومركبي يأبى الرسو إلا على شطآن عينيك .. فهل سأبقى عائمةً على مرافىء الانتظار ؟
عيناك تتأرجحان بين مدٍ وجزر .. ترفعهما موجة عابثة وتلقيهما أخرى فتدفنهما في الأعماق .. تنظران إليَّ نظرة حائرة ولكني للحظة فقدت الجواب .. لا الصمت في عينيك حدثني ولا الصمت على شفتيِّ ترجم الكلمات .
لوهلة غرّك البريق الساحر في عينيها فتلعثمتَ وتزاحمت في رأسك الأفكار .. رويداً رويداً ألقت إليك بجدائلها الملفوفة بحبائل السحر فتعلقت بها تعلق الغريق بقشة تطفو على سطح الماء .. وانتشلتك من يم الهوى الذي أغرقك عمراً وثبتتك فانوساً وهاجاً في جبينها وعنواناً مضيئاً على ذلك الباب .
وطال الصمت ..
صمتك .. صمتي .. صمت الهوى ..

وأُخرست كل الألسن وفُقئت عين الضاد ورُملت الأبجدية في عقر دارها وتاهت كان وأخواتها في ذلك المحراب .
(غريب ) هو اسمك .. هكذا نقشوه بالحروف الأولى على جبهتك ثم فتشوا جيداً في صدرك .. عبثوا فيه .. لكنهم لم يفهموا أبداً من أين يُدَق في صدرك صدى تلك الأبواق ؟
لم يلحظوا ترقرق الرفض في عينيك ولا انتفاضة الحروف الساخرة بين شفتيك ولا أنين الضاد المثخنة في حناياك .
اليوم وأنا أدور في مركبي العائم حولك أدركت بأنك تهت بما يكفيك من التيه .. وأنك أبحرت بعيدا ً عن كل الجزر والشطآن .. وأن جدائلها المسحورة إن طوقتك و أحكمت حول عنقك الوثاق فأنت ما زلت بحراً من الوفاء الحرّ لن يمحوه بريق عينيها الأخاذ .. بحراً من الحب الخالص لن تغرقه جدائلها الملفوفة بكل بطائن المكر والدهاء .
أنت بحري أنا وشاطئي ومرساي .. وإن طال صمتك وصمتي .. وتعطلت لغة الكلام .

الثلاثاء، 6 سبتمبر 2011

حيفا تناديك يا شاعر

حيفا تناديك يا شاعر
الليل مرة أخرى ..
وهذا الأيلول المستبد يمدُّ أجنحته على الكون ..
ماذا يريد أيلول هذا العام ؟
الليل يفرش أسرته للشعراء .. يرسم لهم أحلاماً جديدة ..
يدق الأجراس وينشر العتمة ويرفع سقف الأحلام إلى ساعات الصباح الأولى ..
ويستسلم الشعراء للأحلام ..
يصغون للليل ولأوامر الليل ويقطعون تذكرة النوم المجاني لحجز أكبر مساحة من الأحلام ..
وينتظرون ..
وننتظر نحن أيضاً أن تشرق السماء عن حلم جميل يمتطيه فارس شاعر ينشر القصيد مع خيوط الشمس ..
ويرسل قبلاته الصباحية إلى حيفا ..
ويجدل ضفائرك يا عكا ..
ويرفع ألف علامة استفهام على جبين السؤال ؟
أين أنتم يا رفاق ؟
أنا وحدي مع الحلم .. أنا وحدي في ساحة الأحلام .. من يشاطرني الحلم ..
من يشاطرني النداء على حيفا ..
من أقتسم معه هذا الحب الذي لا ينتهي .. وهذا الأمل الذي يتقد أكثر من الجمر ..
والنوم يغريني بحلم يدغدغ خاصرة الجفون ..
وحيفا تحمل كفها وتطرق باب الصباح ..
فهل من مجيب للنداء ؟
انهض يا شاعر ..
هذا ليس وقت النوم ..
حيفا تبحث عنك في كل العيون التي تزورها .. ولا تريد إلا عينيك أنت يا شاعر ..
فانهض ..
حيفا تحدث الجميع بأنك أرسلت إليها أشعارك منذ زمن بعيد وبقيت أنت في الباب ..
وهي تريد الشاعر أن يمرَّ بأسوارها ..
ويرفع عن جدائلها هذا الليل الطويل ..
ويفتح عن عينيها أغطية الصباح ..
حيفا تناديك يا شاعر ..
والكرمل متأهب للقاء ..
وعكا تنظر بعين العذراء الحبيبة إلى شاعر يحمل إليها قلبه إكليلاً من القصيد ..
ويتوج جبهتها بأجمل الأشعار ..
فانهض يا شاعر..
انهض يا شاعر فما زال في العمر عمر ..
وما زال أمامنا طويل جداً المشوار .

الخميس، 1 سبتمبر 2011

رسالة إلى عام مضى .

رسالة إلى عامٍ مضى
مضيت .. بخيرك مضيت .. بسوئك مضيت .. بلياليك الثقيلة .. بنهاراتك المتعبة .. بأعيادك المعلقة .. مضيت ..
بآلامك .. بجراحك .. بقسوتك .. مضيت .. مضيت وتركت بصماتك معلقة على بابي .
لكن قبل أن تطويك الأيام وتدثرك في سجل الذكريات العتيقة وقبل أن تسدل ستائر النسيان على آخر صفحة من صفحاتك دعني أذيلها لك بكلمة عتاب كما ذيلت لي عاماً من عمري بالمرار .
أيها العام .. لقد أخذت من الأحبة الكثير .. ابتلعتهم كما يبتلع الحوت أسماكاً صغيرة تقترب منه .. مداعبة .. ملاطفة .. تتحسس ببراءة نعومة جلده وبريق عينيه قبل أن يتقد الموت في جوفه فيحصد دون استئذان أفئدة كانت ملجأً لي أمارس فيها طقوس بوحي ..
كانت صومعة لي أفرُّ إليها عند كل استراحة محارب ..
كانت قبراً أئد فيه أحزاني وآلامي وأسراري .
تمرُّ الأعياد تتوالى على عمري .. سوداءَ كباقي أيامي .. خالية من بريق أمل ..
من شعاع نور هارب ..
من خيط ضوء تائه فقد بوصلته بعد أن لفظته أنسجة الشمس حين اعترتها حالة تمرد !
وتتوالى معها أسئلة حائرة تنتحر فيها الأجوبة قبل أن تنتهي من طقوس صلاتها الأخيرة .
تصفعني للمرة الألف عبارة ( تلغى جميع مظاهرالاحتفالات بالعيد ) عبارة تدك مسامع أذني وقلبي فجر كل عيد ..
تختنق في جوفي ..
تحتبس مع ما جف من الدمع في مآقيي وتدور معي تائهة حائرة في فلك الأسئلة التي ليس لها أجوبة ..
أليس العيد للفرح ؟
فلماذا تلغى جميع مظاهر الاحتفالات ؟
وتتقاذفني الإجابات من اليمين إلى اليسار .. من اليسار إلى اليمين .. إجابات أمرُّ من علقم الصفعات ..
أوضاع قاسية في الأراضي المحتلة ..
أوضاع قاسية في لبنان ..
أوضاع قاسية في العراق ..
أوضاع قاسية في غزة هاشم ..
فلماذا أيها العام ؟
لماذا يأتي العيد في هذه الأوقات القاسية من كل عام ؟
ولماذا يقتلون العيد ألف مرة ؟

**********

غزة

غزة يا وجعي الذي لا ينتهي .. كم كان نصيبك من الأعياد المعلقة ؟
منذ متى لم يزرك العيد يا غزة ؟
منذ متى لم تعانقك صباحاته ولم تلفحك خيوط فجره بنسائم لها مذاق العيد وكعك العيد ؟

قدسي

اشتقت إليك ..
اشتقت لبيتي هناك ..
اشتقت لأحبتي هناك ..
اشتقت لطفولتي هناك ..
اشتقت لملعبي هناك .. لمدرستي .. لحارات القدس العتيقة ..
اشتقت للمسجد الأقصى ولساحات الحرم .. اشتقت لأصدقاء الطفولة وأرجوحة العيد .

*******

أيها العام .. أحلم ببيت له سقف لا تتساقط سطوره فوق رأسي عند كل علامة استفهام .. مللت البيوت المتصدعة وأسقف (الزينكو ) ..
أحلم ببيت يكون وطناً لي ولأولادي في حاضري وغدي كما كان لأبي وجدي في الأمس ..
أحلم بصبح أقبض عليه بين أصابع يدي لا يسلبه مني أحد ..
لا ينتزعه مني أحد ..
ولا يشاركني في رسم خيوطه وتشكيل همزاته أحد .
أحلم بشمس أرجوانية ساحرة الملمس تدفىء قلبي اليافع .. تدغدغ مشاعري الحالمة وتعدني بنهار لم يسبقني إليه أحد .
أحلم بتحية صباح منزوع منها الغلّ .. لها لون واحد هو لون الشمس .. ومذاق واحد هو مذاق الحب .. ورائحة واحدة هي رائحة العيد .
أحلم بمعانقة الأحبة حباً في العناق وليس رغبة ملّحة في مواساتهم ومسح آلامهم وتجفيف دموعهم وهدهدة جراحهم .
أحلم بالعيد ..
أحلم بعودتك غزة كما كنت قبل هذا العيد ..
أحلم بالعيد تحت سماء غزة ..
تحت سماء القدس ..
تحت سماء الوطن في فلسطين .
أحلم أيها العام بعامٍ جديد ..
لي فيه وطن ..
لي فيه أحبة ..
لي فيه بيت يصافحني فيه ألف عيد وعيد .


الأربعاء، 31 أغسطس 2011

أهلاً بالعيد .

أهلاً بالعيد
أنا وأنت يا عيد .. أمسيات من عناقيد وعقود ..
أضواء .. شموع .. قناديل ..
بطاقات حب .. ذكريات مطوية بدفتري العتيق ..
مواقد الشتاء .. أرصفة من البياض .. دمية تناثرت بقايا شعيراتها بين مخالب مشطي العتيق ..
ليالٍ صيفية وقمر الجيران خلف نافذتي .. ينتظر معي صباح العيد ..
فستان وردي ينام بجانبي على السرير ..
مذياع .. يهلل .. يكبر .. ينشد ..
أهلا ً .. أهلا ً بالعيد ..
وأنا في عجالة من أمري .. قبل أن تفرّ أصابع العيد من يدي .. أختطف كعكة بالعجوة ..
أضم الدمية إلى صدري .. أقبّلها .. أمنحها مصروفي في العيد ..
بعد ثوان ٍ قليلة .. أشد ضفيرتها .. أسرق منها العيدية .. وأنطلق مع الريح ..
أقذف بالعيدية إلى الهواء.. فيلقي إليّ بمراجيح الفرح .. بمراجيح العيد ..
في المساء أعود نادمة .. أضم إليّ دميتي من جديد .. أبكي على صدرها وأشكو لها بخل العيد ..
كان بخيلا ً بحضوره .. لم يطل المكوث في الخارج .. مرت ساعاته كالحلم .. كالكذبة .. كالأسطورة .. لم ينتظر حتى يودعني .. وجدته خلف الباب يلملم أذيال ثوبه وينطلق مع الريح ..
مسدت شعر دميتي ووعدتها ألا أشد ضفيرتها مرة أخرى .. ألا أسرق عيديتها مرة أخرى .. ألا أقذف بثروتي إلى الهواء كي يهديني الفرحة .. والعيد .. والمراجيح .
في العيد الذي يليه ..
دميتي على الأرض قرب السرير .. دموعها على صدرها .. جدائلها مبعثرة .. بقايا شعيراتها علقت بين مخالب مشطي العتيق ..
وأنا أطير مع الريح .. أواعد الهواء .. أنقده مصروفي فيهديني الفرحة .. والمراجيح .. والعيد .
ومذياع .. يهلل .. يكبر .. ينشد ..
أهلا ً .. أهلا ً بالعيد .

الأحد، 14 أغسطس 2011

حروف متمردة

حروف متمردة
هل تلد الغيمة الحبلى عصافيرَ .. وهل تمطر السماء في الحضن زنابقَ ووروداً ؟
وهل أمواجك يا بحري الصاخب تستطيع في
ذروة تلاطمها وعربدتها أن تجرح كبد السماء
أو تمزق شغاف فؤاده ؟
كذلك أنت يا جرحي النازف لن تلد جراحك الحبلى إلا الجراح .. ولن تمزق بأناملك الحريرية إلا أفق آمالي الندية .. ولن تخدش بجبروتك سوى زهو أحلامي وأطيافها الوردية .
وأنت يا حرفي المتمرد .. ويا لعنتي ..
عندما أولد على يديك وعلى يديك أشاهد مصرعي .. فبماذا أؤمن ؟
بماذا أؤمن بعد اليوم وقد تمردت علي حروفي .. وُمزقت جروحي .. وأعلن للملأ ترصد مماتي ؟
لست منك يا حرف ولست مني ..
لست منك وقد نهشت بمخالبك الجارحة كتفي العاري ولب فؤادي وغرست أول مسمار لك في نعشي .
حزينة أنا ؟
لا .. لست حزينة ..
أنا الحزن بأكمله ..
مدائن من الحب لم تكن تسعني .. وتضيق بي يا حرفُ فترميني .
قلبي الحرّ مأوى لكل الأنام .. وأحداقي تسكن فيها كل الأحلام .. تغفو فيها .. تختبئ فيها من أعين الظلام .
فيلوح فجرك في غير وقته يقتحم أحداقي وينبش أحلامي ويطرد كل سكاني .. ولوحدتي يبقيني .
أبحث فيك يا وطني ..
يا مسقط رأسي .. ونهاية كل تجوالي و سنيني .. أبحث فيك عن رقعة ..
عن بقعة ..
عن قلب ..
عن سراب .. يأويني .
فلا أنت يا وطن .. ولا أنت يا أحداق ..
حتى أنت يا عمري الهارب ما شفعتم لي حين قرر حرفي المتمرد تكفيني .

الأربعاء، 10 أغسطس 2011

ونحن عندما نتمزق !



ونحن عندما نتمزق
دعوني أنا ابنة القدس أحكي الحكاية .. حكاية الطفلة التي كانت تركض بشقاوة الأطفال في حارات القدس وتجوب أبوابها السبعة .. تخرج من باب الحرم إلى ( باب الساهرة ) تذهب إلى مدرستها التي كان اسمها ( مدرسة الفتاة اللاجئة ) .. ثم ترجع ظهراً لتعبر إلى طريق منزلها من ( باب حُطَّة ) .. تضيء شمعة في ( بيت الولي ) هكذا كان يسمى .. وتركض إلى (حارة السعدية ) .. إلى ملعب حارة السعدية تحديداً كي تمارس كل ما تأتى لها من شقاوة وتمتع طفولتها في اللعب على الأرجوحات هناك ثم تعود أدراجها بعد أن يهدها التعب من اللعب إلى منزلها .. تعبر في ساحات الحرم الكبيرة ثم تكمل اللعب والجري والقفز في لواوين الحرم
كما كانت تسمى آنذاك .. وأحياناً كانت تتسلل خفيةً عن عيون الأهل فتعبر من ( باب الإبراء ) لتشاهد مجموعات (الشكناز) يقومون بطقوس غريبة .. يقفون فيها أمام حائط كبير ..يحملون بين أيديهم كتابهم المقدس يقرأون فيه ويبكون ويدقون رؤوسهم بذلك الحائط ..
وكان البعض منهم يعد الموائد الخاصة بتلك الاحتفالات .. موائد ممتلئة بالفاكهة
ـ فاكهة بلادي من برتقال وتفاح وغيره ـ
وكنت أقف كالغريبة بينهم مع أنها بلادي أنا .. وأشاهدهم باستغراب طفلة .. لم أكن أفهم حينها ماذا كان يحدث!
كنت أجوب الحارات القديمة وأبواب القدس السبعة مراراً وتكراراً كأنني كنت أجوبها عن عمري كله ..
وخرجت من تلك البلاد .. خرجت من بلادي بالقوة ..
ولم أرجع يوماً ..
ربما لن أرجع ॥لن أرجع إلى تلك البلاد ..
إلى تلك الحارات ..
إلى تلك الملاعب ..
أولادي كبروا في الخارج .. كبروا في المنافي .. كبروا في الشتات ..
لم يرجعوا يوماً ..
وربما لن يرجعوا إلى تلك البلاد أبداً ..
منذ أربعين عاما ً لم أتنفس هواءً يشبه هواء تلك البلاد .. بلادي ..
منذ أربعين عاما لم أنم ليلة إلا وطعنات الغربة تمزقني !
أحمل حقيبتي وأولادي وأجوب بلاد الله .. بلد تلفظني بعد أخرى ..
وأولاد الشكناز يجوبون حارات القدس العتيقة ويعبرون من أبوابها السبعة !
لم يعد لي وطن ..
لم أعد أمتلك الهوية ..
وهم أولاد الشكناز لهم وطني .. ويحملون هويتي !
واسأل نفسي بمرارة السؤال .. هل يا ترى أولاد الشكناز سيعرفون كيف يجوبون الحارات القديمة كما كنت أجوبها أنا ؟
وهل يعرف هؤلاء كيف يضيئون شمعة في بيوت الأولياء الصالحين كما كنت أفعل أنا ؟
أم تراهم فقط يعرفون كيف يدقون رؤوسهم بالحائط كما يدك أباؤهم الآن أساسات المسجد الأقصى .
أنا لم أحترف الكتابة يوماً .. ولم أحترف البكاء يوماً ..
ولكني وبكل مهارة احترفت التشرد .
لهذا عندما تبكي القدس نحن نتمزق وعندما نحن نتمزق ستبكي القدس .

الأحد، 7 أغسطس 2011

آلاف من اللاءات .

آلاف من اللاءات
كل شيء في هذا العالم يتضاءل ويصغر ثم يتلاشى إلاّ هذا الفراغ الذي يغلف روحي كشرنقة أطبقت فكي حصارها على حبة توت بري نبتت بالصدفة بين ثناياها وفي ربيع فصولها فإنه يكبر يوماً على صدر يوم .
فراغ تتسع مساحته وتتطاير في أفق عيني الموشح بألوان ضبابية باهتة إلى داكنة بعض الشيء فيبتلع كحوت في ذروة هيجانه كل الأسماك الدافئة .. الحنونة .. المحبة ..الراضية والقانعة بأقل مساحة من الضوء وأصغر مساحة من الأمل .
كإخطبوط هرم يمدُّ هذا الفراغ أرجله فيسحق ببواطن أقدامه أزهار الغد ونسائم الفرح وعناقيد الحب ولا يبقي لي إلاّ بركة من الفراغ أعوم فيها بعد أن فقدت خيوط الجاذبية الأرضية .
أرى كل شيء حولي .. أسمعه جيداً.. أقترب منه لكنني لا ألمسه .. أتمنى لو أستطيع .. لم أعد أرغب بملامسة الأشياء !
بداخلي تعنت غريب ورفض شديد لكل ما هو موجود .
كالطفل الصغير الذي يملك أشياءه المحدودة .. يرغب فيها .. يريدها .. ولا يرضى بغيرها بديلاً .. أنا أيضاً لم أعد أرغب في البدائل الهابطة عليّ من أفق مجهول .. لم أعد أرغب بأنصاف الحلول ولم تعد تعجبني .. الانغماس في الموجود والمتاح والممكن لأنه المسموح الوحيد أيضاً لم يعد يعجبني ..
ومن هذه اللحظة فإنني أرفض ملامسة أي شيء فرض علي في لحظات الاختناق .. فأنا لم أعد أخشى الجدر العالية وانحباس المطر و نقص ذرات الأكسجين في رئتيِّ .
تجرع الأخر كما هو شيء مرفوض جملة وتفصيلاً .. محاولة احتواء البعض على أساس أنهم هم العالم الذي سأعيش فيه وله أيضاً مرفوض .. محاولة صبغ الأشياء بألوان جديدة لن ينفي عنها صفة الرفض .
لم أعد تلك الطفلة الصغيرة التي لا هم لها في الحياة سوى أن يربّت الجميع على كتفها ويغرقونها بعبارات المديح والإعجاب كونها متزنة العقل وجادة التفكير وتتقبل برحابة صدر كل ما يملى عليها من إملاءات ..
تستوعب البدائل المطروحة حتى لو كانت تقتل كل اللاءات بداخلها وتظهر فقط نعم هزيلة مستضعفة باهتة تهز رأسها بكل خنوع .
من هذه اللحظة كل شيء مرفوض حتى تصدر الأنا الداخلية قرارها الأكيد والمعزول عن أي تأثير خارجي بقبول هذا الشيء وبالتحفظات والشروط والإملاءات التي ترضي الأنا ..
ولتكن بركة من الفراغ .. ولتصبح بحراً ..
لن أسجن الأنا ولن أقيدها ولن أسمح بأية إملاءات عليها ولن تكون النعم الهزيلة ظاهرة على السطح أبداً ولن أدفن آلاف من اللاءات كي تصبح نعم هزيلة هي عنواني .

الجمعة، 5 أغسطس 2011

شرق جهنم

شرق جهنم

" هنا أو هناك أو شرق المتوسط مرة أخرى " عنوان ليس لي .. أو ربما كان لي ..
ربما كان أنا أو أنت .. ربما كان " عبد الرحمن منيف " كاتب هذه الرواية .. مؤلف هذه الرواية .
ربما كان يقصدك بالحرف الواحد .. ربما كان يقصدني أنا .. ربما كان يقصدنا كلينا .. ربما لم يقصد أحداً فينا ..
هذا العالم مليء بأشباهي وأشباهك وأشباهه .
هنا أو هناك أو في أية رقعة من هذا الوطن العربي أنت فلسطيني .. وهذه في حد ذاتها ليست صفة إنما قد تعتبر جريمة .. وجريمة لا تغتفر .. هناك خلف المحيط إن جاز لنا القول " المتهم بريء حتى تثبت إدانته ".. هذا عن المتهم لكن عن الفلسطيني فالوضع مختلف تماماً فالفلسطيني متهم ومتهم ومتهم حتى ولو لم تثبت إدانته ..
الهروب خلف المحيط خطأ فادح .. الهروب إلى حضن الوطن والاحتماء فيه ممنوع لأنك فلسطيني .. التفيؤ بظلال الليمونة عوضاً عن الزيزفون أيضاً ممنوع .. وأن تحمل ليمونتك العتيقة ذات الرائحة الشجية على ظهرك وترحل بها فكذلك ممنوع وأن ترسل في إثر عبقها وتستدعي رائحتها الشذية في أحلامك ممنوع ..
أن تبقى فلسطينياً ممنوع ..
أن تصبح غير فلسطيني ممنوع .. أن تحيا فلسطينياً ابن فلسطين ممنوع .. أن تحيا فلسطينياً ابن ألف شتات وشتات ممنوع ..
أن تموت ممنوع ..
لن تموت قبل أن تسقط ورقتك الأخيرة !
أما أن تسقط أنت وتشبع سقوطاً وأن تدوسك الأقدام القذرة .. وأن تركلك كل الأقدام الصغيرة والكبيرة .. السوداء منها والبيضاء .. ذات الجدائل وغير ذات الجدائل .. المثقفة منها والأميّة الثقافة .. وأكثر .. وأكثر من هذا السقوط وورقتك الأخيرة لم تسقط بعد !
أين ستسقط ورقتك ؟
أين ستسقط ورقتك وترتاح من الرحيل عبر المحيط .. خلف المحيط .. خلف المتوسط ..
وسط المتوسط .. شرق المتوسط ؟
أين ستسقط ورقتك ..
في القدس ..
في حيفا ..
في يافا ..
هناك في تلك القرية الصغيرة التي غابت ملامحها .. ومحى الشيطان كل معالم أنوثتها
ورسم بأظافره قرنيه على بابها .. وأوصدها في وجهك ألف عام ..
أين ستسقط ورقتك إذا ؟
ربما داخل المحيط .. في جوف حوت .. سمكة قرش .. دولفين جائع ..
وأيضاً .. لا أضمن لك ذلك .. فأنت فلسطيني ورقم هويتك أصفار ليس لها عدداً .. ليست لها قيمة لا على ذات اليمين ولا على ذات اليسار .. ولا حتى .. لو صافحت كل الوجوه الحقيرة .. ستبقى صفراً متأرجحاً في الهواء ..
فما ضير أن تكون هنا أو هناك او شرق جهنم مرة اخرى طالما انك
ما زلت فلسطينياً .

الخميس، 4 أغسطس 2011

اخرج من ظلامك

اخرج من ظلامك
اخرج من ظلامك ..
لست وحدك ..اخرج إلينا .. فنحن والهم سواء ..
هو القدر !
لا نملك أمامه الحيلة .
ولكنك أنت لنا .. ونملك أن نبقيك معنا .. نملك أن نبقى
بجانبك .. نملك أن نهبك أنفاسنا .. أن نهبك رئاتنا ..
نحن بشر ..
مجرد بشر ..
لا نملك أية قوة خارقة ..
لا نملك تغيير مسار الريح إن هاجت .. ولا نملك رد موج البحر الصاخب المتلاطم ..
نحن بشر ..
لا نملك رسم حدود ٍ للألم والجراح .. ولا نملك حق
نفيها أو تشريدها أو تهجيرها أو حتى تشتيت شملها ..
نحن بشر كتبت علينا خطى .. رسمت لنا طريق .. لا
نتعداها .. نتقبلها بالحزن .. نتقبلها بالأسى ..نتقبلها بالرضى .. نتقبلها .. ولا نحيد عنها .. ولا نملك حق مساومتها أو استرضائها ..
لا نملك حق استدرار عطفها أو حتى استجدائها ..
نحن بشر يتملكنا حزن ٌ .. يتملكنا عجزٌ .. يتملكنا قهرٌ ..
ظلمٌ .. كيدٌ .. فقرٌ ..
لكننا أيضا ً يتملكنا قلبٌ ..
يحتوي كل الحب ..
يحتوي كل العطف ..
كل الأمل .. كل الحلم .. كل الحنان ..
فلا تيأس ..
لست وحدك ..
اخرج من ظلامك ..
اخرج إلينا .. اخرج إلينا ..
لست وحدك ..
اخرج من ظلامك .

الأحد، 24 يوليو 2011

أرصفة النسيان

أرصفة النسيان
أنت .. وأرصفة النسيان مرة أخرى .. وهذا الملل الأسود يحاصر روحي .. يخنق نسائم الربيع في أيامي ويمحو عناوين اللحظات الجميلة من ذاكرتي ومن البال .
رسائلي لا تسافر إلا إليك .. وروحي لا تنتظر من الغياب غيرك .. ووحدها علامات الاستفهام استعصى عليها الفهم وبقيت تراوح في مكانها تنثر من حولي نفس السؤال ..
في صباحات تكاد تخلو من كل شيء إلا من صوت الصباح وهو يقرع الأبواب .. يعلن ميلاد يوم جديد .. يوم جديد لكنه في غيابك يشبه الأمس .. في ركوده ..
في صمته .. في هدوئه المميت .. في دورانه عبر حلقات الفراغ .
وأنت تتجول كسلحفاة تحتضر على أرصفة النسيان .. لا تدري هل أنت فعلاً منسي أم مقصي عن هذا القلب .. ربما كنت تحاول الفهم .. ربما خطر إليك أن تنثر من حولي نفس السؤال ..
لكنها وحدها علامات الاستفهام هي التي تدور من حولي وتتجرأ وتنثر نفس السؤال ..
حاولت أن أقلب الطاولة على جميع الأرقام .. وأختارك من بين تلك الجموع رقم عمري .. وأرفعك عالياً في وجه جميع علامات الاستفهام .. لكنك كعادتك غائب .. تتجول على أرصفة النسيان ..
وقلبي اليوم يعاني من حالة ملل .. فقد الرغبة لسماع صوتك المتهدج على الضفة الأخرى من القصيد .. يحاول التصنع والتظاهر بخبث مفضوح أن صوتي في تلك اللحظة لم يهب له الحياة ..
اليوم أهديك هذا الملل فهو نتاج عنادك وغيابك .. لن أرسل إليك صوتي ..وسأكتفي أن أراقبك من نافذة الأيام وأنت تقطع أرصفة النسيان جيئة وذهاباً تحلم أن يقفز صوتي إليك عبر مظلة وردية .. أو سحابة ماطرة .. أو هبّة ريح حانية كتلك التي كانت تحملني إليك بلحظات الاشتياق فأمزق من حول عنقك شرنقات البعد .. وأحطم جميع مسافات الغياب ..
لكنّي لن أفعل ..
علامات الاستفهام لم تعد تهمني .. ولتبقى أنت كما أنت .. معلقاً على أشجار النسيان ..
قد تقع يوماً فتهبط في حدائق قلبي بأمان عندها سأعلن لجميع علامات الاستفهام أنك وحدك من يحق له أن ينثر من حولي ذلك السؤال ..
وقد تبقى كما أنت .. أسير أرصفة النسيان .

أيها البدوي المتعب .

أيها البدويُّ المتعَب .
أختفي وراء غلاف مجلة .. أتدثر بصفحات الجريدة .. أرفع صوت المذياع حتى يصل أذن القمر الوسطى كي أتجاهل وجعك أيها القلب .. كي لا أسمع صدى أنينك يبكي كل ليلة ..
أختزن دموع الكون في رأسي حتى لا تفاجئني رغبتها الرعناء في الانهمار حين أرسلها لتلثم بعد
مرِّ الاشتياق بؤبؤ عينيك ..
 أقسو عليك .. نعم .. لكنك تستحق أن أقسو عليك .
 أهديتك مشاعر حالمة .. بيضاء .. أشد نصاعة من بلورات الثلج وهي تندفع لحظة الميلاد من رحم السماء  .. فتحولت بين يديك إلى رمادية اللون .. فاقدة النطق .. تائهة الخطا والأحلام ..
نعم .. تستحق أن أقسو عليك .
قلت لك ذات يوم جميل لا تشرب القهوة من فنجاني .. اشربها من هنا .. من هذه الأحداق  ..
 أجبتني بقسوة لم أعتدها منك .. عيناكِ لم تعودا ترويان ظمئي .. عيناكِ دائمة الهروب .. عيناكِ دائمة الترحال .. وأنا رجل بدويٌّ  .. تعبَت مني بداوتي .. وتعبتُ منها .. تعبتُ أيتها البدوية من كثرة الأسفار والترحال .. أريد أن أتذوق معك طعم الاستقرار .. أريد أن أتذوق طعم الأمان ..
 عيناكِ لم تعودا تمنحاني ذاك الأمان .
وأخذتك الأيام بعيداً ..  كنتَ تتبعها كالزئبق .. تفرُّ من هنا .. تصعد إلى هناك .. وأنا أنتظر عودتك بفارغ الصبر .. معلقة على شرفات الانتظار ريثما تعود فأمحو غيابك سطراً وراء سطر .. وأفتح معك صفحات وردية من اللهفة والشوق والحنين ..
لكنك لا تنفك تسألني عن الأمان ..
وعن الاستقرار ..
أيها البدويُّ المتعَب .. أيها الشرقيُّ الذي لا يكلُّ ولا يملُّ الترحال ..  أنا لا أملك زمام هذا الأمان  ..لا أعرف كيف يكون مذاق الاستقرار .. وما هي نكهته التي لا تنفك تسألني إياها كل صباح وكل مساء ..
 أنا بدوية مثلك ..أنا بدوية مثلك أعلق على هذه الجدائل كل الأحلام .. الغد يشرق من سماء جدائلي .. والليل ينام هنا كعصفور بريٍّ  يغفو بين أنامل هذه الضفائر ..
من هنا يمرُّ الليل والنهار .. الصيف والشتاء .. الربيع والخريف .. وكل الأوقات .. من هنا عبرت وتعبر الأزمنة دون جداول للوقت ومواعيد للطيران ..
 أنا أيها البدويُّ لا أملك ناصية  للاستقرار .. لا أعرف قارعة يسكن على جنباتها ويبيت لياليه هناك .. كفَّ عن العبث بجدائل الغيرة  .. لا تستفزها أكثر فتؤذيك .. ولا تقتل هذه المشاعر الراحلة  معك وإليك  في غياب مفرط وسفر دائم وترحال إثر ترحال .. ترفق أيها البدويُّ المتعَب فأنا متعَبة مثلك ..
الاستقرار أنا لا أعرفه .. لا أعرف كيف يكون شكل حروفه .. ولا أعرف من أي غيمة تمطر قوافيه ..لا أعرف له وزناً أو بحراً .. ولم أرثه مع ما ورثت من دواوين الشعر وأعمدة الخيام ..
 أيها البدويُّ المتعَب لك أن تستلقي في ظلال حبي كل العمر .. ولك أيضاً أن تبقى كما أنت حرَّ التجوال .. لكن لا تطرق باب هذا القلب بعد اليوم فلن تشرب قهوة الصباح  من هذه الأحداق .

هل أنا قاتلة ؟

هل أنا قاتلة ؟
أنا التي أخشى عليك من نسائم العتاب .. قتلتك !
كيف .. لا أعرف ؟
كل ما أعرفه أنني صوبت سهماً تجاه قلبك ..
قلبك المتعب .. قلبك المنهك .. قلبك الممزق .. قلبك المثخن بجراح حبي ..
فاخترقته وأرديته قتيلاً ..
هل أنا قاتلة ؟
هل أنا قصدت قتلك ؟
لو كنت أقصد قتلك كنت عاتبتك أولاً..
أنا التي أخاف عليك من رياح العتاب أن تلفح ملامحك المشتاقة فتبرد نيران الشوق بقلبها وأنا بأمس الحاجة لحرارتها في هذا الجو البارد الكئيب فكيف أنا أقتلك ؟
ومع ذلك قتلتك .
لم أنتبه أن قلبك متعب .. أنك منهك من التعب .. اندفعتُ كالبركان الثائر وأطلقت حممي المتصاعدة والملتهبة عليك .. ثم انسحبت عائدة بعد أن صوبت لك سهماً كبيراً في قلبك ..
قلبك الذي أخاف عليه وأخشى ..
هل أنا قاتلة ؟
لم أستطع النظر في عينيك ساعتها .. لم أحتمل أن أرى نفسي قاتلة فيهما بعد أن كنت الملاك البريء .. بعد أن كنت شعاع الأمل .. طاقة الحب .. ينابيع الشوق .. سلال المحبة والدفء ..
فإذا بيَّ قاتلة .. قاتلة .. قاتلة ..
إن أسعفك العمر والزمن وقلبك المثخن بالجراح ولم تمت ..
أقصد لم تقتل ..
فاغفر لي وسامحني
وتأكد أنني مشتاقة لملامحك المحبة وأنني أخطأت التصويب تجاهها .
ربما كنت أريد قتل الوقت الذي طال في بعدك ..
أنا آسفة .. سامحني ..
لم يكن قصدي أن أقتلك ..
هل أنا قاتلة ؟

الأربعاء، 20 يوليو 2011

أنتَ وجعي .

أنت وجعي

لم أرسل إليك وروداً في هذا العيد .. قلبي حدثني بأنك مللت تصفح الورود .. مللت الحديث إليها .. مللت الشكوى ..

صمتك كان أكبر من كل التكهنات التي كانت تداعب مخيلتي وأطردها على عجل وأمنّي نفسي أنك بخير وما صمتك هذا إلا هدوء شاعر يتربص نجوم الليل ليأسر أجملها وينسجها لي

عقداً أزين بالعيد فيه نحري ..

طال انتظاري للعقد .. وطال انتظاري إليك .. وحديثك أصبح بعيداً .. أبعد من حدود الوطن حين تلوح مشتاقة من سماء الغربة .

وجعي أنت .. لا وجع بيَّ إلاَّ أنت ..

هل ألملم شتات فكري وأرسله إليك باقات حنين واشتياق .. قد مللت الحديث في صمتك .. وحرمت على نفسي عذب الكلام في الغياب  ..

هل أرسل حروفي إليك لترتديها  شالاً صوفياً  تتدثر به في ليالي الصقيع .. أم أن حمّى الوطن تسري في دمائك فتشعلها لهيباً .. جمراً .. ناراً .. لا تنطفىء ..

هل أرسل قلبي إليك .. قلبي مرفأك .. القِ إليه بأنياب الغربة التي مزقت لياليك ونهشت حلمك ..

أنا في حيرة من صمتك .. أنا في خوف من صمتك ..

وحدي وأصوات الليل تناديني من كل حدب وصوب .. وصدى صمتك يفجر المكان ويقول لي بحروف هدها التعب : أنا تعبت ..

 أنا تعبت ولا من أكفٍّ في هذا العالم ألقي إليها برأسي المثخن بالأرق .. بالقلق .. بالهواجس .. بالخوف .. فتحتضنه .. وتمسح بأناملها الدافئة ما علق به من خوف .. وتذيب بحنانها ما انسكب فيه قهر .. من ظلم .. من غربة .. من تسكع في موانىء الدنيا دون أن يحتضنني شاطىء واحد لا يعلق على جبيني راية غريب . 

وجعي أنت .. متى يذوب صمتك وترسل إليَّ كلمة واحدة ..

 أنا بخير .. فاطمئني ..  

 

الاثنين، 18 يوليو 2011

أشياء لا تموت .

أشياء لا تموت .
الإهداء .. إلى اسمك الذي حفرت حروفه على جدران القلب قبل آخر رحيل .
هناك أشياء تبقى حية في ذاكرتنا .. في قلوبنا .. في ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا ..
هناك أشياء لا يمكنها أن تموت ..
فليسمح لي اسمك الذي كان يظن نفسه إلى عهد قريب أنه يرقد بين الأموات ..
هناك أسماء لا تموت ..
هذا الزمن غريب الأطوار .. على قسوته الظاهرة على محياه يفترش اللين مساحات واسعة من حدائق قلبه ..
ينثر غبار الطلع على ملامحك فيغيبها قسراً .. ويبعثر الزهور التي كنت تحملها إليَّ في كل لقاء وينثرها على مفارق الطرقات ..
ومع ذلك فهو لا يزال للحظة يحتفظ بك داخل غيمة حبلى بالأمطار .. سيهطل مطرها على حقول السنابل هناك في يوم من الأيام .
هذا الزمن غريب الأطوار ..
يغطي الذكريات الجميلة التي زرعناها أنا وأنت على شرفات تلك الأطلال بشال من الحرير الهندي .. وسقف متين من القش ..
ومع أول نسمة ربيعية تلفح سماء القلب .. وتدغدغ جفون اللقاء .. يميط بكفيه القاسيتين شال الحرير عن عينيك ..
فتراني بوضوح ..
وترى معي صور ذلك الزمن الجميل تتراقص كالبجعات السبع على صفحات الماء .. وترى اسمك يتلألأ من جديد .. كنجمة صيفية حالمة .. لا شيء يثنيها عن الضياء ..
ولا قوة تثنيني عن غزل أطواق الشعر الجاهلي المتمترس على أبواب اللغة قبل ألف أبجدية وعام .. ولفها تعويذة حول عنقك وقلبك لتطهرك من براثن الحسد بعد كل غياب ..
أنتَ أنت ..
أنتَ أنت بعد كل غياب ..
وأسمك يتلألأ في الذاكرة ..لا شيء يمحوه ..
لا شيء يجرؤ أن يمحوه ..
ولا شيء يجرؤ على الاقتراب من ناصيته ..
لكنّي مع كل هذه الحفاوة بك وباسمك لن أدعوك الليلة للاحتفال معي بعيد مولد القمر ..
فهناك أشياء لا تموت حقاً ..
لكنها لا تعيش بين الأحياء أيضاً ..
هناك أشياء لا تموت .. ولا تعيش أيضاً .

سيد المكان

سيد المكان
يا سيد المكان ..
وشت عصفورة النافذة بك ..
أخبرتني كم كنت في حالة اشتياق ..
كم ذابت على لسانك حروف اسمي .. وكم تبعتها تنهيدات وزفرات ..
يا سيد المكان ..
أعددت لك قهوتك السمراء .. ومنفضدة السجائر .. وولاعتك المذهبة .. وأشعلت لفاف سجائرك التي تحترق رائحتها في أنفي منذ أول لقاء ..
كم بقي من الوقت ؟
لم تخبرني عصفورة النافذة كم بقي من الوقت .. تركتني والشوق يغلي بقلبي وهربت إليك .. وأنا كالطفلة التي تتعلم النطق .. تتلعثم الحروف على شفتي .. ترتجف آنية الورد في يدي .. أتعثر بخيالي الذي يسبقني إليك ثم أنهض لأرتطم بجدار الظلال ..
كم بقي من الوقت لأعيد ترتيب الحروف على شفتي وأعيد ارتداء ملامح الفرح على وجهي .. وأعيد تثبيت أناملك على خاصرتي ورجع الفيروزيات يحاصر المكان والمدى ؟
وصورتك على الحائط تنظر إليّ ببراءة .. تضحك على حيرتي .. تمدُّ يدها وتنتشلني من أرضي التي لم تعد قادرة على حملي ..
أرغب في الطيران إليك .. مع أن العصفورة وشت بك .. قالت أنك تسابق الريح إليَّ .. ما الذي أخر الريح في الخارج .. وكم بقي من الوقت ؟
امتلأت رئتاي برائحة سجائرك وغفت الفرحة على ملامحي بعد أن أعياها التعب وأنا أركض من نافذة لنافذة أنتظر الريح التي تحملك ..
أظن أن عصفورة النافذة قد وشت أيضاً بيَّ إليك ..
يا سيد المكان كم أحن إليك ؟

السبت، 16 يوليو 2011

لا أكون أنا !

لا أكون أنا ...
لا أكون أنا إن لم أدع غيمات بوحي تنهمر عليك كزخات المطر ..
تلاحق طيفك الشارد ..
ظلك الهارب ..
خيالك الذي فرّ من مرآة عمري وسكن موجة عابرة من الضباب .
لا أكون أنا .. إن لم أدع غيمات حبي تفترش سماءك ..
تروي شرايينك .. روحك .. قلبك ..
وتنسدل على كتفيك شمسا ً حانية .. تدفئك .. تذيب صقيعك .. تغسلك من برودك ..
تغسلك من جبروتك ..
تغسلك من عنادك ..
لا أكون أنا .. إن لم أسخر بحور الشعر كي تغرق مناماتك .. وتطاردك قوافي الشعر في حضن مخدعك وتختبىء في وسائد فكرك .. وتشغلك إنَّ وأخواتها فتصادر من قلب مقلتيك حروف أحلامك ..
أنا .. أنا قلبي قد روضته على غيابك .. قد تعود غيابك .. قلبي اليوم لم يعد شاطئك لتراقص نوارس البحر على رماله ..
من قال بأني أمنح قلبي للعابثين أمثالك كي يقلبون صفحاته باستهتار ثم ألهو أنا بأثار خربشاتهم وما علق منها وما لم يعلق في هوامش الفؤاد ؟
أنت لم تعد تملي رغباتك على قلبي وهو لم يعد ينتظر منك شارة البدء بحبك ولا شارة
الانتهاء ..
لا أكون أنا .. إن لم أغرقك في بحر حبي كما غرقت أنا .. وإن لم تثمل من نبيذ حبي كما ثملت أنا وإن لم تصرخ ألف أحبك كما صرخت أنا .. لا أكون أنا ..
لا أكون أنا .

يسألني الياسمين ... ؟

يسألني الياسمين ... ؟
يسألني الياسمين ولا أجد جواباً .
بماذا أجيب الياسمين .. وكيف أردها حيرته .. وأسكنها لهفته .. وأنا لا أملك لسؤاله الجواب ؟
يا ياسمين لا تقسو .. ولا تكثر من السؤال .
أنا التي أنهكتني موانىء الغربة وأنهكتُها من وقع خطايَ .. أنا التي أتعبتني شطآن المنافي وأتعبتها وأنا أبحث عن ظل ياسمينة من بلادي أزرعها على وسائد الليل وشاحاً .. أرتديها كل صباح .. وأبكي على أوراقها عند كل اشتياق .
صادقت البحر هناك علَّ أمواجه تأخذني بعيداً إلى غير سماء .. سماء تلمع نجومها لأجلي .. يضيء قمرها لأجلي ويكتب رسائله على جبيني أنا .. ولا يخطىء أبداً العنوان ..
لكن البحر صار غريباً مثلي .. وأمواجه استكانت ونامت في مخدعها .. ولم تعد الشمس تغريها قبلات الصباح .
صادقت العصافير هناك وسمحت لها بالغناء على سرير الأحلام .. واستهلكتُ عمري وأنا أكتبها عنوانينَ لمذكراتي ..
رسمتها شعراً ..
تغنيت بها نثراً ..
وطبعت على ريشاتها أحلى القبلات .
لكن العصافير يبقى حنينها إلى الهجرة يسري في عروقها .. لا يكّفُها عنه ولا تردها أجمل المعلقات .
وجدتك يا ياسمينة غريبة مثلي .. وحيدة مثلي .. تتكئين على جدار آيل للانحناء .. تلتقطين أنفاسك حسب أبجدية أعرفها جيداً وأعرف كيف أقرأ منها العنوان ..
تغطين الريشة في محبرة قلبك .. وتكتبين شعراً يشبهني ويشبه أشعاري التي سافرت معي قبل ألف شتات ..
وأنا التي أتعبتني كتابة الشعر والنثر..
وبُح صوت البوح في أعماقي ..
هل لي أن أتكىء على قلبك قليلاً .. هل لي أن أغرف منه ما ضنت به أمواج البحر وعصافير الشتات ؟
كانت الأيام قبلك غريبة .. واليوم أنا لا حاجة لي بتلك الأيام .. اسقني من محبرة قلبك أنا ما عاد يرويني الماء .
يسألني الياسمين فلا أجد جواباً ..
يا ياسمين لا تكثر السؤال ..
أنت اليوم قلبي ..
وصمت بوحي ..
ومحبرة الأشعار ..
كل الأشعار قبلك كانت خيوط عنكبوت على أوراق هذا الزمان ..
أنت وحدك أبجدية ..
أبجدية لم يكتبها من قبل إنسان .. ولم يقرأها غير قلبي .. فلا تكثر الدلال يا ياسمين .. ولا تكثر السؤال .
أنت أبجديتي الجديدة .. وأنت رأس الصفحة .. وأنت العنوان ..
فلا تكثر السؤال يا ياسمين .. لا تكثر السؤال .

الأربعاء، 13 يوليو 2011

لوحة .

لوحة
تَعشقُ الألوان الزاهية أنتَ .. وتَعشقُ جمع الصور ..
وأنا منذ الصغر أهوى رسم الوجوه ..
الوجوه الناطقة ..
لا يهم إن كانت وجوه ضاحكة .. وجوه باكية .. وجوه باسمة .. وجوه مستبشرة .. وجوه مقهورة ..
المهم أنها وجوه ناطقة .
حتى وجهك الملائكي لم ينجُ من ريشتي ..
لم يسلم من خطوط الرسم المتعرجة حول جفنيه .. وتدفق الألوان على حدائق وجنتيه ..
فقد كانت هوايتي منذ الصغر .. رسم ملامح وجهك ومحادثتها .. وانتظارها بين الفينة والأخرى حتى تظهر لي هاشة باشة من محراب الصور .
كنت أمرُّ على ياسمين وجنتيك في كل مرحلة من مراحل عمري ..
أرشه بالندى ..
وأقتلع ما تجرأ من أشواك بريّة حاولت مدَّ جسورٍ لها من المحبة حول حدائق عينيك .. وقبل أن أغادر أترك بصمة خفية بأنامل ريشتي بين حاجبيك ..
ثم أودع الصورة في محراب الصور .
اليوم بعد أن أطفأت شموع الميلاد وأصبح عمري دهراً من الزمان عدت لأرسم لك بين عينيك همسة بألوان الطيف التي تحب .. ولأضع لك على وجنتيك لمسة ندية بريشتي التي تقطر منها أزهى الألوان ..
أخرجت الصورة من محرابها .. نظرت إليها ملياً كمن يفتش عن عمر تاه منه وسط زحف السنين .. حدقت في الألوان .. ثم دغدغتها بفرحة اللقاء ..
ضحكت الصورة ..
نهضت من محرابها ..
ورفعت إلى عينيَّ عيناها .. ومرّت كلمح بالبصر بأناملها المرتجفة على خدي وطبعت قبلة اشتياق ..
ثم تمتمت متمنية لي أطيب عام ..
نطقت الصورة ..
سمعت صوتها هامساً في يوم عيدي ..
وتواطأت مع همساتها دقات قلبي وتمايلت لها كغصن الريحان ..
لا تهزي قلبي ..
جاءني صوتها محذراً ...
أخشى أن تتساقط رطب قلبي منك وتقع في علبة الألوان ..
إنها رطب قلبي ..
إنها عصية على الألوان ..
هي لك ..
عتقتها دهراً بأكمله .. خبأتها عن عين الشمس القائظة .. وعن ضوء القمر الساهر .. وعن عواصف أيلول الرمادية .. وعن غدر نيسان ..
هي لك ..
ارسميها كما تشائين ..
وإن سألوك عنها ..
قولي لهم وردة جورية نبتت على شرفات العمر..
قولي لهم ياسمينة هاجرت معي من تلك البلاد ..
قولي لهم إنها فراشة عمري .. تحرسني من نظرات الحاسدين .. وغيرة النساء ..
قولي لهم ما تشائين ..
لكنها نبضات قلبي وهبتها لك .. لأنها لك .. خلقت لك .. رقصت لك .. ضحكت لك .. مالت وتمايلت لك .. وما ثارت في يوم إلا لك ..
ما دقت في يوم إلا حين مرت عليها أناملك ذات صباح وداعبتها بريشة زاهية الألوان ..
هي لك مهما كان اسمها ..
فهي صورة في لوحة عمرك تنتظرك في قلبي منذ ألف صباح .

نداءات في جوف الليل.



.نداءات في جوف الليل

أطبق الليل فكيه على ضلوعي .. وجثم كابوس الكآبة على أنفاسي .. ومزق أنين صمتي الشارد أذني الآفاق ..
أين أنت .. طالت غيبتك وطالت غربتي ..
بت أقضم أظافر الأيام من قهري .. من ندمي .. من قلقي .. من خوفي .. من شكي ..
أين أنت الآن ؟
يأخذني الحنين كل ليلة إلى تلك الأزقة فأجوبها بحثاً عن وقع خطاك .. عن بقايا عطرك المهجورة على تلك الأطلال .. عن تنهيداتك
.. زفراتك .. أناتك ..
هل ما زالت معلقة بسماء ذلك المكان ؟
أين أنت الآن ؟
تعبت من عد الجراح وحدي ..
تعبت من مصافحة وجوه الغرباء ..
تعبت من الأحاديث التائهة .. وترتيب الكلمات على السطور .. وتنميق حروف الهجاء !
أين أنت الآن .. اجبني ..
أين أنت الآن ؟
في أية صحراء تمضي .. في أية رمضاء..
أطلالنا باتت أشباحا ً .. ودموعنا تحتضر .. وأجسادنا أبرد من هذا المدى .. والروح مزقتها مخالب الأيام ..
الصمت في شراييني اختنق .. ولهيب زفراتي جمرها أدمى الفؤاد .
أين أنت الآن ؟
تعبت من البحث عنك .. وتعبت من طول الانتظار .. تعبت من ارتداءك بأحلامي كل ليلة والغوص في سراب حبك حتى النخاع ..
تعبت من لملمة سجائرك عن وسادتي وجمع أقصوصات أشعارك والخربشات .. تعبت من وعودك العائمة في بحر النسيان .. تعبت من ندمي .. من إنكاري لك .. من جلد ذاتي بآلاف السياط ..
تعبت من مناجاة صورتك كل صباح ومساء.
أين أنت الآن .. تعبت ..
أين أنت الآن ؟

بورك هذا الصباح .



.بورك هذا الصباح
بورك هذا الصباح الذي حملك إليّ .. بوركت ساعاته التي صافحتَ فيها قلبي على عجل .. بوركت دقائق الوقت التي ترجلت عن ظهر خيلها لتتعانق منا النظرات بعد طول غياب ..
يا أنت ..
يا ظلي الذي لا يشبهني ..
يا ظلي الذي لا يتبعني ..
أما تعبت من ملاحقة خيوط الشمس واستجدائها كي تذيب ملامح القهر التي ارتسمت على محياك .. وتمنحك ملامح البلاد البعيدة ..
ملامح البلاد الباردة ..
ملامح البلاد التي تغرق في ليل هادىء لا ينتظر فجره كليلنا على أعواد المشانق ..
يا أنت ..
يا ظل وطن مقهور ..
كيف ستمحو خيوط الشمس ملامح القهر من محياك ؟
كيف ستذيب خيوط الشمس ما سكبته عذراء من ملامحها في لحظة صفاء لها مع نجوم السماء .. رسمت بأناملها على وجهك جبين وضاء .. أنف شامخ .. وثغر يضيء بثقاب الفرح قناديل الظلام ..
يا أنت ..
يا ظلي الذي لا يشبهني ..
يا ظلي الذي لا يتبعني ..
أما تعبت أن تكون حقيبة موت مفتوحة .. ترحل نحو الموت دون استئذان .. تساوم الموت ..
تقايضه على وطن .. على قبر في وطن ..
على نعش في وطن ..
يا أنت ..
ياحقيبة مفتوحة على الموت ..
ترحل نحو العدم .. نحو التيه .. نحو القهر ..
نحو الموت دون اسئتذان ..
يا أنت ..
يا ظلي الذي لا يشبهني ..
يا ظلي الذي لا يتبعني ..
بورك هذا الصباح الذي حملك لقلبي .. فتعانقت نظراتنا بعيدا ً عن ملامح القهر وحقائب الموت .. بورك هذا الصباح الذي جمعنا ..

الليل .

الليل
تراءى لي الليل بسحره ..
تاقت أذني إلى حديث السهر ..
رسمت على ورقة بيضاء صورة قديمة لك .. وعندما هبط الليل داهمها الحنين كما داهمني .. فأتت إلي تحمل بين يديها قلبا ً وتقول لي .. هنا كانت الحكاية ..
كنت صغيرة جدا ً لا أرى من الليل سوى عتمته .. أنتظر لحظة الشروق بفارغ الصبر كما ينتظرها الصغار عادة ..
لكن ذات ليلة لا تغيب عن البال ظهر لي طيفك ..
كان رقيقا .. حالما ً .. سعيدا ً .. مستبشرا ً ..
عندها فقط رأيت الليل ..
عندها فقط ذقت سحر الليل وسحرحديث الليل ..
فأصبحت أقلب الأيام على عجل .. أطوي شروقها بلا رحمة .. وأعلن عن استقبال الليل في وضح النهار ..
معذورة أنا فلليل دفء بلا خيوط شمس تحرقه .. لليل رطوبة بلا قطرات ماء تبلله ..
لليل سحر ..
ولحديث الليل سحر ..
ولك انت في الليل سحر لا يعلوه سحر ..
تاقت نفسي لليل وحديث الليل وسحر الليل فأتيت إليك ..
وجدتك تغط بسبات عميق .. فأدركت أن على شهرزاد الخلود إلى النوم ...

الغائب الذي لا يغيب .


أيها الغائب الذي لا يغيب

ذات حلم .. ذات مساء .. قلت لي ..أكتبيني في أشعارك .. أرسميني قمرا ً .. نجماً .. شمساً.. وردة .. أكليل غار .. طوق ياسمين .. قصيدة ..
اكتبيني قصيدة ..
أنت شاعرة .. وأنا حرف معتل بحبك .. اجمعيني حروف حب في قصائدك ..
احترت واحتارت حروفي التي لم تعرف الحب يوماً ولم تكتبه في أبجديتها ..
كيف يكون شكل هذا الحب وما هو لونه ؟
هل هو اللون الأبيض الناصع البياض الذي يسطع بياضه في العين فترى كل شيء أبيض زاه ٍناصع البياض .. أم هو اللون الوردي .. لون الورد ..
وانت الذي تحب الورد وتعشق الورد ورائحة الورد وأشواك الورد .. لماذا لا يكون حبك باللون الوردي ؟
وذات حلم وذات مساء وأنا أرسم حيرتي في حبك .. وكيف أتعلم أن أحبك .. كيف أتسلق السلم الموسيقي إلى حبك .. نوتة .. نوتة ..
تناهى إلى مسمعي أنك تعشق اللون الأحمر ..
لقد صعبت عليّ المسألة .. ماذا أرسم لك باللون الأحمر .. وكيف يكون الأحمر هو لون الدم ولون الحب في ذات الآن ؟
حبك حيرني ..
وكيف أحبك .. حيرني أكثر ..
وكيف لا أحبك يقتلني ..
وكيف أنساك وأعود إلى الفراغ .. هو من سابع المستحيلات ؟
أنت تتنقل بين الألوان بسرعة البرق .. بلمح البصر .. قوس قزح لا يستطيع أن يضاهيك .. وفرشاتي المسكينة ذابت أوصالها وتقطعت خيوطها .. وقلبي تعب من سباق الزمن ..
وفوضى الألوان مسحت كل البياض المتبقي في قلبي وأنت غائب .. غائب في لون ما أنا لا أعرفه .. لم أعرفه بعد .. ربما لن أعرفه أبداً ..
أنا و فرشاة قلبي وكل الألوان ننتظر مجيئك ..
وأنت غارق .. ربما في لون العدم ..
كيف أرسم لون العدم ..

كيف أرسم ذلك المساء .. قبل أن تظهر ذات حلم .. ذات مساء .. وتقول لي أرجوك أرسميني حرف حب في قصيدة ..
وأنا التي أضحت حياتي سلسلة قصائد لا تنتهي حتى تصل إليك وتحط رحالها
في قلبك ..
قل لي في أي لون أنت غائب علني أستطيع رسمك أيها الغائب في لون العدم
أيها الغائب الذي لا يغيب .
.

كفي ثقيلة .

كفي ثقيلة .

كفي ثقيلة .. كفي أثقل من أن أرفعها اليوم في وجهك للوداع !
كفي التي كانت تركض إليك قبل أن تستوي الشمس في كبد السماء لتنزع عن عينيك كوابيس الليل .. وتفرش صباحاتك بالياسمين المكلل بالندى .. وتسقيك من كفيها أكواب الأمل وكؤوس الحياة .
كفي التي كانت تحتضن ألمك كما تحضن الأم فلذة الكبد .. فتمرُّ بأناملها الغضة على وجعه القاسي علّه يشفى .. وتداعب وجنتيه الباكيتين علّها تضحك ..
كفي التي كانت تنام بين ظلال جفنيك .. تلملم دمعك حين يفرُّ من مقلتيك لحظة قهر .. وتمسح الآهة قبل أن تبني لها أعشاشاً على أغصان قلبك ..
كفي التي كانت تثبت النهار بين حاجبيك .. وتدغدغ بأناملها المرتجفة خاصرة البسمة علّها تكون عنواناً لك .. منارة لك .. أفقاً لك .. ولا تغادر .
كفي التي كنت تمطرها بقبل الاشتياق عند كل صباح .. تكتب على باطنها برموش عينيك أعذب الأشعار .. وترسم أبجديتك التائهة على ظاهرها .. ورموزاً وحدك تعرفها .. تشرح لنا ما بقيَّ من المشوار ..
كفي أثقل من أن أرفعها في وجهك للوداع .
لم أقلب فنجان قهوتي هذا الصباح .. ولم أقرأ الطالع لأعرف إن كانت الأيام تخفي لي خنجراً مسموماً بين الأوراق ..
تناولت قهوتي على عجل .. وقلبت اليوم على عجل .. وكنتَ أنتَ تستوقفني عند كل محطة وتلقي إليَّ بخبر .. وأنا أرفع القلم بوجهك وأقلب الصفحة..
لكن السّم وصل إلى كفي ..
كفي ثقيلة ..
أثقل من أن أرفعها في وجهك اليوم للوداع . .

لا أتوب !


لا أتوب !

أنا لا أتوب يا أيلول ..
لا أتوب ..
يخدعني الربيع ..
في كل مرة يخدعني الربيع .. ولا أتوب ..
أفرًّ منك يا أيلول بعد أن تعصف بيَّ رياحك المجنونة .. تبعثرني فلا أجد جزءاً مني يلتصق بأخيه ..
حطام تتركني يا أيلول وترحل .. وأنا أغفر لك كل عام رياحك المجنونة وعواصفك التي لا تهدأ حتى تسحب روحي من جذورها وتكتب على جبينها كنتِ مني ولا تزالين .
كنتُ منك .. كنتَ مني .. هذا لم يعد يجدي يا أيلول ..
الربيع ساحر يا أيلول ..
الربيع خادع يا أيلول..
والشتاء بارد .. قارص البرودة .. شمسه غائبة كل الوقت .. ورياحه عصفت بكل من حولي فلم تبقِ لي أحداً ..
ماذا لو هادنت الربيع مرة أخيرة ؟
الربيع كان يتبختر أمامي .. يقدم لي عروضاً سخياً .. شمس حانية تنام على كتفي .. وعصافير ملونة ترقص في صباحاتي .. وفراشات بألوان الطيف ترف في سماء أحلامي .. لا تجرؤ أن توقظني .. لكنها فقط تدغدغ بشقاوتها العذبة نوافذ أحلامي .. وماء عذب أشربه من ينابيع قلبه .. وورود تنحني لي في كل الأوقات ..
وأنا سندريلا يا أيلول أعشق جمع الورود لأمير المساء ..
وأنا شهرزاد يا أيلول أجيد سرد الحكايات على شهريار ..
وأنا شجر الدّر يا أيلول أهوى جمع القلوب لتقديم الطاعة والولاء ..
وأنا بلقيس إن كنت تذكرها يا أيلول كم جاءها من الرسل وكما خاطبها الأنبياء ..
وأنا الخنساء يا أيلول أعشق الشعر المنساب على قلبي كمياه الغدران ..
كيف أرد الربيع إن جاءني عاشقاً .. وألقى على قلبي رسائل السلام ؟
كيف أرده وقلبي أوجعه الظمأ .. وأفزعه ليلك البارد العاصف المصفر الأوراق ؟
خدعني الربيع يا أيلول ورحل دون سابق إنذار .
وأنا لا أتوب يا أيلول أهادن الربيع بعد كل غياب .
أنا لا أتوب يا أيلول .. لا أتوب .
.

الاثنين، 4 يوليو 2011

رسائل إلى أمي .


رسائل إلى أمي
الرسالة الأولىسلام من الله عليك يا أغلى من في الوجود ..
اليوم أشعر بحاجة كبيرة لتبادل حديث الصباح معك .. الأحداث تسير من حولنا بسرعة كبيرة لن تنتظر حتى أعود مع الطيور المهاجرة كي نتجاذب أطراف الحديث على فنجان قهوة الصباح أو على مائدة الإفطار .
لا أعلم لماذا خطر ببالي أحداث الحرب الأخيرة عام ... ربما لأنها كانت آخر الحروب التي شهدناها سوياً قبل سفري ..
تذكرت تجمهركم حول التلفاز وحالة القلق والترقب التي كانت تعتريكم وأنا كنت دائماً أقول إليك اهدئي يا أمي ولا تحلمي بالنصر الأكيد .. لا أشم رائحة النصر قادمة إلينا وأنت تقولين لي دعي عنك هذا التشاؤم .
وبعد أن وضعت الحرب أوزارها ولم ننتصر أتيت لزيارتي يومها صباحاً وجلسنا نحتسي قهوة الصباح قلت لي والحسرة تغمرك معك حق يا ميساء يبدو أن النصر بعيد .. بعيد .. وشردت بعينيك بعيداً عني .. ربما أخذتك الذاكرة إلى سلسلة الحروب التي عاصرتيها في حياتك وكانت جميعها انكسارات وهزائم أدت بنا إلى ما وصلنا إليه ..
شعرت بأنني قسوت عليك حين كنت لا أبثك الأمل والتفاؤل اللازمين ॥ لكنني كنت في حينها أخاف عليك من فرط حالة التفاؤل والأمل التي كانت تعتريك ..وأنا يا أمي كما عهدتني لا أنساق بسرعة وراء أحد ..ولا أحكم على أحد مهما كان مهماً وشجاعاً حتى أرى بأم عيني نتائج أفعاله ..
قد أكون أنا متطرفة في هذا الموضوع وقد أكون أنانية بعض الشيء لأنني دائماً أضع القدس نصب عينيَّ بحيث لا أرى أن هناك أي نصر دون عودة القدس السليبة ..
طالما القدس لم تعد يا أمي فهذا يعني أننا لم ننتصر ..
اعذريني يا أمي فالقدس تعني لي الكثير وحبها في قلبي كحبي إليك بالضبط يزداد كل يوم ويفجره الشوق والحنين وطول المسافات ..
القدس تتآكل كل يوم عن يوم وأنا أصبحت اليوم بحالة من اليأس لم أصلها في يوم .. أشعر أن العمر يركض وملاعب الطفولة لن تنتظرني وباحات الحرم هرمت وشاخت وظهرت التجاعيد على وجنتيها البراقة وأخشى ما أخشاه أنها ما عادت تعرفني ..
صعب يا أمي أن تشعري أنك بهذه الحياة نكرة ..وحدك فقط تعرفين من تكونين ومن أي بلاد طاهرة أتيت والله وحده يعلم متى تعودين وإن كان أصلاً بعد كل هذا العذاب يوجد مخطط للعودة .. أشبعونا وعوداً كاذبة وتنازلات فُضحت وفضَحت معها الكثيرين وأمل العودة أصبح كخيط دخان ..
أمي كتبت إليك اليوم ليس لأبثك حزناً أو قهراً لا سمح الله بل لأقول إليك أنني هذه المرة وضعت الأمل والثقة بجيل الشباب وأن الأمل عاد ينام في مخيلتي ويصحو معي في الصباحات الجميلة ويشرب معي قهوة الصباح وأحدثه عنك وعن الأمل بالعودة لتلك الديار .


الرسالة الثانية
صباح الخير يا أمي .. مع أن هذا الصباح جميل جداً ومشرق ويضحك بملء الفيه لكنني لست مشرقة مثله بالرغم من أنه يغمزني بطرف عينه ويرسل إليَّ قبلات حارة من الإشراقات والضياء لكن قلبي اليوم مقفل عن كل إشراق وضياء ..
اليوم فقط تمنيت لو أن الغد كتاب مفتوح أقرأ فيه كل حرف ..لا أريد أن أعترض عليه ..لكنني أريد أن أعرفه ...أريد أن يهدأ قلبي ..تعبت من الركض في حقول التفكير على غير هدى ودون جدوى ..
فقط أريد أن أعرف بقية هذا المشوار إلى أين ؟
لا أعلم لماذا أشعر أن كل هذا العالم يلتف كأخطبوط حول عنقي .. تكون الأمور في البداية .. في كل بداية متسعة جداً ثم تأخذ بالضيق والالتواء حتى تصبح خانقة جداً وأنا كما تعرفينني يا أمي أكره الأجواء الخانقة وأكره كل من يقيد أنفاسي وكل من يحاول أن يرسم لي خارطة جديدة للشقاء .
أعلم علم اليقين أن الله معي ..ولا يهمني الآخرين مهما اجتمعوا وقرروا .. لكنني أحياناً أضعف وأحس كأي إنسانة على وجه الأرض أن الإنسان مهمته الأولى في هذه الحياة هي بث الحب والعطف والتسامح ولكن هذا الانسان أين هو ؟

هذا الانسان أصبح غارقاً في همه ولا يرفع رأسه عن هذا الإطار .. يعني باختصار يا أمي هذه الدنيا لا يوجد فيها أحد همه على همي أو قلبه على قلبي وفي ظل هذه الالتواءات والتعرجات وكل هذا الضيق لا أرى أحداً .. لذلك أنا يا أمي من هذه اللحظة أضع قدمي على حافة مشوار جديد .. لا أعلم شكل هذا المشوار ولا أعلم متى يبدأ .. لكن كل ما أعلمه أنني حرمت على نفسي أن تفكر بالغد أو أن تستقبله على موائد أحلامها .. فليأت الغد بأي شكل يريده لكن أنا لن أحلم به ولن أنتظره ..
مللت من انتظار الغد الذي أريد وهو لا يريد ..
قبلاتي لك يا أمي ولا تقلقي ..بعد أن أكتب لك سأكون بألف خير ولا تنسي أنك أنتِ وحدك وطني وبعدك لا وطن لنا.

الرسالة الثالثة
مساء الخير يا أمي ..
جاءني صوتك بالأمس قلقاً .. فزعاً .. حزيناً .. ممطراً بالحنين والاشتياق ..
أنا لم أتعمد إخفاء شيئ عنك لكنني أقدر فزعك هذا وقلقك وخوفك .. حتى هذه الرسائل التي أكتبها إليك الآن أخاف عليك من قرائتها ولولا شعوري بالحاجة الماسة لهذه الكتابة وهذه الرسائل ما كنت كتبت .
أنا يا أمُ أقضي ساعات النهار تتقاذفني نشرات الأخبار من كل صوب .. بين مدٍّ وجزر ..وأخذ ورد .. لأستقبل ليلي فتستأسد عليَّ كوابيس الليل .. تنهش أحلامي .. تقلق راحتي .. تفزع ليلتي وتقتل صباحي الذي ينبثق من تلك الليلة .
أراك في المنام وأرى معك أبي .. أراكما بصورة أخرى .. وأنا بينكما في حيرة واضطراب وصراع .. لا أعلم من أين تأتيني هذه المنامات التي تقلقني وتفزعني وتفرش لها مساحات من الحيرة والاضطراب على موائد صباحاتي فأغدو كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً ..
أحلم وأنقض الحلم ..
لأنني لا أجد ما أفعله ..
ليس بيدي أي شيء أفعله ..
فالحلم بعد أن أصبح يتراقص أمام عيني ويغريني بمتعة الاستقرار أخذ يبتعد عني شيئاً فشئياً حتى أصبح كالضباب .. كالسراب .. كالوطن .. ومع كل نشرة أخبار صباحية يفرط عقد جديد من عقود أحلامي ..
في المساء يأتيني الليل .. بآخر الليل الهزيع .. ليميط اللثام عن وجهه ويعرض لي منامات مفزعة .. كوابيس لا تنتهي .. وفي الصباح يأتيني صوتك محملاً بالقهر والشوق والقلق والحنين ويسافر إليك صوتي محملاً بنفس الكذبة ..
لا أعلم إن كنت تصدقين كذبي عليك .. أم أنك مثلي تغزلين هذا الصدق ثم تنقضينه في المساء ليأتيني صوتك يحمل نفس العذاب الأول ويسافر إليك صوتي يحمل نفس الكذبة .
نشرات الأخبار على التلفاز تتوالى على مسمعي .. تنبىء بثورة هنا أو عاصفة هناك وأنا على حافة الصباح أشرب القهوة بلا سكر .. أرتجف من ارتفاع ضغط الدم .. وأكتب حلماً جديداً بعنوان هل أصنع ثورة ؟
ثم أختصر المسافات .. أنهي قهوتي على عجل وأطوي حلمي تحت الوسادة وأركض إليك أصنع لك كذبة صغيرة أحتال فيها على نفسي وعليك وعلى كل من حولي وأتجنب النظر إلى تلك الحقيبة المعدة أقدامها للرحيل منذ عام النكبة ..

الرسالة الرابعة
مساء الخير يا أمي ..
أعذريني ، لم أحادثك منذ أيام .. أخشى أن يفضح صوتي حزني وقهري وسخطي .. أدراي الحزن كما أداري الدموع لأننا على ما يبدو أصبحنا نخاف أن يقرأ أحد الحزن الذي ارتسم على وجوهنا هذه الأيام .
هناك أموراً لا يمكن أن تترجمها الكلمات .. لم تستطع الكلمات أن ترقى إلى مستوى أن تقرأ هكذا نوع من الحزن وتهضمه وترسمه على أوراق بيضاء ليقرأه الآخر فيهز رأسه .. قد يتمتم ببعض الكلمات .. وقد لا يقول شيئاً .. فما يقرأه عادي جداً بالنسبة إليه لأنه ببساطة شديدة هنالك الكثير من المشاعر خلقت لتُحس فقط لكنها لا تقال أبداً ..وإن حدث وقيلت فإنها تبرد وتصبح خاوية وقد تفقد الكثير من معناها وجوهرها لذلك الصمت هنا يكون سيد الموقف لكن الدموع كعادتها خائنة تنزلق وفي أصعب الأوقات .
أشعر بنفسي كلما أردت أن أقبض على شيء يتسرب من بين يدي .. كلما فتحت نافذة لأستنشق بعض الأكسجين يدخل إلى رئتي هواء ملوث يفسد ليس فقط صباحي بل كل نهاري ..
لا أعلم كيف تنقلب الأمور بهذه السرعة الغريبة ؟
لم تعد العصافير تغني على سرير النائمين .. لم تعد توقظني زقزقات العصافير .. ربما كانت هي أيضاً حزينة والهواء الذي يدخل إلى رئتيها حزين ومكسور الخاطر أيضاً ..
ربما توالي الأخبار المزعجة والمناظر المؤلمة جعلها تهجع في أعشاشها بعيداً عن بني البشر وعن طمعهم وحبهم لإفساد كل ما هو جميل وشاعري وينبض بالحب والحياة .. ربما خافت أن تصبح صيداً سهلاً لأطماعهم فيذبحون بريق الأمل في عينيها ويصادرون الفرحة هذا إن لم يقتلوها على عتبات الصباح .
حتى البحر يا أم حزين .. لم يعد ينتظر أحداً ..
والمطر يهطل على استحياء ..
الأشجار تنتفض بشدة .. ربما تحاول طرد هذا الهواء الملوث قبل أن يتمكن منها .. ربما هي محاولات يائسة منها قبل أن تستسلم له ليمزق أوراقها ويفتك بأغصانها وقد يشعلها حطباً لنزواته المجنونة ..
من يقف بوجه الهواء يا أمي ؟
أغلقت نوافذي يا أم ..
قبل أن تقوليها أغلقت النوافذ ..
طالما أن العصافير نائمة حتى إشعار آخر .. والبحر غائب خلف الحزن حتى إشعار آخر .. والهواء هائج مائج ملوث بالحقد والطمع حتى إشعار آخر .. سأبقي النوافذ مغلقة عليّ وعلى قلبي وعلى أحلام المساء .. سأبقي نوافذي مغلقة حتى إشعار آخر ..



الرسالة الخامسة
صباح الخير يا أمي .. الخير الذي أرجوه لك .. الذي أتمناه لك .. الذي أحلم أن يعم عليك وعلينا جميعاً ونغرق في خيره الوفير ..
ولكن متى .. لا أعلم ؟
لم أكتب إليك منذ مدة طويلة .. ليس لأنني لا سمح الله أغفلت ذلك فأنت في قلبي وعقلي ووجداني حتى أنك أقرب إليَّ من حواسي الخمس .. ولكن لأنني أعلم تمام العلم أنك تميزين نبرة صوتي حين تكون متهدجة من الأرق .. وملامح وجهي حين تكون مبعثرة من التعب .. وأنا لا أريد أن أزيد من قلقك .. لا أريد أن أدخلك في عاصفة هوجاء من الأسئلة التي لا أملك عليها أية إجابة ..
ومع ذلك فأنا بخير يا أمي .
الغبار تملأ الأفق .. تتطاير بشراسة من حولي .. كأنها تصرُّ على محو خطواتنا المنثورة منذ دهر بعيد على أرصفة الشتات .. كأنها تحاول طمس ملامحنا المتعبة حتى لا يقرأ العالم سر هذا الهلاك الذي نذوب في شرنقته ولا نتحرر من خيوطه العنكبوتية التي تلتف حول رقابنا منذ تلك النكبة وما تلاها من نكبات أغفل التاريخ تسجيلها لتواطؤ منه معها ربما !
وربما نحن فعلاً أصبحنا على هامش هذا الزمان وحكاياتنا ما عادت من الأهمية لتسطر في كتب ودواين هذا الوقت .. ولا كي يتم تداولها في الصحف الرئيسة ونشرات الأخبار ..
لم أكن أحب أن نصبح نكرة يا أمي ..
لم أكن أحب أن نصبح غير مرئيين من العالم وصوتنا لم يعد يكترث أحد للملمة أصدائه المبعثرة من على أسطح الجوار ..
لم تعد ملامحنا السمراء .. ورائحة الياسمين التي تنام في ثيابنا .. وعبق الزعتر الذي يفوح من أنفاسنا ..
ما عادت تهم أحداً ..
وتلك التربة السمراء التي بقيت هناك تبكي أحبابها وفلذات أكبادها .. تبكي سواعدنا التي اشتاقت أن تداعب مهجة فؤادها .. تبكي قلوبنا التي كانت ترويها بدمع العين .. تبكي خطانا التي كانت تدغدغ الأرض تحت أقدامها فتتراقص الآمال في عيون الأطفال ويرسمون أحلاماً وردية في ليالي الشتاء ويقطفون عناقيد العنب قبل أوانه وينامون في حواكير المشمش حتى تتساقط على وجوههم من ثقل حبات الندى ..
أين نحن يا أمي من كل هذا ؟
أين نحن والذكريات تكبر في كل يوم فتبتلع جزءاً من الفؤاد .. وهذه الرياح الماكرة ما لها ولنا ؟
لماذا تحاول محو خطانا ووقع أقدامنا على أرصفة الشتات ..
لماذا تحاول محو سطور كتبناها بدمع العين وعرق الجسد ..
لماذا تحاول محو ملامح غزت وجنتيها التجاعيد وهي لا تزال تحمل حقائب العودة متجذرة على أرصفة الانتظار .. وقلب جاحد هناك يرفع بغطرسة المحتل في وجوهنا لا بحجم الكون ؟
لا لعودة السواعد الفتية لتلك التربة السمراء ..
لا لعودتي إلى ذلك الحضن كي أقطف ياسمين الصباح بشقاوة الأطفال وأصنع من حباته عقداً جميلاً أهديه لمدرسة الألعاب التي أحبها وأشتاقها لغاية اللحظة ..
أين نحن يا أم من كل هذا .. وملامحي التي أدمنت البكاء .. وصوتي الذي يرتجف من حفيف الشجر .. وحلم بدأ يغيب من سمائي أمضيت عمراً أعدَّ له أجمل الألوان .. فجاءت هذه الرياح الغاضبة تريد بعثرة كل ألواني ..
تريد محو أحلامي ..
ماذا أفعل يا أم بهذه الرياح التي تنثر الغبار في سماء أحلامي ؟
دعواتك يا أمي بمطر وفير .. بمطر غزيز .. يغسل حقد هذه الرياح .. ويضيء الشمس من جديد في فضاء حياتي .


رسائل إلى أمي
الرسالة السادسةصباح الخير يا أمي .. لم أكتب لك منذ زمن .. تجمدت الحروف في روحي وأبت أن تغادر باب شفتيِّ .. ليس لأن كلماتي لا تهبط في قلبك كما تهبط الطائرات الفارة من الحروب الخاسرة إلى مطار آمن .. لا .. ولكني كنت أشفق على هذا القلب كم أزج به إلى متاهات وحارات ضيقة وليالٍ أسوأ ما فيها أن ليلها يأكل جلَّ نهاراتها ..
ومع ذلك صباح الخير يا أمي .
هل أعددت لنا ركوة القهوة كما كنا نفعل في تلك الصباحات الجميلة لأهرع إليك قبل أن يستأذن الصباح في الانتشار على مساحات السماء ..
أركض إليك كطفلة فرحت بدميتها الجديدة لأقول لك هنئيني يا أم فطفلتي اليوم نطقت أول حرف .. طفلتي اليوم برز في فمها أول سن .. طفلتي اليوم خطت أولى خطواتها .. طفلتي اليوم وضعت مشبكاً وردياً في خصلات شعرها .. طفلتي اليوم ترقص أمام المرآة .. طفلتي اليوم تسمع محمود درويش ..
وطفلتي اليوم كبرت يا أمي ..
وأنا لا زلت طفلة .
هرمت يا أم .. في غضون أيام هرمت يا أم ..
أشعر أنني كبرت عشرين عاماً .. لم أعد طفلة مع أن الدمية تنام في حضني كل ليلة .. ولم أعد أمزق لها جدائلها كما كنت أفعل بالسابق ..
أنا كبرت يا أم ولذلك أخفيت عنك أخباري .. لكنك تبقين أمي النور الذي يضيء لي حياتي .. الأمل الذي أتنفسه كل يوم .. الحلم الذي أحلمه كل ليلة .. الحضن الذي لا أشعر بالآمان إلا حين أهبط فيه فارة من أفكار تهاجمني كل ثانية .. تقض مضجعي ..
هل كبرت فعلاً يا أم .. هل ودعت الطفولة .. وهذه الدمية ماذا أفعل بها .. وهل ستعد حقائبها هي الأخرى وتذهب للدراسة ؟
ومع ذلك أعدّي لنا القهوة يا أم فطفلتي اليوم كبرت .. أنا وهي كبرنا .. ولم يعد هناك من طفلة إلا دميتي .. أعدّي لنا القهوة يا أم أنا وطفلتي الكبيرة سنشربها معك ذات صباح حين ينتشر الصباح دون استئذان على مساحات السماء ويمطر وروداً تزين بها طفلتي خصلات شعرها وأزين بها بقية عمري .